لماذا أصبحت العلاقات العاطفية في العالم الحديث غير مستقرة وهشّة؟ يبيّن زيغمونت باومان، من خلال طرحه مفهوم «الحب السائل»، كيف تسلّلت الفردانية وثقافة الاستهلاك إلى العلاقات الإنسانية، وكيف أثّرتا في الالتزام وفي جودة الروابط. وتعرض هذه المقالة رؤية باومان ثم تقارنها برؤى أنتوني غيدنز وأولريش بيك وتنقدها.

تقديم ونقد مفهوم الحب السائل عند زيغمونت باومان
حميدة محمدزاده[1]
الفصلية للدراسات التطبيقية في العلوم الاجتماعية وعلم الاجتماع
السنة السادسة، العدد ۳ (التسلسلي: ۲۵)، صيف ۱۴۰۲
تهدف هذه المقالة إلى تقديم مفهوم الحب السائل عند زيغمونت باومان ونقده. ولهذا الغرض عرّفنا أولاً، على نحو موجز، بهذا المفكر الكبير، ثم تناولنا تصنيف أنماط الحب (التيبولوجيا) من منظور المفكرين الاجتماعيين، ومنهم أنتوني غيدنز وأولريش بيك، وانتهينا إلى دراسة مفهوم الحب السائل من منظور زيغمونت باومان. وكان لا بدّ، قبل الشروع في الحديث عن الحب السائل، من بحث مفهوم الحداثة السائلة ثم الإشارة إلى هذا المفهوم، وأخيراً تناولنا الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى رؤية هذا المفكر البولندي بشأنه، ومنها النظرة الاستهلاكية والأداتية إلى الحب وتحويله إلى سلعة، والاهتمام بكمّ العلاقات والتفاعلات بدلاً من كيفها، وغير ذلك. ويمكن القول إن الانتقادات الموجّهة إلى هذا المفهوم تتصل في معظمها بالحياة الرأسمالية والاستهلاكية في المجتمع الغربي، الذي ينظر إلى المشاعر والعواطف الإنسانية نظرته إلى الشيء والسلعة، فيجرّدها من قيمتها.
زيغمونت باومان مثقف وعالم اجتماع بولندي وُلد في ۱۹ نوفمبر ۱۹۲۵ في بوزنان ببولندا، وتوفي سنة ۲۰۱۷ عن واحد وتسعين عاماً. وقد طُرد من بولندا في سياق أحداث عام ۱۹۶۸ بسبب السياسات المعادية لليهود، فانتقل إلى ليدز في إنجلترا واشتغل في جامعتها، وتقاعد في مطلع تسعينيات القرن الماضي لكنه واصل التدريس والبحث في الجامعة نفسها أستاذاً متميزاً. ومن اللافت في شأن عالم الاجتماع هذا أنه كتب معظم أعماله بعد تقاعده، وتدور كتبه حول موضوعات مثل الحداثة والهولوكوست وما بعد الحداثة والحداثة السائلة والحرية وثقافة الاستهلاك واستراتيجيات الموت والحياة والعولمة والفقر والجماعة والحب والتبديد والهوية وأوروبا، وغيرها. ومن أهم أعمال باومان كتاب الحداثة السائلة (۲۰۰۰)، وقد شكّل هذا الكتاب والمفاهيم الواردة فيه، مثل السيولة وكون الشيء سائلاً وإذابة الصلب والهشاشة وعدم الاستقرار وعدم اليقين، وغيرها، أساساً لتأليف كتاب الحب السائل وطرح رؤية بهذا العنوان. وفي هذه المقالة أيضاً نسعى إلى تقديم شامل ووافٍ لمفهوم الحب السائل ونقده؛ ولهذا الغرض تناولنا أولاً رؤية مفكرين مثل أنتوني غيدنز وأولريش بيك في الحب، ثم أشرنا إلى تقديم الحب السائل من وجهة نظر باومان وأوردنا بعض الانتقادات.
أنتوني غيدنز[2] من المفكرين الذين تناولوا تحوّل معنى الحب ومفهومه في العالم الحديث. ففي كتابه «تحوّل الحميمية (الجنسانية والحب والرغبة الجنسية في المجتمعات الحديثة)»[3] (۱۹۹۲) يحاول أن يفسّر مفهوم الحب في العالم الحديث بتقديم شكل جديد محرِّر من العلاقة الحرّة، يرى أنه آخذ في الانتشار. ويذكر غيدنز، بمقاربة جينيالوجية تاريخية، ثلاثة أنواع من الحب هي الحب الشهواني[4] والحب الرومانسي[5] والحب الاندماجي[6]. ويرى أن الحب الشهواني يعبّر عن ارتباط عام بين الحب والتعلّق الجنسي أو القلق الاضطراري المنفصل عن الحياة اليومية. وهو يُخرج الفرد من الحياة الدنيوية ويهيّئه للنظر في خيارات راديكالية مثل التضحية. ولهذا السبب يشكّل الحب الشهواني خطراً على نظام المجتمع وعلى أداء الواجبات الاجتماعية. وفي جميع الثقافات لا يُعدّ هذا النوع من الحب أساساً لزواج مرغوب، بل يُنظر إليه عادةً بوصفه نوعاً من التمرّد. ويرى غيدنز أن الحب الرومانسي طليعة تشكّل الزواج القائم على الميل المتبادل، ويقدّمه بوصفه سرداً من داخل حياة شخصية. ويعدّ بداية الحب الرومانسي متزامنة تقريباً مع ظهور الرواية، ويعتقد أن نوعاً جديداً من الحب قد تشكّل، وسّع نطاق «الارتدادية» في الحب الخالص. وبحسب غيدنز فإن فكرة الحب الرومانسي ربطت لأول مرة بين الحب والحرية، وأقامت صلة بين الحرية وتحقيق الذات. كما يربط الحب الرومانسي بالعقلانية، ويراه سبيلاً محتملاً للتحكم في المستقبل. ويصف غيدنز، قبل الوصول إلى العلاقة الخالصة في العصر الحديث، وضعاً آخر يسمّيه الحب الاندماجي، ويعدّ هذا النوع من الحب فاعلاً ومشروطاً في مقابل الحب الرومانسي، لأن الحب الاندماجي يدل على تفتّح فردية الأفراد وعلى دمقرطة الحميمية (غيدنز، ۱۹۹۲: ۳۷–۴۱؛ ۲۰۰۰: ۸۰؛ غروس[7]، ۲۰۰۲: ۵۳۵).
