اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدرس فرويد عمل الجهاز النفسي في تنظيم التوترات النفسية استناداً إلى مبدأ اللذة؛ وهو مبدأ وإن كان نزوعاً قوياً في النفس، فإن مبدأ الواقع يؤجل الإشباع صيانةً للذات ويسلك باللذة طريقاً غير مباشر.

لا يساورنا شك في أننا نفترض في نظرية التحليل النفسي أن سيرورة الأحداث الذهنية تُنظَّم تلقائياً وفقاً لمبدأ اللذة. ونحن نعتقد، إن جاز التعبير، أن هذه السيرورة تُحرَّك على نحو ثابت من قبل توتر غير لذيذ، وأنها تتخذ اتجاهاً بحيث تكون النتيجة النهائية مقترنة بتقليص هذا التوتر: أي بتجنب عدم اللذة أو إنتاج اللذة. وبأخذ هذه السيرورة في الاعتبار في فحوصاتنا للعمليات الذهنية التي هي موضوع دراستنا، فإننا نُدخل منظوراً «اقتصادياً» في عملنا، وإذا حاولنا في سياق وصف هذه العمليات تقييم وتقدير هذا العنصر «الاقتصادي» بالإضافة إلى العنصرين «الطوبوغرافي» (topographical) و«الدينامي» (dynamic)، فإني أعتقد أننا سنحصل على أكمل الأوصاف التي يمكننا إدراكها في الوقت الحالي، وهو وصف جدير بأن يتميز بمصطلح «ما وراء علم النفس».
لا يهمنا البتة في هذا الصدد أن نسعى إلى معرفة إلى أي مدى نقترب، من خلال تقديم هذه الفرضية لمبدأ اللذة، من نظام فلسفي معين ومحدد تاريخياً أو نتبناه. لقد توصلنا إلى هذه الفرضيات التأملية في سياق محاولتنا لوصف وتفسير وقائع مشاهداتنا اليومية في مجال دراستنا. فالأولوية والأصالة ليستا من بين الأهداف التي يحددها العمل التحليلي النفسي لنفسه، والتصورات التي تؤسس لفرضية مبدأ اللذة واضحة وجلية إلى درجة يصعب معها إغفالها. ومن جهة أخرى، فإننا نوجه شكرنا على الفور لأي نظرية فلسفية أو نفسية قادرة على أن تقدم لنا معلومات عن معنى وإحساس اللذة وعدم اللذة اللذين يغمراننا بهذه القوة. ولكن، للأسف، لا يوجد هنا ما يفي بأغراضنا. هذه هي أكثر منطقة في الذهن تعقيداً واستعصاء على الفهم، وبما أننا لا نستطيع تجنب الخوض فيها، فإن أفضل فرضية في نظري هي تلك التي تنطوي على أقل قدر من القيود. نحن نرى ربط اللذة وعدم اللذة بكمية الإثارة الموجودة في الذهن ولكنها غير مقيدة (bound) البتة، ونربطها على نحو يكون فيه عدم اللذة متناظراً مع زيادة كمية الإثارة، واللذة مع انخفاضها. وليس ما نعنيه بهذا القول علاقة بسيطة بين قوة الإحساس باللذة وعدم اللذة والتعديلات المتناظرة في كمية الإثارة؛ فعلى الأقل ــ وبالنظر إلى ما تعلمناه من السيكوفيزيولوجيا ــ لا نقترح مباشرة أية نسبة مبنية على أساس الحصة: فالعامل الذي يحدد الإحساس هو على الأرجح مقدار الزيادة أو النقصان في كمية الإثارة في زمن مفترض. قد يكون الاختبار مؤثراً هنا، لكن لا يُنصح لنا نحن المستقصين أن نمضي قدماً في المسألة ما دمنا نركز على مشاهدات محددة تماماً.
على أية حال، لا يمكننا أن نبقى غير مكترثين بالاكتشاف الذي توصل إليه باحث متعمق مثل ج. ت. فخنر (2) حول موضوع اللذة وعدم اللذة، وهو اكتشاف يتطابق في جوهره مع ما دفعنا إليه عملنا التحليلي النفسي. لقد ورد بيان فخنر في مؤلف صغير، (Ideen zur Schöpfungs- und Entwicklungsgeschichte der Organismen, 1873, Einige (part XI, Supplement, 94 ومعناه كالتالي: «بقدر ما تكون للنبضات الواعية دوماً نسبة وعلاقة باللذة أو عدم اللذة، يمكن أيضاً اعتبار اللذة وعدم اللذة بمنزلة [حالات] تربطها بالاستقرار وعدم الاستقرار علاقة نفسية ـ جسدية.» وهذا يهيئ أساساً لفرضية أنوي تناولها بتفصيل كبير في موضع آخر. ووفقاً لهذه الفرضية، فإن كل حركة نفسية ـ جسدية تتجاوز عتبة الوعي تقترن باللذة بنفس القدر الذي تقترب فيه، وراء حد معين، من الاستقرار التام، وتقترن بعدم اللذة بنفس القدر الذي تنحرف فيه، وراء حد معين، عن الاستقرار التام؛ بينما يوجد بين الحدين، اللذين يمكن وصفهما بالعتبتين الكميتين للذة وعدم اللذة، هامش معين من اللامبالاة الحسية.
إن الوقائع التي تدفعنا إلى الاعتقاد بسيادة مبدأ اللذة في الحياة الذهنية، تتجلى أيضاً في فرضية أن الجهاز الذهني يسعى إلى إبقاء كمية الإثارة الموجودة فيه عند أدنى مستوى ممكن، أو على الأقل ثابتة. وهذا الفرض الأخير ليس سوى طريقة أخرى للتعبير عن مبدأ اللذة؛ لأنه إذا كان اشتغال الجهاز الذهني موجهاً نحو إبقاء كمية الإثارة منخفضة، فإن كل ما صُمم لزيادة هذه الكمية لا بد أن يُعتبر مضاداً لوظيفة هذا الجهاز، أي بوصفه شيئاً غير لذيذ. إن مبدأ اللذة منتَج من مبدأ الثبات؛ وهذا الأخير يُستنتج عملياً من الوقائع التي تضطرنا إلى تطبيق مبدأ اللذة. وعلاوة على ذلك، ستُظهر دراسة أكثر تفصيلاً أن النزوع الذي يُنسب بهذه الطريقة إلى الجهاز الذهني يُدرج بوصفه حالة خاصة في إطار مبدأ فخنر المسمى «النزوع نحو الثبات»؛ وهو المبدأ الذي يضع فخنر في سياقه الإحساس باللذة وعدم اللذة في علاقة متبادلة.
وعلى أية حال، ينبغي التنبيه إلى أنه إذا تحدثنا بدقة، لزم أن نقول إنه ليس من الصواب الحديث عن سيادة مبدأ اللذة في سير العمليات الذهنية. فلو كانت ثمة سيادة من هذا القبيل، لكان يتعين أن تقترن الأغلبية العظمى من عملياتنا الذهنية باللذة أو تؤدي إليها، في حين أن التجربة العامة تتناقض تناقضاً مطلقاً مع استنتاج كهذا. وعليه، فإن أقصى ما يمكن قوله هو أن في الذهن نزوعاً قوياً نحو مبدأ اللذة، لكن ثمة أوضاعاً أو قوى معينة أخرى تتصادم مع هذا النزوع؛ ومن ثم فإن النتيجة النهائية لا يمكنها دوماً أن تتوافق مع النزوع نحو مبدأ اللذة. وبوسعنا مقارنة قولنا هذا بتنبيه فخنر في حالة مشابهة: «على أية حال، بما أن وجود نزوع نحو هدف لا يعني أن ذلك الهدف قد تحقق، وبما أن الهدف عموماً لا يُحرز إلا بتقريبات...».
والآن إذا ما عدنا إلى سؤال: ما هي الأوضاع القادرة على منع مبدأ اللذة من بلوغ النتيجة؟ فإننا نجد أنفسنا مرة أخرى في أرض آمنة ومطروقة، وبحوزتنا، بتحديد إطار سؤالنا، منبع غني من الخبرة التحليلية.
إن أول مثال على مبدأ اللذة الذي أُعيق على هذا النحو هو مثال مألوف يحدث بانتظام. نحن نعلم أن مبدأ اللذة خاص بالطريقة الأولية (primary) لاشتغال الجهاز الذهني، لكن هذا الأمر، من وجهة نظر حفظ الذات للعضوية وسط صعوبات العالم الخارجي، غير فعال منذ البداية، بل وشديد الخطورة. إن مبدأ الواقع (reality principle) يحل محل مبدأ اللذة تحت تأثير غريزة حفظ الذات لدى «الأنا» (ego). ومبدأ الواقع لا يتخلى عن نية نيل اللذة في نهاية المطاف، لكنه مع ذلك يطلب تأجيل الإشباع وينفذه؛ أي التخلي عن عدد من إمكانات نيل الإشباع، وتحمل عدم اللذة بصورة مؤقتة بوصفه خطوة على الطريق الطويل غير المباشر المؤدي إلى اللذة. وعلى أية حال، فإن مبدأ اللذة، بوصفه طريقة عمل تستخدمها الغرائز الجنسية ــ التي يصعب «ترويضها» للغاية ــ يدوم طويلاً، ولأن مبدأ اللذة يبدأ العمل مع هذه الغرائز نفسها أو من داخل «الأنا» ذاتها، فإنه كثيراً ما ينجح في التغلب على مبدأ الواقع، وذلك على حساب العضوية بأكملها.
على أية حال، لا يمكن أن يكون هناك شك في أن استبدال مبدأ اللذة بمبدأ الواقع لا يمكن أن يكون مسؤولاً إلا عن عدد قليل من التجارب غير الممتعة، وهي ليست بأي حال من الأحوال أشد هذه التجارب. ينبغي البحث عن فرصة أخرى لانطلاق الكرب، لا تقع بنظام أقل، في التناقضات والصراعات التي تحدث داخل الجهاز النفسي، وذلك في الوقت الذي تكون فيه «الأنا» في طور التحول إلى تنظيمات أشد تعقيداً. إن كل الطاقة التي يمتلئ بها الجهاز النفسي تقريباً تنبع من نبضاته الغريزية الفطرية. لكن هذه لا يُسمح لها بالارتقاء إلى نفس مرحلة التحول. يحدث مراراً وتكراراً في مجرى الأمور أن تصبح غرائز منفردة أو أجزاء من الغرائز غير متوافقة في أهدافها ومطالبها مع بقية الغرائز التي يمكن أن تندمج في الوحدة الفريدة لـ «الأنا». لذا يمكن لعملية الكبت أن تفصل الغرائز من الفئة الأولى عن هذه الوحدة وتحتفظ بها في مستويات أدنى من التحول النفسي، وقبل كل شيء، تقطع طريق إشباعها. فإذا نجحت لاحقاً، عبر سلوك طرق ملتوية، في الوصول إلى إشباع مباشر أو بديل ــ كما يحدث بسهولة في حالة الغرائز الجنسية المكبوتة ــ فإن هذا الحدث، الذي كان يمكن أن يكون فرصة للمتعة في حالات أخرى، تشعر به «الأنا» وتدركه على أنه كرب. ونتيجة للصراع القديم الذي ينتهي بالكبت، يحدث شرخ جديد في مبدأ اللذة، وذلك تحديداً في الوقت الذي تسعى فيه غرائز معينة، وفقاً لهذا المبدأ، إلى اكتساب لذة جديدة. تفاصيل العملية التي يحيل بها الكبت إمكانية اللذة إلى مصدر للكرب لم تُفهم بعد بوضوح وجلاء أو لا يمكن عرضها بوضوح. لكن لا شك أن كل أنواع الكرب العصابي هي من هذا النوع ــ أي لذات لا يمكن الشعور بها وإدراكها كلياً.
مصدرا الكرب اللذان عددتهما للتو ليسا بأي حال منشأ غالبية تجارب الكرب لدينا. لكن فيما يتعلق بالباقي يمكن التأكيد، ببعض التبريرات العابرة، أن وجودها لا يتعارض مع سيطرة مبدأ اللذة. إن أغلب أنواع الكرب التي نشعر بها هي كروب إدراكية ( perceptual ). يمكن أن يكون هذا الإدراك إدراكاً لضغط الغرائز غير المُشبَعة أو يمكن أن يكون إدراكاً خارجياً إما أن يكون مؤلماً في حد ذاته أو يثير توقعات غير ممتعة في الجهاز النفسي، بعبارة أخرى يتعرف عليه الجهاز النفسي باعتباره خطراً. إذن فالتفاعل مع هذه المطالب الغريزية وتهديدات الخطر، أي التفاعل الذي يشكل النشاط الملائم للجهاز النفسي، يمكن أن يُوجه بشكل صحيح بواسطة مبدأ اللذة أو مبدأ الواقع الذي يُعدل مبدأ اللذة. لا يبدو أن هذا الأمر يخلق تقييداً واسع النطاق لمبدأ اللذة. ومع ذلك فإن البحث في التفاعل النفسي مع الخطر الخارجي يقف بالضبط في وضعية أثمرت مواد ومستجدات جديدة وطرحت أسئلة جديدة تتعلق بمسألتنا الراهنة.
الحالة التي تحدث بعد الصدمات الميكانيكية الشديدة وحوادث السكك الحديدية وغيرها من الحوادث التي تنطوي على خطر على الحياة، قد تم التعرف عليها ووصفها منذ زمن طويل، وأُطلق عليها اسم «العصاب الرضحي» (traumatic neurosis). لقد أدت الحرب المرعبة التي انتهت مؤخراً إلى ظهور أعداد كبيرة من هذا النوع من الأمراض، لكن هذا الحدث وضع حداً على الأقل لإغراء نسبة سبب المرض إلى آفة عضوية في الجهاز العصبي ناجمة عن قوة ميكانيكية. إن الصورة التي يرسمها العصاب الرضحي من أعراض المرض تقترب، من حيث وفرة الأعراض الحركية (motor symptoms) المتشابهة، من الهستيريا، لكنها تتجاوزها، كقاعدة عامة، في العلامات الذهنية البارزة للمرض ــ التي تشبه في هذه الحالة السوداوية (melancholia) أو المالنخوليا (hypochondria) ــ وكذلك في الشواهد على عجز واضطراب عام أوسع نطاقاً للقدرات الذهنية. لم يُقدم بعد تفسير كامل للعصاب الناجم عن الحرب أو العصاب الرضحي الناجم عن أوقات السلم. في حالة العصاب الناجم عن الحرب، تبدو حقيقة أن أعراض المرض نفسها تظهر أحياناً دون تدخل أي قوة ميكانيكية محضة، أمراً منيراً ومحيّراً في آنٍ واحد. في حالة العصاب الرضحي العادي، تبرز خاصيتان بشكل واضح: أولاً، يبدو أن العامل الرئيسي المسبب لها يقوم على الهول (surprise) والرعب (fright)؛ ثانياً، إن الجرح والإصابة التي تحدث في الوقت نفسه تعمل، كقاعدة عامة، ضد تطور العصاب. لقد استُخدمت «الرعب» و«الخوف» (fear) و«القلق» (anxiety) بطريقة خاطئة كمصطلحات مترادفة؛ لكنها في الواقع يمكن أن تتميز بوضوح عن بعضها البعض من حيث علاقتها بالخطر. «القلق» يعبّر عن حالة خاصة من توقع الخطر أو الاستعداد له، وإن كان هذا الخطر قد يكون مجهولاً. «الخوف» يتطلب موضوعاً معيناً يجب أن يكون المرء خائفاً (afraid) منه. «الرعب» هو الاسم الذي نطلقه على الحالة التي يدخل فيها شخص ما عندما يواجه خطراً دون أن يكون مستعداً له؛ عامل الهول هو ما يتم التأكيد عليه هنا. لا أعتقد أن القلق يمكن أن يكون مولّداً للعصاب الرضحي. هناك شيء في القلق يحمي الشخص القلق من الرعب، وبالتالي من عصاب الرعب. سنعود إلى هذا الموضوع لاحقاً.
يمكن أن تكون دراسة الأحلام والرؤى أكثر الطرق موثوقية لبحث العمليات الذهنية العميقة. الأحلام والرؤى التي تحدث في العصاب الرضحي تتميز بأنها تعيد المريض مراراً إلى وضع الحادثة التي وقعت له، وضع يستيقظ منه وقد انتابه رعب آخر. هذا الأمر لا يثير دهشة الناس إلا قليلاً. فهم يعتقدون أن حقيقة أن التجربة الرضحية تفرض نفسها باستمرار على المريض حتى في أثناء النوم، هي دليل على قوة هذه التجربة: يمكن القول إن المريض أصبح مستغرقاً في صدمته. إن الاستغراقات مع التجربة التي بدأت المرض كانت مألوفة لدينا منذ زمن طويل في الهستيريا. أعلن بروير (3) وفرويد في عام 1893 أن «الأفراد الهستيريين غالباً ما يكونون في معاناة وعذاب من تذكر الذكريات». وفي العصاب الناجم عن الحرب، تمكن مراقبون مثل فيرينتزي (4) وزيمل (5) من تفسير أعراض حركية معينة من خلال التدقيق في اللحظة التي تحدث فيها الصدمة.
على أية حال، لا أعلم إن كان الأفراد المصابون بعصاب الصدمة ينشغلون كثيراً بذكريات الحادثة التي وقعت لهم في حياتهم أثناء اليقظة أم لا. ربما يسعون أكثر إلى ألا يفكروا في تلك الحادثة. أولئك الذين قبلوا كأمر بديهي أن نومهم وأحلامهم ينبغي أن تعيدهم ليلاً إلى الوضع الذي تسبب في مرضهم، قد أساؤوا فهم طبيعة الأحلام. سيكون أكثر اتساقاً مع طبيعتها لو أنها تُري المرضى صوراً من أيام صحتهم في الماضي أو من شفائهم، الشفاء الذي يأملونه. إذا كانت أحلام عصاب الصدمة لا تزعزع اعتقادنا بأن الأحلام هي عملية تحقيق رغبة (wish-fulfilling)، فلا يزال لدينا مورد واحد بابه مفتوح أمامنا: يمكننا أن نجادل بأن وظيفة الحلم، شأنها شأن أشياء كثيرة أخرى، قد اختلت في هذه الحالة وانحرفت عن أهدافها، أو أننا مضطرون للتأمل في الميول المازوخية الغامضة لدى «الأنا».
أقترح هنا أن نترك موضوع عصاب الصدمة الغامض وننتقل إلى فحص طريقة العمل التي يستخدمها الجهاز النفسي في أحد أنشطته السوية الأولى ــ أعني طريقة العمل في اللعب الطفولي.
لقد تم مؤخراً تلخيص ومناقشة النظريات المختلفة للعب الأطفال من منظور التحليل النفسي على يد فايفر (6) (1919)، وهو من سأحيل قرائي إلى مقالته. تحاول هذه النظريات اكتشاف الدوافع التي تقود الأطفال إلى اللعب، لكنها أخفقت في إبراز الدافع الاقتصادي والانتباه إلى تحصيل اللذة الكامنة في هذا اللعب. دون أن أرغب في الدخول في بحث المجال بأكمله الذي تحكمه هذه الظاهرة، فقد تمكنت من خلال فرصة أتاحها الحظ من إلقاء ضوء على أول لعبة قام بها طفل في السنة والنصف من عمره وكان قد اخترعها بنفسه. كانت هذه الملاحظة أكثر من مجرد ملاحظة عابرة، لأنني عشت مع الطفل ووالديه تحت سقف واحد لعدة أسابيع، واستغرق الأمر وقتاً طويلاً لأكتشف معنى الفعل الغامض الذي كان يكرره بانتظام.
