اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الحب مفهوم تاريخي تغلب عليه لعبة اللغة الرومانسية؛ تفحص قراءة قصيدة 'فالنتاين' لكارول آن دافي افتراضات البطل الرومانسي، وترسم نموذجًا آخر للحب عبر استقصاء التمييز الإغريقي بين إيروس وفيليا وأغابي.

يدافع بعض الفلاسفة المعاصرين عن وجهة نظر مفادها أن المرء يستطيع أن يتفلسف عبر مشاهدة الأفلام. وفي اعتقادي أن الشعر أيضاً محمل مناسب جداً للتفلسف، وفي هذه المقالة أنوي أن أتأمل قليلاً في الحب في العالم الحديث من خلال قراءة قصيدة «فالنتاين» لكارول آن دافي. الحب مفهوم تاريخي، وقد اختلفت نظرة البشر إليه في مختلف العصور. ونحن من منظور تاريخ الحب ورثة النظرة الرومانسية للحب، أي عصر سيادة إيروس، أو بعبارة أكثر حداثة، الحب الرومانسي. إن القصص العاطفية التي قرأناها، والأفلام والمسرحيات العاطفية التي شاهدناها، قد فرضت علينا افتراضات مسبقة كثيرة حول مفهوم الحب. لكن المسألة أعقد من ذلك. حتى لو لم تقرأ أي شعر أو رواية رومانسية، ولم تكن لديك أي فكرة عن الرومانسية أساساً، فمن المرجح أنك لا تزال تلعب نرد الحب بافتراضات رومانسية مسبقة. وباستعارة تعبير من لودفيغ فيتغنشتاين، يمكن القول إن «لعبة اللغة» السائدة في عصرنا بخصوص ممارسة الحب هي لعبة لغة الرومانسيين، التي يمكن رؤية صورتها المتجسدة والمتطرفة في سيماء الأبطال الرومانسيين. في هذه المقالة، بعد وصف شخصية البطل الرومانسي، سألقي نظرة مختصرة على بعض الافتراضات الكامنة في نظرة البطل الرومانسي إلى الحب، ومن خلال قراءة قصيدة «فالنتاين»، سأناقش بعض الافتراضات المسبقة لهذا التصور الشائع والمهيمن عن الحب، وبعد ذلك سأتحدث بإيجاز عن الخطوط العامة لنموذج آخر لممارسة الحب.
يدافع بعض الفلاسفة المعاصرين عن وجهة نظر مفادها أن المرء يستطيع أن يتفلسف عبر مشاهدة الأفلام.[2] . وفي اعتقادي أن الشعر أيضاً محمل مناسب جداً للتفلسف، وفي هذه المقالة أنوي أن أتأمل قليلاً في الحب في العالم الحديث من خلال قراءة قصيدة «فالنتاين» لكارول آن دافي[3]. الحب مفهوم تاريخي، وقد اختلفت نظرة البشر إليه في مختلف العصور. ونحن من منظور تاريخ الحب ورثة النظرة الرومانسية للحب، أي عصر سيادة إيروس، أو بعبارة أكثر حداثة، الحب الرومانسي. إن القصص العاطفية التي قرأناها، والأفلام والمسرحيات العاطفية التي شاهدناها، قد فرضت علينا افتراضات مسبقة كثيرة حول مفهوم الحب. لكن المسألة أعقد من ذلك. حتى لو لم تقرأ أي شعر أو رواية رومانسية، ولم تكن لديك أي فكرة عن الرومانسية أساساً، فمن المرجح أنك لا تزال تلعب نرد الحب بافتراضات رومانسية مسبقة. [4] وباستعارة تعبير من لودفيغ فيتغنشتاين، يمكن القول إن «لعبة اللغة» السائدة في عصرنا بخصوص ممارسة الحب هي لعبة لغة الرومانسيين، التي يمكن رؤية صورتها المتجسدة والمتطرفة في سيماء الأبطال الرومانسيين. في هذه المقالة، بعد وصف شخصية البطل الرومانسي، سألقي نظرة مختصرة على بعض الافتراضات الكامنة في نظرة البطل الرومانسي إلى الحب، ومن خلال قراءة قصيدة «فالنتاين»، سأناقش بعض الافتراضات المسبقة لهذا التصور الشائع والمهيمن عن الحب، وبعد ذلك سأتحدث بإيجاز عن الخطوط العامة لنموذج آخر لممارسة الحب.