وأولريش بيك وإليزابيث بيك-غيرنسهايم[8] مفكران آخران تناولا مفهوم الحب في العالم الحديث في كتابيهما «الفوضى الطبيعية للحب»[9] (۱۹۹۵) و«الحب عن بُعد»[10] (۲۰۱۴). ويحتجّان بأن التقاليد والقواعد والإرشادات التي كانت تحكم العلاقات الشخصية لم تعد نافعة، وأن الأفراد يواجهون اليوم سلسلة لا تنتهي من الخيارات، تتعلق بإنشاء الروابط التي يكوّنونها فيما بينهم وتنظيمها وتعديلها وتحسينها أو إنهائها (غيدنز، ۱۳۸۹: ۲۵۹). فالحب بحث عن الذات، وكفاح من أجل تواصل حقيقي مع النفس ومع الآخر، واشتراك في الجسد والفكر، ومواجهة بعضنا بعضاً دون أي حاجز، واعتراف وصفح، وفهم وتأييد ودعم لما كان ولما هو كائن، وتوق إلى بيت ومأوى وسند في مواجهة الشكوك والقلق التي تولّدها الحياة الحديثة (بيك، ۱۹۹۵: ۱۷۵–۱۷۶). وبحسب قولهما فإن الحب مدعاة لليأس والسلوى في آن واحد. فهو «قوة جبّارة تتبع قواعدها الخاصة، وتدرج رسائلها في توقعات الإنسان وقلقه وأنماط سلوكه». وفي عالمنا المضطرب المتقلّب أصبح الحب مصدراً جديداً للإيمان. وجوابهما عن تكرار الزواج هو حاجة الأفراد إلى الحب. وهما يكتبان، في ضوء العطش الذي لا يرتوي إلى الحب في العالم الحديث: إن الناس يتزوجون بسبب الحب ويفترقون بسبب الحب أيضاً؛ إنهم عالقون في دائرة لا تنتهي من تعليق الآمال والندم ومحاولة جديدة (غيدنز، ۱۳۸۹: ۲۶۰، ۲۶۲). وثمة مفكرون آخرون، مثل إيفا إيلوز[11] وكريستوفر لاش[12] وآلان باديو[13] وإريك فروم[14] وغيرهم، لهم في هذا المجال نظريات مهمة لا يتسع المقام لعرضها، تجنباً لإطالة الكلام والابتعاد عن الهدف الأساسي للمقالة.
استمدّ عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان[15] مفهومه للحب السائل[16] من الحب الاندماجي عند غيدنز (باومان، ۲۰۰۰: ۸۵)، واستخدم هذا المصطلح عام ۲۰۰۳ في كتابه الشهير «الحب السائل: في هشاشة الروابط الإنسانية»[17] لوصف التغيرات التي طرأت على العلاقات بين الجنسين في الفضاء السائل الحديث، فشرح هذا المفهوم وعرّف بخصائصه وسماته. ويروي كتاب الحداثة السائلة[18] (۲۰۰۰)، وهو أهم كتب باومان، قصة عصر جديد ذي سمات خاصة، منها الهشاشة وعدم الاستقرار وعدم اليقين والسيولة، وغيرها، وهي سمات تحكم معظم الظواهر التي درسها باومان، كالحياة والخوف وأوقات الفراغ والتنظيم والحب وغيرها، وله كتب بهذه العناوين مثل الحياة السائلة والخوف السائل والولادة السائلة وغيرها. ويرى باومان أن الحداثة أحدثت تغييرات في حياة الأفراد وعالمهم على مرحلتين: فيسمّي المرحلة الأولى الحداثة الصلبة[19] والثانية الحداثة السائلة. ومع أن السمة الدائمة للحداثة منذ البداية هي «إذابة الصلب»، فإن مرحلتها الأولى، بإذابتها ما تبقّى من المجتمع التقليدي، تركت الساحة مفتوحة لاجتياح العقلانية الأداتية[20] (كما يقول ماكس فيبر) وهيمنتها، وللدور الحاسم للاقتصاد (كما عدّد ماركس) (كنعاني ومحمدزاده، ۱۳۹۵: ۱۲۲). وفي ظروف الحداثة السائلة لم تعد الهوية مشروع ثبات أو نظاماً مفروضاً أو انتماءات جماعية مشتركة. ولم تعد الهوية تكمن في الشعور بالانتماء وفي طمأنينة العواطف الراسخة أو المكان أو الجماعة الوطنية. وفي الحداثة السائلة تتحول الهوية إلى أمر دائم التغير، ذي أسس متعددة مروَّج لها ومحسَّنة، بارعة ومتكيفة مع حالة ثابتة من التناقض الوجداني والاضطراب. وقد امتدت هذه الحالة إلى المستويات النفسية للأفراد أيضاً وجعلتهم أناساً مرنين قادرين على التكيف. وفي الحداثة السائلة يتعيّن على الأفراد أن يتصرفوا في ظل عدم اليقين وأن يحسبوا ربح أفعالهم وخسارتها (باومان، ۲۰۰۵: ۱۲۸).
يسعى باومان في كتاب الحب السائل إلى شرح اللااستقرار الاستثنائي للروابط الإنسانية وتسجيله وفهمه، وكذلك الشعور بانعدام الأمان الناجم عن هذا اللااستقرار، والرغبات المتناقضة الناشئة عن الإحساس بضرورة توثيق الروابط مع إبقائها في الوقت نفسه مرخيّة. وبطل كتابه الأساسي، بحسب تعبيره، هو «العلاقة»[21] الإنسانية، وشخصياته المحورية رجال ونساء يتوقون إلى الأمان والوحدة والمودة، ويريدون يداً تعينهم يعلّقون عليها الأمل عند الشدة؛ أناس في أمسّ الحاجة إلى «إقامة علاقة» لكنهم يخشون في الوقت نفسه «الارتباط»، ولا سيما الارتباط «الدائم». ويرى أن العلاقات في الحياة الحديثة السائلة هي أحدّ نماذج التنافر والتعدد وأشدّها شيوعاً وحساسية وإشكالية؛ فاليوم، رغم المخاطر التي تنطوي عليها، تظل «العلاقة» أسخن موضوع في كل حيّ وزقاق. والاهتمام الشديد بالرضا الناتج عن العلاقات سببه أنها ليست مرضية حقاً وتماماً، أو أنها تكلّف ثمناً باهظاً. ولهذا يعدّ «العلاقة» من العوامل الرئيسة لازدهار الاستشارات في عالم اليوم (باومان، ۱۳۸۴: ۱۰). والمعنى الوحيد للحب عند باومان هو «ركوب المخاطرة وتسليم النفس إلى يد القدر». ففي كل حب كائنان على الأقل، كل منهما مجهول تماماً في معادلات الطرف الآخر. وهذا ما يجعل الحب لعبة في يد القدر؛ مستقبلاً غامضاً مبهماً لا يمكن الحديث عنه مسبقاً ولا منعه ولا تأجيله. فأن تحب يعني أن تنفتح على هذا القدر. أي الانفتاح على أسمى حالة إنسانية، حالة تمتزج فيها مكوّنتان لا تنفصلان هما الخوف والفرح؛ والانفتاح على هذا القدر يعني، في أفضل تعبير، دخول الحرية إلى ساحة الوجود، حرية تتجسّد في الآخر (باومان، ۱۳۸۴: ۲۷). وقد صوّر باومان في كتابه تغيرات