اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
حلّل سيد جواد طباطبائي أحداث باريس الإرهابية بالاستناد إلى المثالية الألمانية ونظرية الوحدة عند كانط؛ فإيران، بفضل استمرارها القومي وعدم انحلالها في الخلافة، تختلف عن البلدان العربية. لقد حافظت إيران، في «داخل خارج» العالم الإسلامي، على هويتها العريقة وجدّدت ثقافتها.

السيد جواد الطباطبائي في سياق دروسه الموسومة بـ «المثالية الألمانية» التي تُعقد في معهد بهاران للعقل والفكر، وفي سياق شرح نظرية الوحدة عند كانط، وفي ضوء الأحداث الإرهابية الأخيرة في فرنسا التي يحتمل امتدادها إلى إيران أيضاً، قدَّم تحليلاً . . .
الدكتور السيد جواد الطباطبائي، محتسباً الأحداث الإرهابية الأخيرة في فرنسا وراجعاً إلى نظرية الوحدة عند كانط، قال: كانط يتحدث بشكل أساسي عن الوحدة، لذا فإن نظريته، وبشكل عام المثالية الألمانية التي تبلغ ذروتها عند هيغل، من حيث النسق المفاهيمي الذي أوجدته فيما يتعلق بنظرية الوحدة، مهمة جداً لفهم العالم الجديد. كل نقاش هذه المدرسة انتهى في النهاية إلى هذه النتيجة: كيف يمكن تحقيق الوحدة في العالم الجديد؟ النقاش الأساسي عند كانط وفخته وهيغل هو مسألة الحقوق. لكن التعقيد يكمن في: كيف يمكن تحقيق الوحدة القانونية؟ الفكر الحديث في العالم الجديد منصبّ على نظرية الوحدة، ومن هنا ظهرت كلمة الوحدة أو union وتحولت إلى مسألة. الدكتور الطباطبائي، بعد هذه المقدمة، وطارحاً هذا السؤال: لماذا كانت مسألة الوحدة أهم في ألمانيا منها في إنكلترا وفرنسا؟ ـ أرشد المخاطبين إلى الظروف التاريخية لألمانيا التي كانت تتكون من مئات الدول-المدن، وأيضاً إلى الصلة بين فلسفة كل فيلسوف ومسألة وإشكالية بلاده، وفي تأكيده على العواقب الوخيمة لسوء فهم التأثيرات اللاحقة لهذه المسألة والعرض غير المنضبط لنقاشات «ما بعد الحداثة»، استمر قائلاً: نظرية الوحدة تظهر أهميتها أكثر في الأحداث التي وقعت مؤخراً.
أكد الطباطبائي على أنه يمكننا أن نستفيد جماعياً من نظرية الوحدة التي طُرحت في ألمانيا، وذلك بأن نسأل: لماذا تحدث هذه المسألة (الأحداث الإرهابية) في العالم خارج إيران، لكنها لم تحدث في إيران بهذه الصيغة أو لم تكن قد حدثت حتى الآن؟ وذلك يعود إلى مسائلنا التاريخية التي يمكن شرحها بواسطة المثالية الألمانية. قال الطباطبائي في شرح الظروف التاريخية لإيران: الإمبراطورية الرومانية المقدسة، التي كانت إمبراطورية رومانية-جرمانية، انهارت في مكان ما، وانبثقت من داخلها مناطق أوروبية أُطلق عليها لاحقاً اسم الأمم. هذه الأمم كل واحدة منها أنشأت دولتها الخاصة، وبهذا تشكلت الدول-الأمم الوطنية. لكن في العالم الإسلامي أيضاً تكونت نوعاً من الإمبراطورية يمكن أن نسميها، بمقارنة مع الإمبراطورية المسيحية المقدسة، الإمبراطورية المقدسة للخلافة. بعدما وجدت إيران نفسها في نطاق هذه الخلافة، أخرجت نفسها من هذه الخلافة سريعاً بنشر اللغة الفارسية وإنشاء وحدة «وطنية» جديدة، ولم تصبح عربية مثل مصر، ولا مسلمة بالمعنى الذي أصبحت عليه الدول الأخرى، أي بتلك الصيغة التي أُطلق عليها «الإسلام الإيراني».