قبل الدخول في صلب الموضوع، لا بأس بتوضيح مفهوم الحب وتدقيقه عبر شرح تمييز قديم له. نحن الناطقين بالفارسية لا نملك سوى كلمة واحدة للتعبير عن طيف واسع من التجارب: العشق، واللغة الإنجليزية ليست أفضل حالاً من لغتنا في هذا الصدد. لكن في بعض اللغات (كاليونانية القديمة واليابانية الحديثة مثلاً[5]) أُطلقت أسماء مختلفة على التجربة العاشقة. ولهذا السبب، غالباً ما يستعين الفلاسفة المعاصرون بتمييز في اللغة اليونانية القديمة لتوضيح مفهوم الحب. كان الإغريق القدماء يملكون ثلاثة ألفاظ على الأقل للحديث عن التجارب العاشقة: 1- إيروس (eros) أو الحب الجنسي (أو الحب الرومانسي بالتعبير الأحدث). حب تكون فيه الدوافع الجنسية مؤثرة. يعتبر العاشق المعشوق (و/أو العكس) مملوكاً له ويطلب المتعة الجنسية من جسده المادي. 2- فيليا (philia) أو الصداقة. رابطة عاطفية بين طرفي العلاقة تستلزم شيئاً من الإيثار والاعتراف بالطرف الآخر. كالصداقة بين زميلين أو الصداقة بين الوالدين والأبناء (طبعاً إن لم نعتبر، مثل فرويد، أن علاقة الوالدين بالأبناء تنطوي على دوافع جنسية). 3- أغابي (agape) التي كانت تُسمى في اللاتينية كاريتاس (caritas). حب يذبح فيه العاشق ذاته من أجل المعشوق ويتحد به، ولهذا يمكن تسميته حباً منكراً للذات (selfless love). حب متعالٍ لا أثر فيه للنزوات والرغبات الجنسية. حب منزه عن الجنسانية (sexless). هذا المفهوم نفسه صار النواة المركزية للحب في المسيحية. النموذج البارز للتجربة الأغابية هو حب المسيح للبشر، حيث وهب حياته تكفيراً عن خطيئة الطبيعة البشرية العاصية. لقد صار هذا الحب مثالياً عبر التاريخ إلى درجة أن الله وحده اعتُبر متعلَّقاً له.
إن الفصل بين إيروس وفيليا في اللغة اليونانية نفسها ليس فصلاً قاطعاً إلى هذا الحد، وكثيراً ما يتداخل هذان المفهومان. أما أغابي فهي بلا شك منفصلة عن ذينك النوعين، وقد مرت بقصة شيّقة. فمع مرور الزمن، اعتبر أفلاطون أولاً ثم المسيحية لاحقاً (ولا سيما القديس بولس) الإيروسَ نوعاً من التملّك الأناني المبتذل والدنيء، لاشتماله على الرغبات والدوافع الجنسية، ومنحوا الأغابي مكانة أسمى من سائر التجارب العاشقة. لقد انطلق مشروع نزع الجنسنة (desexualization) عن الحب مع أفلاطون (وعلى نحو رئيسي على لسان سقراط). فقد عزم أفلاطون في محاورة «المأدبة» (أو السمبوزيوم) على نزع الجنسنة عن الإيروس. وكما سبق، فالإيروس رغبة جنسية، والتفكير في جنسانية منزوعة الجنسنة بدا وكأن فيه تناقضاً داخلياً، ومن هنا نشأ نوع من الانزياح اللغوي حول مفهوم الإيروس. حتى الفيليا، رغم أنها ليست حباً جنسياً، كان لها عند اليونانيين القدماء جانب جسدي. أما الأغابي (الحب الأفلاطوني-المسيحي) فهو تَعَشُّق الأرواح الطاهرة، لا معاشقة الأبدان الدنيوية. يعرض أفلاطون في محاورة «المأدبة» عدة آراء حول الحب، ومن المناسب أن نلقي نظرة مقتضبة على اثنين منها. يخرج رأيٌ على لسان الكاتب المسرحي أريستوفانيس، ذلك الذي كان قد سخر من سقراط في ملهاته الشهيرة الغيوم، وكان أفلاطون في «المأدبة» قد عقد العزم على الانتقام لأستاذه ومثله الأعلى منه، ولهذا الغرض وضع كلاماً أحمق على لسانه، وجعله يصاب بالفواق من فرط الإفراط في الشراب. يروي أريستوفانيس هناك حكاية مفادها أن البشر في العصور الغابرة