العلاقات وتحولاتها في العالم الحديث تصويراً جميلاً. فهو يشبّه العلاقات بشراب ريبينا[22] الذي ينبغي أن يكون مخفَّفاً عند تناوله، وإلا كان خطراً على صحة الأفراد (باومان، ۱۳۸۴: ۱۴). كما يتحدث عن «علاقات جيب القميص»، وهي علاقات يمكن إخراجها عند الحاجة ثم إخفاؤها تماماً في الجيب بعد انقضاء الحاجة. وهذه العلاقات حاضرة دائماً وجاهزة، وهي في الوقت نفسه للاستعمال مرة واحدة وللرمي، ولا يستطيع أحد أن يحتفظ بها طويلاً ولا حتى أن يستمتع بها (باومان، ۲۰۰۴: ۳۵؛ ۲۰۰۳: ۲۰). أو أن العلاقات ينبغي فحصها باستمرار مثل السيارات للتأكد من سلامتها. أما الـSCD[23] أو «الأزواج شبه المنفصلين»، «ثوار العلاقة»، فهم الذين فجّروا فقاعة الزوجية الخانقة ويمضون في شأنهم (باومان، ۱۳۸۴: ۱۴). فكونهم اثنين بدوام جزئي. إنهم يمقتون فكرة الاشتراك في البيت والأسرة، ويفضّلون أن يُبقوا منازلهم وحساباتهم المصرفية ودوائر أصدقائهم منفصلة، ولا يتقاسمون وقتهم ومكانهم إلا حين يشعرون برغبة في ذلك. وعلى العموم يعتقد أن العلاقات تتجه نحو وجهة يصبح فيها الالتزام، ولا سيما الالتزام طويل الأمد، فخّاً ينبغي للأفراد أن يتجنبوه. فالمستشارون يعلّمون الناس أن «إن كنتم ترغبون في إقامة علاقة فحافظوا على مسافتكم، وإن أردتم أن تشعروا بالرضا عن صداقتكم فلا تلتزموا ولا تطالبوا بالتزام. أبقوا جميع الأبواب مفتوحة دائماً». وبعبارة أخرى فإن الالتزام بعلاقة «تغدو على المدى الطويل خواءً وبلا معنى» سيف ذو حدّين (باومان، ۱۳۸۴: ۷۰). ولذلك، كما يقول باومان، وقع الأفراد في هذا الفضاء السائل في تناقض. بمعنى أن أمنيتهم ورغبتهم وهدفهم وحلمهم هو «إقامة الاتصال»، لكنهم في الواقع يبحثون، أكثر من أي شيء آخر، عن طرق لمنع توثيق علاقاتهم وترسيخها. وليس من الواضح أنهم يريدون أن يعرفوا كيف يوثّقون العلاقة، أو كيف يتخلّون عنها، عند الضرورة، دون أذى ولا خسارة وبضمير مرتاح. ولهذا تحلّ الروابط وإقامة الروابط محلّ العلاقة وإقامة العلاقة، ويحلّ الشركاء محلهم الشبكات. وخلافاً لـ«العلاقات» و«القرابات» و«الشراكات» وما شابهها من المفاهيم التي تؤكد الالتزام المتبادل وتنفي بصمت ضدّه، أي الحرية وعدم الالتزام؛ تمثّل «الشبكة» مصفوفة للانضمام والانفصال في آن واحد. ولا يمكن تصوّر الشبكات من دون إمكان القيام بهذين النشاطين معاً. ففي الشبكة يتساوى الانضمام والانفصال في المشروعية، وفي الشأن والمنزلة والأهمية. و«الشبكة» توحي بلحظات «التواصل» في فترات تجوال حر متزامنة. وفي الشبكة تقوم الروابط بمجرد الطلب، ويمكن أن تنقطع حسب الرغبة والهوى. فالروابط «علاقات افتراضية». وخلافاً للعلاقات القديمة يبدو أن الروابط تلائم وضع الحياة الحديثة السائلة، التي يُرجى فيها ويُنتظر أن تتعاقب «الاحتمالات العاطفية» بأقصى سرعة ممكنة، وأن يزيح بعضها بعضاً عن المشهد بوعد «الأكثر إرضاءً وإقناعاً». وخلافاً للعلاقات «القديمة» يسهل الدخول في العلاقات «الافتراضية» والخروج منها (باومان، ۱۳۸۴: ۱۴).
يرى باومان أن النزعة الاستهلاكية والتحوّل إلى الاستهلاك من سمات حداثة النصف الثاني من القرن العشرين، وهي تُحدث فرقاً جوهرياً بين نمط الحياة في هذا العصر والعصور الماضية. فقد تغلغلت روح الزبونية في الطبيعة المتغيرة للعلاقات بين الأشخاص. وأصبحت هذه العلاقات تعتمد على السوق بصورة متزايدة، إلى حد أنها تعكس اليوم عدم قابلية السوق للتنبؤ (باومان، ۲۰۰۱: ۸۶). واليوم تثير المراكز التجارية الرغبات بسرعة وتطفئها فوراً. «ففي هذه المراكز يكون الاستسلام للرغبات عابراً، ويولّد الأمل في ألا تكون له عواقب دائمة تحول دون لحظات أخرى مبهجة. وفي الشراكات، ولا سيما الشراكات الجنسية، يعني اتباع الرغبات إبقاء الباب مفتوحاً أمام «احتمالات عاطفية أخرى» قد تكون أكثر إرضاءً وإشباعاً». «لقد جعلت القوى الهائلة للسوق الاستهلاكية العمل بحسب الرغبات جزءاً من السلوك اليومي. ونتيجة لذلك يبدو الالتزام العاطفي أمراً غير مأمون وصعباً ومزعجاً». وحين تقود الرغبة الشراكات وتوجّهها، تتبع الشراكة نمط الشراء، ولا تتطلب أكثر من مهارات مستهلك متوسط غير بارع كثيراً. وكسائر السلع الاستهلاكية، تصلح الشراكة للاستهلاك الفوري والاستعمال العرضي، وهي للاستعمال مرة واحدة وللرمي تماماً. ويقول المتخصصون للناس إن العلاقة استثمار كسائر الاستثمارات. فإن استثمرتم في علاقة فأهم ربح تنتظرون الحصول عليه هو الأمان. والأمان، بمعانيه المختلفة، يشمل المساعدة السريعة عند الحاجة، والعون عند الحزن والضيق، والرفقة في الوحدة، والخلاص عند الشدة، والمواساة عند الإخفاق، والإعجاب عند النجاح، وكذلك الأمان بمعنى الإشباع السريع لحاجة ما. فالعلاقات استثمارات كأي نوع آخر من الاستثمار؛ يفتح المساهمون كل صباح صفحات تداول الأسهم في الجريدة ليروا هل يحتفظون بأسهمهم أم يتخلصون منها. وينطبق الأمر نفسه على نوع آخر من الأسهم هو العلاقات. والفرق الوحيد أنه لا وجود هنا لتداول الأسهم، ولن يقوم أحد بتقدير احتمالات حظّكم. ولذلك عليكم أن تفعلوا ذلك بأنفسكم كل يوم. ينبغي أن تكونوا يقظين دائماً وألّا تخطئوا أبداً؛ فـ«أن تكون في علاقة» يعني قدراً كبيراً من المتاعب، لكنه يعني قبل كل شيء عدم اليقين والتردد الدائمين. فلا يمكنكم أبداً أن تكونوا واثقين تماماً وحقاً مما ينبغي فعله، أو من