لم يكن هذا الطفل، بأي حال من الأحوال، استثنائياً أو مبكر النضوج من حيث النمو الدماغي. ففي سن سنة ونصف، لم يكن يستطيع أن ينطق إلا بعدد محدود من الكلمات ذات المعنى؛ كما كان بوسعه إصدار بعض الأصوات التي تعبّر عن معنى لا يفهمه سوى المحيطين به. وعلى أية حال، فقد كانت تربطه علاقة طيبة بوالديه ومربيته، وكان يُشجَّع لكونه «ولداً طيباً». لم يكن يزعج والديه في الليل، وكان يطيع بوعي الأوامر التي تقضي بعدم لمس أشياء معينة أو عدم الذهاب إلى غرف محددة، والأهم من ذلك كله أنه لم يكن يبكي عندما تتركه أمه لبضع ساعات. وكان في الوقت نفسه شديد التعلق بأمه، تلك الأم التي لم تقتصر على إطعامه بنفسها فحسب، بل تولت رعايته والعناية به دون مساعدة من أحد. على أية حال، كانت لهذا الولد الصغير الطيب عادة مزعجة كان يأتي بها من حين لآخر: إذ كان يرمي بأي شيء صغير تقع عليه يده في زاوية ما، كأن يلقيه تحت السرير مثلاً. وهكذا كان العثور على هذه الألعاب وجمعها يتحول في كثير من الأحيان إلى مشغلة تستغرق وقتاً طويلاً. وكان يصدر أثناء قيامه بهذا الفعل صوتاً طويلاً عالياً هو «أوه – أوه – أوه – أوه»، وتعلو وجهه معه تعبيرات الاهتمام والرضا. وقد اتفقت أمه وكاتب هذه السيرة الذاتية في الرأي على أن هذا الصوت ليس مجرد حرف نداء، بل هو تعبير عن الكلمة الألمانية fort [«ذهب»]. وقد أدركت لاحقاً أن هذا الفعل هو نوع من اللعب، وأن الاستخدام الوحيد الذي كان الطفل يستخدم فيه ألعابه هو أن يلعب بها لعبة «الذهاب». وفي أحد الأيام، قمت بملاحظة أكدت رأيي. كان لدى الطفل بكرة خشبية مربوطة بقطعة من الخيط. لم يخطر بباله قط أن يجرها خلفه على الأرض كما لو كانت البكرة عربة للعب. ما كان يفعله هو أن يمسك بخيط البكرة بيده ويرميها بمهارة على حافة سرير له غطاء، بحيث تختفي البكرة، وهو في هذه الأثناء يطلق صوته ذا المعنى «أوه – أوه – أوه – أوه». ثم يسحب البكرة من الخيط لتخرج من السرير، ويستقبل ظهورها من جديد بنطق كلمة da [«هناك»] فرحاً. وهكذا، كان هذا الفعل لعبة كاملة – الاختفاء والعودة. وكقاعدة، لم يكن المراقب يشهد إلا الفعل الأول الذي كان يتكرر بلا كلل باعتباره لعبة كاملة، رغم أنه لم يكن هناك شك في أن اللذة الأعظم كانت مقترنة بالفعل الثاني.
وهكذا أصبح تفسير اللعبة ميسوراً، وهو يتعلق بإنجاز ثقافي كبير للطفل – أي ذلك الكف الغريزي (أي الكف عن الإشباع الغريزي) الذي كان يقوم به حين كان يسمح لأمه بمغادرة المنزل دون أن يبدي أي اعتراض. لقد كان، إن جاز التعبير، يكافئ نفسه عن طريق تهيئة المسرح لاختفاء وعودة الأشياء التي كانت في متناوله. وإذا أردنا أن نحكم على مدى فاعلية طبيعة هذه اللعبة، فليس من المهم البتة ما إذا كان الطفل قد اخترع اللعبة بنفسه أم تعلمها من خلال إشارات خارجية. إن اهتمامنا ينصب على مسألة أخرى. من المؤكد أن الطفل لم يكن ليدرك رحيل أمه كشيء سار أو حتى كشيء محايد. إذن، كيف كان تكرار هذه التجربة المؤلمة في قالب اللعب يتوافق مع مبدأ اللذة؟ ربما يمكن القول في الإجابة إن رحيل الأم كان لا بد أن يحدث كمقدمة ضرورية لعودتها المفرحة، وبالتالي فإن الهدف الحقيقي للعبة يكمن في مسألة العودة. ولكن في مقابل هذا الرأي، ينبغي إبراز هذه الحقيقة المشاهدة، وهي أن الفعل الأول، أي فعل الرحيل، كان يُمارس بذاته كلعبة مستقلة، وكان تكراره أكثر بكثير من أن يكون مجرد جزء من كلية اللعبة بنهايتها السعيدة.
لا يمكن الوصول إلى أي نتيجة قطعية من تحليل واقعة منفردة من هذا القبيل. من وجهة نظر خالية من الأحكام المسبقة، يمكن استخلاص أن الطفل قد حوّل تجربته إلى لعبة بدافع آخر. في البداية كان في موقف سلبي — كان مقهوراً بالتجربة؛ لكنه بتكرارها كلعبة، رغم أنها كانت غير ممتعة، اضطلع بدور فاعل. ربما يمكن ردّ هذه المحاولات إلى غريزة السيطرة (mastery) التي تعمل بصرف النظر عن كون الذكرى ممتعة في حد ذاتها أم لا. لكن لا يزال بالإمكان تقديم تفسير آخر. إن رمي الشيء بحيث «يكون قد ذهب» قد يُشبع دافعاً لدى الطفل تمّ كبته في حياته الواقعية، وهو تفريغ غيظه على أمه بسبب ابتعادها عنه. إذا كان الأمر كذلك، فقد يحمل معنى تحدياً: «حسناً جداً، اذهبي! لست بحاجة إليك. أنا بنفسي سأُرسلك بعيداً.» بعد عام، كان الصبي نفسه الذي شهدت لعبته الأولى، يلتقط لعبة، وإذا لم تعجبه كان يرميها على الأرض ويقول: «اذهب إلى الجبهة!» (7) كان قد سمع في ذلك الوقت أن والده الغائب في «الجبهة»، ولم يكن يبدي أي أسف على غياب والده؛ بل على العكس، كان يوضح تماماً أنه لا يريد البتة أن ينزعج الآن وقد أصبحت أمه ملكاً له وحده. نحن نعرف أطفالاً آخرين أحبوا التعبير عن نزعات عدائية مماثلة بإلقاء الأشياء بدلاً من الأشخاص. لذلك نظل في هذا الشك: هل يمكن للنزوع إلى مصارعة تجربة قاهرة في الذهن، بحيث نسيطر عليها، أن يتجلى كحدث أولي ومستقل عن مبدأ اللذة؟ لأنه في الموضوع الذي نحن بصدده، ربما كان الطفل في نهاية المطاف قادراً فقط على تكرار تجربته غير السارة في اللعب لأن التكرار يجلب لذة من نوع آخر، لكنها من النوع المباشر.
كذلك، فإن دراسة أوسع للعب الأطفال لا تساعدنا في التغلب على ترددنا إزاء هاتين الوجهتي النظر. من الواضح أن الأطفال يكررون في ألعابهم كل ما ترك أثراً بالغاً عليهم في الحياة الواقعية، وبقيامهم بذلك يكشفون عن قوة ذلك الأثر، ويمكن القول إنهم يسيطرون على ذلك الموقف. لكن من جهة أخرى، من الجلي أن ألعابهم تتأثر بأمنية تسيطر عليهم طوال الوقت — أمنية أن يكونوا كباراً وقادرين على فعل ما يفعله الكبار. ويمكن أيضاً ملاحظة أن الطبيعة غير الممتعة لتجربة ما ليست دائماً غير مناسبة للعب. إذا فحص طبيب حلق طفل أو أجرى عليه عملية صغيرة، يمكننا أن نكون على يقين تام من أن هذه التجارب المرعبة ستتحول إلى موضوع للعب لاحق؛ لكن في هذه الحالة يجب ألا ننسى حقيقة أن لذة من مصدر آخر ستتوفر. فما إن ينتقل الطفل من سلبية التجربة إلى دينامية اللعب، حتى ينقل التجربة غير السارة إلى أحد رفاقه في اللعب، وبهذه الطريقة يفرغ غيظه على بديل.
ومع ذلك، يُستنتج من هذا المبحث أنه لا حاجة لافتراض وجود غريزة تقليد خاصة لتهيئة دافع للعب. وأخيراً، يجب أن نذكّر بأن اللعب والعرض الفني والتقليد الفني الذي يقوم به الكبار — والذي، على عكس لعب الأطفال، له جمهور — لا يعفي المتفرجين (في التراجيديا مثلاً) من أكثر التجارب إيلاماً، بل يجد المتفرجون هذه التجارب ممتعة للغاية. وهذا دليل مقنع على أنه حتى تحت سيطرة مبدأ اللذة، توجد دوماً طرق ووسائل كافية لتحويل كل ما هو غير ممتع في حد ذاته إلى موضوع يمكن تذكره ومصارعته في الذهن. إن النظر في هذه الحالات والمواقف التي تكون نتيجتها النهائية إنتاج اللذة، يجب أن تتولاه منظومة جمالية ذات مقاربة اقتصادية لموضوعها. وهي لا تفيد أهدافنا في شيء، لأنها تفترض مسبقاً وجود وسيطرة مبدأ اللذة؛ ولا تقدم أي شهادة على عمل نزعات تتجه إلى ما وراء مبدأ اللذة، أي نزعات أكثر بدائية منها ومستقلة عنها.
كانت نتيجة 25 عاماً من العمل المكثف أن أهداف تقنية التحليل النفسي المباشرة اليوم تختلف تماماً عن أهدافها في البداية. في البداية، لم يكن الطبيب المحلل يفعل شيئاً سوى اكتشاف المواد اللاواعية المستترة لدى المريض، وجمعها، ونقلها إليه في اللحظة المناسبة. كان التحليل النفسي آنذاك، قبل كل شيء وفوق كل شيء، فن التأويل. ولأن هذه التقنية لم تحل مشكلة العلاج، سرعان ما ظهر الهدف التالي: دفع المريض إلى تأكيد بناءات المحلل النفسي من ذكرياته. وفي هذا، وُضِعَ التأكيد الرئيسي على مقاومة المريض: أصبح الفن الآن في كشف هذه المقاومات في أسرع وقت ممكن، وفي عرضها على المريض، وحثه عبر التأثير الإنساني على التخلي عن مقاوماته — وهنا أدت النظرية التي تُعتبَر «نقلاً» (8) دورها.
لكن أصبح من الواضح تماماً الآن أن الهدف المنشود — أي أن يصبح كل ما هو لاواعٍ واعياً — لا يمكن بلوغه كلياً بهذه الطريقة. لا يستطيع المريض أن يتذكر كل ما كُبِتَ فيه، وما لا يتذكره قد يكون بالضبط الجزء الجوهري من ذلك المكبوت. لذا، لا يحصل المريض على أي اطمئنان بصحة البناء الذي يُنقَل إليه. إنه يُضطَر إلى تكرار المادة المكبوتة كتجربة معاصرة، بدلاً من أن يتذكرها، كما يفضل الطبيب، كشيء ينتمي إلى الماضي. هذه الاستنساخات، التي تظهر بدقة لا إرادية كهذه، تحمل معها دوماً جزءاً من الحياة الجنسية لفترة الطفولة — أي عقدة أوديب ومشتقاتها؛ وتُعرَض هذه الحالات على نحو ثابت في مجال النقل، أي علاقة المريض بالطبيب. يمكن القول إنه عندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة، يحل عصاب جديد أو «عصاب النقل» محل العصاب الأصلي. كانت كل جهود الأطباء تنصب على إبقاء عصاب النقل هذا في أضيق الحدود؛ دفعه قدر الإمكان إلى مسار الذاكرة، والسماح له بأقل قدر ممكن من الظهور كتكرار. تختلف النسبة بين ما يُستذكَر وما يُستنسَخ من حالة إلى أخرى. لا يستطيع الطبيب، كقاعدة، أن يعفي مريضه من هذه المرحلة من العلاج، يجب على الطبيب أن يدفع مريضه إلى إعادة تجربة جزء من حياته المنسية؛ لكن من ناحية أخرى، يجب أن يحذر من أن يحتفظ المريض بدرجة من المسافة، مسافة تمكنه، رغم كل شيء، من إدراك أن ما يظهر كواقع ليس في الحقيقة سوى انعكاس لماضٍ منسي. إذا تحقق هذا الهدف بنجاح، يُكسَب ثقة المريض، ومعها يُضمَن نجاح العلاج المتوقف عليها.
لتسهيل فهم هذا «الإكراه على التكرار» الذي يظهر أثناء العلاج التحليلي للعصابيين، ينبغي لنا قبل كل شيء أن نتحرر من سوء الفهم القائل بأن ما نتعامل معه في صراعنا ضد المقاومات هو مقاومة لاواعية. فاللاوعي ــ أو بعبارة أخرى «المقموع» ــ لا يبدي أي مقاومة على الإطلاق للجهود العلاجية. في الواقع، ليس للاوعي من شأن سوى كسر الضغط الواقع عليه وشق طريقه نحو الوعي أو التحرر عبر فعل واقعي. أما المقاومة أثناء العلاج فتصدر عن الأنظمة والطبقات العليا من الذهن التي هي أساساً سبب القمع ومنفذته. لكن، وبما أننا نعلم بالتجربة أن دوافع المقاومات، بل المقاومات ذاتها، تكون لاواعية في المرحلة الأولى من العلاج، فإن في ذلك إشارة لنا بوجوب تصحيح قصور مصطلحاتنا. فإذا أقمنا التقابل لا بين الواعي واللاواعي، بل بين الأنا المتماسك (coherent ego) والمقموع، نكون قد تخلصنا من غياب الجلاء والوضوح. من المؤكد أن قسماً كبيراً من «الأنا»، وبشكل لافت ما يمكننا وصفه بأنه نواته، هو نفسه لاواعٍ، ولا يمكن وصف سوى جزء صغير منه بمصطلح «ما قبل الوعي» (preconscious). باستبدال مصطلح نظامي أو دينامي محل مصطلح وصفي محض، يمكننا القول إن مقاومة المريض تنبع من «أنا» ذاته، وعندها ندرك فجأة أن الإكراه على التكرار ينبغي إسناده إلى اللاوعي المقموع. ويبدو من المحتمل أن هذا الإكراه لا يستطيع إظهار نفسه إلا بعد أن يكون العمل العلاجي قد قطع شوطاً في التماس معه وأضعف القمع.
لا شك أن مقاومة «الأنا» الواعية واللاواعية تعمل تحت تأثير مبدأ اللذة؛ فالأنا تسعى إلى تجنب ما هو غير لذيذ، الأمر الذي يمكن أن ينجم عن تحرر المقموع. ومن جهة أخرى، تتجه جهودنا نحو تهيئة التسامح مع غير اللذيذ بالاستعانة بمبدأ الواقع. لكن كيف يرتبط الإكراه على التكرار ــ أي تجلي قوة المقموع ــ بمبدأ اللذة؟ من الواضح أن قسماً كبيراً مما يُعاش من جديد تحت الإكراه على التكرار لا بد أن يسبب عدم لذة «للأنا»، لأنه يظهر أنشطة الدوافع الغريزية المقموعة. على أي حال، فإن عدم اللذة هذا هو من النوع الذي سبق أن تناولناه و[قلنا إنه] لا يتعارض مع مبدأ اللذة: عدم لذة لنظام، وفي الوقت نفسه إشباع لنظام آخر. لكننا الآن نواجه أمراً واقعياً جديداً وبارزاً، ألا وهو أن الإكراه على التكرار يستحضر أيضاً تجارب ماضية لا تنطوي على أي إمكانية للذة، ولم تكن قط، حتى منذ أمد بعيد، قادرة على إشباع حتى الدوافع الغريزية التي قُمعت منذ ذلك الحين.
إن الإزهار المبكر للحياة الجنسية في الطفولة محكوم عليه بالفناء، لأن رغباته لا تتوافق مع الواقع ومع مرحلة النمو غير المكتملة للطفل؛ وهذا الإزهار ينتهي في أكثر الوضعيات إيلاماً وفي خضم أكثر المشاعر إيجاعاً. إن فقدان الحب والفشل يخلفان وراءهما ندوباً دائمة في صورة وصمة نرجسية على تقدير الذات (self-regard)، وهو ما يسهم، في رأيي ورأي مارتشينوفسكي (9)، أكثر من أي شيء آخر في «الشعور بالدونية» (sense of inferiority) الشائع جداً في العصاب. إن أبحاث الطفل الجنسية، التي تفرض عليها تطوراته الجسدية حدوداً، لا تفضي إلى أية نتيجة مرضية؛ ومن هنا تنبع جذور الشكاوى اللاحقة مثل «لا أستطيع إتمام أي شيء؛ لا أستطيع النجاح في أي شيء». إن الرابطة العاطفية التي تشد الطفل، بحكم القاعدة، إلى الوالد من الجنس المخالف، تنتهي إلى خيبة أمل، أو إلى انتظار عبثي للإشباع، أو إلى غيرة من الطفل المولود حديثاً ــ الدليل القاطع على خيانة من يحبه الطفل ــ، وتفشل محاولات الطفل نفسه لصنع طفل، التي تُبذل بجدية تراجيدية، فشلاً مخجلاً. إن تناقص الحب الممنوح له، والمطالب المتزايدة للتربية، وكلمات التوبيخ والعقوبات العارضة ــ كل هذا يظهر له في النهاية إلى أي مدى كان موضع ازدراء. هذه هي الحالات النموذجية القليلة والمتكررة باستمرار للطرائق التي ينتهي بها الحب المميز للطفولة.
يكرر المرضى جميع هذه الوضعيات غير المرغوبة والعواطف المؤلمة في أثناء التحويل، ويحيونها بأقصى درجات البراعة. إنهم يسعون إلى قطع مسار العلاج قبل أن يكتمل؛ ويحاولون مرة أخرى أن يشعروا بأنهم قد تعرضوا للإهانة، ويدفعون الطبيب إلى أن يتحدث إليهم بجدية ويعاملهم ببرود؛ ويكتشفون موضوعات تليق بغيرتهم؛ وبدلاً من الطفل الذي كانوا يتوقون إليه بشغف في طفولتهم، يضعون خطة عظيمة ويعدون بهدية كبيرة ــ وهي الأخرى غير واقعية بالقدر نفسه. لم تكن أي من هذه الأمنيات في الماضي قادرة على إنتاج اللذة، ويمكن التخمين أنها لو ظهرت اليوم كذكريات أو أحلام ورؤى، بدلاً من أن تتخذ شكل تجربة جديدة، لأحدثت لذة أقل. إنها بالطبع أنشطة غريزية تهدف إلى أن تؤدي إلى الإشباع؛ لكن لا يمكن تعلم أي درس من التجربة القديمة لهذه الأنشطة، الأنشطة التي لا تؤدي بالمقابل إلا إلى عدم اللذة. وعلى الرغم من ذلك، تتكرر هذه التجارب تحت ضغط الإكراه على التكرار.