كانوا أكمل مما هم عليه اليوم. كانوا أضخم حجماً وكرويي الشكل (والكرة في نظر اليونانيين القدماء هي الشكل الكامل). كان البشر الكرويون ذوي أربع أيدٍ وأربع أرجل ورأسين، وكانوا تبعاً لذلك أذكى بضعفين، وبسبب هذا الذكاء الأكبر كانوا أكثر تكبراً وعُجباً (أو ما يسميه اليونانيون هيوبرس) تجاه الآلهة، مما كان يغيظ الآلهة. أما زيوس، إله الآلهة، فقد انتقم، فشق البشر الكرويين بصاعقة إلى نصفين ليصبحوا شبيهاً بالبشر الحاليين، بشراً بيدين ورجلين ورأس واحد، صاروا الآن كائنات ناقصة، واضطروا إلى قضاء بقية حياتهم بحثاً عن نصفهم المفقود. تماماً مثل الأخطبوط الذي فقد أربعة من أرجله، فيظل يبحث عن أرجله المفقودة. إن جذر العشق في نظر أريستوفانيس هو هذا النقص المفروض عليهم. تكمن خلف حكاية أريستوفانيس فكرة أن الحب يكملنا نحن البشر. فالإنسان بمفرده كائن ناقص، يكتمل بفضل رتوش الحب عندما يرتبط بشخص آخر. الحب يوحد أرواح وأبدان العاشق والمعشوق من جديد. هذه بالطبع هي النظرة نفسها التي لا تستسيغها النسويات المعاصرات كثيراً.
غير أن لسقراط في هذا الحوار نفسه نظرة أخرى إلى الحب. كان عمل سقراط هو أنه جعل الحب أثيرياً[6]. في ذلك الزمان، لم يكن إيروس موضع إعجاب كبير، فعلى سبيل المثال، كانت سافو (الشاعرة اليونانية القديمة الشهيرة) تعتبر إيروس نوعاً من المرض وسوء الطالع. قدم سقراط فهماً آخر لإيروس. في نظره، في عنفوان الشباب، يكون عمل إيروس هو الشهوات الجسدية. يُفتتن الشاب ويسحر بالأجساد الفاتنة والجميلة للحبيب، لكن سرعان ما يخطف قلبه حبيب آخر ذو وجه وردي بسبب جمال جسده، وفي كل مرة يظن أن حبيبه هو الشخص الوحيد في العالم الذي يمكنه أن يأسره. وسرعان ما سيكتشف أن الجمال ليس مجرد أمر جسدي، وأن الجميل صفة لمزيج الجسد والروح. لكن الإنسان عندما يتقدم به العمر، إذا كان لديه قليل من العقل والحكمة، فسيدرك أن هذا الحبيب أو ذاك ليس هو من يأسر قلبه. بل إن ما له أهمية في العشق هو شيء مشترك بين جميع المحبوبين، وهذا الأمر المشترك هو ما يجعله عاشقاً ومتّيماً. ذلك الأمر المشترك في نظر سقراط هو أن جميع أولئك المحبوبين جميلون. لذا فإن ما يجعلنا والهين وذاهلين حقاً هو الجمال في ذاته، لا جمال هذا أو ذاك. بهذه النظرة، لم يعد الحب علاقة بين إنسانين من لحم ودم وعظام. بل هو أكثر تجريداً من هذا بكثير. الجمال هو ما وراء أو ما خلف الأشياء والبشر الجميلين في هذا العالم، و(بالتعبير الأفلاطوني للكلمة) وجود الصورة المثالية أو مثال الجمال مستقل عن كل الأشياء الجميلة المفردة. الحب الحقيقي في نظر سقراط هو عبور الأشخاص والأشياء الجميلة في هذا العالم والنظر إلى مثال الجمال. هذه النظرة هي التي أثرت في المسيحيين ولقيت قبولاً في العصور الوسطى، وكرمت المسيحية هذا الفهم للحب وصنعت عصر سيادة التصور الأغابي للحب. بهذا الفهم للحب، يكون البشر وسائط أو وسيلة، والحب الحقيقي هو حب الله عبر التأمل في الحبيب الدنيوي. في نظر سقراط، حب إنسان آخر هو جسر للوصول إلى الجمال في ذاته، وفي المسيحية هو جسر للوصول إلى الله.[7] هذا النوع من الحب سُمي في العصور الوسطى بالحب الأفلاطوني. لم يكن الحب الأفلاطوني مجرد حب يتجنب الجنسانية. في الحب الأفلاطوني، يحب المرء شخصاً آخر على افتراض أن هذا الحب هو طريق نحو حب الرب.