أنكم فعلتم الصواب، أو فعلتموه في الوقت الصحيح (باومان، ۱۳۸۴: ۳۵–۳۸). نريد من الحب، كسائر الأشياء، أن يعود علينا بمردود. نحن مشترون قدامى ونصرّ على حقوقنا بوصفنا زبائن: يجب أن يمنحنا الحب والجنس ما ننتظره من سائر مشترياتنا. فـ«العلاقة الجنسية الخالصة» تكتسب معناها في ضوء نوع من ضمان معتبر لاسترداد المال وفي ضوء أنماط متطورة لشراء السلع أو استئجارها في العالم الحديث، ويستطيع شريكا «اللقاء الجنسي الخالص» أن يشعرا بالأمان لأنهما يعرفان أن «لا قيد ولا رباط» يعالج أو يعوّض اللااستقرار المزعج لالتزامهما (باومان، ۱۳۸۴: ۹۰). ويرى باومان أن هجوم قوى السوق الاستهلاكية وعوامله على الجماعة واستعمارها لها يولّد أشدّ الأخطار رعباً، إذ يهدد الشكل الحالي للعيش معاً وللمودة الإنسانية. وأهم نجاحات الهجوم السوقي وأكثرها مصيرية على الأرجح حتى الآن هو الانهيار التدريجي المتواصل لمهارات التنشئة الاجتماعية أو حسن المعاشرة. ففي الشؤون المتعلقة بالعلاقات بين الأشخاص يجد الفاعلون غير المهرة أنفسهم أكثر من أي وقت مضى في حالة الوكالة، أي في نمط غيري التوجيه. وسحر الفعل غيري التوجيه وإغراؤه ناجمان عن التنصل من المسؤولية. وما يسرّع انهيار مهارات التنشئة الاجتماعية ويعزّزه هو الميل، المستلهَم من أسلوب الحياة الاستهلاكي السائد، إلى التعامل مع الآخرين بوصفهم موضوعات للاستهلاك والحكم عليهم وفق نموذج الموضوع الاستهلاكي، وعلى أساس مقدار اللذة الناتجة عنهم وبمعيار «القيمة مقابل المال». وفي سياق ذلك تغيب القيمة الذاتية للآخرين بوصفهم بشراً فريدين عن الأنظار. والتضامن الإنساني هو الضحية الثانية لانتصارات السوق الاستهلاكية (باومان، ۱۳۸۴: ۱۲۲–۱۲۴).
استناداً إلى ما قاله باومان في كتابه عن الحب السائل، يمكن أن نلمس النموذج الأبرز لهذا النوع من الحب وما ينتج عنه من علاقات في العلاقات الإنترنتية والشبكات الافتراضية. فظهور الجوار الافتراضي يجعل الروابط الإنسانية أكثر عدداً وأشدّ سطحية، وأكثر حدّة وأقصر عمراً في الوقت نفسه. فالروابط أسطح وأقصر من أن تتحول إلى خيط ألفة. إنها تتركز على المهمة الجارية ولا تفيض عنها، ولا تُشرك الأطراف في شيء سوى وقت الرسالة المرسلة والمستقبَلة وموضوعها ـ وخلافاً للعلاقات الإنسانية التي اشتهرت بنهمها الذي لا يشبع وميلها إلى الانتشار، فإن إقامة الاتصالات وقطعها تتطلب وقتاً وجهداً أقل. فالبُعد لا يحول دون التواصل، لكن التواصل بدوره لا يحول دون البُعد والانفصال. ويمكن للجوار الافتراضي أن ينتهي، حقيقةً ومجازاً، بمجرد ضغطة زر. وأنجع ما يحققه الجوار الافتراضي هو الفصل بين التواصل والعلاقة. فخلافاً للجوار القديم القائم على الموقع الطبيعي، لا يتطلب الجوار الافتراضي أن تكون خيوط الارتباط قد نشأت من قبل، ولا يفضي بالضرورة إلى نشوئها. إن «الاتصال أو الارتباط»[24] أقل كلفة من «الانخراط»[25]، لكنه في الوقت نفسه أقل نفعاً بكثير من حيث إنشاء خيوط الارتباط والحفاظ عليها (باومان، ۱۳۸۴: ۱۰۶–۱۰۷). وفي ما يخص المواعدات عبر الإنترنت، يشير باومان إلى لويس فرانس[26]، الذي يقول إن جيل اليوم ينشأ مع الإنترنت وله مهارات اجتماعية محدودة، وإن للمواعدة عبر الإنترنت، فضلاً عن ذلك، مزايا تفتقر إليها اللقاءات الشخصية؛ ففي العلاقة، متى انكسر الجليد انكسر مرة واحدة وإلى الأبد وبقي ذائباً، أما في المواعدة عبر الإنترنت فالوضع مختلف تماماً، إذ يمكنك دائماً أن تضغط زر الحذف. وعدم الرد على الرسائل الإلكترونية أسهل شيء في الدنيا. ويقول فرانس: يستطيع مستخدمو خدمات المواعدة المرتبطة بالحاسوب أن يحددوا مواعيد مطمئنين، لأنهم واثقون من أنهم يستطيعون دائماً العودة إلى السوق لجولة تسوّق أخرى. وكون بدء التفاعل سهلاً وقطعه أسهل منه يجذب كثيرين من أبناء هذا الجيل. فبعد انتهاء تفاعل أو علاقة على الإنترنت يوجد دائماً آخرون يمكن إقامة علاقة أخرى معهم. ويشير باومان إلى جيف غافين[27]، الذي يقارن العلاقات الإنترنتية بالكتالوج، ويرى أن بالإمكان على الإنترنت تحديد المواعيد دون خوف من عواقب العالم الواقعي. وعلى أي حال فهذا هو الشعور نفسه الذي قد ينتابنا ونحن نشتري شريكاً عبر الإنترنت. إنه أشبه بتقليب صفحات كتالوج طلبات دون أي التزام بالشراء، وقد منحوك في الصفحة الأولى ضمان الإرجاع إلى المتجر إن لم تكن راضياً. فالعلاقات الإنترنتية كالسوبر ماركت، حيث تحصل على إمكانات ولذائذ لا نهاية لها دون أي نتيجة (باومان، ۲۰۰۴: ۸۱؛ ۲۰۰۳: ۶۵؛ ۱۳۸۴: ۱۱۰). ويزعم باومان أن عدد الذين يستخدمون عبارة «الحب» لوصف تجارب حياتية متباينة قد ازداد اليوم. وفضلاً عن ذلك فإن الناس لا يقسمون في هذه العلاقات أن تكون العلاقة الراهنة هي الأخيرة. فقد أصبحت الفكرة الرومانسية «حتى يفرّق الموت بيننا» باليةً بسبب التغير في بنى القرابة، ويعتقد الناس اليوم أن وجود عدة علاقات عاطفية يكسبهم خبرات في هذا الميدان. ويقول إننا تعلمنا كيف نحب من حيث الكمّ لا من حيث الكيف. ويزعم كذلك أن العلاقات العاطفية تُرى اليوم بوصفها رأسمالاً. فحين تدخل في علاقة تستثمر المال والوقت وتبذل الجهد وتأمل في تحقيق ربح. ونهاية هذه العلاقة تؤدي إلى خسارة الاستثمارات، لكن من جهة أخرى لا ينبغي الاستياء من العلاقات. فالحب رأسمال مجهول، وتقدير لمستقبل علاقات غير موجودة (باومان، ۲۰۰۴: ۱۸–۲۸).