ما يكشفه المحلل النفسي في أثناء ظواهر التحويل لدى العصابيين، يمكن ملاحظته أيضاً في حياة بعض الأشخاص العاديين. الحالة التي يبدونها هي أن قدراً مشؤوماً يطاردهم أو أن قوة «شيطانية» تستحوذ عليهم؛ لكن التحليل النفسي كان دائماً على رأي أنهم هم أنفسهم من يصوغ القسم الأعظم من قدرهم، والذي تحدده تأثيرات مرحلة الطفولة المبكرة. الإكراه الذي يحظى بالاهتمام هنا لا يختلف البتة عن إكراه التكرار الذي وجدناه في العصاب، حتى لو لم يُظهر الأفراد الذين نفحصهم الآن أبداً أعراضاً تدل على التعامل مع صراع عصابي، من خلال إنتاج أعراض المرض. لذا فإننا نواجه أشخاصاً تحمل جميع علاقاتهم الإنسانية نتيجة متشابهة: الرجل الخيّر الذي يتركه بعد فترة جميع من هم تحت رعايته غاضبين، رغم أن هؤلاء الأشخاص في وضعية أخرى كان من الممكن أن يكونوا مختلفين جداً عن بعضهم البعض، ويبدو أنه محكوم عليه بتذوق كل مرارة نكران الجميل؛ أو إنسان تنتهي جميع صداقاته بخيانة أصدقائه؛ أو إنسان يضع في مسار حياته مراراً وتكراراً شخصاً آخر في موقع سلطة خاصة أو عامة، ثم بعد زمن معين، يقلب تلك السلطة بنفسه وينصب شخصاً ذا سلطة جديدة مكان السابق؛ أو أيضاً مثل العاشق الذي تمر جميع مغامراته العاطفية مع امرأة بمراحل متشابهة وتنتهي إلى نتائج متشابهة. إن مسار «التكرار الدائم للشيء نفسه» لا يثير فينا أي دهشة، وذلك عندما نربطه بالسلوك الفاعل للشخص المعني وعندما نستطيع أن نكتشف فيه سمة شخصية أساسية تبقى دائماً بمنأى عن المساس وتضطر إلى إظهار نفسها في تكرار التجارب ذاتها. نتأثر أكثر بكثير بالحالات التي يبدو فيها أن الشخص المعني يمر بتجربة منفعلة، تجربة لا تأثير له عليها البتة لكنه في أثنائها يواجه تكرار القدر المقدّر نفسه. هنا يمكن الإشارة كمثال إلى امرأة تزوجت ثلاث مرات متتالية، وكان أزواجها في كل مرة يمرضون سريعاً جداً وكانت ترعاهم في فراش موتهم. الصورة الشعرية الأكثر هزاً للنفس لمثل هذا القدر قدمها تاسو (10) في ملحمته الرومانسية Gerusalemme Liberata. بطل هذه الملحمة تانسرد يقتل محبوبته كلوريندا دون قصد في مبارزة، بعد أن ارتدت لباس الحرب لقائد العدو. بعد دفنها، يدخل تانسرد غابة سحرية غريبة تثير الرعب في نفوس الجيوش المحاربة. يضرب بسيفه شجرة عالية؛ لكن الدم يسيل من موضع الضربة ويُسمع صوت كلوريندا التي سُجنت روحها في الشجرة وهي تشكو وتقول إن محبوبها قد جرحها مرة أخرى.
إذا أخذنا مثل هذه المشاهدات بعين الاعتبار، المستندة إلى سلوك المرضى في حالة التحويل والمستندة إلى سِيَر حياة الرجال والنساء، نجد الشجاعة لنفترض أنه توجد حقاً في النفس إكراه على التكرار لا يأبه البتة بمبدأ اللذة. والآن أيضاً نميل إلى ربط الأحلام والرؤى لدى العصابيين المصابين بالصدمة والدافع الذي يقود الأطفال نحو اللعب بهذا الإكراه.
ولكن ينبغي التنبيه إلى أننا لا نستطيع، إلا في حالات نادرة، أن نلاحظ الآثار الخالصة للإكراه على التكرار دون أن ترافقها دوافع أخرى. وفيما يتعلق بلعب الأطفال، فقد أكدنا سابقًا على أساليب أخرى يمكن على أساسها تفسير نشوء الإكراه؛ إذ يبدو أن الإكراه على التكرار والإشباع الغريزي الذي ينطوي على لذة فورية يلتقيان هنا في تعاون وثيق. وتستخدم المقاومةُ ظاهرةَ الانتقال بوضوح، تلك المقاومة التي تبديها «الأنا» في إصرارها العنيد على الكبت؛ أما الإكراه على التكرار، الذي يسعى العلاج إلى تسخيره، فتجذبه «الأنا»، إن صح التعبير، إلى جانبها (لأن الأنا مرتبطة بمبدأ اللذة). ويبدو أن القسم الأعظم مما يمكن وصفه بالإكراه على القدر يمكن فهمه على أساس عقلاني؛ بحيث لا نكون تحت ضغط أي ضرورة للجوء إلى قوة دافعية غامضة وجديدة لتفسيره.
ولعل أقل الحالات إثارة للشك هي الأحلام والرؤى الصادمة. ولكن بتأمل أكثر عمقًا نضطر إلى التسليم بأنه حتى في الحالات الأخرى، لا يشمل الأداءُ المألوفُ للقوى الدافعية كاملَ السياق. ولا تزال هناك أمور كثيرة غير مفسرة تبرر فرضية الإكراه على التكرار ــ ذلك الإكراه الذي يبدو أكثر بدائية وأكثر أولية وأكثر غريزية من مبدأ اللذة الذي يتجاهله الإكراه على التكرار. ولكن إذا كان الإكراه على التكرار يعمل في الذهن، فينبغي أن نكون سعداء بمعرفة شيء عنه، وبأن نفهم ما الذي تقابله وظيفته، وتحت أي ظروف يمكن أن ينشأ، وما هي علاقته بمبدأ اللذة ــ ذلك المبدأ الذي كنا قد نسبنا إليه، في نهاية المطاف، الهيمنة على مسار تيارات الاستثارة في الحياة الذهنية.
وما يلي هو تأملات، وغالبًا ما تكون تأملات مبالغًا فيها، يمكن للقارئ، وفقًا لميوله الفردية، أن يقبلها أو يرفضها. وعلاوة على ذلك، فإن هذه المحاولة هي محاولة لتتبع فكرة بشكل متماسك، بدافع الفضول، لنرى إلى أين تمضي بنا.
تتخذ التأملات التحليلية النفسية نقطة انطلاقها من التصور الناتج عن فحص العمليات اللاواعية، ومفاده أن الوعي يمكن ألا يكون السمة الأكثر عمومية للعمليات الذهنية، بل وظيفة خاصة من وظائفها. وإذا عبرنا عن قصدنا بمصطلحات الميتاسيكولوجيا، يمكننا التأكيد على أن الوعي هو وظيفة لنظام خاص تصفه الميتاسيكولوجيا بأنه Cs. (11). إن ما ينتجه الوعي يتكون أساسًا من إدراك الاستثارات القادمة من العالم الخارجي و[كذلك] الإحساس باللذة وعدم اللذة الذي لا يمكن أن ينشأ إلا من داخل النظام الذهني؛ لذلك يمكن أن ننسب إلى نظام Pcpt.-Cs. (12) موقعًا في هذا الفضاء. ينبغي أن يقع هذا النظام على الحد الفاصل بين الداخل والخارج؛ وينبغي أن يكون متجهًا نحو العالم الخارجي وأن يحيط بالأنظمة النفسية الأخرى. وسنرى أنه لا يوجد شيء جديد وجريء في هذه الفرضيات؛ فنحن لم نتبنَّ سوى وجهة نظر حول التموضع حددها تشريح الدماغ، والتي ترى أن «مكان» الوعي هو في قشرة الدماغ ــ أي الطبقة الخارجية والطبقة المغلفة للعضو المركزي. ولا يحتاج تشريح الدماغ إلى بحث مسألة لماذا ينبغي، إذا أردنا التحدث من الناحية التشريحية، أن يوضع الوعي على سطح الدماغ بدلًا من أن يكون مأمونًا في مكان ما في أعمق جزء فيه. لعلنا نكون أكثر نجاحًا في الشرح الذي نقدمه عن هذا الموقع فيما يتعلق بنظامنا Pcpt.-Cs.
ليس الوعي هو السمة البارزة الوحيدة التي ننسبها إلى العمليات الجارية داخل هذا النظام. واستنادًا إلى الاقتراحات التي اكتسبناها من تجربة التحليل النفسي، فإننا نفترض أن جميع عمليات الاستثارة التي تحدث في الأنظمة الأخرى تترك فيها آثارًا دائمة تشكل أساس الذاكرة، وهذه الآثار ـ الذكريات لا علاقة لها بواقعة التحول إلى وعي؛ بل إنها غالبًا ما تكون في أقصى قوتها وأشد رسوخًا حين تكون العمليات التي خلّفتها هي ذاتها التي لم تدخل الوعي قط. وعلى أي حال، يصعب تصديق أن آثارًا دائمة لاستثارات من هذا القبيل تبقى أيضًا في نظام الإدراك ـ الوعي (Pcpt.-Cs.). فإذا بقيت واعية باستمرار، فإنها ستخلق سريعًا حدودًا لقدرة النظام على تلقي استثارات جديدة. ومن جهة أخرى، إذا كانت لا واعية، فإننا نواجه مشكلة تفسير وجود عمليات لا واعية في نظام يقترن أداؤه، في ما عدا ذلك، بظاهرة الوعي. إننا، إذا جاز التعبير، لم نغير شيئًا ولم نكسب شيئًا بطرح فرضيتنا التي تنسب سيرورة التحول إلى وعي إلى نظام معين. ومع أن هذه الاعتبارات ليست مقنعة بشكل مطلق، فإنها تدفعنا إلى الشك في أن التحول إلى وعي وترك أثر ـ ذاكرة هما سيرورتان غير متوافقتين داخل نظام واحد. وعليه، يمكننا القول إن الوعي ينشأ من السيرورة الاستثارية داخل نظام الوعي (Cs.)، لكنه لا يترك فيه أثرًا دائمًا؛ أما الاستثارة فتُنقل إلى الأنظمة المجاورة له، وفي داخلها تبقى آثارها. وقد تابعتُ خط التفكير نفسه في الصورة التخطيطية التي أوردتها في القسم التأملي من تفسير الأحلام. ويجب أن نتذكر أن المعلومات المتاحة من مصادر منشأ الوعي الأخرى قليلة؛ لذا، فعندما نقدم القضية القائلة بأن الوعي يظهر بدلًا من أثر ـ الذاكرة، فإن هذه القضية تستدعي التأمل، وذلك في جميع الحالات، وعلى أساس أنها قُدمت بمضامين صحيحة تمامًا.
إذا كان الأمر كذلك، فإن نظام الوعي (Cs.) يمتلك خصائص مميزة (على النقيض مما يحدث في الأنظمة النفسية الأخرى)، بحيث إن العمليات الاستثارية لا تترك في داخله تغييرًا دائمًا في عناصره، بل تنتهي، إذا جاز التعبير، في ظاهرة التحول إلى وعي. واستثناء من هذا القبيل على قاعدة عامة، يستدعي أن يُفسر ببعض العوامل التي تنطبق حصرًا على نظام واحد. وقد يكون هذا العامل الغائب في الأنظمة الأخرى هو الموقع المكشوف وغير المحمي لنظام الوعي (Cs.)، الذي يقع مباشرة بمحاذاة العالم الخارجي.
لنُصوِّر كائناً حياً في أبسط صورة ممكنة له على هيئة حُويصلة (vesicle) غير متمايزة من مادة (substance) معرَّضة للتنبيه. في هذه الحال، يكون سطح هذه الحُويصلة ملامساً للعالم الخارجي، وينفصل عن الوضع الذي هو فيه، ويتحول إلى عضوٍ لتلقي المنبهات. والواقع أن علم الأجنة، بما له من قدرة على تلخيص تاريخ التطور، يُظهر لنا عملياً أن الجهاز العصبي المركزي ينشأ من الأديم الظاهر (13)؛ وتبقى المادة الرمادية لقشرة الدماغ مشتقةً من الطبقة السطحية البدائية للكائن الحي وترث بعض خصائصها الجوهرية. لذا يمكننا أن نفترض بسهولة أنه نتيجة للتأثير المتواصل للمنبهات الخارجية على سطح الحُويصلة، تخضع مادتها لتعديل مستمر حتى عمق معين، بحيث تسلك العمليات التنبيهية مساراً مختلفاً قياساً بما يجري في الطبقات الأعمق. وهكذا يتشكل غشاءٌ يُصبح في نهاية المطاف «مُهيَّأً» بالتنبيه إلى حد أنه يُوفِّر أفضل الأوضاع الممكنة لتلقي المنبهات ويفقد القابلية على التعديلات اللاحقة. وفيما يخص نظام الشعور (Cs.)، فهذا يعني أن عناصره لم تعد تخضع لتعديلات دائمة لاحقة بفعل مرور الاستثارة، لأنها قد تعدلت أصلاً إلى أقصى حد ممكن في المسألة المطروحة. وعلى أية حال، فقد اكتسبت الآن القدرة على إظهار الوعي. ويمكن طرح أفكار عديدة لا يمكن تأكيدها حالياً من حيث طبيعة هذه التعديلات التي طرأت على الجوهر والعملية الاستثارية. ويمكن تقديم افتراض مفاده أن الاستثارة، أثناء مرورها من عنصر إلى آخر، ينبغي أن تتغلب على مقاومة، وأن انخفاض المقاومة الحاصل بهذه الصورة هو ما يترك الأثر الدائم للاستثارة، أي التيسير (facilitation). وعليه، ففي نظام الشعور (Cs.) لم يعد ثمة مقاومة من هذا النوع للانتقال من عنصر إلى آخر. ويمكن إقامة صلة بين هذه الصورة وما قاله بروير، أعني التمييز الذي يُقيمه بين الطاقة الساكنة (أو المقيَّدة) والطاقة المتحركة القذفية (14) في عناصر الأجهزة النفسية؛ فعناصر نظام الشعور (Cs.) لا تحمل أية طاقة مقيَّدة، بل تحمل فقط طاقةً يمكن تفريغها بحرية. وعلى كل حال، فمن الأفضل أن يتحدث المرء عن هذه النقاط بأقصى ما يمكن من الحذر. ومع ذلك، فإن هذه التأملات والتخمينات تمكِّننا من ربط منشأ الوعي، بطريقة ما، بموقع نظام الشعور (Cs.) وبالخصائص التي ينبغي إسنادها إلى التيارات الاستثارية التي تحدث داخله.
لكن ينبغي لنا أن نتحدث أكثر عن الحُوَيصِل الحي وطبقته القشرية المستقبِلة. هذا الجزء الصغير من المادة الحية معلَّق في وسط عالم خارجي مفعم بأقوى الطاقات؛ ولولا توفير درع واقية له في وجه المنبهات، لاستطاعت التهيُّجات الناشئة عن هذه الطاقات أن تدمِّره. لذا فهو يوفِّر هذه الدرع على النحو التالي: تفقد طبقته الخارجية البنيةَ الملائمة للمادة الحية وتصبح غير عضوية إلى درجة ما، ثم تعمل بعد ذلك بوصفها غلافاً أو غشاءً خاصاً مقاوماً للمنبهات. ونتيجةً لذلك، لا تستطيع طاقات العالم الخارجي النفاذ إلى الطبقات التالية الأعمق التي لا تزال حية إلا بجزء من شدتها الأصلية؛ وهذه الطبقات، خلف درعها الواقي، تستطيع أن تكرِّس نفسها لاستقبال عدد من المنبهات التي سُمح لها بالوصول إليها. تنقذ الطبقة الخارجية، بموتها، جميعَ الطبقات الأعمق من مصير مماثل ــ ما لم يكن المنبه الذي يصلها، إن جاز التعبير، قوياً إلى حد يحطم الطبقة الواقية. إن الحماية من المنبه هي، يقيناً، وظيفة أهم للعضوية الحية من استقبال المنبه. الدرع الواقي مزوَّد بمخزون طاقي خاص به، ويسعى قبل كل شيء إلى حماية أنماط تحويل الطاقة الخاصة التي يعمل بها من التأثيرات التي تثيرها الطاقات الهائلة الموجودة في العالم الخارجي ــ تأثيرات تتجه نحو تثبيطها، وبالتالي نحو تدميرها. الهدف الرئيسي لاستقبال المنبه هو اكتشاف اتجاه المنبه الخارجي وطبيعته؛ وللقيام بذلك يكفي أن يأخذ عينات صغيرة من العالم الخارجي، ويحوِّلها إلى كميات صغيرة، ويختبرها. في العضويات المتطورة تماماً، تراجعت الطبقة القشرية المستقبِلة للحُوَيصِل السابق منذ زمن طويل إلى أعماق داخل الجسم، رغم أن أجزاء منها بقيت في الطبقة السطحية، أي ملتصقة تحت الدرع الشامل، لتكون حائلاً للمنبه. هذه هي أعضاء الحس، التي تتألف أساساً من جهاز لاستقبال آثار نوعية معينة من التهيُّج، ولكنها تشمل أيضاً ترتيبات خاصة لمزيد من الحماية من عدد مفرط من التهيُّجات، وكذلك لصد الأنواع غير الملائمة من المنبهات. خاصيتها أنها لا تتعامل إلا مع عدد ضئيل جداً من التهيُّجات الخارجية، ولا تلتقط إلا عينات من العالم الخارجي. لعلها تُشبَّه بمجسات تتقدم طوال الوقت نحو العالم الخارجي بطريقة اختبارية، ثم تتراجع عنه.
سأحاول هنا أن أتطرق قليلاً إلى موضوع جدير بالبحث المستفيض. فنتيجةً لبعض الاكتشافات التحليلية النفسية، صرنا اليوم في موضع يسمح لنا بمناقشة نظرية كانط القائلة بأن الزمان والمكان هما «صورتان ضروريتان للفكر». لقد تعلمنا أن العمليات الذهنية اللاشعورية هي، في ذاتها، «لا زمانية». وهذا يعني، في المقام الأول، أنها غير منتظمة بطريقة زمانية، وأن الزمان لا يغيرها البتة، وأن فكرة الزمان لا يمكن أن تُطبَّق عليها. هذه خصائص سلبية لا تُفهم بوضوح إلا عند إجراء مقارنة بينها وبين العمليات الذهنية الشعورية. من جهة أخرى، يبدو أن فكرتنا المجردة عن الزمان مستمدة بالكامل من طريقة اشتغال نظام الإدراك-الشعور، وينبغي أن تتطابق مع إدراك هذا النظام لطريقة الاشتغال هذه. ولعل نمط الاشتغال هذا يشكل طريقة أخرى لتدبير درع واقية من المنبهات. أعي أن هذه الملاحظات قد تبدو شديدة الغموض، لكن عليَّ أن أكتفي بهذه الإشارات.
لقد شرحنا كيف أن الخلية الحية جُهّزت بدرع واقٍ في مواجهة المنبهات القادمة من العالم الخارجي؛ وبيّنا سابقاً أن الطبقة القشرية القريبة من الدرع ينبغي أن تتمايز بوصفها العضو المستقبل للمنبهات الخارجية. وعلى أية حال، فإن هذا الغشاء الحساس، الذي يتحول لاحقاً إلى نظام Cs.، يتلقى أيضاً استثارات من الداخل. إن وضعية النظام بين الخارج والداخل، والفارق بين الظروف التي تحكم تلقي الاستثارات في الحالتين [الخارجية والداخلية]، له تأثير حاسم على أداء النظام وكذلك على الجهاز النفسي برمته. في الاتجاه نحو الخارج، يُحمى النظام من المنبهات، ولا يصل إليه مقدار الاستثارة إلا بعد أن يكون قد تقلص تأثيره. أما في الاتجاه نحو الداخل، فلا يوجد درع واقٍ من هذا القبيل؛ فالاستثارات في الطبقات الأعمق تتمدد إلى داخل النظام بشكل مباشر وبصورة غير منقوصة، وذلك إلى الحد الذي تؤدي فيه بعض خصائصها إلى نشوء إحساسات ضمن ثنائيات اللذة – الألم. وعلى أية حال، فإن الاستثارات الآتية من الداخل، في شدتها وفي سائر أبعادها الكمّية – وربما في اتساعها – تشترك مع طريقة اشتغال النظام بقدر أكبر مما تشترك به التنبيهات المتدفقة من العالم الخارجي إلى الداخل. وتُسفر هذه الوضعية عن نتيجتين محددتين. أولاً، إن إحساسات اللذة والألم (التي هي مؤشر على ما يجري داخل الجهاز) تهيمن على كافة المنبهات الخارجية. وثانياً، تُستعمل طريقة خاصة لمواجهة أي استثارات داخلية تؤدي إلى زيادة حادة في الألم؛ فهناك ميل إلى معاملتها كما لو أنها لا تعمل من الداخل بل من الخارج، بحيث تُتاح إمكانية استخدام الدرع الواقي كأداة دفاع ضدها بوصفه واقياً من المنبهات. هذا هو منشأ الإسقاط (projection)، وهي آلية مقدّر لها أن تؤدي دوراً هائلاً في نشوء العمليات المرضية.
