اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
إعادة قراءة أطروحات محاضرة يوسف أباذري هي مدخل لتقييم نقد حميد رضا جلائي بور؛ فالكاتب لا يرى من المنطقي إلزام كل الدعاوى بتقديم أدلة تجريبية، ويعتبر الاستناد إلى رأي المتخصصين ضرباً من الشواهد.

سأقوم في هذه المقالة أولاً بإعادة صياغة الأطروحات الرئيسية لـمحاضرة الدكتور أباذري لأنني أعتقد أن القراءة الصحيحة للنص هي شرط نقده الدقيق. ثم، مع طرح انتقادات الدكتور جلايي بور، سأقوم بتقييمها. في رأيي، تتكون محاضرة السيد أباذري من أربعة أقسام: الوصفة، والوصف، والتفسير، وتحليل النتائج ...
سأقوم في هذه المقالة أولاً بإعادة صياغة الأطروحات الرئيسية لـمحاضرة الدكتور أباذري لأنني أعتقد أن القراءة الصحيحة للنص هي شرط نقده الدقيق. ثم، مع طرح انتقادات الدكتور جلايي بور، سأقوم بتقييمها. في رأيي، تتكون محاضرة السيد أباذري من أربعة أقسام: الوصفة، والوصف، والتفسير، وتحليل النتائج، والتي تُقدَّم على النحو التالي:
1- دُعي السيد أباذري ليتناول في هذه الندوة موضوع الاعتدال من منظور علم الاجتماع. كانت رسالته الرئيسية في هذه المحاضرة للمخاطبين هي أن "مللكم وقلقكم الوجودي" لا يمكن "تغطيته" بـ"مخدرات" الميتافيزيقا، ومن الأفضل أن تأتوا إلى "هذا الجانب من الميتافيزيقا" لتجعلوا الناس "مفعمين بالأمل في التغلب على العصر العالمي المظلم". تماماً كما انتقل هو نفسه في السنوات الأخيرة من ذلك الجانب (علم الاجتماع الفلسفي) إلى هذا الجانب (علم الاجتماع التجريبي).
2- في وصفه لـ"الوجه المظلم لهذا العصر"، يشير إلى شواهد منها "الفقر والفساد (حكم الأقلية بنسبة 1% على الأغلبية بنسبة 99%) والعدمية لدى الجماهير".
3- في تفسيره لهذا الوجه المظلم ومظاهره، يتناول "هيمنة النيوليبراليين على اقتصاد المجتمع" الذين يسعون، تحت تأثير "العقلانية الأداتية، إلى تعظيم الربح بأي وسيلة ممكنة" ويحاولون "منع تدخل الناس والدولة في الاقتصاد". نيوليبراليون، من وجهة نظر السيد أباذري، "بتمركزهم في الوسط (نقطة الاعتدال) يمتنعون عن اتخاذ مواقف سياسية صريحة، خاصة في أوقات الانتخابات"، ويمكنهم التعايش مع شتى أنواع الأحزاب والحكومات لأن لديهم القدرة على "تحييد تأثير الأحزاب ونزع يد الحكومات". نيوليبراليون يمثل "تعظيم الربح" بالنسبة لهم "أولوية على أي أمر آخر، من المواقف السياسية للأحزاب إلى الحدود السياسية (خاصة في ظروف تشكل السوق العالمية)".
4- يشير السيد أباذري، في تحليل نتائج هكذا وضع، إلى "صعود الشعبويين" (أولئك الذين يعتبرهم النيوليبراليون "أهم عدو" لهم)، وفي بيان آلية هذه الظاهرة، يشير إلى "فقر الجماهير ويأسهم وقنوطهم من جهة، وغضبهم وكراهيتهم للأحزاب والطبقات الحاكمة من جهة أخرى"، وهو "نتاج السياسات الاقتصادية للنيوليبراليين".
في هذا الجزء، وقبل أن أشرع في تقييم نقد الأستاذ الجليل الدكتور جلايي بور، من الضروري أن أتقدم إليه بالشكر على الفرصة التي أتاحها للتفكر في هذا الموضوع.