كما ذُكر آنفاً، فإن المفهوم المفتاحي عند باومان هو «الحداثة السائلة»، وتبعاً لذلك يرى جميع الظواهر، كالحب والحياة والخوف وأوقات الفراغ وغيرها، سائلة، وله كتب عدة بهذه العناوين، وعلى هذا الأساس يعرض تحليله الخاص لماهية الحب. ومن ثمّ، إذا أردنا نقد رؤية باومان فعلينا إما أن ننقد سيولة الحداثة في فكره، وإما أن ننظر إلى نقد تحليله للحب من زاوية: ما الذي يجعله أسلوب باومان في تحليل سيولة الحب لا يراه فيتجاهله؟ فعلى سبيل المثال، بناءً على السمات التي عددناها لعصر الحداثة السائلة الذي تتحقق فيه سيولة الحب، إلى أين يذهب «الوفاء والالتزام والثقة» بين الطرفين في نظر باومان، وأي مكانة يجدها في الحب؟ ولا بدّ من الانتباه إلى أن تحليل باومان للحداثة والحب تحليل وصفي، وأنه لا ينظر إلى هذا الأمر نظرة معيارية. أي أنه حين يقول إن الوفاء والالتزام والثقة قد انتفت في الحب، وإن الأفراد يسعون دائماً إلى تغيير معشوقهم وخوض علاقات وصداقات متعددة، وإن الخلاص في الحب يعود إلى كثرة المعشوقين، فإنه لا يقصد أن علينا نحن أيضاً أن نكون غير أوفياء. فباومان يعدّد ويصف فحسب سمات العصر الذي نعيش فيه وخصائصه، وليس هدفه فرض هذه السمات ولا إقرارها، وللسمات الحاكمة في هذه الحقبة، كما في سائر الحقب، مزاياها وعيوبها الخاصة.
وبناءً على الوصف الذي قدّمناه للحداثة السائلة وللحب من منظور زيغمونت باومان، وعلى السمات التي عدّدها هذا المفكر لهما، يمكن توجيه النقد إلى هذين المفهومين من أبعاد وزوايا شتى، وما يعنينا في هذه المقالة بصورة خاصة هو نقد الحب السائل.
ومن أهم الانتقادات وأكثرها جوهرية، وأبرز المآخذ التي يمكن أن تؤخذ على الحب بحسب باومان، النظرة الاستهلاكية، وما يتبعها من نظرة سلعية وأداتية، وبعبارة أدق نظرة مادية، إلى البشر وإلى العلاقات والتفاعلات والصداقات بينهم. فباومان يعدّ النزعة الاستهلاكية ظاهرة من ظواهر العصر الحديث، يستعمل الأفراد فيها السلع ثم يرمونها بعد إشباع حاجتهم. ويرى أن هذه الظاهرة تختلف عن تكديس السلع، بمعنى أن الاستهلاك والرمي يفسحان المجال لاستخدام سلع أخرى. ومن ثمّ فإن هدف الإنسان المستهلك، في نظر باومان، هو مقدار دوران السلع وتحويلها واستبدالها. وبعبارة أخرى، فإن السيولة وعدم الثبات سمة بيّنة بارزة للمجتمع الاستهلاكي وكذلك لمجتمع الموضة، حيث تحلّ الموضات والتصاميم الجديدة، كالمأكل والملبس والهواتف المحمولة وحتى الأشعار الجديدة والمشاعر الجديدة، محلّ الموضات السابقة. وكما هو واضح، فإن ثقافة الاستهلاك والرأسمالية امتدتا اليوم إلى العلاقات والتفاعلات الإنسانية المستجدة أيضاً، ويُشار إلى ذلك بالحب السائل أو الروابط غير الثابتة المتزعزعة الهشة المتقطعة، بحيث ينظر البشر بعضهم إلى بعض بوصفهم سلعاً استهلاكية يحتاجون إليها، ويرون التجربة العاطفية كسائر السلع (بلاكشو[28]، ۲۰۱۵: ۲۶۳؛ هوبز وآخرون[29]، ۲۰۱۶: ۱–۲)؛ وقد تكون هذه الهشاشة الكلفة الحتمية لحق الأفراد في السعي وراء أهدافهم الفردية. ويمكن عدّ هذه الهشاشة الجديدة في الروابط الإنسانية نتيجة «متلازمة النزعة الاستهلاكية». فهذه المتلازمة تُفسد علاقاتنا الاجتماعية، لأن الناس يدركون العالم بصورة متزايدة بوصفه مجموعة من السلع الاستهلاكية، ويرون هدف الحياة في تحصيل الرضا واللذة الدائمين. وأخلاق الاستهلاك قوية جداً في المجتمع السائل، ويتغلب فيها مبدأ اللذة على مبدأ الواقع. وتسيطر متلازمة الاستهلاك تدريجياً على جميع أنواع العلاقات الإنسانية، فيزداد إقامة الروابط الإنسانية على المدى البعيد صعوبة، وإن لم يصبح مستحيلاً. وصعوبة إقامة الروابط ناتجة عن تحوّل القيم لمصلحة «الاتصالات» بدلاً من «المشاركات». فالاتصالات التي يمكن أن تتكوّن وتنتهي تصبح هي المعايير الأساسية. وهذا يجعل الناس يشعرون بانعدام الأمان في وقت يحتاجون فيه إلى الصداقة أكثر من أي وقت مضى (إليوت[30]، ۲۰۰۷: ۱۱۲–۱۱۵؛ ديفيس[31]، ۲۰۰۸: ۴۸). وهكذا، مع تسرّب ثقافة الاستهلاك إلى العلاقات، أصابت السيولة وعدم اليقين والغموض العلاقات الإنسانية والعلاقات العاطفية. ومن ثمّ يمكن القول إن العلاقات، شأن السلع، لها تاريخ انتهاء صلاحية ومدة استهلاكها محدودة، وأي استياء أو علاقة جديدة قد يكون إذناً بانتهاء صلاحية العلاقة. ولذلك تُهمل القيمة الذاتية للآخرين بوصفهم بشراً فريدين، ويُعامَل وعد التجربة العاطفية كسائر السلع (بلاكشو، ۲۰۱۵: ۲۷۴؛ هوبز وآخرون، ۲۰۱۶: ۱–۲). فالحب بحسب باومان أشبه بأداة أو سلعة نستطيع عند الحاجة أن نخرجها من جيب ثيابنا، وبعد استهلاكها وإشباع الحاجة نرميها، تماماً كاللوازم المعدّة للاستعمال مرة واحدة وللرمي. لقد انخرط إنسان اليوم في علاقات لا يريد منها سوى الاستمتاع بها، مع القدرة في الوقت نفسه على تركها عند ظهور المشكلات والصعوبات، وهذه الفكرة تدل على استهلاكية الحب في عصر الحداثة السائلة. فثقافة المستهلك، التي تؤيد الاستعمال والرضا الفوري واللحظي وإشباع الحاجة، تعتمد على خصائص مناقضة للخصائص اللازمة لتنمية الحب، كالشجاعة والإيمان والانضباط. ولتحسين وضع الحياة والعلاقات ينبغي أن نعزّز قدرتنا على الحب، فلا يمكن أن يحب المرء أحداً بنظرة استهلاكية وأداتية إلى الآخرين، ولا يمكن تعلّم إقامة العلاقة والحب والمحبة وأن يكون المرء محبوباً من مجلات نمط الحياة أو كتب المساعدة الذاتية (تاركوفسكي[32]، ۲۰۰۶: ۳۸۰). فالحب والمحبة، بل وحتى إقامة العلاقة والرابطة، ليست كـ«معابد الاستهلاك»[33] عند جورج ريتزر[34]، حيث نطوف في الأسواق بعد الطقوس الدينية ونتزوّد بما نحتاج إليه ونضع ما لا نحتاج إليه على الرفوف؛ فالحب يعبّر عن مشاعر البشر وعواطفهم وميل بعضهم إلى بعض، وليس كالمواد الغذائية والثياب والهاتف المحمول التي نشتريها ونستعملها كلما احتجنا إليها ثم نرميها. وهذه النظرة الاستهلاكية والأداتية إلى الحب تؤدي إلى مضاعفة الوحدة والقلق والاكتئاب وفقدان الاستمتاع بإقامة العلاقات العاطفية (بلاكشو، ۲۰۱۵: ۲۷۴؛ ديفيس، ۲۰۰۸: ۵۵).