الطباطبائي، بإشارته إلى أن خروج إيران من جاذبية الخلافة له أسباب معقدة لا تهمنا حالياً، أكد: «إيران نظرية»، أي أن إيران لها جوانب نظرية سمحت لنا بأن نجدد لغتنا وثقافتنا من جديد، وهذا عدم انحلال إيران في الخلافة يدل على أننا امتلكنا إمكانيات نظرية أساسية جداً تمكنا بواسطتها من إعادة بناء أنفسنا في تلك الظروف المعقدة، في «الداخل من الخارج» من عالم الإسلام، وتجديد ثقافتنا، وبالنتيجة لم نكن أبداً جزءاً من الإمبراطورية الإسلامية. الطباطبائي، في شرح تعبير وجود إيران في «الداخل من الخارج» من عالم الإسلام، قال: إيران من الناحية الدينية كانت داخل نظام الخلافة، لكن من الناحية غير الدينية أو الثقافية كانت خارجه. قال: نحن أمة إيران وأرض إيران ولغة وثقافة إيران جددناها، وبطبيعة الحال فإن شرح هذا الأمر بلغة المصطلحات الحديثة صعب، لأن هذه التحولات تكونت تاريخياً في إيران في وقت لم يكن هناك خبر من العلوم الحديثة التي ظهرت في أوروبا والتي كانت منشأ ظهور الدول-الأمم الجديدة. الطباطبائي، في مقارنة الوطنية الإيرانية بالوطنيات الأوروبية، قال: تلك كانت جزءاً من الأمة المسيحية ثم استقلت عنها لاحقاً، لكن إيران لم تكن أبداً جزءاً من نظام الخلافة بحيث نقول إنها خرجت منه وشكلت بعدها الأمة الإيرانية. قبل أن نمتلك كلمة «أمة» بمعناها الحالي، كان لدينا بشكل طبيعي الأمة الإيرانية، في حين أن الأمم الأوروبية هي نتيجة ومولود كلمة «أمة» بمعناها الجديد. في الواقع، كلمة «إيران» بتعبير شميت في رسالته «اللاهوت السياسي»، هي كلمة حبلى بمفاهيم أخرى كثيرة جداً. المضمون «الأمة» و«الوحدة الوطنية» كان داخل مفهوم إيران، لذا فإننا، مثل الأوروبيين، لم نكن بحاجة إلى مفاهيم جديدة لصنع الأمة.
تناول الطباطبائي في سياق النقاش مفهوم «الدولة» وقال: إن هذه الأمة كانت تمتلك دولتها بصورة طبيعية، لذا لم نصل إلى الدولة الوطنية بمعنى الدولة الحديثة، أي الدولة المستقلة عن شخص رئيس الدولة، رغم أننا امتلكناها بصورة طبيعية. بعبارة أخرى، كان الإيرانيون يمتلكون دولة وأمة أو «أمراً وطنياً» في وقت لم يكن مفهوم الدولة بمعناها الجديد الوطني، وهو منتج العلوم الاجتماعية الحديثة، قد وُجد بعد. أما الدول الأخرى، لأنها كانت قد خرجت من شيء ما (دولة-أمة مسيحية أو إسلامية)، فقد اضطرت إلى تعريف «هويتها» الجديدة. لكننا لم ندخل في ذلك أصلاً، حتى نضطر بعد خروجنا إلى إعادة تعريف هوية جديدة. بعبارة أخرى، حافظت الهوية الإيرانية على استمراريتها التاريخية، ولم تتعرض مثل باقي الهويات لانقطاع وقطيعة ما. قال الطباطبائي: في العالم الإسلامي، دخلت الدول المهمة القديمة مثل مصر والشام وغيرها الخلافة الإسلامية؛ تماماً كما دخلت المناطق الجرمانية والفرنجية في أوروبا الجمهورية المسيحية. فقدت