أشعر بأن هذه الملاحظات الأخيرة تقودنا إلى فهم أفضل لهيمنة مبدأ اللذة؛ لكنها لم تُسلط حتى الآن أي ضوء على الحالات التي تتعارض مع هذه الهيمنة. لذا، دعونا نخطُ خطوة إلى الأمام. إننا نصف أي استثارة من الخارج تكون من القوة بحيث تخترق الدرع الواقي بأنها «مُحدثة للصدمة». وفي رأيي أن مفهوم الصدمة (trauma) يتضمن بالضرورة علاقة من هذا النوع، بالإضافة إلى ثغرة في الحاجز الذي لا يعمل بفاعلية تجاه المنبهات. إن حدثاً كهذا، بوصفه صدمة خارجية، لا بد أن يُحدث اضطراباً واسع النطاق في اشتغال طاقة العضوية، ويُطلق العنان لكل إجراء دفاعي ممكن. وفي الوقت نفسه، يُعطّل مبدأ اللذة عن الفعل في اللحظة ذاتها. إذ لم يعد هناك أي إمكانية لمنع قصف الجهاز النفسي بعدد كبير من المنبهات، وهنا تبرز مسألة أخرى – مسألة السيطرة على كميات المنبهات التي اخترقت الداخل، وتقييدها، بالمعنى النفسي للكلمة، بحيث يمكن التخلص منها.
عدم لذتِ خاصِ درد جسمانى احتمالاً نتيجه شكسته شدن سپر محافظ در منطقه اى محدود است. بنابراين سيلان مداومى از هيجانات از بخش پيرامون متوجه دستگاه مركزى مغز مى شود. معمولاً چنين امرى فقط از درون دستگاه نشأت مى گيرد. از ذهن انتظار داريم كه چگونه به اين تهاجم واكنش نشان دهد؟ انرژى كتكتيك از تمامى جهات فراخوانده مى شود تا ميزان بسنده اى از آن در حول و حوش شكاف فراهم شود. «ضدكتكسيسى» ( anticathexis ) در سطح وسيع جمع مى گردد و به نفع آن ساير نظامهاى روانى ضعيف مى گردد، به گونه اى كه كاركردهاى روانى باقيمانده به طرز گسترده اى فلج مى شود يا كاهش مى يابد. بايد تلاش كنيم كه از مثالهايى از اين دست درسى بگيريم و آنها را بنيانى براى گمان ورزيهاى مابعدروانشناسانه خود قرار دهيم. بنابراين از مسأله فعلى نتيجه مى گيريم كه نظامى كه خود به شدت كتكتيك شده است قادر است جريان اضافى انرژى تازه سارى و جارى را بگيرد، يعنى آن را به كتكسيس ساكن بدل كند، يعنى آن را از حيث روانى مقيّد كند. هرچه كتكسيسِ ساكنِ خود نظام بيشتر باشد، به نظر مى رسد كه نيروى «مقيّدكننده» آن نيز قويتر خواهد بود؛ بنابراين، برعكس، هرچه كتكسيس كمتر باشد براى برگرفتن انرژى سارى و جارى قابليت كمترى خواهد داشت و نتايج چنان شكافى در سپر محافظ در برابر محرك وخيمتر خواهد بود. نمى توان به حق به اين نظر اعتراض كرد كه افزايش كتكسيس حول شكاف را مى توان به صورتى ساده به عنوان نتيجه مباشر سيلان انبوه هيجان تبيين كرد. اگر اين گونه مى بود، دستگاه ذهنى فقط گيرنده افزايشى بود در كتكسيس انرژى خود، و خصوصيت فلج كننده درد و ضعيف شدن تمامى نظامهاى ديگر تبيين نشده باقى مى ماند. پديده هاى بسيار خشن تخليه نيز كه درد موجب آن مى شود بر تبيين ما تأثير مى گذارد، زيرا كه آنها به شيوه اى بازتابى رخ مى دهند ــ يعنى آنها بدون مداخله دستگاه ذهنى به كار خود ادامه مى دهند. نامشخص بودن تمامى بحثهاى ما درباره آنچه آن را مابعدروانشناسى توصيف كرديم البته به سبب اين امر است كه درباره سرشت فرايندهاى هيجان آميز كه در عناصر نظامهاى روانى رخ مى دهد چيزى نمى دانيم و احساس مى كنيم كه محق نيستيم فرضيه اى درباره اين موضوع ارائه كنيم. در نتيجه در تمامى مدت با عامل ناشناخته وسيعى سروكار داريم، عاملى كه مجبوريم آن را در هر فرمول جديدى دخالت دهيم. به شيوه اى عاقلانه فرض بر اين گذاشته شد كه اين جريان هيجان آميز مى تواند با انرژيهايى به سرانجام رسد كه از حيث كمّى متغيرند؛ همچنين محتمل به نظر مى رسد كه اين جريان كيفيتهاى چندى داشته باشد (به عنوان مثال از حيث دامنه.) ما فرضيه بروئر را به عنوان عاملى نو مورد ملاحظه قرار داديم بر اين مبنا كه انباشت انرژى مى تواند به دو شكل انجام گيرد؛ به گونه اى كه بايد ميان دو كتكسيس نظامهاى روانى أو عناصر آنها تميز قائل شويم ــ كتكسيسى كه به شكل آزادانه جريان مى يابد و به طرف تخليه مى رود و كتكسيس ساكن. ما شايد گمان بريم كه «مقيّد ساختن» انرژى اى كه به درون دستگاه ذهنى جريان مى يابد در تغيير آن از حالت سيلان آزادانه به حالت ساكن نهفته است.
أعتقد أن علينا أن نجازف بطريقة تجريبية ونعتبر العصاب الرضحي الشائع نتيجة لصدع واسع يحدث في الدرع الواقي أمام المنبهات. ويبدو أن هذا الأمر هو تكرار للنظرية القديمة والبسيطة للصدمة، والتي تقف في تناقض واضح مع النظرية اللاحقة الأكثر طموحاً والنفسية التي تنسب الأهمية السببية لا إلى آثار العنف الميكانيكي، بل إلى الرعب والتهديد للحياة. ومع ذلك، فإن هذه الآراء المتعارضة ليست غير قابلة للتوفيق، كما أن آراء التحليل النفسي حول العصاب الرضحي ليست متطابقة مع نظرية الصدمة في أكثر أشكالها بدائية. فالنظرية الأخيرة ترى أن طبيعة الصدمة هي ضرر مباشر يلحق بالبنية الجزيئية أو حتى بالبنية النسيجية ( histological ) لعناصر الجهاز العصبي. في حين أن ما نسعى إلى فهمه هو الآثار التي تنشأ في عضو الدماغ نتيجة الصدع في الدرع الواقي أمام المنبهات، ونتيجة المشكلات التي تترتب على ذلك، وما زلنا ننسب الأهمية لعنصر الرعب. وسبب الرعب هو فقدان أي نوع من الاستعداد للقلق، بما في ذلك فقدان فرط الاستثمار (هايبركتكسيس) للأجهزة التي ينبغي أن تكون أول ما يتلقى التنبيه. فهذه الأجهزة، بسبب انخفاض استثمارها (كتكسيس)، ليست في وضع جيد لتقييد سيلان الانفعال، وتكون نتائج الصدع في الدرع الواقي أسهل ما يترتب عليها. لذا، سيُلاحظ أن الاستعداد للقلق وفرط استثمار الأجهزة المستقبلة يشكلان خط الدفاع الأخير للدرع في مواجهة المنبهات. وفي عدد كبير من الإصابات، قد يكون الفرق بين الأجهزة غير المستعدة وتلك المستعدة جيداً من خلال كونها مفرطة الاستثمار عاملاً مهماً في تحديد النتيجة. غير أنه حيث تتجاوز قوة الإصابة حداً معيناً، فإن هذا العامل يفقد بلا شك وزنه وأهميته. وكما نعلم، فإن تحقيق الرغبات يتحقق بطريقة توهمية بواسطة الأحلام والرؤى، وتحت سيطرة مبدأ اللذة يصبح هذا وظيفتها. لكن ليس في خدمة هذا المبدأ تقوم أحلام ورؤى المرضى المصابين بالعصاب الرضحي، بمثل هذا الانتظام، بدفعهم إلى الوراء، إلى الوضع الذي وقعت فيه الإصابة. بل يجب علينا هنا أن نفترض أن الرؤى تساعد هنا في أداء وظيفة أخرى يجب أن تنجز قبل أن تتمكن سيطرة مبدأ اللذة حتى من البدء. فهذه الأحلام والرؤى تسعى للتغلب على المنبه بطريقة ارتدادية، وذلك من خلال تحويل القلق الذي يكون حذفه سبباً للعصاب الرضحي. وهكذا، فإنها تقدم لنا منظوراً حول وظيفة الجهاز النفسي التي، وإن لم تكن متعارضة مع مبدأ اللذة، فهي مستقلة عنه، وتبدو أكثر بدائية من هدف كسب اللذة وتجنب عدم اللذة.
لذا يبدو أن هذا هو الموضع الذي نقر فيه لأول مرة بأن القضية القائلة إن الأحلام هي تحقيق للرغبات لها استثناء. الأحلام والكوابيس المثيرة للقلق، كما أوضحت مراراً وبالتفصيل، لا تشكل استثناءً من هذا القبيل. أحلام العقاب (punishment dreams) ليست استثناءً أيضاً، لأنها تستبدل تحقيق الرغبة الممنوعة بالعقاب المناسب لها. أي أنها تحقق رغبة الشعور بالذنب الذي هو رد فعل على الدافع والنزوة المرفوضة. لكن لا يمكن تصنيف الأحلام التي نحن بصدد مناقشتها هنا، والتي تحدث في العصاب الرضحي، أو الأحلام التي تحدث أثناء التحليل النفسي وتعيد إلى الذاكرة الصدمات النفسية للطفولة، تحت عنوان تحقيق الرغبة. إنها تنشأ من الخضوع لـ«إكراه التكرار». مع أن من الصحيح أنه في سياق التحليل، يدعم هذا الإكراه رغبةٌ (ويشجعه الحث على تذكر ما تم نسيانه وكبته). وهكذا يبدو أن وظيفة الأحلام - المتمثلة في إزاحة أي دافع قد يقطع النوم من خلال تحقيق رغبات النزوات المزعجة - ليست وظيفتها الأصلية. لا يمكنها أداء هذه الوظيفة ما دامت الحياة الذهنية بأكملها قد قبلت سيطرة مبدأ اللذة. إذا كان هناك شيء «وراء مبدأ اللذة»، فإن هذا يبدو منطقياً فقط إذا قبلنا أنه كان هناك أيضاً زمان لم يكن هدف الأحلام فيه تحقيق الرغبات. هذا لا يعني نفي وظيفتها اللاحقة، لكن إذا ما خُرقت هذه القاعدة العامة مرة واحدة، فإن السؤال التالي يطرح نفسه: هل من المحتمل ألا تتبع الأحلام - فيما يتعلق بتقييد الانفعالات الرضحية نفسياً - إكراه التكرار، وهل يمكن أن تحدث مثل هذه الأحلام خارج التحليل؟ والجواب لا يمكن أن يكون إلا بالإيجاب.
لقد ناقشت في موضع آخر أن عصاب الحرب (بما أن هذه الكلمات تنطوي على أكثر من مجرد الإشارة إلى بدء ظروف المرض) من المحتمل جداً أن يكون عصاباً رضحياً عجّل به تورط في «الأنا». الحقيقة التي أشرت إليها سابقاً - ومفادها أن الإصابة الجسدية المحضة التي تحدث بالتزامن مع الصدمة [النفسية] تقلل من فرص تطور العصاب - تصبح مفهومة عندما نضع في الاعتبار حقيقتين أكد عليهما التحليل النفسي: أولاً، أن التنبيه الميكانيكي يجب أن يُعترف به كأحد منابع الإثارة والتنبيه الجنسي، وثانياً، أن المرض المؤلم والمحموم، ما دام يطول أمده، يمارس تأثيراً قوياً على توزيع الليبيدو. وهكذا، من جهة، يمكن لعنف الصدمة الميكانيكي أن يحرر كمية من الإثارة الجنسية التي، نظراً لانعدام الاستعداد للقلق، يمكن أن تترك آثاراً رضحية؛ لكن من جهة أخرى، يمكن للإصابة الجسدية المتزامنة، عبر مطالبتها بفرط استثمار نرجسي للعضو المصاب، أن تقيد فائض الإثارة. من المعروف جيداً - مع أن نظرية الليبيدو لم تستفد بعد من هذه الحقيقة بما فيه الكفاية - أن مثل هذه الاضطرابات الخطيرة في توزيع الليبيدو، كما في المالنخوليا مثلاً، تنتهي مؤقتاً بحدوث مرض عضوي آخر، وفي الواقع، حتى الحالة المتقدمة تماماً من الشيزوفرينيا يمكن أن تخف مؤقتاً في هذه الظروف.
إذا كانت الطبقة القشرية التي تستقبل المنبهات تفتقر إلى أي درع واقٍ ضد الإثارات القادمة من الداخل، فيجب أن نستنتج أن انتقال المنبهات الداخلية يتفوق من حيث الأهمية الاقتصادية، وغالباً ما يسبب اضطرابات اقتصادية يمكن مقارنتها بالعصاب الرضحي. أغنى منابع هذه الإثارة الداخلية هو ما وصفناه بـ«غرائز» العضوية - ممثلات جميع القوى التي منشؤها داخل الجسد وتنتقل إلى الجهاز الذهني - والتي هي في الوقت نفسه أهم عنصر وأكثره غموضاً في الأبحاث السيكولوجية.
ربما لا يكون من المتسرع أن نفترض أن النبضات المنبثقة من الغرائز لا تنتمي إلى نوع من العمليات العصبية المقيَّدة، بل إلى عمليات حرة الحركة (freely mobile) تسعى إلى التفريغ. ذلك الجزء من هذه العملية الذي نعرفه على نحو أفضل مستمد من دراساتنا حول وظيفة الحلم (dream-work). هناك اكتشفنا أن العمليات في الأنظمة اللاواعية تختلف جوهريًا عن تلك الموجودة في أنظمة ما قبل الوعي (preconscious) (أو الوعي). فالاستثمار (cathexis) في اللاوعي يمكن أن ينتقل ويتبدل ويتكثف بسهولة وبالكامل. على أي حال، فإن مثل هذا السلوك إذا طُبِّق على مواد ما قبل الوعي، لا يمكن أن يسفر إلا عن نتائج غير معتبرة؛ وهذا ما يفسر السمات المألوفة التي تظهرها الأحلام الظاهرة، بعد أن تكون رواسب ما قبل الوعي لليوم السابق قد عولجت وفقًا للقوانين الفاعلة في اللاوعي. لقد وصفتُ نوع العملية الموجودة في اللاوعي بأنها العملية النفسية «الأولية»، في مقابل العملية «الثانوية» التي تسود حياتنا في حالة اليقظة العادية. وبما أن جميع النبضات الغريزية تجد نقطة تأثيرها في الأنظمة اللاواعية، فلسنا نقول قولًا مبتكرًا إذا ادعينا أنها تخضع للعملية الأولية. ومرة أخرى، يمكن بسهولة مطابقة العملية النفسية الأولية مع الاستثمار الحر الحركة عند بروير، والعملية الثانوية مع التغيرات التي تطرأ على استثماره المقيَّد أو المقوِّي (tonic). وإذا صح هذا، فإن مهمة الطبقات العليا من الجهاز النفسي هي تقييد الانفعالات الغريزية التي تصل إلى العملية الأولية. والفشل في تحقيق هذا التقييد يؤدي إلى اضطراب يشبه العصاب الرضحي؛ وفقط عندما يكتمل التقييد، يصبح المجال ممهدًا لسيادة مبدأ اللذة (وصيغته المعدلة، أي مبدأ الواقع) كي يمضي قدمًا دون عائق أو رادع. وحتى ذلك الحين، ستكون للمهمة الأخرى للجهاز النفسي، أي مهمة كبح الانفعالات أو تقييدها، الأولوية ــ ولكن ليس حقًا في تعارض مع مبدأ اللذة، بل باستقلال عنه وإلى درجة ما دون اكتراث به.
إن تجليات الإكراه على التكرار (التي شرحناها كما تحدث في الأنشطة الأولى للحياة الذهنية في مرحلة الطفولة، وكما تحدث بين أحداث العلاج التحليلي النفسي) تكشف، إلى حد كبير، عن خاصية غريزية، وحينما تعمل في تقابل مع مبدأ اللذة فإنها تبدو وكأن قوة «شيطانية» ما تكون فاعلة. وفيما يخص لعب الأطفال، يبدو وفقاً لملاحظاتنا أن الأطفال يكررون التجارب غير الممتعة تكراراً مضاعفاً لكي يتمكنوا، من خلال المشاركة الفاعلة في دور مهم، من اكتساب مهارة تامة بدلاً من اختبارها بشكل سلبي. ويبدو أن كل تكرار جديد يعزز السيطرة التي يسعون إليها. وبالنسبة للأطفال، لا تُكرر التجارب الممتعة بالقدر الكافي أبداً، وهم عنيدون ولجوجون في إصرارهم على أن يكون التكرار مطابقاً للأصل. وتختفي هذه العلامة الخاصة لاحقاً. فإذا سُمعت نكتة للمرة الثانية، فإنها لا تترك أي أثر تقريباً؛ ولا يخلق العرض المسرحي في المرة الثانية ذلك الانطباع العظيم الذي خلقه في المرة الأولى؛ بل إنه في الواقع يصعب حمل شخص بالغ على أن يعيد فوراً قراءة كتاب استمتع به كثيراً. فالجِدّة هي دوماً شرط التمتع. أما الأطفال فلا يملّون أبداً من مطالبة البالغين بتكرار لعبة عُرضت عليهم أو لُعبت معهم، إلى أن يرهق البالغون أنفسهم من المتابعة. وإذا قُصت على طفل حكاية جميلة، فإنه سيصر على سماعها مراراً وتكراراً بدلاً من حكاية جديدة؛ وسيشدد بلا هوادة على أن يكون هذا التكرار مطابقاً للرواية الأولى، وسيعتبر أي تغيير جريمة وسيصححه ــ حتى لو كانت هذه التغييرات قد أُجريت على أمل إثارة إعجاب جديد. ولا يتعارض أي من هذا مع مبدأ اللذة؛ فالتكرار ــ إعادة اختبار الشيء ذاته ــ هو بوضوح وفي حد ذاته مصدر لذة. وعلى العكس من ذلك، في حالة الشخص الخاضع للتحليل، فإن إكراهه على تكرار أحداث طفولته في «النقل»، يتجاهل مبدأ اللذة بوضوح وبكل سبيل. فالمريض يتصرف بطريقة طفولية تماماً، ويُظهر لنا بذلك أن آثار الذاكرة المكبوتة لتجاربه الأولى ليست حاضرة لديه في حالة مقيدة، وهي في الواقع، وبمعنى ما، غير قادرة على الامتثال للعملية الثانوية. علاوة على ذلك، فهي تدين بقدرتها على تشكيل التصور والخيال الراغب الذي يظهر في الحلم ــ وترافقه بقايا اليوم السابق ــ لواقع أنها غير مقيدة. ونجد هذا الإكراه على التكرار ذاته مراراً في سياق علاجنا بوصفه عائقاً وسداً، أي حينما نحاول في نهاية التحليل أن نحث المريض على الانفصال تماماً عن طبيبه. ويمكن أيضاً أن نفترض أنه حينما يشعر أولئك غير المألوفين بالتحليل بخوف مبهم ــ خوف من إيقاظ شيء يشعرون أنه من الأفضل أن يبقى خامداً ــ فإن ما يخشونه في نهاية المطاف هو ظهور هذا الإكراه ذاته الذي يشير إلى أن قوة «شيطانية» ما قد استحوذت عليهم.