غير أن زمن سيادة الأغابي كان عابراً، وشيئاً فشيئاً، لا سيما في عصر التنوير، استعاد الحب الإيروتيكي الجسدي حيوية جديدة. بصرف النظر عن أن البورنوغرافيا هي نتاج عصر التنوير، فإن هذا الانتقال من الأغابي إلى الإيروس يمكن رؤيته في إطار الفنون البصرية في الغرب عبر الانتقال من المدرسة الباروكية إلى لوحات أسلوب الروكوكو. الانتقال من حالات الإيمان والنشوات الروحية في إطار الصورة إلى ملاعبات ومغازلات نساء ورجال الطبقة الأرستقراطية. لكن مع بزوغ الحركة الفكرية الرومانسية في أنحاء أوروبا وحتى في أمريكا الشمالية والجنوبية، جاء دور سيادة الحب الرومانسي (أو الإيروس)، وحتى يومنا هذا، نحن البشر (بغض النظر عن مكان عيشنا، وبغض النظر عما إذا كنا على دراية بفنانين رومانسيين مثل كوليردج وبايرون وغيرهم أم لا) نمتلك في الغالب تصوراً رومانسياً عن الحب ونحب وفقاً للمسلّمات الرومانسية. [8] كانت الرومانسية حركة قدمت نوعاً من المقاربة الجمالية ونوعاً من فلسفة للحياة، وهذه الفلسفة في الحياة تتجسد في هيئة "البطل الرومانسي". بطل كان مصداقه تارةً الفنانون الرومانسيون أنفسهم، وتارةً شخصيات مألوفة من الروايات والأشعار والمسرحيات والسير الذاتية وسائر الأنواع الأدبية الرومانسية في أوروبا أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. يمتد نطاق مصاديق البطل الرومانسي من حياة مدام جيرمين دي ستايل (عشيقة بنجامين كونستان الشهير، أحد آباء الليبرالية الفرنسية) إلى حياة اللورد بايرون، والحياة الخيالية لفيرتر في آلام الشاب فيرتر لغوته، إلى رينيه لشاتوبريان وهرناني لهوغو. كما أن إيما في رواية مدام بوفاري لفلوبير، وآنا في رواية آنا كارنينا لتولستوي، من المصاديق المعروفة للبطلات الرومانسيات. كانت شخصية البطل الرومانسي رد فعل أدبي على العالم الاجتماعي الأوروبي المتغير الذي كانت الأرستقراطية التقليدية تفقد فيه أهميتها الثقافية والاجتماعية شيئاً فشيئاً. في الحقيقة، كانت الرومانسية رد فعل على العقلانية الكامنة في مشروع التنوير، وإن لم تسعَ قط إلى قطيعة تامة مع حركة التنوير. كان الرومانسيون، مثل "فلاسفة" عصر التنوير، مهتمين بالحرية ويتحدون التقاليد. ربما يمكن القول إن الحركة الرومانسية كانت توسع مُثُل عصر التنوير وتقوم في الآن ذاته بمراجعتها. يختلف الأبطال الرومانسيون عن الناس العاديين. البطل الرومانسي هو فرداني متطرف يدير ظهره لكل المقاييس والمعايير التي أنتجها التقليد والجماعة، ولا يكترث بالمسار الرئيسي أو التيار السائد (main stream) للحياة، ويعرّف نفسه على الهامش ويسبح عكس التيار، ليجعل من الجروح النفسية الناجمة عن كونه غريباً (outsider) مادة للفن، ومن هنا فإن الفن بالنسبة له نوع من جلب المعاناة. البطل الرومانسي، بتمرده، يريد أن يكون دائماً جزءاً من الهامش وأن يبقى غريباً، ولهذا السبب فهو محروم من الدعم والتشجيع الذي يحصل عليه المنتمون (insiders) من الجماعة والأمة. إن كون البطل الرومانسي غريباً هو ما يجعله هشاً، وهذه الهشاشة