هذه الدول والأمم (متساهلة) بدخولها في الأمة المسيحية، بمعنى ما، هويتها القديمة داخل الأمة المسيحية، وعندما خرجت من الأمة المسيحية، استرجعت هوياتها الوطنية. لكن في العالم الإسلامي، عندما دخلت الدول الخلافة فقدت هويتها السابقة على الإسلام، لذا عندما خرجت تدريجياً من الخلافة بعد سقوطها في بغداد في القرن السابع الهجري، كان يجب عليها أن تجدد هويتها القديمة أيضاً، بخلافنا نحن الذين بقينا مستقلين ثقافياً و«وطنياً». لكن هذه الدول بعد خروجها من الأمة-الخلافة الإسلامية، بقيت عربية ومسلمة _بنفس الكيفية التي كانت عليها داخل الخلافة_. لأن هذه الدول فقدت هويتها القديمة داخل الخلافة والأمة، وفي العصر الحديث، وخاصة مع الاستعمار، عندما خرجت تدريجياً من الخلافة، حاولت بترجمة المقولات الجديدة أن تمنح نفسها هوية ما، وبالتالي اضطرت إلى القول: نحن مصريون وجزائريون و... لكننا عرب ومسلمون أيضاً. إسلامنا هو عروبتنا بعينها والعكس بالعكس. حتى العقود والسنوات الأخيرة، حاول المثقفون العرب أن يصيغوا أيديولوجيا عربية ويقولوا إننا عرب مسلمون وقد قمنا بدور لا نظير له في العالم الإسلامي.
قال الطباطبائي في معرض تتمة هذا التحليل إن المثقفين العرب أيضاً قد نحتوا لأنفسهم عدوّاً كبيراً باسم إيران لكي ينسبوا إليه مشاكلهم الهوياتية التاريخية. المثقفون العرب، في هروبهم من عداء تاريخي باسم إيران، ومن خلال ترجماتهم للأعمال الأوروبية، التفتوا إلى ابن رشد وقالوا إن ابن رشد كان نهضتنا. وفي الرد على السؤال: لماذا لم تستمر هذه النهضة، أي الفكر الرشدي العقلاني! قالوا إن العرفان الإيراني غلب على الفكر الرشدي العقلاني والقضى على النهضة العربية، وبالتالي فإن مشكلتنا هي إيران!
بعد ذلك، وجّه الطباطبائي خطابه إلى المثقفين العرب وقال: إنهم لا يدركون نقطة مهمة، وهي أن ما حدث في هذه الأجزاء من العالم الإسلامي هو أن هؤلاء لا يزالون يشرحون أنفسهم داخل مفهوم الأمة (الخلافة)، وفي الوقت ذاته يعتبرون دولهم «وطنية»!! جزء كبير من أفراد هذه الدول، في محاولة متناقضة، يسعون لفهم أنفسهم بمفهوم «الأمة» وفي الوقت نفسه يدّعون دولة «وطنية» ويستخدمونها. «الأمر الأممي» يعني أمراً يتعلق بجميع المسلمين، و«الأمر الوطني» يعني أمراً يتعلق فقط بالمصري والجزائري والمغربي وغيرهم، ولا يمكن الجمع بين هذين. المسألة الأساسية هي أن شبح الأمة المتداعية لا يزال يثقل على عالمهم بشكل لا يسمح لهم برؤية أنفسهم «أمة» بالمعنى الحديث. لا يستطيعون أن يكونوا أمة لأنهم جزء من أمة أكبر، وبالتالي عندما يطرحون دعاويهم «الوطنية»، من الطبيعي أنهم لا يستطيعون شرحها لأن المفاهيم الفكر الغربي تنظر إلى تاريخ الغرب، وهذا لا يتوافق مع أحوالهم ومادتهم التاريخية. على سبيل المثال، عندما يدّعي