ولكن كيف ترتبط مقولة «غريزي» بالإكراه على التكرار؟ هنا لا يسعنا الإفلات من الشك في أننا وجدنا أثر الخاصية العامة للغرائز، وربما للحياة العضوية بشكل عام، أشياء لم يُعترف بها بوضوح من قبل، أو على الأقل لم يُجرِ التأكيد عليها بشكل جلي. وهكذا يبدو أن الغريزة هي نزوع كامن في صميم الحياة العضوية لاستعادة الوضع الأولي للأشياء، الوضع الذي يضطر الكائن الحي إلى التخلي عنه تحت ضغط توزع القوى الخارجية؛ أي أنها [الغريزة] نوع من المرونة العضوية، أو بعبارة أخرى، تجلٍ للقصور الذاتي الكامن في صميم الحياة العضوية.
تبدو هذه النظرة إلى الغرائز غريبة وعجيبة، لأننا اعتدنا أن نرى فيها عاملاً يميل إلى التغيير والتحول، بينما يُطلب منا الآن أن نتعرف فيها على شيء معاكس تماماً، هو تجلّي الطبيعة المحافظة للكائن الحي. من ناحية أخرى، تتبادر إلى أذهاننا فوراً أمثلة من الحياة الحيوانية يبدو أنها تؤيد الرأي القائل بأن الغرائز محددة تاريخياً. فعلى سبيل المثال، تقوم بعض الأسماك وقت وضع البيض بهجرات شاقة ومضنية لتضع بيضها في مياه معينة بعيدة جداً عن موطنها المعتاد. وبرأي كثير من علماء الأحياء، فإن ما تفعله هذه الأسماك هو مجرد العثور على أماكن كان نوعها قد سكنها سابقاً، لكنه غيّرها مع مرور الزمن. ويُعتقد أن التفسير نفسه يمكن تطبيقه على هجرة الطيور المهاجرة ــ لكننا نُعفى سريعاً من ضرورة إيجاد أمثلة أخرى، وذلك باللجوء إلى هذا التأمل القائل إن أقوى الأدلة على وجود الإكراه العضوي على التكرار تكمن في ظاهرة الوراثة ووقائع علم الأجنة. نلاحظ كيف أن نطفة الحيوان الحي مضطرة، في سياق تطورها، إلى إظهار خصائص بنى جميع الأشكال التي نشأت منها (ولو بطريقة مؤقتة وملخصة)، بدلاً من أن تتقدم بسرعة بأقصر طريق نحو شكلها النهائي. هذا السلوك لا يُعزى إلا بدرجة قليلة إلى أسباب ميكانيكية، وبالتالي لا يمكن إغفال التفسير التاريخي. وكذلك القدرة على إعادة إنتاج العضو المفقود بنموه من جديد، هي تماماً مماثلة لهذا الأمر الذي امتد نطاقه إلى عالم الحيوان أيضاً.
سنواجه بهذا الاعتراض الوجيه: قد يكون صحيحاً بالفعل أنه بالإضافة إلى الغرائز المحافظة التي تميل إلى التكرار، توجد غرائز أخرى تميل بشدة إلى التقدم وإنتاج أشكال جديدة. هذا الاستدلال لا ينبغي بالتأكيد إغفاله، ويجب أخذه في الحسبان في مرحلة لاحقة. لكن الأمر المغري حالياً هو أن نتابع هذه الفرضية القائلة إن جميع الغرائز تميل إلى إحياء المراحل الأولى للأشياء، ونصل بها إلى نتيجتها المنطقية. قد تعطي النتيجة شائبة من العرفان أو نوعاً من العمق المزيف؛ لكن يمكننا أن نتبرأ تماماً من أننا نضع مثل هذا الهدف نصب أعيننا. نحن فقط نسعى وراء النتائج المعقولة لبحث أو تأمل يقوم عليها، ولا نريد أن نجد في تلك النتائج شيئاً سوى اليقين.
لذا، دعنا نفترض أن جميع الغرائز العضوية محافظة، ومكتسبة شكلاً تاريخياً، وتميل إلى إحياء الحالات الأولى للأشياء. يترتب على ذلك أن الظواهر التي تعاني من التطور العضوي يجب أن تُعزى إلى التأثيرات الخارجية المخربة والمنحرفة. العنصر الحي البدائي، منذ البداية، ليست لديه رغبة في التغيير؛ إذا بقي الوضع على حاله، فلن يفعل شيئاً سوى التكرار المستمر لمسار الحياة نفسه. في المحصلة الأخيرة، ما يطبع بعلامته تطور العضويات يجب أن يكون تاريخ الكرة الأرضية التي نعيش عليها وعلاقتها بالشمس. وبالتالي، فإن أي تعديل يُفرض على مسار حياة العضوية تتقبله الغرائز العضوية المحافظة ويُدخر للتكرار اللاحق. لذا، فإن تلك الغرائز مضطرة إلى أن تتخذ مظهراً خادعاً، على أساس أنها قوى تميل إلى التغيير والتقدم، بينما هي في الواقع تسعى فقط إلى بلوغ أهداف عتيقة، سواء كان المسار قديماً أم جديداً. علاوة على ذلك، من الممكن تماماً أن نحدد هذا الهدف النهائي لكل الجهود والمساعي العضوية. إذا كان هدف الحياة حالة من الأشياء لم يسبق بلوغها قط، فإن هذا سيتعارض مع الطبيعة المحافظة للغرائز. على العكس، [هذا الهدف] يجب أن يكون حالة قديمة من الأشياء، أي الحالة الأولية التي انطلق منها الكائن الحي في وقت من الأوقات، وهو يسعى جاهداً للعودة إليها عبر المسار المتعرج الذي يهديه تطوره إليه. إذا كان علينا أن نتصور هذا الأمر بوصفه حقيقة لا استثناء لها، أي أن كل شيء حي يموت لأسباب داخلية ــ يتحول مرة أخرى إلى شيء غير عضوي ــ فإننا نضطر حينئذ إلى القول إن «هدف الحياة كلها هو الموت»، وبالنظر إلى الماضي يجب أن نقول إن «الأشياء غير الحية كانت موجودة قبل الكائنات الحية».
إنّ دافعًا قويًّا لا يمكننا أن نتصوّر كنهه، هو الذي أيقظ ذات يوم صفات الحياة في المادة غير الحيّة. لعلّ هذه العملية كانت شبيهة بنمط العملية التي أدّت لاحقًا إلى نشوء الوعي في طبقة معيّنة من المادة الحيّة. ثم نشأ توتّر في ما كان سابقًا مادة غير حيّة، وسعى إلى إلغاء ذاته. وبهذه الطريقة، وُلدت أوّل غريزة: غريزة العودة إلى الحالة غير الحيّة. في ذلك الزمان، كان الموت بالنسبة للكائن الحيّ أمرًا هيّنًا وبسيطًا؛ ولعلّ مدّة حياته كانت قصيرة، وكان مسارها تحدّده البنية الكيميائيّة لحياة يافعة. ربّما ظلّ الكائن الحيّ، لمدّة طويلة، يُخلق من جديد على هذا النحو باستمرار ويموت بسهولة، إلى أن تغيّرت المؤثّرات الخارجيّة الحاسمة على نحوٍ أرغم الكائن الذي لا يزال في طور البقاء على أن يبتعد أكثر فأكثر عن مسار الحياة الأصليّ، وأن يسلك، قبل بلوغ هدفه أي الموت، طريقًا أكثر التواءً وتعقيدًا. هذه المسارات الملتوية نحو الموت، التي تحرسها الغرائز المحافظة بأمانة، تقدّم لنا الآن صورة عن ظواهر الحياة. إذا أخذنا بعين الاعتبار، وبشكل حاسم، الطبيعة المحافظة حصرًا للغرائز، فلن نتمكّن من التوصّل إلى أيّ مفهوم آخر عن أصل الحياة وغايتها.
إنّ المعاني التي نتصوّرها عن المجموعات الكبرى من الغرائز، والتي نعتقد أنّها كامنة وراء ظواهر الحياة في العضويّات، لا تبدو أقلّ إرباكًا وإثارة للدهشة. إنّ فرضيّة غرائز الحفاظ على الذات، من النوع الذي نسبناه إلى الكائنات الحيّة، تقف في تقابل واضح مع فكرة أنّ الحياة الغريزيّة تخدم، بشكل عام، استدعاء الموت. إذا نظرنا من هذه الزاوية، فإنّ الأهمّيّة النظريّة لغرائز الحفاظ على الذات، وتأكيد الذات، والسعي إلى السيادة، تتضاءل إلى حدّ كبير. إنّها غرائز جزئيّة، وظيفتها أن تضمن سير العضويّة في طريقها نحو الموت، وكذلك أن تصدّ أيّ سبيل ممكن للعودة إلى الوجود غير العضويّ، باستثناء تلك السبل التي هي جزء من جوهر العضويّة ذاتها. لم نعد مضطرّين إلى أن نأخذ في الحسبان القرارات المحيّرة للعضويّة (التي يصعب التوفيق بينها وبين أيّ سياق)، تلك القرارات التي تتّخذها لبقاء كيانها في مواجهة أيّ عائق أو قيد. ما يبقى لنا هو حقيقة رغبة العضويّة في الموت، ولكن بطريقتها الخاصّة فحسب. إذن، فإنّ هؤلاء الأوصياء على الحياة هم أيضًا، في الأساس، خدم للموت. ومن هنا، ينشأ وضع متناقض مفاده أنّ العضويّة الحيّة تناضل بنشاط ضدّ أحداث (في الواقع، أخطار) يمكن أن تساعدها في بلوغ هدف حياتها بسرعة أكبر، عبر طريق مختصر. على أيّ حال، فإنّ مثل هذا السلوك هو، بدقّة، السمة المميّزة للسلوك الغريزيّ المحض، في مقابل المساعي الفكريّة.
ولكن، دعونا نتوقّف لحظة ونتأمّل. لا يمكن أن يكون الأمر على هذا النحو. إنّ الغرائز الجنسيّة، التي توليها نظريّة العصاب مكانة خاصّة تمامًا، تظهر من بُعد آخر مختلف كليًّا.
الضغط الخارجي الذي يتسبب في درجة متزايدة باستمرار من التطور، لا يفرض نفسه على كل كائن عضوي. فقد نجحت كائنات عضوية كثيرة في البقاء حتى الوقت الحاضر على مستواها المتدني نفسه. والعديد من هذه الكائنات، وإن لم تكن كلها، التي لا بد أنها تشبه المراحل الأولى لحيوانات ونباتات أكثر تطوراً، لا تزال حية اليوم. وعلى هذا المنوال، فإن مسار التطور بأكمله نحو الموت الطبيعي لم تسلكه كل الكائنات الأولية، تلك الكائنات التي تشكل الجسد المعقد للكائنات العضوية العليا. فبعضها، أي الخلايا التناسلية، قد حافظت على الأرجح على البنية الأصلية للمادة الحية، وبعد زمن معين، ومع اكتمال تام للاستعدادات الغريزية الموروثة والمكتسبة حديثاً، تنفصل عن الكائن العضوي ككل. ولا بد أن هاتين الخاصيتين هما بالتحديد ما يمكنها من أن يكون لها وجود مستقل. ففي ظروف مواتية، تبدأ في التطور ــ أي تكرار الأفعال التي تدين لها بوجودها؛ وفي النهاية، يواصل قسم آخر من نوعها تطوره نحو الاكتمال النهائي، بينما يعود قسم آخر مرة أخرى، بصفته خلية متبقية، إلى بداية عملية التطور. وهكذا، فإن هذه الخلايا التناسلية تعمل ضد موت الكائن الحي وتنجح في أن تكسبه ما يمكننا اعتباره خلوداً محتملاً، وإن لم يكن ذلك سوى إطالة للطريق نحو الموت. وعلينا أن نولي الأهمية القصوى لحقيقة أن وظيفة الخلية التناسلية تتعزز، أو أنها ببساطة تصبح ممكنة، إذا ما اتحدت بخلية تناسلية أخرى شبيهة بها، ومع ذلك مختلفة عنها.
هذه الغرائز التي ترعى مصير هذه الكائنات العضوية الأولية (elementary organisms) التي يكون عمرها أطول من الكائن العضوي بأكمله، والتي تزودها بدرع واقٍ بينما تكون هي أعزل في مواجهة الموت الخارجي، وتؤمن لها إمكانية الالتقاء بخلايا تناسلية أخرى وما إلى ذلك ــ كل هذه تشكل مجموعة الغرائز الجنسية. إنها محافظة بالمعنى نفسه الذي تكون فيه الغرائز الأخرى محافظة، إذ إنها تعيد الحالات الأولى للكائن الحي؛ لكنها أكثر محافظة من حيث إنها تقاوم التأثيرات الخارجية على نحو خاص؛ وهي محافظة من ناحية أخرى أيضاً، أي من حيث إنها تحافظ على الحياة نفسها لفترة أطول نسبياً. إنها غرائز الحياة الحقة. إنها تعمل بعكس هدف الغرائز الأخرى التي تؤدي، بحكم وظيفتها، نحو الموت؛ وهذا الأمر يبين أن هناك تقابلاً بينها وبين الغرائز الأخرى، تقابل اعترفت نظرية العصاب بأهميته منذ زمن طويل. وكأن حياة الكائن العضوي تسير بخطوات مترددة. فمجموعة من الغرائز تندفع إلى الأمام كي تبلغ الهدف النهائي للحياة بأسرع ما يمكن، ولكن ما إن يتم بلوغ مرحلة معينة في التقدم، حتى تقفز مجموعة أخرى إلى الوراء إلى نقطة معينة لتبدأ العمل من جديد، وهكذا تطيل أمد الرحلة. ومع أنه من الجلي أن الجنسانية والتمايز بين نوعي الجنس لم يكونا موجودين عندما بدأت الحياة، فإن الاحتمال لا يزال قائماً بأن الغرائز التي وُصفت لاحقاً بأنها غرائز جنسية كانت تعمل منذ البداية، وقد لا يكون صحيحاً أنه في أيام لاحقة فقط بدأت عملها في مقاومة أنشطة «غرائز الأنا» (ego-instincts).
والآن، دَعُونا نَعُدْ لِلَحظَةٍ إلى الوَراءِ وَنَتَأمَّلْ ما إذا كانَ هُناكَ أَساساً أَيُّ أَساسٍ لِهَذِهِ التَّخَمينات. هَلْ هُوَ حَقّاً كَذَلِكَ، أَنَّهُ لا تُوجَدُ، بِخِلافِ الغَرائِزِ الجِنسِيَّة، غَرائِزُ أُخْرى لا تَسْعى إلى إِحْياءِ المَراحِلِ الأُولى لِلأُمور؟ وَأَلّا تُوجَدَ غَرائِزُ يَكونُ هَدَفُها الوُصولَ إلى حالَةٍ مِنَ الأُمورِ لَمْ يَتِمَّ تَحْقيقُها قَطّ؟ إِنَّني لا أَعْرِفُ مِثالاً واحِداً مِنَ العالَمِ العُضْوِيِّ يَتَعارَضُ مَعَ السِّمَةِ الَّتي اِقْتَرَحْتُها تَوّاً. لا شَكَّ أَنَّهُ لا تُوجَدُ غَريزَةٌ عامَّةٌ تَتَحَرَّكُ نَحْوَ تَطَوُّرٍ أَعْلى يُمْكِنُ مُلاحَظَتُها في العالَمِ الحَيَوانِيِّ أَوِ النَّباتِيّ، مَعَ أَنَّهُ يَبْدو أَنَّ هَذا الأَمْرَ أَيْضاً لا يُمْكِنُ إِنْكارُهُ، أَنَّ التَّطَوُّرَ في هَذا الاِتِّجاهِ يَحْدُثُ فِعْلاً. لَكِنْ مِنْ ناحِيَة، غالِباً ما يَتَعَلَّقُ هَذا الأَمْرُ بِرَأْيِنا في أَنْ نَقولَ إِنَّ مَرْحَلَةً مِنَ التَّطَوُّرِ أَعْلى مِنْ مَرْحَلَةٍ أُخْرى. وَلَكِنْ مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى، عَلَّمَنا عِلْمُ الأَحْياءِ أَنَّ التَّطَوُّرَ الأَعْلى مِنْ جانِبٍ واحِدٍ، كَثيراً ما يُوازِنُهُ أَوْ يُلْقي بِظِلالِهِ عَلَيْهِ تَعْقيدٌ مِنْ جانِبٍ آخَر. بِالإِضافَةِ إلى ذَلِكَ، هُناكَ الكَثيرُ مِنْ أَنْواعِ الحَيَواناتِ الَّتي يُمْكِنُنا أَنْ نَسْتَتِنْتِجَ مِنْ أَطْوارِها الأُولى أَنَّ تَطَوُّرَها قَدِ اِتَّخَذَ، عَلى العَكْس، طابَعاً اِرْتِدادِيّاً. كُلٌّ مِنَ التَّطَوُّرِ إلى مَراحِلَ أَعْلى وَالتَّعْقيدِ يُمْكِنُ أَنْ يَكونا حَقّاً نَتائِجَ لِلتَّكَيُّفِ مَعَ ضَغْطِ القُوى الخارِجِيَّة؛ وَفي كِلا الحالَتَيْن، يُمْكِنُ أَنْ يَكونَ الدَّوْرُ الَّذي تُؤَدّيهِ الغَرائِزُ هُوَ حِفْظَ (وَذَلِكَ في شَكْلِ المَصْدَرِ الدّاخِلِيِّ لِلَّذَّة) التَّعْديلاتِ الإِجْبارِيَّة.
كَما قَدْ يَكونُ مِنَ الصَّعْبِ عَلى الكَثيرِ مِنّا التَّخَلّي عَنْ هَذِهِ الفِكْرَةِ القائِلَةِ بِأَنَّ في البَشَرِ غَريزَةً لِلكَمالِ تَعْمَل، غَريزَةً أَوْصَلَتِ البَشَرَ إلى ما هُمْ عَلَيْهِ مِنَ السُّمُوِّ الأَخْلاقِيِّ وَالإِنْجازاتِ الفِكْرِيَّةِ الرَّفيعَة، وَيُتَوَقَّعُ أَنْ تَكونَ حارِسَةً لِتَطَوُّرِهِمْ حَتّى حَدِّ الإِنْسانِ الأَعْلى. عَلى أَيِّ حال، لَيْسَ لَدَيَّ أَيُّ اِعْتِقادٍ بِوُجودِ مِثْلِ تِلْكَ الغَريزَةِ الدّاخِلِيَّة، وَلا أَسْتَطيعُ تَصَوُّرَ كَيْفَ يَنْبَغي الحِفاظُ عَلى هَذا الوَهْمِ الخَيِّر. في نَظَري، إِنَّ التَّطَوُّرَ الحالِيَّ لِلكائِناتِ البَشَرِيَّةِ لا يَتَطَلَّبُ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ التَّبْيينِ يَخْتَلِفُ عَنْ تَبْيينِ الحَيَوانات. ما يَظْهَرُ في أَقَلِّيَّةٍ مِنَ الأَفْرادِ البَشَرِيِّينَ كَإِلْزامٍ لا يَكِلُّ نَحْوَ التَّكامُلِ اللّاحِق، يُمْكِنُ فَهْمُهُ بِسُهولَةٍ كَنَتيجَةٍ لِكَبْتِ الغَرائِزِ الَّذي يَقومُ عَلَيْهِ كُلُّ ما هُوَ أَثْمَنُ في الحَضارَةِ البَشَرِيَّة. إِنَّ الغَريزَةَ المَكْبوتَةَ لا تَكُفُّ أَبَداً عَنِ السَّعْيِ لِتَحْقيقِ الإِشْباعِ الكامِل، الَّذي يَتَكَوَّنُ نَفْسُهُ مِنْ تِكْرارِ تَجْرِبَةِ الإِشْباعِ الأَوَّلِيّ. لا يوجَدُ أَيُّ تَشْكيلٍ بَديلٍ أَوْ تَفاعُلِيٍّ وَلا أَيُّ نَوْعٍ مِنَ التَّسامي (sublimation) يَكْفي لِمَحْوِ التَّوَتُّرِ الدّائِمِ لِلغَريزَةِ المَكْبوتَة؛ وَالفارِقُ في مِقْدارِ لَذَّةِ الإِشْباعِ المَطْلوبَةِ مَعَ الإِشْباعِ الَّذي يَتِمُّ الحُصولُ عَلَيْهِ عَمَلِيّاً يُوَفِّرُ العامِلَ المُحَرِّكَ الَّذي لا يَسْمَحُ بِأَيِّ تَوَقُّفٍ في المَوْضِعِ الَّذي تَمَّ بُلُوغُه، بَلْ، عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِر: «يَنْدَفِعُ دائِماً مُسْرِعاً إلى الأَمام.» (15) إِنَّ طَريقَ التَّراجُعِ الَّذي يُؤَدّي إلى الإِشْباعِ الكامِلِ، عادَةً ما يَكونُ مَسْدوداً بِالمُقاوَماتِ الَّتي تَحْمي مِنَ الكُبوتات. لِذا لا يوجَدُ بَديلٌ سِوى التَّقَدُّمِ في الاِتِّجاهِ الَّذي لا يَزالُ فيهِ التَّوَسُّعُ حُرّاً ــ مَعَ أَنَّهُ لا يوجَدُ أَيُّ أُفُقٍ لِتَحْقيقِ نَتيجَةٍ لِهَذِهِ العَمَلِيَّةِ أَوِ القُدْرَةِ عَلى بُلُوغِ الهَدَف. إِنَّ العَمَلِيَّةَ الَّتي تَدْخُلُ في تَشْكيلِ الخَوْفِ العُصابِيّ، الَّذي لَيْسَ سِوى مُحاوَلَةٍ لِلهُروبِ مِنَ الإِشْباعِ الغَريزِيّ، تُقَدِّمُ لَنا أُنْموذَجاً لِطَريقَةِ تَكْوينِ فَرْضِيَّتِنا الدّالَّةِ عَلى وُجودِ «غَريزَةِ الذَّهابِ نَحْوَ الكَمال»، وَهِيَ غَريزَةٌ لا يُمْكِنُ نِسْبَتُها بِأَيِّ حالٍ مِنَ الأَحْوالِ إلى جَميعِ الكائِناتِ البَشَرِيَّة. في الحَقيقَة، إِنَّ الشُّروطَ الدّيناميكِيَّةَ لِتَطَوُّرِهِمْ مَوْجودَةٌ بِشَكْلٍ عامّ؛ وَلَكِنْ فَقَطْ في حالاتٍ نادِرَةٍ يَبْدو أَنَّ الوَضْعَ الاِقْتِصادِيَّ يَكونُ في صالِحِ إِنْتاجِ مِثْلِ هَذِهِ الظّاهِرَة.