يكتب السيد جلايي بور في نقده الأول: بما أن أباذري ادّعى في موضع ما أنه عالم اجتماع تجريبي (مقدمة)، إذن فمن الضروري أن يلتزم في محاضرته في مؤتمر العقلانية والاعتدال بقواعد المنهجية التجريبية في مزاعمه (نتيجة). أي أن يقدّم أدلة تجريبية على مزاعمه. هل هذا النقد وارد؟ الجواب سلبي لعدة أسباب، أولاً: لا توجد ضرورة منطقية بين مقدمة ونتيجة نقد السيد جلايي بور. أي أنه من المحتمل تماماً أن شخصاً ما صرّح في موضع بأنه عالم اجتماع تجريبي، ثم يتحدث في موضع آخر وفي مؤتمر جمهوره من الفلاسفة بطريقة غير تجريبية (فلسفية)، وفي جمع آخر جمهوره من الفنانين يطرح ادعاءً بالمنهج التأويلي، وكذلك بما يتناسب مع جمع من العلماء التجريبيين في مكان آخر، يطرح مزعمه بالمنهج التجريبي. أعتقد أنه بدلاً من أن ننطلق من مزاعم السيد أباذري الهوياتية (مثل قوله إنني عالم اجتماع تجريبي) ونطالبه بشواهد ومستندات ذات صلة، من الأفضل أن نفحص نوع مزاعمه وبناءً على ذلك نقيّم اعتبار قوله أو كتابته. لذا، إذا كانت إعادة كتابتي لمحاضرة السيد أباذري صحيحة، فإن مزعمه الأول هو مزعم توجيهي (توصية) لا يحتاج منطقياً إلى شاهد تجريبي، لأنه منطقياً لا يمكن استنتاج أي «توصية أو توجيه» من «الوصف». أما المزاعم 2 و3 و4 فهي من النوع التجريبي ويلزم تقديم شواهد ومستندات تجريبية لها.
يطرح السيد جلايي بور في نقده الثاني أن السيد أباذري لم يقدّم شواهد ومستندات تجريبية لمزاعمه. قبل تقييم هذا النقد، من الضروري أن ننتبه إلى أمر مهم: أولاً، إن مجرد عدم تقديم الشواهد والمستندات (سواء كانت تجريبية أو أنواعاً أخرى) لا يصلح سبباً لرفض مزعم ما، لأن رفض المزعم يحتاج بدوره إلى شاهد وسند. في مثل هذه المواضع، أقصى ما يمكننا فعله هو أن نقول إن ذلك المزعم غير مقبول من وجهة نظرنا، لا أكثر. ثانياً، إن مطالبة المدّعي بالشاهد والسند، في محاضرة مدتها نصف ساعة لا تتاح له فيها حتى الفرصة الكافية لطرح المزعم، هو توقع غير مناسب. في مثل هذه المواضع، يقتضي شرط الإنصاف في النقد أن نراجع سائر كتابات المدّعي أو محاضراته لنرى إن كانت هناك شواهد ومستندات لصالح المزعم أو ضده.
مع ذلك، إذا دققنا في شروح ومحتوى نقد السيد جلايي بور وكثير من الأصدقاء الآخرين، فسندرك أن أياً من هذه الانتقادات لم يتجه إلى مزعم السيد أباذري الوصفي القائل بشيوع الفقر والفساد والعدمية بين الجماهير. وكأن ثمة مشاهدات وتجارب شخصية مشتركة بين المنتقدين والسيد أباذري في هذا المجال. حتى المزعم الرابع للسيد أباذري والمتعلق بظهور الشعبوية في ظروف الفقر والفساد والعدمية السائدة بين الجماهير لم يوجه إليه أحد نقداً، بل إن جلّ الانتقادات تتجه إلى مزعم السيد أباذري التفسيري القائل بتأثير النيوليبرالية على الفقر والفساد والعدمية بين الجماهير، ومن خلال ذلك على ظهور الشعبوية في الساحة السياسية.
لنفحص الآن ما إذا كان نقد السيد جلايي بور القائم على غياب الشواهد والمستندات التجريبية لمزعم السيد أباذري التفسيري وارداً؟ الجواب هنا سلبي أيضاً. لأن استناد السيد أباذري إلى أقوال تشومسكي (بمثابة استناد إلى رأي المتخصصين أو الخبراء أو الشهود العيان) هو مصداق لتقديم الشاهد على المزعم. قد يُقال إن مجرد الاستناد إلى أقوال تشومسكي ليس دليلاً على اعتبار الشاهد، وهو نقد جدير بالتأمل وإن كان يمكننا في الوقت الراهن اعتبار التصويت المرتفع لترامب بين العرق الأبيض عموماً والبيض ذوي التعليم المتدني خصوصاً، وكذلك تصويته المنخفض بين العرق الأسود، بمثابة شاهد يُعتد به لمزعم تشومسكي.