مصري «الوطنية»، تطفو صورة الفرعون، وأن يكون لديه موروث فرعوني هو أسوأ ادعاء لمصري. بالطبع، هم يستفيدون من مزايا السياحة والعملات الأجنبية منها، لكن أكبر عائق أمامهم هو أن يقولوا: نحن أمة ذات موروث تاريخي فرعوني. الطباطبائي، بالإشارة إلى هذا التناقض، قال: المثقف العربي من جهة لا يستطيع أن يدّعي هوية «وطنية» لأن ثقافته القديمة قد ذابت في الأمة واختفت ولم يبقَ منها إلا الجانب السياحي، ومن جهة أخرى، الأمة أيضاً لا توجد بشكل فعلي، وبالتالي لا يستطيعون تعريف هوية محددة لأنفسهم. هذا الجزء من العالم الإسلامي يواجه في العالم الحديث مشكلة أساسية تمنعهم من التعايش مع المجتمع العالمي، وهي أنهم ليسوا مواطنين في دولة وطنية ولا أتباع أمة واحدة. خاصة أولئك الذين وُلدوا في دول مثل ألمانيا وفرنسا، فمثل هذا الجيل لا يملك دولة وطنية ولا هو فرنسي، وفي الواقع ليس جزائرياً ومصرياً ومغربياً وغيرهم، وليس فرنسياً وألمانياً وغيرهم، وليس تابعاً لأمة إسلامية واحدة. هذا الجيل، بسبب ثقل شبح الأمة والخلافة، لا يستطيع أن يصبح مواطناً فرنسياً رغم نظام المواطنة في فرنسا، كما لم يحدث ذلك.
تناول الطباطبائي بهذا التحليل الأحداث الإرهابية في فرنسا وقال؛ بسبب أن شبح الأمة والخلافة كان عائقاً لجذبهم إلى النظام المواطني الوطني في دول مثل فرنسا، لذلك نرى أنه بمجرد رفع راية الخلافة وإعلان خليفة عن وجوده، ينضم جزء من هذا الجيل تحت رايته. ربما كان عبد الرزاق من يقول؛ كيف يستطيع المسلم أن يتصور عدم وجود خلافة. الخلافة بكل أشكالها علمانية أو دينية يتم إنشاؤها لهذه الغاية بالذات، لأن هؤلاء لا يستطيعون الخروج من شبح الخلافة. ثم قارن الطباطبائي بين الإيرانيين والعرب وقال؛ لكننا الإيرانيين على العكس منهم، أي أننا لا نستطيع أبداً أن نتصور أننا جزء من الخلافة، وبهذا السبب لا يثقل ظل الخلافة علينا، ولم يحدث أبداً وحتى لن يحدث أن تتكرر في إيران. للسبب الذي لا تستطيع الخلافة أن تتكرر فيه في إيران، بنفس السبب لا تستطيع أن تتكرر في الدول العربية، وهكذا عندما يتم رفع راية الخلافة، ينخرط جزء كبير ومهمش من الأطراف والمناطق الهامشية في مدن أوروبا الكبرى وينضمون إلى الخلافة. أشار الطباطبائي إلى انتشار المساجد السعودية في الدول الأوروبية وقال؛ كان حكام السعودية يظنون أن هذه المساجد ستجذب المسلمين إليهم في حين رأينا أن المصلين في هذه المساجد بايعوا أبا بكر البغدادي، لأن السعودية ليست "دولة-أمة" ولا "خلافة-جماعة". قال الطباطبائي بخصوص حكم السعودية؛ هذا الوضع، أي عدم تغلغل الفكر الجديد في ذهن قادة السعودية، أصبح مشكلة للأوروبيين وللجزء الكبير من العالم الإسلامي، لأنهم لا يستطيعون جذب مثل هؤلاء المسلمين المهمشين لا بصفتهم دولة وطنية ولا بصفتهم خلافة لأمة.