فَقَطْ أُضيفُ كَلِمَةً أُخْرى إلى ما قُلْتُهُ، وَهِيَ أَنَّ مُحاوَلاتِ إيروس (16) لِتَرْكيبِ الكائِناتِ العُضْوِيَّةِ في قالَبِ وَحَداتٍ أَكْبَرَ فَأَكْبَر، مِنَ المُحْتَمَلِ أَنْ تُوَفِّرَ بَديلاً لِنَفْسِ هَذِهِ «الغَريزَةِ نَحْوَ الكَمال»، الَّتي لا نَسْتَطيعُ تَأْييدَ وُجودِها. إِنَّ مُحاوَلاتِ إيروس، إلى جانِبِ نَتائِجِ الكَبْت، تَبْدو قادِرَةً عَلى تَبْيينِ الظَّواهِرِ الَّتي تُنْسَبُ إِلَيْها [تِلْكَ الغَريزَة].
لقد كانت نتيجة تساؤلاتنا حتى الآن هي التسليم بوجود تمييز قاطع بين غرائز «الأنا» وغرائز «الجنس»، وتبني الرأي القائل بأن الغرائز الأولى تسير نحو الموت، والثانية نحو إطالة أمد الحياة. غير أن هذه النتيجة لا بد أن تكون غير مُرضية من وجوه عديدة، حتى بالنسبة لنا. وعلاوة على ذلك، فإننا عملياً لا نستطيع أن ننسب الصفة المحافظة، أو الأكثر رجعية، إلا إلى المجموعة الأولى من الغرائز. أعني تلك الخاصية التي تقابل الإكراه على التكرار. ذلك أنه بناءً على فرضيتنا، تنشأ «غرائز الأنا» من اكتساب المادة غير الحية للحياة، وتسعى إلى إحياء الحالة غير الحية؛ في حين أن الغرائز الجنسية ــ وإن كان صحيحاً أنها تعيد إنتاج الحالات البدئية للعضوية ــ تسعى بوضوح وبكل وسيلة ممكنة إلى توحيد خليتين تناسليتين انفصلتا عن بعضهما بطريقة خاصة. وإذا لم يتحقق هذا التوحيد، تموت الخلايا التناسلية مع سائر عناصر العضوية متعددة الخلايا. وفقط بناءً على هذا الشرط، يمكن للوظيفة الجنسية أن تديم حياة الخلية وتضفي عليها مظهر الخلود. ولكن ما هو الحدث المهم في تطور الكائن الحي ــ الذي يتكرر بدوره في أثناء التكاثر الجنسي ــ أو في مرحلته السابقة، أعني اتصال خليتين من وحيدات الخلية (protozoa)؟ لا نستطيع أن نقدم جواباً على هذا السؤال، ومن ثم سنشعر بالارتياح إذا تبين أن البناء الكلي لحجتنا خاطئ. وعليه، فإن التقابل بين «غرائز الأنا» أو الموت وغرائز الحياة أو الجنس يزول، ولن يعود للإكراه على التكرار تلك الأهمية التي نسبناها إليه.
فلنعد، إذن، إلى إحدى فرضياتنا التي سبق أن قدمناها، ولكن مع استثناء أننا سنكون قادرين على نفيها نفياً قاطعاً. لقد استنتجنا نتائج بعيدة المدى من هذه الفرضية القائلة بأن جميع الكائنات الحية لا بد أن تموت بسبب علل داخلية. لقد طرحنا هذه الفرضية دون أي نوع من الدقة، لأنها لم تكن تبدو لنا فرضية. لقد اعتدنا التفكير بأن الواقع هكذا، وقد عززت فكرنا كتابات شعرائنا. ربما تبنينا هذا الاعتقاد لأن فيه نوعاً من العزاء. إذا كان محتماً علينا أن نموت، وأن ينتزع الموت منا أولئك الأعزاء علينا، فسيكون من الأسهل أن نذعن لقانون الطبيعة القاسي، أن نذعن لضرورة متعالية (sublime)، بدلاً من أن نذعن لصدفة قد تستطيع الإفلات. على أية حال، قد يكون هذا الاعتقاد بضرورة الموت الذاتية مجرد وهم آخر من تلك الأوهام التي خلقناها «لنحتمل عبء الوجود». (17) من المؤكد أن هذا الاعتقاد ليس اعتقاداً أولياً وبدائياً. إن مفهوم «الموت الطبيعي» غريب تماماً عن البدائيين. فهم ينسبون كل موت يحدث بينهم إلى تأثير عدو أو روح شيطانية. لذا، ينبغي أن نتجه نحو علم الأحياء لنختبر صحة قولنا.
إذا أقدمنا على هذا العمل، فسوف ندهش حين ندرك إلى أي مدى يوجد اختلاف ضئيل بين علماء الأحياء حول موضوع الموت الطبيعي. كما سنندهش من حقيقة أن مفهوم الموت برمته يذوب تحت أنظارهم. إن حقيقة وجود مدة حياتية متوسطة ثابتة، على الأقل بين الحيوانات العليا، هي بطبيعة الحال حجة لصالح وجود شيء اسمه الموت بسبب علل طبيعية. لكن هذه الفكرة تُواجَه بأننا نلاحظ عدداً من الحيوانات الكبيرة والنباتات العظيمة التي تعيش أعماراً مديدة، بحيث لا نستطيع حالياً إحصاء أعمارها. ووفقاً لرأي فيلهلم فليس (18) واسع الانتشار، فإن جميع الظواهر التي تعرضها العضويات الحية ــ ولا شك موتها أيضاً ــ ترتبط بانتهاء دورات ثابتة، تعبر هي نفسها عن تبعية نوعين من الكائنات الحية، أحدهما ذكر والآخر أنثى، للسنة الشمسية. على أية حال، حين نلاحظ كم بسهولة وبأي مدى واسع يستطيع تأثير القوى الخارجية أن يعدل زمن ظهور الظواهر الحية (خاصة في عالم النبات) ــ بمعنى إما أن يسرّعها أو يؤخرها ــ ينبغي أن نشك في عدم مرونة صيغة فليس ومحدوديتها، أو على الأقل أن نشك في أن القوانين التي قدمها هي العوامل المحددة الوحيدة.
من وجهة نظرنا، ينبغي أن نولي أكبر قدر من الاهتمام لكتابات وايزمان (19) وطريقة تلقيه لموضوع زمن الحياة وموت الكائنات العضوية. فهو الذي قدم تقسيم الكائن الحي إلى أجزاء فانية وأخرى خالدة. الجزء الفاني من الجسد بمعناه المحدود هو «سوما» (20) الذي يخضع وحده للموت الطبيعي. ومن جهة أخرى، فإن الخلايا التناسلية خالدة بالقوة لأنها قادرة، في ظل ظروف مناسبة معينة، على أن تتحول إلى فرد جديد، أو بعبارة أخرى، أن تسلم نفسها لسوما جديدة.
ما يثير دهشتنا هو التشابه غير المتوقع لهذه الآراء مع آرائنا نحن التي توصلنا إليها منذ زمن طويل وبطريقة مختلفة تمامًا. يتناول وايزمان الكائن الحي من حيث المورفولوجيا. فهو يلاحظ في ذلك الجزء المحكوم عليه بالموت السوما، منفصلة عن المادة المتعلقة بالجنسانية والوراثة، وفي الجزء الآخر يلاحظ الخلود ــ أي المادة الحياتية التناسلية (germ plasm) التي تتجه نحو بقاء الأنواع وتكاثرها. من جهة أخرى، نحن لا نتعامل مع الكائن الحي، بل نتعامل مع القوى الفاعلة فيه. ونتيجة لذلك، اندفعنا إلى التمييز بين نوعين من الغرائز: تلك التي تقود كل ما هو حي نحو الموت، وغيرها، أي الغرائز الجنسية، التي تسعى باستمرار إلى إعادة بناء الحياة وتحقق ذلك. تبدو هذه النظرية وكأنها نتيجة دينامية للنظرية المورفولوجية عند وايزمان.
لكن هذا التشابه ذا الدلالة يزول بمجرد أن نكتشف نظريات وايزمان حول مسألة الموت، لأنه لا ينسب التمييز بين السوما الفانية والمادة الحياتية التناسلية الخالدة إلا إلى الكائنات العضوية الحية متعددة الخلايا. ففي الكائنات وحيدة الخلية، لا يزال الفرد والخلية المتكاثرة شيئًا واحدًا وعينه. لذلك يرى أن الكائنات وحيدة الخلية خالدة بالقوة، وأن الموت لا يظهر بوجهه إلا في الكائن متعدد الخلايا (metazoa). صحيح أن هذا النوع من موت الكائنات العضوية العليا هو من النوع الطبيعي، موت ناجم عن أسباب داخلية. لكن هذا الموت لا يستند إلى أية صفة أولية للكائن الحي (وايزمان، 1984) ولا يمكن اعتباره ضرورة مطلقة أساسها في صميم طبيعة الحياة (وايزمان، 1982، 33). بل إن الموت أمر مصلحي، تجلٍ للتكيف مع الأوضاع الخارجية للحياة؛ لأنه عندما انقسمت خلايا الجسد إلى سوما وبلازما تناسلية، أصبح زمن الحياة الفردية غير المحدود زخرفًا وزينة بلا معنى تمامًا. وعندما تم هذا التفريق في الكائنات متعددة الخلايا، أصبح الموت أمرًا ممكنًا ومصلحيًا. ومنذ ذلك الحين، تموت سوما الكائنات العضوية العليا في أزمنة ثابتة بسبب أسباب داخلية، بينما تبقى وحيدات الخلية خالدة. ومن جهة أخرى، ليس الأمر أن التكاثر ظهر عندما ظهر الموت؛ بل على العكس، التكاثر، مثل النمو (الذي نشأ منه)، هو من الخصائص الأولية للمادة الحية، والحياة منذ بداية ظهورها على الأرض كانت دائمًا مستدامة.
سنجد أن قبولنا، على هذا المنوال، بأن الكائنات العضوية العليا لها موت طبيعي، لن يقدم لنا عونًا كبيرًا. لأنه إذا كان الموت شيئًا اكتسبته الكائنات العضوية لاحقًا، فإن مسألة وجود غرائز الموت منذ بداية الحياة على الأرض ستفقد موضوعيتها. قد تموت الكائنات متعددة الخلايا بسبب أسباب داخلية، إما بسبب تفريق ناقص أو بسبب خلل في أيضها؛ لكن هذا الأمر لا أهمية له من حيث المسألة التي أمامنا. علاوة على ذلك، فإن مثل هذا التصور لأصل الموت لا يختلف كثيرًا عن طرق تفكيرنا المألوفة ليفوق فرضية «غرائز الموت» الغريبة.
إن النقاش الذي أعقب فرضيات وايزمان، على حد ما أستطيع أن أرى، لم يفضِ إلى أية نتيجة حاسمة في أي اتجاه. فقد عاد بعض الكتاب إلى آراء غوته (1883)، الذي تصور الموت كنتيجة مباشرة للتكاثر. ولم يتصور هارتمان (21) ظهور «الجسد الميت» (dead body) ــ الجزء الميت من الكائن الحي ــ كمعيار للموت، بل عرّف الموت بأنه «نهاية التطور الفردي». وبهذا المعنى، فإن وحيدات الخلايا فانية أيضًا؛ وفي حالتها، يكون الموت مقرونًا دائمًا بالتكاثر، لكن التكاثر، إلى حد كبير، يجعل الموت أمرًا معتمًا ومبهمًا، لأن كل مادة الحيوان السلف يمكن أن تنتقل مباشرة إلى الخلف المولود حديثًا.
بعد ذلك بفترة وجيزة، توجّهت الأبحاث نحو الاختبار التجريبي للكائنات وحيدة الخلية فيما يتعلق بخلود المادة الحية المفترض. كان وودراف (22)، عالم الأحياء الأمريكي، يجري تجارب على حيوان مجهري مهدب (infusorian ciliate) من نوع النَّعْلِيَّة (23) ــ الذي يتكاثر بالانقسام إلى وحدتين ــ واستمر في عمله حتى الجيل الثلاثة آلاف والتاسع والعشرين (حيث أنهى الاختبار عند هذه النقطة). كان يعزل في كل جيل واحداً من هذه الكائنات ويضعه في ماء نقي. كان هذا السليل البعيد جداً للنَّعْلِيَّة الأولى مفعماً بالحيوية والنشاط كسلفه، ولم يُظهر أي أثر للشيخوخة أو التدهور. وهكذا، وبقدر ما تستطيع كائنات من هذا القبيل إثبات شيء، [يمكن القول إن] خلود الكائن وحيد الخلية يبدو قابلاً للإثبات من الناحية التجريبية.
توصل مجربون آخرون إلى نتائج مختلفة. فقد وجد موباس (24) وكالكينز (25) وآخرون، على عكس وودراف، أنه بعد عدد معين من الانقسامات، تضعف هذه الحيوانات المجهرية المهدبة، وتصغر، وتفقد جزءاً من تنظيمها، وتموت في النهاية ما لم تُتخذ بشأنها بعض التدابير المنعشة. وإذا كان الأمر كذلك، فيبدو أن وحيدات الخلية تموت بعد فترة من الشيخوخة تماماً كالحيوانات العليا. وهي بذلك تتعارض بشكل مطلق مع تأكيد فايزمان القائل بأن الموت شيء تكتسبه الكائنات الحية لاحقاً.
يبرز من مجموع هذه الاختبارات واقعتان تبدوان مهيأتين لتكونا سنداً متيناً لنا.
الأولى: إذا تمكن حيوانان مجهريان، في اللحظة التي تسبق ظهور أعراض الشيخوخة، من الالتقاء معاً، أو بعبارة أخرى «الاقتران» (conjugate) (أي بعد أن ينفصلا عن بعضهما مرة أخرى بوقت قصير)، فإن شيخوختهما تُمنع و«يتجدد شبابهما». إن الاقتران هو بلا شك طليعة التكاثر الجنسي لدى الكائنات العليا؛ لكنه لا يزال غير مرتبط بالتكاثر والازدياد، ويقتصر على تزاوج مادتي الفردين (أي «الامتزاج الجنسي» (amphimixis) في نظرية فايزمان). على أية حال، يمكن الاستعاضة عن الآثار المنعشة للاقتران ببعض العوامل المحفزة المحددة، أو بتغييرات في تركيب المادة المغذية لها، أو برفع درجة حرارتها، أو بهزها. نتذكر هنا تجربة ج. لوب (26) الشهيرة التي أحدث فيها، بواسطة بعض المنبهات الكيميائية، انقسامات في بيوض قنفذ البحر ــ وهي عملية لا يمكن أن تحدث عادة إلا بعد الإخصاب.
الثانية: ومع ذلك، يحتمل أن تموت الحيوانات المجهرية المهدبة موتاً طبيعياً نتيجة لعملياتها الحيوية الخاصة؛ لأن التناقض بين نتائج وودراف وغيره نجم عن كونه كان يوفر سائلاً مغذياً طازجاً لكل جيل. ولو أنه حذف هذه المادة، لشاهد أعراض الشيخوخة ذاتها التي شاهدها المجربون الآخرون. وقد خلص إلى أن الحيوانات المجهرية تتضرر بنواتج الاستقلاب (products of metabolism) التي تفرزها هي نفسها في الوسط المحيط. وهكذا استطاع أن يثبت بشكل قاطع أن نواتج استقلاب النوع الخاص من النَّعْلِيَّة وحدها هي التي تحمل نتائج مميتة لها. ذلك أن النَّعْلِيَّات نفسها، حين تتجمع في سائلها المغذي الخاص، تهلك حتماً، بينما تزدهر إذا وُضعت في سائل مشبع تماماً بالنواتج المستهلكة لأنواع قريبة بعيدة الصلة. وهكذا، فإن الحيوان المجهري المهدب، إذا تُرك لحاله، يموت موتاً طبيعياً بسبب الإخلاء الناقص لنواتج استقلابه. (وربما كان هذا القصور نفسه هو العلة الغائية لموت جميع الحيوانات العليا أيضاً).
وهنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال مفاده: هل يبلغ السعي لحل مسألة الموت الطبيعي غايته بدراسة الكائنات وحيدة الخلية؟ قد تخفي البنية البدائية لهذه الكائنات عن أعيننا جيداً حالاتٍ مهمةً، حالاتٍ وإن كانت موجودة فيها أيضاً، إلا أنها لا تُرى إلا في الحيوانات العليا، حيث يمكنها أن تجد تجلياً مورفولوجياً؛ وإذا ما تخلينا عن المنظور المورفولوجي واعتمدنا المنظور الدينامي، فإن مسألة إمكان إثبات حدوث الموت الطبيعي في الكائنات وحيدة الخلية من عدمه، تصبح بالنسبة لنا أمراً محايداً تماماً. فالمادة التي ستُعرف لاحقاً ككائنات فانية، لم تنفصل بعد عن المادة الفانية. قد تكون القوى الغريزية التي تسعى لقيادة الحياة نحو الموت فاعلةً منذ البداية في الكائنات وحيدة الخلية، لكن من الممكن أن تخفي قوى الحفاظ على الحياة آثارها على نحو تام، بحيث يصبح العثور على دليل مباشر على حضورها أمراً بالغ الصعوبة. علاوة على ذلك، رأينا أن الملاحظات التي أجراها علماء الأحياء تتيح لنا أن نفترض أن تيارات داخلية من هذا النوع تؤدي إلى الموت تحدث أيضاً في الكائنات وحيدة الخلية. ولكن إذا ثبت أن الكائنات وحيدة الخلية خالدة بالمعنى الذي قصده وايزمان، فإن تأكيده على أن الموت أمر مكتسب لاحقاً لا ينطبق إلا على ظواهره الجلية، ولا يسقط من الإمكان فرضية العمليات التي تتجه نحوه.