فعلاقات الإنسان المعاصر، من وجهة نظر باومان، سائلة وهشّة وغير ثابتة. فهي تقوم بمجرد الطلب ويمكن أن تنقطع حسب الرغبة والهوى. وعلى هذا الأساس فإن انعدام المسؤولية وعدم الالتزام والإفراط في تفريد العلاقات، أو تشكّل علاقات قائمة على الحاجة الفردية، نقد آخر يمكن توجيهه إلى هذا المفهوم عند باومان. والتفريد مفهوم يصف التحول البنيوي والسوسيولوجي للمؤسسات الاجتماعية وعلاقة الفرد بالمجتمع. فهو يحرّر الناس من الأدوار التقليدية وقيودها بطرق مختلفة. ففي البداية يتحرر الأفراد من الطبقات القائمة على المنزلة الخالصة ومن الطبقات الاجتماعية بإزالة التقليد عنها. وهذا الأمر، الذي هو من تبعات الحداثة والنزعة التحديثية، يُلاحظ في العلاقات بين الأفراد، وبنية الأسرة، وظروف السكن، وأنشطة أوقات الفراغ، والتوزيع الجغرافي للسكان، والعضوية في النقابات التجارية والنوادي، وغيرها. فمن جهة، تحدث تغيرات عصرية، ولا سيما في ميادين العلاقة الجنسية والقانون والتعليم. ومن جهة أخرى، فإن هذه التغيرات، ما عدا العلاقة الجنسية، موجودة في وعي الناس وعلى الورق أكثر مما هي موجودة في السلوك والظروف الاجتماعية. وهذا، تاريخياً، مزيج من وعي جديد وظروف قديمة، يزيد في أذهان الناس من حدة التفاوت المتراكم المتواصل بين الرجل والمرأة وبين الفقير والغني (بيك، ۲۰۰۲: ۲۱۲–۲۱۴). ومن ثمّ فإن المجتمع الفردي السائل الحديث قد حوّل الالتزامات طويلة الأمد إلى أمر نادر، والتعهد الطويل إلى توقع غريب، وواجب المساعدة المتبادلة القائم على «ليكن ما يكون» إلى وعد غير واقعي لا قيمة له (بست[35]، ۲۰۱۸: ۷؛ هوبز وآخرون، ۲۰۱۶: ۴). فالمسافة بين الحداثة الصلبة والسائلة خلقت مجموعة جديدة غير مسبوقة من الأنشطة المتعلقة بالحياة الفردية، وهذه المجموعة جعلت الأفراد يواجهون تحديات لم يواجهوها من قبل. فالأشكال الاجتماعية والمؤسسات المختلفة لا تملك قدرة كبيرة على تثبيت قوالب النشاط الإنساني وأطره ومشاريع الحياة الطويلة والبعيدة المدى، ولا تستطيع النجاح في ذلك. ولذلك يضطر الأفراد إلى البحث عن مسارات أخرى لتنظيم حياتهم، وفي هذا المسار يضفرون سلسلة من المشاريع القصيرة الأمد غير المكتملة بعضها ببعض ويكدّسونها. ولن تفضي هذه المشاريع المضفورة إلى خيط متين متصل يُستخدم بمعونته مفهوما الانتقال والتقدم استخداماً هادفاً. وتحتاج هذه الحيوات والأنشطة المفككة المنفصلة بعضها عن بعض إلى أفراد مرنين قادرين على التكيف، وجاهزين ومستعدين باستمرار لتغيير التكتيك بالمعلومات القصيرة نفسها، ولا مبالين بالالتزامات والولاءات دون أي إبداء للأسف، ويبحثون كذلك عن الفرص وفق القدرات المتاحة. وفي الحداثة السائلة يتعين على الأفراد أن يتصرفوا في ظل عدم اليقين وأن يحسبوا ربح أفعالهم وخسارتها (بايلهارز[36]، ۲۰۰۱: ۳۳۹).
إن هذه العبارات لباومان، التي تتكرر في ثنايا كتاب الحب السائل، من قبيل أن كثرة مرات الوقوع في الحب تعني مزيداً من الخبرة، وأن «حتى يفرّق الموت بيننا» لم تعد ذات أهمية، وأن لا تلتزموا ولا تطالبوا بالتزام، وهشاشة العلاقات وعدم استقرارها، وغيرها، تدل على أن كمّ العلاقة قد حلّ محلّ كيفها. والنقد الآخر هو هذا التحوّل الكمي والعددي والاعتيادي في العلاقات المتنوعة، وكذلك غياب الانسجام والتكامل والمتانة في العلاقة، إذ نواصل العلاقة ما شئنا، وإذا حصل الإشباع أو وُجد بديل جديد انتهت العلاقة والصداقة السابقة وبدأت علاقة جديدة؛ فلا أهمية لكيفية هذه العلاقات ونوعها، وإنما المهم أن بالإمكان، عند الملل وعدم الرضا، أن نترك تلك العلاقة والصداقة دون أي عناء ولا مشكلة وأن نبدأ علاقة جديدة (تستر[37]، ۲۰۰۴: ۱۷۴؛ بانشادهاي[38]، ۲۰۰۶: ۴). وهذه هي الحالة الاجتماعية والثقافية للعالم المعاصر، التي ورثنا منها التناقض الوجداني والتحول الاجتماعي وعدم الثبات (بايلهارز، ۲۰۰۱: ۳۳۹؛ بينكلي[39]، ۲۰۰۸: ۶۰۲). فالحداثة السائلة فاعلة في كل مكان، وتستبدل الكمّ بكيف العلاقة في كل مكان. وفي الحياة الحديثة السائلة لا توجد أي رابطة دائمة ثابتة، وكل علاقة نواصلها زمناً ما ينبغي أن تكون رخوة جداً بحيث يمكن فسخها بأكبر قدر ممكن من السهولة بتغيّر الظروف. ولذلك يميل الشباب اليوم إلى المواعدات الإنترنتية بدلاً من اللقاءات وجهاً لوجه، لأن غراميات البريد الإلكتروني تنتهي بسهولة. لكن هذه الروابط والعلاقات الافتراضية لا تجعل النساء والرجال سعداء؛ أي أن الأفراد لا يصبحون أسعد مما كانوا في العلاقات السابقة، لأنهم وإن كسبوا شيئاً فقد خسروا شيئاً آخر. فالسمة الحاسمة للعلاقات الحديثة هي «التحرر من الالتزام» (فيرن[40]، ۲۰۰۶: ۳۲).