ثم انتقل الطباطبائي إلى الوضع التاريخي لإيران وقال؛ لا أعتقد أن هذا الأمر سيكون مشكلة لنا، لأن الوحدة التاريخية التي كانت موجودة وحاضرة في أدبنا وتاريخنا، رغم التيارات المتعددة التي اجتاحتنا و«السموم» التي انهالت علينا، استمرت حتى الآن. أعرب الطباطبائي عن قلق إزاء التبعات الفاسدة للأفكار ما بعد الحداثية التي لا أساس لها والتي تُنقل من خلال ترجمات خاطئة للوحدة التاريخية الإيرانية، وقال؛ هناك أحداث جارية الآن يجب أن نكون حساسين تجاهها. النقاشات ما بعد الحداثية التي طُرحت في معارضة المثالية الألمانية ودخلت إيران أيضاً، تشبه فأساً توجه للجذور الوحدة الإيرانية التي تمكنا حتى الآن من الحفاظ عليها. لقد فقدنا وعينا التاريخي إلى حد كبير بسبب دخول أيديولوجيات لا نعرف من أين جاءت؟ ماذا تقول؟ وما التبعات الفاسدة التي تحملها؟ أدخل مثقفونا هذه الأيديولوجيات من خلال العلوم الاجتماعية الحديثة. إنهم بجهل المواد التاريخية الغربية وبفهم خاطئ للأسس الغربية، يعتقدون أنه يجب علينا أن نعتنق التعددية ونقول «نحن أربعون قطعة»! أي أنه إذا كنا حتى الآن أمة واحدة، فمن وجهة نظر التعددية، كان هذا أمراً سيئاً، وينبغي لنا أن نعتنق هذه التعددية التي تحمل مطالب خطيرة. قال الطباطبائي بالإشارة إلى جهاز المفاهيم الهيغلي؛ بحسب هيغل، من الخطر جداً عندما تطالب التعددية بكونها «مطلقة». كان هيغل قد قدم هذه التوضيحات، لكننا لم نُدرك أهميتها. أشخاص من نمط فوكو تجاهلوا هذه الكلمات لهيغل، ولم يدركوا ما هي التبعات الفاسدة التي يحملونها. بالطبع في الغرب هذا ليس مشكلة لأنه في مقابل الكلام غير المترابط لفوكو، هناك أشخاص يقولون أشياء أخرى ويظهرون عدم ترابط كلام فوكو وأمثاله. لكن لدينا أشخاص بثقافة منخفضة يخضعون لفوكو. شرح الطباطبائي بعد ذلك وجهة نظر هيغل التي تتناول وضع ألمانيا قبل بسمارك، وقال؛ في القرن 19 كانت ألمانيا تضم حوالي 2000 دولة صغيرة وكبيرة. أشار هيغل إلى مثل هذا الوضع المفكك حيث كانت الرحلة من سيادة محلية إلى سيادة محلية أخرى مثل السفر إلى بلد أجنبي برموز وأنظمة أخلاقية مختلفة، وقال إن ألمانيا لم تعد دولة. في ظروف حيث تطالب كل «قطعة» من «أربعين قطعة» بكونها مطلقة، يحدث مثل هذا الوضع الذي كان موجوداً في ألمانيا. لكن هيغل يقول نقطة مهمة أخرى، يقول أنه في مقابل الأمر العام (Universals) الذي كان يصحح وحدة ألمانيا، ادعت كل واحدة من الأجزاء (Particulars) امتلاك حصة من الكل، وفي الواقع جعلت نفسها كلاً ومطلقاً. المطلق بنظر هيغل كان شيئاً واحداً، وهو الدولة-الأمة الألمانية التي كانت تحافظ على جميع التعدديات في داخلها. لكن إذا ادعى كل شخص أنني الدولة، فإن هذا المجموع يتعرض للانهيار. النقطة الأخرى لهيغل هي أن «قوة واقتدار الدولة» يمكن أن توحد ألمانيا من الأعلى، وهو ما حدث في عهد بسمارك وتشكلت ألمانيا الحالية.