وعليه، فإن توقعنا بأن يعارض علم الأحياء بشكل قاطع الاعتراف بغرائز الموت لم يتحقق. فنحن أحرار في مواصلة انشغالنا بإمكانية وجودها، شريطة أن تكون لدينا أسباب أخرى للقيام بذلك. إن التمييز الذي يقيمه وايزمان بين السوما والبلازما المنتشة، والفصل الذي نقيمه نحن بين غرائز الموت وغرائز الحياة، لا يزالان قائمين ويحتفظان بأهميتهما.
من الأفضل أن نتأمل للحظة في هذه النظرة إلى الحياة الغريزية التي تتسم بازدواجية لافتة. وفقاً لنظرية إ. هرينغ (27)، هناك نوعان من العمليات يعملان باستمرار في الكائن الحي ويسيران في اتجاهين متعاكسين: أحدهما بنائي أو تمثيلي (assimilatory) والآخر هدّام أو تفارقي (dissimilatory). هل ينبغي لنا أن نجازف ونعترف في هذين الاتجاهين اللذين تسلكهما العمليات الحياتية بنشاط دافعين غريزيين لدينا، ألا وهما غرائز الحياة وغرائز الموت؟ على أية حال، ثمة أمر آخر لا ينبغي أن نغض الطرف عنه: لقد شققنا طريقنا دون أن ندري نحو ملاذ فلسفة شوبنهاور. فمن وجهة نظره، الموت هو «النتيجة الحقيقية للحياة، وبالقدر نفسه هدفها»، في حين أن الغريزة الجنسية هي تجسيد للإرادة الموجهة نحو الحياة.
لنسمح لأنفسنا بمحاولة جريئة ونتقدم خطوة إلى الأمام. يُفترض عموماً أن تجمع عدد من الخلايا في رابطة حيوية ــ أي خاصية تعدد الخلايا في الكائنات الحية ــ قد أصبح وسيلة لإطالة حياتها. تساعد خليةٌ ما في الحفاظ على حياة خلية أخرى، ويمكن لمجتمع الخلايا أن يبقى حتى لو تعين على خلية منفردة أن تموت. لقد عرفنا سابقاً أن الاقتران ــ أي التجمع المؤقت لكائنين حيين وحيدي الخلية ــ له أيضاً تأثير على كليهما من حيث الحفاظ على الحياة والتجدد. وعلى هذا المنوال يمكننا أن نحاول تطبيق نظرية الليبيدو التي تم التوصل إليها في التحليل النفسي على العلاقة المتبادلة بين الخلايا. ينبغي لنا أن نفترض أن غرائز الحياة أو الغرائز الجنسية النشطة في كل خلية تجعل من الخلايا الأخرى موضوعاً لها، بمعنى أنها تحيد جزئياً غرائز الموت عن تلك الخلايا (أي العمليات التي تقيمها تلك الغرائز) وبالتالي تحافظ على حياتها؛ وفي الوقت نفسه تقوم الخلايا الأخرى بالأمر ذاته لها، كما تضحي خلايا أخرى بنفسها أثناء تأدية هذه الوظيفة الليبيدية. أما الخلايا التناسلية، فهي تتصرف بطريقة 'نرجسية' تماماً ــ ونحن نستخدم عبارة اعتدنا استخدامها في نظرية العصاب لوصف كلية الفرد الذي يحتفظ بليبيدوه داخل 'الأنا' ولا يوجه شيئاً منه إلى استثمار الموضوع. تحتاج الخلايا التناسلية إلى ليبيدوها، أي نشاط غرائز الحياة لديها، من أجل ذاتها، وذلك كذخيرة ضد نشاطها البنّاء الخطير اللاحق. (وربما يمكن وصف خلايا الأورام الخبيثة ــ التي تدمر الكائن الحي ــ بأنها نرجسية بالمعنى نفسه: علم الأمراض مستعد لاعتبار خلاياها التناسلية فطرية وأن ينسب إليها صفات جنينية.) وليبيدو غرائزنا الجنسية بهذه الطريقة يتطابق مع إيروس الشعراء والفلاسفة الذي يجمع كل الكائنات الحية معاً.
وهكذا تتاح هنا فرصة للنظر إلى الوراء، إلى التطور البطيء لنظريتنا في الليبيدو. في البداية، دفعنا تحليل عصاب الانتقال إلى ملاحظة التقابل بين 'الغرائز الجنسية' التي يتجه توجهها نحو موضوع ما، وبعض الغرائز الأخرى التي لم تكن لدينا معرفة كافية بها ووصفناها مؤقتاً بـ 'غرائز الأنا'. وقد أُعطيت المكانة البارزة بينها بالضرورة للغرائز التي تخدم حفظ الذات لدى الفرد. ومن المستحيل القول ما هي التمايزات الأخرى التي يمكن إقامتها بينها. ليست هناك معرفة كأساس لعلم نفسي حقيقي أكثر قيمة من الفهم التقريبي للخصائص المشتركة والسمات المميزة الممكنة بين الغرائز. لكننا لا نتحرك في أي جزء من علم النفس لدينا بهذا القدر من التخبط في الظلام. كل شخص يفترض، حسب هواه، وجود أي عدد من الغرائز أو 'الغرائز الأساسية'، ويقوم بها بنفس الألاعيب التي كان فلاسفة الطبيعة الإغريق القدامى يقومون بها مع عناصرهم الأربعة ــ التراب والهواء والنار والماء. التحليل النفسي، الذي لا يستطيع إلا أن يسلم ببعض الفرضيات حول الغرائز، اكتفى في البداية بالتقسيم المألوف للغرائز الذي عُبر عن معناه في عبارة 'الجوع والحب' كنموذج. يمكن القول على الأقل إنه لم يكن هناك شيء اعتباطي في هذا الاختيار؛ وبمساعدته تم دفع تحليل الأعصبة قدماً إلى حد كبير. لقد اتسع مفهوم 'الجنسانية' (sexuality) بالتزامن مع مفهوم الغريزة الجنسية ليشمل بالفعل أشياء كثيرة، أشياء لا يمكن تصنيفها تحت وظيفة التكاثر؛ وهذا الأمر لم يثر ضجة قليلة في العالم المتزمت المحترم أو العالم المرائي فحسب.
خُطِيت الخطوة التالية حين شعر التحليل النفسي بأن طريقه يقترن بطريق علم نفس «الأنا»، تلك الأنا التي لم يعرفها التحليل النفسي في البداية إلا بوصفها عاملاً كابتاً ورقيباً، عاملاً يمتلك القدرة على بناء الهياكل الدفاعية والتشكيلات التفاعلية. لقد اعترضت العقول الناقدة والبصيرة، في الحقيقة، منذ ذلك الحين على مفهوم حصر الليبيدو في طاقة الغرائز الجنسية الموجهة نحو الموضوع. لكنهم أخفقوا في تبيان كيف توصلوا إلى معرفتهم الأفضل، أو عجزوا عن استنتاج شيء من معرفتهم يمكن للتحليل أن يستفيد منه. لاحظ التحليل النفسي، وهو يمضي بحذر أشد، النظام الذي ينسحب بموجبه الليبيدو من الموضوع ويتجه نحو «الأنا» (أي عملية الاستبطان)؛ ومن خلال دراسة التطور الليبيدالي للأطفال في مراحله المبكرة، خلص إلى أن «الأنا» هي المنبع الحقيقي والأصيل لليبيدو، وأن الليبيدو لا يمتد إلى الموضوعات إلا انطلاقاً من هذا المنبع. وهكذا وجدت «الأنا» موقعها بين الموضوعات الجنسية، واختصت بأبرز موقع بينها. أما الليبيدو الذي استقر على هذا النحو في «الأنا»، فقد وُصف بأنه شيء «نرجسي». وبالطبع، كان هذا الليبيدو النرجسي أيضاً تجلياً لقوة الغريزة الجنسية بالمعنى التحليلي لهذه الكلمات، وكان لا بد بالضرورة من أن يتحد مع «غرائز حفظ الذات» التي اعتُرف بوجودها منذ البداية. وهكذا ثبت أن إقامة التقابل الأصلي بين «غرائز الأنا» و«الغرائز الجنسية» أمر قاصر وغير كافٍ. فقد لوحظ أن قسماً من «غرائز الأنا» ليبيدالي؛ وأن الغرائز الجنسية ــ ربما إلى جانب غرائز أخرى ــ تعمل في «الأنا». ومع ذلك، يحق لنا القول إن الصيغة القديمة القائلة بأن العصاب يقوم على الصراع بين «غرائز الأنا» والغرائز الجنسية، لا تتضمن شيئاً نحن بحاجة إلى رفضه في الوقت الحاضر. المسألة هي ببساطة أن خاصية التمايز بين نوعي الغريزة، التي كانت تُعتبر أساساً تمايزاً كيفياً، ينبغي الآن أن تُحدد بشكل آخر ــ أي بوصفها شيئاً طوبوغرافياً. ويظل صحيحاً بشكل خاص أن عصابات الانتقال، أي الموضوع الأساسي لدراسة التحليل النفسي، هي نتيجة الصراع بين «الأنا» والاستثمار الليبيدالي للموضوعات.
لكن الضرورة تقتضي الآن، قبل كل شيء، أن نشدد على الخاصية الليبيدالية لغرائز حفظ الذات، وذلك في الوقت الذي خاطرنا فيه، من أجل الاعتراف بالغريزة الجنسية بوصفها إيروس، خطوة إلى الأمام، ذاك الإيروس الحافظ لكل الأشياء، ونريد أن نستنتج الليبيدو النرجسي لـ«الأنا» من مخازن الليبيدو التي ترتبط بها الخلايا الجسدية بعضها ببعض. لكننا نجد أنفسنا فجأة أمام سؤال آخر. إذا كانت غرائز حفظ الذات ذات طبيعة ليبيدالية هي أيضاً، فهل توجد أية غريزة أخرى ليست ليبيدالية بأي شكل من الأشكال؟ على أية حال، لا تلوح في الأفق غريزة من نوع آخر. لكن إذا كان الأمر كذلك، فلسوف نُدفع في نهاية المطاف إلى الاتفاق مع النقاد الذين تصوروا منذ البداية أن التحليل النفسي يفسر كل الأشياء باللجوء إلى الجنسية، أو أن نتفق مع مبتدع مثل يونغ الذي استخدم، بحكم متسرع، مصطلح «ليبيدو» بمعنى القوة الغريزية بشكل عام. ألا ينبغي أن يكون الأمر كذلك؟
على أية حال، لم تكن نيتنا أن نخلص إلى نتيجة كهذه. كانت نقطة انطلاق استدلالنا تمييزاً قاطعاً بين غرائز «الأنا» التي تتطابق مع غرائز الموت، والغرائز الجنسية التي ساويناها بغرائز الحياة. (كنا في مرحلة ما على استعداد لإدراج ما يسمى بغرائز حفظ الذات الخاصة بـ «الأنا» ضمن غرائز الموت؛ لكننا صححنا رأينا لاحقاً في هذا الشأن وتراجعنا عنه.) لقد كانت آراؤنا ثنائية (dualistic) منذ البداية، وهي الآن أكثر ثنائية من ذي قبل ــ الآن حيث نتصور التقابل بين غرائز الحياة وغرائز الموت، لا بين غرائز «الأنا» والغرائز الجنسية. وعلى النقيض من ذلك، فإن نظرية الليبيدو عند يونغ أحادية (monistic)؛ وكونه قد أطلق على القوة الغريزية الوحيدة اسم «ليبيدو»، كان لا بد أن يؤدي إلى خلط في الموضوع، لكن هذا الأمر لا يؤثر على نظريتنا. إننا نرى أن هناك غرائز من نوع آخر غير غرائز حفظ الذات الليبيدية فاعلة في «الأنا»، وينبغي أن يكون بإمكاننا إثباتها. لسوء الحظ، لم يحرز تحليل «الأنا» تقدماً يذكر، مما يجعل القيام بذلك صعباً للغاية بالنسبة لنا. في الحقيقة، من الممكن أن تكون الغرائز الليبيدية في «الأنا» مرتبطة بطريقة خاصة مع غرائز «الأنا» الأخرى، بحيث لا تزال تبدو لنا غريبة. حتى قبل أن نكتسب فهماً واضحاً للنرجسية، كان المحللون النفسيون يشكون في أن «غرائز الأنا» تحتوي على مكونات ليبيدية ملحقة بها. لكن هذه إمكانيات غير مؤكدة إلى حد كبير، ولا يوليها خصومنا اهتماماً يذكر. تبقى المشكلة قائمة بأن التحليل النفسي لم يمكنّا بعد من الإشارة إلى أي نوع من غرائز «الأنا» غير النوع الليبيدي. على أية حال، ليس هذا دليلاً على أن ننزلق إلى نتيجة مفادها أنه لا توجد غرائز أخرى في الواقع.
نظراً للغموض والإبهام السائدين حالياً في نظرية الغرائز، لن يكون من الحكمة رفض أي فكرة تعد بإلقاء الضوء عليها. لقد بدأنا من التقابل الكبير بين غرائز الحياة والموت. والآن، يقدم لنا موضوع الحب (28) مثالاً ثانياً على استقطاب مماثل ــ أي التقابل بين الحب (أو العاطفة) والكراهية (أو العدوانية). ماذا لو كنا نستطيع أن ننجح في ربط هذين القطبين ببعضهما واستنتاج أحدهما من الآخر! منذ البداية، تعرفنا على وجود العنصر السادي في الغريزة الجنسية. وكما نعلم، يمكن لهذا العنصر أن يستقل بنفسه، ويمكنه أن يسيطر على كامل النشاط الجنسي للفرد في صورة انحراف. كما يمكنه أن يظهر كعنصر غريزي مهيمن في إحدى «التنظيمات ما قبل التناسلية» (pregenital organizations) ــ وهو الاسم الذي أطلقته عليها. لكن كيف يمكن للغريزة السادية، التي هدفها إلحاق الأذى بالموضوع، أن تشتق من إيروس، حافظ الحياة؟ أليس من المعقول افتراض أن هذه السادية هي في الواقع غريزة الموت ذاتها، التي أُجبرت، تحت تأثير الليبيدو النرجسي، على الابتعاد عن «الأنا»، وبالتالي لم تظهر إلا في علاقتها بالموضوع، وهي الآن في خدمة الوظيفة الجنسية؟ خلال المرحلة الفموية (oral stage) من تنظيم الليبيدو، يقترن فعل السيطرة الإيروتيكية على الموضوعات بتدمير هذه الموضوعات ذاتها؛ لاحقاً، تنفصل الغريزة السادية، وفي النهاية، في مرحلة السيادة التناسلية، تتولى، بغرض التكاثر، وظيفة التغلب على الموضوع الجنسي بالقدر الضروري لأداء الفعل الجنسي. في الواقع، يمكن القول إن السادية التي طُردت قسراً من «الأنا» تمهد الطريق للمكونات الليبيدية للغريزة الجنسية، وتتبعها هذه المكونات حتى تصل إلى الموضوع. وحيثما لا تتعرض السادية الأصلية للتخفيف أو الامتزاج، نجد ذلك الازدواج المألوف بين الحب والكراهية في الحياة الإيروتيكية.
إذا جاز لنا افتراضٌ من هذا القبيل، فسنواجه عندئذٍ إلزاماً بأن نقدّم مثالاً لغريزة الموت ــ وإن كان مثالاً مُزاحاً في الحقيقة. غير أن طريقة النظر هذه إلى الأشياء تختلف اختلافاً كبيراً عن التساهل في إدراك وخلق تأثيرٍ رمزيٍّ إيجابيّ. يبدو الأمر مريباً إلى حدٍّ وكأننا نحاول بأيّ ثمن أن نجد مخرجاً من وضعٍ شديد الإرباك. على أيّ حال، يمكننا أن نتذكّر أنه لا جديد في فرضية من هذا النوع. لقد طرحنا فرضيةً من هذا النوع في مرحلةٍ أولى، قبل أن تُطرح مسألة الوضع المُربك. في ذلك الوقت، قادتنا الملاحظات السريرية إلى الرأي القائل بأن المازوخية، أي العنصر الغريزي المُكمّل للسادية، ينبغي اعتبارها ساديةً يكون هدفها «أنا» الذات نفسها. لكن لا فرق من حيث المبدأ بين غريزةٍ تترك موضوعاً وتتجه نحو «الأنا» وغريزةٍ تترك «الأنا» وتتجه نحو موضوع ــ أي النقطة الجديدة التي هي مدار بحثنا. هنا يمكن للمازوخية، أي توجيه الغريزة نحو «أنا» الذات، أن تكون عودةً إلى مراحل مبكرة من تاريخ الغريزة، أي نكوصاً. إن الشرح الذي قُدّم سابقاً للمازوخية يحتاج إلى تعديل من حيث إنه كان شديد العمومية والاتساع في جانبٍ واحد: لا بد أن يوجد شيءٌ يُسمّى المازوخية الأولية ــ وهو احتمالٌ كنت قد شككتُ فيه آنذاك.
على أي حال، دعنا نعد إلى الغرائز الجنسية الحافظة للذات. لقد أظهرت لنا التجارب التي أُجريت على الأوالي أن الاقتران ــ أي تجمّع كائنين أوّليين سرعان ما ينفصلان دون أن يحدث انقسام خلوي ــ له تأثيرٌ منعشٌ ومُجدّد للشباب على كليهما. لا تُظهر الأجيال اللاحقة أيّ علامةٍ على الانحطاط، ويبدو أنها تستطيع إظهار مقاومةٍ أطول لآثار أيضها الضارّة. إنني أرى أن هذه الملاحظة المفردة يمكن اعتبارها نموذجاً نمطياً للأثر الذي يُحدثه الفعل الجنسي أيضاً. ولكن كيف يمكن لتجمّع خليتين لا تختلفان إلا اختلافاً طفيفاً أن يُسبّب تجديد الحياة؟ إن التجربة التي تستخدم، بدلاً من الاقتران، منبّهاتٍ كيميائية أو حتى ميكانيكية، تمكّننا من تقديم إجابةٍ قاطعة على هذا السؤال بلا شك. فالنتيجة تحصل بفعل تدفّق عددٍ من التنبيهات الجديدة. وهذا يتطابق تماماً مع الفرضية القائلة بأن عملية حياة الفرد تؤول، لأسبابٍ داخلية، إلى إخماد التوترات الكيميائية، أو بعبارة أخرى إلى الموت، في حين أن الاتحاد بمادةٍ حيةٍ لفردٍ مختلف يزيد هذه التوترات ويُقدّم شيئاً يمكن وصفه بأنه فروقٌ حياتيةٌ جديدة ينبغي العيش بمساعدتها من الآن فصاعداً. أما بخصوص هذا الاختلاف [ فيمكن القول إنه [ لا بد أن يوجد حدٌّ أو حدودٌ مثلى له. إن النزوع الغالب للحياة الذهنية، وربما للحياة العصبية عموماً، هو سعيٌ إلى خفض، أو تثبيت، أو إخماد التوتر الداخلي الناتج عن التنبيه (أي مبدأ النيرفانا (29) ــ وهو مصطلح اقترضناه من باربرا لو (30)) ــ وهو نزوعٌ يتجلّى في مبدأ اللذة؛ والاعتراف بهذه الحقيقة هو أحد أسبابنا القوية للاعتقاد بوجود غرائز الموت.
لكننا ما زلنا نشعر بأن هذه الحقيقة تسدّ طريق تفكيرنا بوضوح، إذ لا نستطيع إسناد خاصية الإكراه على التكرار، التي وضعتنا أول مرة على درب غرائز الموت، إلى الغريزة الجنسية. إن مجال عمليات النمو الجنيني غنيٌّ بلا شك بظواهر قائمة على التكرار؛ فالخليتان التكاثريتان المنهمكتان في التوالد الجنسي وتاريخ حياتهما ليسا سوى تكرارٍ لبدايات الحياة العضوية. لكن جوهر العملية التي تتجه إليها الحياة الجنسية هو تجمّع جسدين خلويين (cell-bodies). هذا وحده هو الذي يضمن خلود الجوهر الحي في العضويات العليا.