هل ادعاء السيد جلايي بور القائل بالجذور السياسية للفقر والفساد (بصفته تفسيراً منافساً وبديلاً) صحيح؟ أقصى ما يمكن قوله في هذا الصدد هو أن السيد جلايي بور، وإن كان يطالب أباذري بالشواهد والمستندات، إلا أنه هو نفسه غير ملتزم بهذا الأمر المهم (ربما لأن المقتضيات اللازمة غير متوفرة لديه أيضاً، أو أنه تناوله بالتفصيل في مواضع أخرى). ومع ذلك، حتى لو كان ادعاء السيد جلايي بور هذا صحيحاً، فإنه لا يصلح دليلاً على رفض ادعاء السيد أباذري. أولاً، لأن السيد أباذري لم يدّعِ أن الفقر والفساد والعدمية جذورها تنحصر فقط وحصراً في النيوليبرالية، وثانياً، يمكن للعامل السياسي نفسه أن يؤثر على الفقر والفساد والعدمية بوصفه متغيراً وسيطاً تحت تأثير أفكار النيوليبراليين وقراراتهم وأعمالهم، وثالثاً، يمكن لظاهرة ما أن تكون جذورها ممتدة في عدة عوامل متوازية.
النقد الثالث للسيد جلايي بور يتجه نحو عدم تعريف مصطلح النيوليبرالية وغياب التصنيف النمطي في هذا الشأن من قبل السيد أباذري. وفي هذا الصدد أيضاً، وإن كان من الضروري الانتباه إلى مقتضيات محاضرة مدتها نصف ساعة والبحث في كتابات المؤلف أو أقواله الأخرى لإزالة الغموض عن الكلمات والمصطلحات، إلا أنه في المحاضرة ذاتها تطرق إلى ذكر بعض المعايير المرتبطة بالنيوليبرالية كنت قد أشرت إليها في الملخص المُعاد كتابته للمحاضرة. ومع ذلك، قد يُدّعى أن المؤشرات المذكورة تُلاحظ أيضاً في الاقتصاد الليبرالي أو حالات أخرى، وهو نقد أتركه للسيد أباذري أو الأصدقاء المتخصصين، لكنني شخصياً أعتقد أنه من الناحية العملية، فإن دراسة علاقة المؤشرات المذكورة بالفقر والفساد والعدمية، وبالتالي بالشعبوية، أهم من دراسة علاقتها بمصطلح النيوليبرالية.
النقد الرابع للسيد جلايي بور وبعض الأصدقاء الآخرين، ينصب على هذه المرحلة الحساسة الراهنة! من الناحية السياسية. بمعنى أنهم ادعوا أن طرح مثل هذه الأقوال يؤدي إلى إضعاف حكومة التدبير والاعتدال واستغلال منافسها السياسي لها. في تقييم هذا النقد، يلزم أن أشير إلى عدة نقاط: أولاً، السيد أباذري، شأنه شأن أي أكاديمي آخر، مطالب بأن يراعي الحقيقة لا المصلحة. ثانياً، هذا الادعاء نفسه بأن طرح مثل هذه الأقوال له وظيفة سياسية سلبية لحكومة التدبير والاعتدال يحتاج إلى تقديم شواهد ومستندات معتبرة. ثالثاً، ما أفهمه هو أن السيد أباذري يشير في تفسيره البنيوي إلى الآثار التراكمية السلبية غير المقصودة لسياسات النيوليبراليين الحسابيين والنفعيين، مما يمكن أن يلفت انتباه المدراء الأذكياء والمُدبّرين ليعيدوا النظر في سياساتهم وقراراتهم، فيقللوا بذلك من أرضية الفقر والفساد، وبالتالي احتمال هزيمتهم أمام المنافسين الشعبويين أو غير الشعبويين، وبالطبع يمكن أن يدفع النيوليبراليين أيضاً إلى التعقل والاستبصار في كيفية تقليص إمكانية ظهور الشعبويين مع الحفاظ على تعظيم الربح الشخصي في الوقت ذاته.
والسلام
مجيد حيدري تشرو ده، 27 آبان 1395
.
.
.
.
.
.
علم الاجتماع
الفلسفة
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.