أشار الطباطبائي مرات عديدة إلى غفلة المثقفين عن أسس الفكر الغربي وقال؛ المثقفون لدينا يتحدثون بعكس اتجاه ما حدث في أوروبا. بالطبع، عندما يدّعي جميع «الخواص» أنهم «عموم» وينشرون ذلك فقط في الصحف، فلا خطر فيه، لكن إذا حولوا هذا الأمر إلى أيديولوجية تقدمية، كما فعلوا الآن، فإنهم يصبحون خطرين. الخصوصية تجد معناها فقط ضمن هذا العموم. أنواع «التشظي» والتعددية القومية واللغوية جرى الحديث عنها في أماكن لا نعرف شروطها التاريخية، وبدون معرفة بها نقلد منها. أكد الطباطبائي على أن اختفاء التعددية في أوروبا له تاريخ لا نعرفه. عندما يقول المثقفون هناك إن اللغات المحلية تختفي، فهم يتحدثون عن ظروف لم تكن موجودة في إيران، وبالتالي لا يمكننا أن نكرر كلامهم حرفياً. أشار الطباطبائي مثلاً إلى الثورة الفرنسية، وخاطب أولئك الذين اتخذوا أحداثاً مثل برنامج الفتيل سلاحاً للطعن في الثقافة الوطنية قائلاً؛ في الثورة الفرنسية وقبلها أيضاً في عهد لويس الرابع عشر، تم القضاء على كل أشكال التعددية، بما فيها التعددية اللغوية الموجودة في فرنسا. قال لويس الرابع عشر: الدولة أنا ووحدتي. بهذا العمل قضى لويس إلى حد كبير على جميع أشكال التعددية بما فيها اللغات الموجودة في جنوب فرنسا. لكن لغتنا الأذرية لم تتعرض للخطر قط وظلت دائماً تحت سيطرة التلفاز والإذاعة. ختم الطباطبائي بسخرية موجهة إلى المثقفين الذين يتشدقون بالمثنوي قائلاً؛ هؤلاء الذين يعرفون المثنوي يجب أن يستخلصوا العبرة على الأقل من قصة التنين؛ رجل صائد للثعابين في جبل بارد يعثر على تنين كبير فاقد الحيوية. يعتقد الرجل أن التنين ميت فيأخذه إلى المدينة ليكسب مالاً وفيراً من المعارك ويحقق أحلامه البعيدة؛ لكن في ساحة المعركة بفعل تأثر التنين بحرارة الشمس، يستعيد الحياة ويهاجم الناس ويدمر خطط الرجل بإراقة الدماء والأموال ويعود إلى الجبل. بعض الناس لا يعرفون ما هو التنين وما هي عواقب ما يقولونه! وأكثر من ذلك، بعض المثقفين تحولوا إلى محامين عن أعدائنا التاريخيين خارج الحدود وينطقون بأقوالهم. أعرب الدكتور الطباطبائي، مشيراً إلى نهب الممتلكات الثقافية الإيرانية من قبل الدول الأجنبية، عن قلقه من أن المثقفين الإيرانيين يشهدون كذباً لصالح ناهبي التراث الثقافي الإيراني، وخاطب التيار الذي حول فوكو إلى إله في إيران قائلاً؛ يجب أن نكون نحن فوكونا الخاص، فقد قال فوكو أشياء كثيرة غير ذات صلة لا قيمة لها الآن في أوروبا. واتهم الطباطبائي المثقفين بأنهم؛ بسبب عدم فهمهم للأفكار الأساسية لفوكو بشأن نظام المعرفة، يكررون أفكاره السطحية والأيديولوجية جداً بحيث يثيرون من خلال هذه الأفكار المربكة التباساً ذهنياً يقوض الأساس التاريخي لوحدة البلد.
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.