وقد شبّه باومان الحب في كتاب المجتمع المفرَّد (۲۰۰۱: ۱۶۸) بشيك على بياض، وفي كتاب الحب السائل بالمراكز التجارية والكتالوج، وهو ما يدل على أن الحب ومشاعر الإنسان عنده شبيهة بالتسليع والتحول إلى سلعة. والنقد التالي يتعلق بهذا الجانب نفسه، أي تسليع الحب وجعله تجارياً. فالفكرة الحديثة عن الحب موجة من الميول والرغبات المتنوعة الملونة، لا شعور أو علاقة تبعث على الرضا والاغتباط، تماماً كما لو دخلنا المراكز التجارية وبدأنا نتجول ونتسكع في المتاجر المختلفة ونختار السلع التي نحتاج إليها، وعند عدم الرضا وعدم الملاءمة نستبدل بها سلعة أخرى؛ وفي العلاقات الإنسانية كذلك، نبدأ في الفضاء الافتراضي بالتجول في المواقع وشبكات التعارف المختلفة ونقيم علاقات مع أفراد متعددين، وكلما لم تكن هذه العلاقة مرضية ومُرضية ضغطنا بسهولة زر delete ووضعنا علاقة جديدة مكان السابقة، كما نستبدل في المراكز التجارية سلعة بأخرى. وهذا التحول والاستحالة في العلاقات مع الجنس الآخر له أيضاً تبعات متناقضة على الأفق الذهني للفاعلين الاجتماعيين وعالمهم الظاهراتي (تستر، ۲۰۰۴: ۱۷۴؛ بانشادهاي، ۲۰۰۶: ۲).
ومن الانتقادات الأخرى التي يمكن توجيهها إلى مفهوم الحب السائل عند زيغمونت باومان، وهو نقد يتصل في الغالب بالعلاقات الإنترنتية، شيوع ظاهرة تُدعى الخفاء (إخفاء الهوية)، التي تؤدي إلى تشكّل هويات متعددة، أو الأحرى أن نقول تعددية هوياتية بين الأفراد. فالعالم الافتراضي هو في الحقيقة نوع من الفضاء الفائق والفضاء الذهني، موجود في كل مكان ولا مكان له، فضاء سائل بلا حدود في متناول الجميع بسهولة ودائماً، لكنه يزول ويمّحي بالسهولة نفسها التي ينشأ بها. وفي مثل هذا الفضاء يستطيع المستخدمون أن يعرضوا هويات مختلفة داخل المواقع والشبكات الاجتماعية الافتراضية وأن يؤدوها بل وأن يخفوها (جونز[41]، ۲۰۰۴: ۲۱؛ بولينغهام[42]، ۲۰۱۳: ۱۰۳). وحجر الزاوية في ثقافة الإنترنت هو الخفاء[43]، والتواصل المجهول، وأداء الأدوار في الفضاء الافتراضي. فالبيئة الإنترنتية مناسبة على نحو فريد للتواصل المجهول أو المستعار الاسم. والمستخدمون المتصلون[44] أحرار في تحديد مقدار المعلومات التي يقدمونها عن أنفسهم أو في البقاء مجهولين، ويمكنهم أيضاً أن يختاروا لأنفسهم ملاذاً خلف اسم مستعار. ولهذا النوع من توليد الهوية (الهوية المجهولة والمستعارة الاسم) تبعات معقدة؛ فمن جهة يوسّع التواصل، ومن جهة أخرى قد يشجع على الخطأ، ولا سيما بإيجاد تصور بأن المستخدم لا يتحمل مسؤولية أفعاله وكلماته، كما يتيح الخفاء للمستخدمين أن يسلكوا سلوكاً عدائياً أو ودياً دون أن يشعروا بالخطر من ردّ فعل الآخرين أو استجابتهم (ماكإنتاير[45]، ۲۰۰۴: ۱؛ إيان[46]، ۲۰۱۱: ۱۲۶). فالهوية لم تعد مشروع ثبات ولا نظاماً مفروضاً ولا انتماءات جماعية مشتركة، ولا مكان لها في الشعور بالانتماء وفي طمأنينة العواطف الراسخة أو المكان أو الجماعة الوطنية، وتتحول إلى أمر دائم التغير متكيف مع حالة ثابتة من القلق والاضطراب. وتولّد الروابط الاجتماعية الضعيفة والمستويات العالية من الحراك الفردي أنماطاً جديدة من الوعي بالهوية، تقوم على منطق التقليل إلى الحد الأدنى من الالتزامات المؤسسية، ومرونة المسؤولية بين الأفراد، وقبول حالة ثابتة من التفكك الاجتماعي (بينكلي، ۲۰۰۸: ۶۰۲).
ويمكن توجيه انتقادات أخرى إلى رؤية باومان للحب، مثل نزع الصفة الإنسانية عن عواطف البشر ومشاعرهم وتجريدها من قيمتها، وتفشّي الشعور بعدم الأمان وانعدامه بين الأفراد، وشكلية العلاقات وسطحيتها وقلة عمقها، وغير ذلك.
الحب السائل نتاج عصر الحداثة المتأخرة والمقاربات ما بعد الحداثية في الغرب. ففي هذا النموذج أُعيد تعريف مفهوم الحب ووُضع في إطار من النسبية الشديدة. ويخرق هذا النموذج الجديد للعلاقة الالتزامات الصارمة المطلقة للحب الرومانسي، وينكر ضرورة العلاقات الحميمة الملتزمة. وسمة الحب السائل ليست الاتجاه نحو أنماط الكتمان، بل تعدد الأزواج العلني، وهدفه «مزيد من التنوع» و«التزام أقل» و«حرية أكبر» في علاقات ذات صورة ودية نسبياً.