بعبارة أخرى، نحن بحاجة إلى معلوماتٍ أكثر عن منشأ التوالد الجنسي والغرائز الجنسية عموماً. هذه مسألةٌ تُرهب الغرباء، ولم يتمكن المتخصصون أنفسهم من حلّها بعد. لذلك سنقدّم فقط ملخصاً موجزاً لكل ما يبدو من بين الآراء والأفكار المتباينة ذا صلةٍ بخط تفكيرنا.
يُفرغ أحد هذه الآراء مسألة التكاثر من جاذبيتها الغامضة بتقديمها بوصفها تجلياً جزئياً للنمو. (قارن بالتكاثر عبر الانقسام، أو التبرعم، أو الإنبات.) يمكن تتبع منشأ تكاثر الخلايا التناسلية المتمايزة جنسياً بمحاذاة الأفكار الداروينية المعقولة، وذلك بافتراض أن ميزة الازدواج الجنسي ــ التي تنتج في بعض الأحيان عن اقتران عرضي بين كائنين وحيدي الخلية ــ قد حُفظت في التطور اللاحق وجرى استخدامها على نحو أوسع. ومن هذا المنظور، فإن «الاقتران الجنسي» ليس شيئاً قديماً على الإطلاق؛ والغرائز الجامحة غير العادية التي تهدف إلى توفير الاقتران الجنسي، إنما تكرر شيئاً حدث ذات مرة بصورة عرضية، ثم تثبّت منذ ذلك الحين بوصفه أمراً نافعاً.
يُطرح هنا سؤال يماثل تماماً السؤال الذي طُرح بشأن الموت: هل يحق لنا أن ننسب إلى الكائنات وحيدة الخلية تلك الخصائص التي تُظهرها عملياً، وهل يصح الافتراض بأن القوى والعمليات التي تتجلى في الكائنات العضوية العليا قد تكونت للمرة الأولى في تلك الكائنات؟ إن نظرية عن الجنسية، ذكرناها للتو، لا تقدم لنا عوناً يُذكر للوصول إلى الغرض المنشود. يمكن الاعتراض على هذه النظرية بأنها سلّمت مسبقاً بوجود غرائز الحياة التي كانت تعمل منذ البداية في أبسط الكائنات العضوية؛ إذ لولا ذلك لما أمكن الحفاظ على الاقتران ــ الذي يجري ضد مجرى الحياة (31) ويجعل مهمة انقطاع الحياة أكثر صعوبة ــ وتطويره، بل كان ينبغي تجنبه. لذلك، إذا كنا لا نرغب في التخلي عن فرضية غرائز الموت، فينبغي أن نفترض أنها كانت ملازمة لغرائز الحياة منذ البداية. لكن علينا أن نقر بأننا في هذه الحالة إزاء معادلة ذات كميتين مجهولتين.
عدا عن ذلك، لا يملك العلم الكثير ليقوله عن منشأ الجنسية، حتى إنه يمكننا تشبيه هذه المسألة بظلمات لم تسلط عليها فرضيةٌ ما نوراً يخترقها. والحقيقة أننا نصادف فرضية من هذا القبيل في مجال مختلف تماماً، لكنها فرضية خيالية إلى حد كبير ــ إنها أقرب إلى الأسطورة منها إلى التفسير العلمي ــ حتى إننا لو لم تكن تحقق بدقة شرطاً نرغب في تحققه، لما تجرأنا على ذكرها هنا، ذلك أنها تتعقب أثر منشأ الغريزة وصولاً إلى الحاجة إلى إحياء المرحلة البدئية للأمور.
بطبيعة الحال، ما يدور في خلدي هو النظرية التي عبّر عنها أفلاطون على لسان أريستوفان في المأدبة، والتي لا تتناول منشأ الغريزة الجنسية فحسب، بل أيضاً أهم تغيراتها في علاقتها بموضوعها. «لم تكن الطبيعة البشرية الأصلية على ما هي عليه اليوم، بل كان ثمة شيء آخر. ففي البداية، كانت الأجناس ثلاثة أساساً، وليس اثنين كما هو الحال الآن: الذكر، والأنثى، واتحادهما...». كل ما يتعلق بهذا الإنسان البدئي كان مضاعفاً: كان لديهم أربع أيدٍ وأربع أرجل ووجهان وعضوان تناسليان وما شابه ذلك. وفي النهاية، قرر زيوس أن يقسم هؤلاء البشر إلى شطرين، «تماماً كما تُقسم التفاحة إلى نصفين لتخليلها». وبعد أن تم التقسيم، «تقارب شطرا الإنسان، وكل منهما يتوق إلى الآخر، وعانق أحدهما الآخر بشغف سعياً إلى الاتحاد».
هل ينبغي لنا أن نتعقب الأثر الذي دلّنا عليه الشاعر ـ الفيلسوف، وأن نستخدم هذه الفرضية القائلة بأن المادة الحية قد انقسمت، لحظة اكتسابها الحياة، إلى أجزاء صغيرة، أجزاء سعت منذ ذلك الحين، عبر الغرائز الجنسية، إلى استعادة وحدتها من جديد؟ وهل ينبغي لنا أيضاً أن نتتبع كيف أن هذه الغرائز ــ التي تحتفظ فيها بقرابة كيميائية مع المادة غير الحية ــ قد نجحت، بالتوازي مع تطورها واتساعها في إمبراطورية الكائنات وحيدة الخلية، في التغلب تدريجياً على الصعوبات التي وضعتها في طريق سعيها بيئة مشبعة بالمنبهات الخطرة، منبهات أرغمت هذه الكائنات على تشكيل طبقة قشرية واقية؟ وأن هذه الأجزاء المنفصلة من المادة الحية قد اكتسبت بهذه الطريقة حالة متعددة الخلايا، ونقلت أخيراً غريزة استعادة الوحدة، بأكثر أشكالها تركيزاً، إلى الخلايا التناسلية؟ لكنني أعتقد أن علينا أن نتوقف هنا.
بيد أننا لا ينبغي أن نترك الموضوع دون إضافة بعض الملاحظات التأملية والنقدية. قد يُسأل: هل أعترف أنا نفسي بصحة هذه الفرضيات التي طُرحت في هذه الصفحات، وإلى أي حد؟ سيكون جوابي أنني لا أعتقد بهذه الفرضيات بنفسي، ولست أسعى إلى تشجيع الآخرين وحثهم على الاعتقاد بها. أو لأقل بدقة أكبر: لا أعرف إلى أي حد أعتقد بها. يبدو لي أنه لا يوجد أي سبب يدعو إلى أن يدخل العامل العاطفي للاعتقاد في هذه المسألة من الأساس. من الممكن بالتأكيد أن يسلك المرء خطاً فكرياً ويتتبعه بدافع فضول علمي بسيط إلى حيثما قاده، أو، إن فضّل قراء هذه العبارة، أن يتحول إلى ناقد لا يألو جهداً في إقامة أي نوع من الأدلة لمجرد إثارة النقاش (32)، دون أن يبيع روحه للشيطان بسبب ذلك. إنني لا أنازع في حقيقة أن الخطوة الثالثة التي خطوتها الآن في اتجاه نظرية الغرائز يمكنها أن تدّعي اليقين بقدر ما ادعته النظريتان الأوليان، أعني توسيع مفهوم الجنسية وفرضية النرجسية. هذان النوعان من النظريات المبتكرة كانا ترجمة مباشرة للمشاهدات إلى نظرية، ودرجة قابليتهما للخطأ ليست أكبر من الخطأ المحتوم في جميع الحالات المماثلة. صحيح أن تأكيدي على الخاصية النكوصية للغرائز يستند أيضاً إلى مواد المشاهدة، أي إلى وقائع الإكراه على التكرار. لكن ربما أكون قد بالغت في أهميتها على أية حال. وعلى كل حال، من المستحيل أن يسير المرء وراء فكرة من هذا القبيل إلا بالمزج المتكرر بين المواد الواقعية وما هو تخمين محض، والقيام بهذا الفعل، أي الابتعاد كثيراً عن المشاهدات التجريبية. وكلما تكرر هذا الفعل أثناء بناء النظرية، كما نعلم، كانت النتيجة النهائية أقل موثوقية. لكن درجة عدم اليقين لا يمكن تحديدها. قد يصيب المرء الهدف بمساعدة الحظ، أو قد يُقاد إلى الانحراف على نحو مخزٍ. لا أظن أن ما يُسمى «الحدس» له تأثير كبير في هذا النوع من العمل. مما أعرفه عن الحدس، [يمكنني القول] إنه يبدو لي نتاج نوع من الحياد الفكري. لكن لسوء الحظ، عندما يتعلق الأمر بالأمور الغائية والمسائل الكبرى للعلم والحياة، نادراً ما يستطيع الناس أن يكونوا محايدين. في مثل هذه الحالات، تسيطر على كل واحد منا تحيزات داخلية راسخة تمسك بتخميناتنا دون إرادتنا. وبما أن لدينا أسباباً وجيهة للارتياب، فإن موقفنا من نتائج أبحاثنا لا يمكن أن يكون سوى خير مشوب بالبرود. على أية حال، ينبغي أن أضيف على عجل أن نقداً ذاتياً من هذا القبيل بعيد كل البعد عن أن يدفع المرء إلى سلوك سبيل التساهل والتسامح إزاء الآراء المخالفة. من المعقول تماماً أن تُرفض بحزم نظريات تنقضها، منذ خطواتها الأولى، تحليلات الوقائع المشاهدة، مع الإدراك في الوقت نفسه أن صلاحية نظريتنا الخاصة ليست سوى مؤقتة.
لا ينبغي لنا، عند الحكم على تخميناتنا حول غرائز الحياة والموت، أن نُشوّش أذهاننا عميقاً إزاء حقيقة ما فيها من عمليات مربكة وغامضة كثيرة، عمليات غامضة من قبيل أن غريزة ما تزيح غريزة أخرى، أو أن غريزة تنصرف عن «الأنا» وتتجه نحو الموضوع، إلى آخره. يعود هذا ببساطة إلى أننا مضطرون إلى التحدث بمصطلحات علمية، أي بلغة تمثيلية خاصة بعلم النفس (أو بالأحرى، خاصة بعلم نفس الأعماق). وإلا لما استطعنا وصف العمليات المعنية على الإطلاق، ولما كنا في الحقيقة لنعيها. ربما كانت عيوب أوصافنا ستُزال لو كنا في موقف يسمح لنا بأن نستبدل المصطلحات الفسيولوجية أو الكيميائية بالمصطلحات السيكولوجية. صحيح أنها أيضاً ليست سوى جزء من اللغة التمثيلية، لغة لطالما ألفناها وربما كانت لغة أبسط أيضاً.
من ناحية أخرى، ينبغي أن يكون واضحًا تمامًا أن عدم اليقين في تخميناتنا قد زادته ضرورة الاقتراض من علم الأحياء إلى حد كبير. إن علم الأحياء هو حقًا أرض الإمكانيات اللامحدودة. يمكننا أن نتوقع منه أن يزودنا بأكثر المعلومات إثارة للدهشة، ولا يمكننا أن نخمن ما هي الإجابات التي سيقدمها بعد مرور سنوات على الأسئلة التي طرحناها عليه. قد تكون من نوع الإجابات التي تنسف البناء الكامل لافتراضاتنا المصطنعة. إذا كان الأمر كذلك، فقد يُسأل: لماذا سلكت طريقًا فكريًا مثل الطريق الحالي، ولماذا حاولت على وجه الخصوص أن أجعله في متناول الجمهور؟ حسنًا، لا أستطيع أن أنكر أن بعض أوجه التشابه والارتباطات والصلات التي يتضمنها هذا الافتراض تبدو لي جديرة بالفحص. (33)
إذا كانت المسألة حقًا هي أن البحث عن إحياء المرحلة الأولى من الأمور هو الخاصية العامة والكلية للغرائز، فلا ينبغي أن نندهش من أن عمليات كثيرة تحدث في الحياة الذهنية مستقلة عن مبدأ اللذة. فجميع الغرائز المكونة يمكن أن تشترك في هذه الخاصية، ويمكن أن يكون هدف كل منها في حالته الخاصة عودة مجددة إلى مرحلة معينة في مسار التطور. هذه أمور لا يزال مبدأ اللذة بلا سيطرة عليها؛ لكن لا يُستنتج من هذا أن كلًا منها بالضرورة مناهض لمبدأ اللذة، وما زلنا بحاجة إلى حل مسألة نسبة العمليات الغريزية للتكرار إلى سيطرة مبدأ اللذة.
لقد أدركنا أن واحدة من أولى وأهم وظائف الجهاز الذهني هي «تقييد» النبضات الغريزية التي تؤثر عليه، و[كذلك] استبدال العمليات الأولية السائدة فيها بالعمليات الثانوية، وإعادة طاقتها القابلة للحركة الحرة إلى استثمار نفسي ساكن وصامت (منشط) أساسًا. بينما تجري هذه التغييرات، لا يمكن الانتباه إلى تطور انعدام اللذة؛ لكن هذا الأمر لا يعني تعليق مبدأ اللذة. على العكس، يحدث التحول نيابة عن مبدأ اللذة؛ والتقييد هو إجراء تمهيدي يقدم سيطرة مبدأ اللذة ويضمنها.
دعونا نضع تمييزًا أكثر حسمًا من ذي قبل بين الوظيفة والنزوع. مبدأ اللذة هو نزوع يعمل في خدمة وظيفة، وظيفة مهمتها تخليص الجهاز الذهني من الإثارات بشكل كامل، أو تثبيت مقدار الإثارة فيه، أو إبقاؤه منخفضًا قدر الإمكان. لا يمكننا بعد أن نقرر بشكل قاطع لصالح أحد أنماط العمل هذه؛ لكن من الواضح أن الوظيفة الموصوفة بهذا الشكل تتعامل مع أكثر مساعي كل مادة حية عمومية وكلية، أي العودة إلى صمت وسكون العالم غير العضوي. لقد اختبرنا جميعًا كيف أن أقصى لذة يمكننا بلوغها، أي الفعل الجنسي، تقترن بخمود مؤقت لإثارات بلغت شدة عالية. إن تقييد النبضة الغريزية هو وظيفة تمهيدية صُممت لتهيئة الإثارة لإفنائها النهائي في مجرى اللذة الناتجة عن التفريغ.
هذا الأمر يطرح السؤال: هل يمكن أن تنتج مشاعر اللذة وانعدام اللذة بالتساوي من العمليات الإثارية المقيدة وغير المقيدة؟ ويبدو أنه لا يوجد أي شك على الإطلاق في أن العمليات غير المقيدة، أو الأولية، تسبب مشاعر أشد بكثير في كلا الاتجاهين من العمليات المؤقتة أو الثانوية. علاوة على ذلك، العمليات الأولية سابقة من حيث الزمن؛ في بداية الحياة الذهنية لا يوجد شيء آخر، ويمكننا أن نستنتج أنه لو لم يكن مبدأ اللذة قد نشط فيها بعد، لما كان يمكنه أبدًا أن يترسخ في العمليات اللاحقة. وهكذا نصل إلى نتيجة ليست بسيطة على الإطلاق في نهاية المطاف، بمعنى أنه في بداية الحياة الذهنية، كان النضال من أجل كسب اللذة أشد بكثير مما كان عليه في المراحل اللاحقة، لكنه لم يكن بلا قيود بنفس القدر: بل كان على هذا النضال أن يخضع لانقطاعات متكررة. في الأيام اللاحقة، كانت سيطرة مبدأ اللذة مضمونة أكثر بكثير، لكن هذا النضال نفسه، أكثر من سائر الغرائز بشكل عام، لم يستطع الإفلات من عملية الترويض والإذعان. على أية حال، مهما يكن السبب في ظهور مشاعر اللذة وانعدام اللذة في العمليات الإثارية، فلا بد أن يكون حاضرًا في العمليات الثانوية كما في العمليات الأولية.
هنا ينبغي أن تكون نقطة انطلاق لأبحاث جديدة. إن وعينا، من الداخل، ينقل إلينا أحاسيس لا تنتمي فقط إلى اللذة وعدم اللذة، بل تنتمي أيضاً إلى توتر خاص يمكن أن يكون ممتعاً أو غير ممتع. هل يمكّننا الفرق بين هذه الأحاسيس من التمييز بين العمليات المقيدة وغير المقيدة للطاقة؟ أم ينبغي أن يُعزى الإحساس بالتوتر إلى السعة المطلقة للاستثمار أو ربما إلى مستواه، في حين تشير سلسلة اللذة وعدم اللذة إلى تغير في سعة الاستثمار في وحدة زمنية معينة؟ والحقيقة المهمة الأخرى هي أن غرائز الحياة على اتصال أوثق بكثير بإدراكاتنا الداخلية ــ وتظهر بوصفها مخلخلة للسكينة وتخلق باستمرار توترات يقترن حلها بإحساس اللذة ــ بينما يبدو أن غرائز الموت تؤدي عملها دون ضجيج. ويبدو أن مبدأ اللذة في الواقع في خدمة غرائز الموت. صحيح أن مبدأ اللذة يراقب المنبهات الخارجية التي تعتبرها كلتا الغريزتين خطراً؛ لكنه حريص بشكل خاص إزاء تزايد التنبيهات من الداخل، تلك التنبيهات التي يمكن أن تجعل مهمة العيش أكثر صعوبة. وهذا الأمر يطرح بدوره مجموعة من الأسئلة الأخرى التي لا نستطيع أن نجد لها جواباً في الوقت الحاضر. علينا أن نتحلى بالصبر وننتظر طرقاً وفرصاً جديدة للبحث. كما ينبغي أن نكون مستعدين لترك طريق سلكناه في وقت ما، لأنه يبدو أن هذا الطريق لا يؤدي إلى أية نهاية سعيدة. وحدهم المؤمنون الذين يريدون من العلم أن يكون بديلاً عن التعاليم التي تركوها، هم من يعنفون الباحث على توسيع آرائه أو حتى تغييرها. ونحن أيضاً يمكننا أن نعزي أنفسنا إزاء التقدم البطيء والمتثاقل لمعرفتنا العلمية بقراءة كلمات الشاعر:
«ما لا نستطيع بلوغه طيراناً، علينا بلوغه عرجاً... الكتاب [المبين] يقول لنا إن العرج ليس خطيئة.» (34)
.
.
كتاب ما وراء مبدأ اللذة هو ترجمة لـ:
Sigmund Freud (1984), Beyond the Pleasure Principle in, On Metapsychology , Penguin Books .
أرغانون / 21 / ربيع 1382
1. G. T. Fcchner
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٦ تعليق
فقط میتونم بگم متاسفانه این ترجمه فاجعه است.
واقعا متاسفم برای مترجم و صداقتش با خودش...
تخصص آقای اباذری دقیقا چیست؟ خیلی راه است از جامعه شناسی تا فلسفه کیرکگارد و از فلسفه کیرکگارد تا روانکاوی فروید. ایشون به نظریات اقتصادی نئوکلاسیک هم نقدهای دقیق !! و عمیقی !! دارند! این توهم همه چیز دانی با روح فعالیتهای آکادمیک در تضاد مستقیم است.
مترجمین آثار فروید می بایستی روانکاو باشند درغیر اینصورت درک دقیقی از مفاهیم فروید نخواهند داشت و ناچارند تحت اللفظی ترجمه کنند. همینطورش که متون فرویدی تتابع اضافات داره اگر تحت اللفظی و غیر دقیق معنی بشه که بالکل برای مخاطب کم آشنا غیر قابل فهم و کسل کننده میشه...برای انگیزه و زحمات آقای اباذری احترام قائل هستیم.
ترجمه متأسفانه مغلوط است و از آن بدتر، گاه تا حد یاوه بافی، بی معنا می شود.
این ترجمه غلط های فاحشی داره که نمیدونم چرا آقای اباذری اونها رو تصحیح نمیکنن و یا اینکه اقلا با کسی که المانی مسلطه همکاری کنن. براشون توصفحه فیسبوکشون پیام گذاشتم توجهی نکردن ظاهرا.