وهذه المزاعم لباومان، أن عدد الذين يستخدمون عبارة «الحب» لوصف تجارب حياتية متباينة قد ازداد اليوم، وأن الناس لا يقسمون في هذه العلاقات أن تكون العلاقة الراهنة هي الأخيرة، وأن هذه الفكرة الرومانسية «حتى يفرّق الموت بيننا» أصبحت باليةً بسبب التغير في بنى القرابة، وأن الناس يعتقدون اليوم أن وجود عدة علاقات عاطفية يكسبهم خبرات في هذا الميدان، وأننا تعلمنا كيف نحب من حيث الكمّ لا من حيث الكيف، والأهم من ذلك كله أن العلاقات العاطفية تُرى اليوم بوصفها رأسمالاً، فحين تدخل في علاقة تستثمر المال والوقت وتبذل الجهد وتأمل في تحقيق ربح، وأن نهاية هذه العلاقة تؤدي إلى خسارة الاستثمارات، لكن من جهة أخرى لا ينبغي الاستياء من العلاقات، وأن الحب رأسمال مجهول وتقدير لمستقبل علاقات غير موجودة، كل ذلك مما تناولته هذه المقالة بالنقد. وكلمة أخيرة: إن باومان يقرّ بقول إريك فروم في الحب: «في الحب الفردي لا يمكن بلوغ الرضا دون تواضع وشجاعة وإيمان وانضباط حقيقي»، ويعتقد أن هذه الصفات غير موجودة في الثقافة الغربية، وهي ثقافة استهلاكية. ومن ثمّ يمكن القول إن الانتقادات الواردة على هذا المفهوم تتصل في معظمها بالحياة الرأسمالية والاستهلاكية في المجتمع الغربي، الذي ينظر إلى المشاعر والعواطف الإنسانية نظرته إلى السلعة، فيجرّدها من قيمتها.
۱. باومان، زيغمونت، (۱۳۸۴)، الحب السائل: في هشاشة الروابط الإنسانية، ترجمة عرفان ثابتي، طهران: ققنوس.
۲. غيدنز، أنتوني. (۱۳۸۹)، علم الاجتماع، ترجمة حسن چاوشيان، الطبعة الخامسة، طهران: نشر ني.
۳. كنعاني، محمد أمين، محمدزاده، حميدة. (۱۳۹۵)، اتصالات الشبكة: تجربة الحب السائل: دراسة نوعية لطالبات جامعة غيلان، البحوث الثقافية الإيرانية، المجلد ۹، العدد ۱: ۱۱۵–۱۴۷.
4. Bauman, Zygmunt, (2004). Wasted Lives. Modernity and its Outcasts. Cambridge: Polity.
5. Bauman, Zygmunt, (2001). The Individualized Society. Cambridge: Polity.
6. Bauman, Zygmunt, (2005). Liquid Life, Cambridge, Polity Press.
7. Beck, Ulrich, Beck - Gernsheim, E. (1995), The Normal Chaos of Love. Cambridge: Polity Press.
8. Beck, Peter, (2002). Key Terms in Discourse Analysis, University of Dayton press: Continuum International Publishing.
9. Beilharz, Peter, (2001). The Bauman Reader. Oxford: Blackwell.
10. Best, Shaun, (2018). Liquid Love: Zygmunt Bauman’s thesis on sex revisited, Sexualities, 1-17.
11. Binkley, Sam, (2008). Liquid Consumption Anti-consumerism and the fetishized defetishization of commodities, Cultural Studies Vol. 22, No. 5.
12. Blackshaw, Tony, (2015). The new Bauman reader: Thinking sociologically in liquid modern times, Manchester University Press.
13. Bullingham, Liam, Vasconcelos, Ana C. (2013). The presentation of self in the online world: Goffman and the study of online identities, information science, Volume 39 Issues 1, PP101-112.
14. Davis, M. (2008). Freedom and Consumerism: A Critique of Zygmunt Bauman’s Sociology. Aldershot, England: Ashgate.
15. Elliott, Anthony, (2007). The Contemporary Bauman, London and New York: Routledge.
16. Fearn, N. (2006). Zygmunt Bauman, New Statesman, Vol. 135 Issue 4775.
17. Giddens. Anthony, (1992). The Transformation of Intimacy: Sexuality, Love. And Eroticism in Modern Societies. Stanford University Press.
18. Giddens. Anthony. (2000). Runaway World: How Globalization is Reshaping Our Lives. Routledge.
19. Gross, Neil & Simmons, Solon. (2002). Intimacy as a Double – Edged Phenomenon? An Empirical, Test of Giddens. Social Force, 81(2):531-555.
20. Iane, Corina, (2011). Anonymity on The Intent and Its Psychological Implications for Communication, Cercetări filosofico-psihologice, anul III, nr. 2, p. 125–132.
21. Jones, Andy, (2004). Anonymous Communication on the Internet. http://www10.cs.rose-hulman.edu.
22. Hobbs, Mitchell, Owen, Stephen, Gerber Livia, (2016). Liquid love? Dating apps, sex, relationships and the digital transformation of intimacy, Sociology, pp 1-14
23. McIntyre. TJ. (2004). Online Anonymity: Some Legal Issues, Commercial Law Practitioner, Vol. 11, p. 90.
24. Panchadhyayi, Sayendri, (2006). Zygmunt Bauman: Liquid Love: On the Frailty of Human Bonds. Cambridge: Polity Press (2003), 162 pages, book review, Medical Sociology, 1-16.
25. Tarkowski, Alek, (2006). Zygmunt Bauman: Liquid Love: On the Frailty of Human Bonds. Cambridge: Polity Press (2003), 162 pages, book review, polish, sociological review, 379-383.
26. Tester, keith, (2004). The social thought on Zygmunt Bauman, Macmillan Press.
[1] طالب دكتوراه في علم الاجتماع الثقافي، جامعة غيلان، رشت، إيران. (الكاتب المسؤول) mohammadzadehahmideh@yahoo.com, mohammadzadeh@phd.guilan.ac.ir
[2] Anthony Giddens
[3] The Transformation of Intimacy (Sexuality, Love and Eroticism in Modern Societies)
[4] Passionate Love
[5] Romantic Love
[6] Confluent Love
[7] Gross
[8] Ulrich Beck & Elisabeth Beck-Gernsheim
[9] The Normal Chaos of Love
[10] Distant Love
[11] Eva Illouz
[12] Christopher Lasch
[13] Alain Badiou
[14] Erich Fromm
[15] Zygmunt Bauman
[16] Liquid Love
[17] Liquid Love: On the Frailty of Human Bonds
[18] Liquid Modernity
[19] Solid Modernity
[20] Instrumental Rationality
[21] Relationship
[22] Ribena: نوع من المشروبات الكحولية
[23] Semi-detached couples
[24] Being connected
[25] Being engaged
[26] Louis France
[27] Jeff Gavin
[28] Blackshaw
[29] Hobbs & etal
[30] Elliott
[31] Davis
[32] Tarkowski
[33] Temple of Consumption
[34] George Ritzer
[35] Best
[36] Beilharz
[37] Tester
[38] Panchadhyayi
[39] Binkley
[40] Fearn
[41] Jones
[42] Bullingham
[43] Anonymity
[44] On line
[45] McIntyre
[46] Iane
الفلسفة
علم النفس
الدين
الدين
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.