والجروح النفسية هي التي تكشف له حقائق لا يستطيع العقل الوصول إليها. يعاني البطل الرومانسي من نوع من التعالي على الذات. نوع من الثقة اللامحدودة بالنفس[9]. البطل الرومانسي هو هيئة تربط بين المضامين الفردانية الناشئة السائدة في الثقافة الليبرالية الأوروبية (الاعتقاد بأن الفرد هو أهم جانب في الحياة الثقافية والسياسية)[10] ونوع من الإحساس بالتعالي على الذات الذي كان لفترة طويلة عنصراً مهماً في ثقافة وهويات الأرستقراطية. إنه لا يكترث بالمؤسسات الرسمية المنتجة للمعرفة (الجامعة، الكتاب، المؤسسات الاجتماعية والتقليدية) ولا بالمؤسسات الرسمية المنتجة للدين (الكنيسة، كليات اللاهوت، الشروح الرسمية... إلخ). البطل الرومانسي باحث، ومن خلال هذا البحث يستعيد هويته. المتسكعون (أو الفلانور) الناشئون في جادات باريس بعد تجديدات المهندس الفرنسي البارون هوسمان، هم إرث هؤلاء الأبطال الرومانسيين. جيغولو متسكعون يعشقون الأمور غير المألوفة والغريبة (exotic) في البيئة الحضرية.[11] بودلير في سأم باريس في مقطع اسمه "الآنسة بيستوري" في مديح هذه "التسكعات" ينشد هكذا: "حين يعرف المرء أين يتسكع وأين يلقي النظر، كم من الغرائب سيرى في المدينة.العالم مليء بالكائنات المرعبة البريئة."[12] إن تسكع بطل الرومانسيين يعني انخراطًا كليًا وتامًا في التجربة، وليس مجرد مشاهدة سلبية. البطل الرومانسي هو متجول وحيد (lonely wanderer). فرد هش، وغريب، ومتمرد على الأعراف، يسعى باستمرار وراء اختبار أمور جديدة وغريبة، وبدلًا من التقليد والاتباع، فإن البداعة والإبداع هما ما يمثلان قيمة بالنسبة له. في مسلك الرومانسيين، من لوازم أن تكون فردًا، ومن لوازم أن تكون فردًا متحليًا بفضيلة الصدق مع الذات (الفضيلة المسماة بالاستقامة أو integrity) هو أن تصبح منبوذًا من الجماعة. إذا كان نجاحك رهنًا بالتماهي مع الجماعة (conformism)، ولكن اتباع الأعراف الراسخة يؤدي بك إلى اكتساب شخصية ممزقة وغير متماسكة، فإن ذلك النجاح لا يساوي فلسًا واحدًا. إن التماهيات والاتباعات والتقليدات والتحول إلى كتلة واحدة (uniformity) ستجعلنا نحن البشر أكثر فأكثر تشابهًا، وستصنع منا كائنات بلا ذات، في حين أن قيم البطل الرومانسي هي الفردية والإبداع والابتداع والاختلاف والحياة الأصيلة. إذا كان البطل الكلاسيكي (مثلًا بطل إحدى مسرحيات جان راسين) لا يطلق العنان لعواطفه ويتبع شيفرات السلوك التي تمليها الثقافة والتقاليد، فإن البطل الرومانسي كان يسعى باستمرار إلى إخراج مكنون عواطفه وأحاسيسه، وكان يرى أن أسلوب الحياة الشغوف والمتمرد هذا أسمى من أسلوب حياة البطل الكلاسيكي المليء بالاتباع والتبعية والتقليد. ومن خلال هذا الصراع ذاته مع البنى الاجتماعية الصارمة والتعبير عن العواطف غير المألوفة، كان البطل الرومانسي يقدم على أعمال خارقة للعرف، مثل أنواع الحب الزانيات. الأبطال الرومانسيون (سواء كانوا شخصيات روائية أم شخصيات واقعية) يعيشون حياة تراجيدية، وغالبًا ما يقدمون على الانتحار. من منظور الرومانسيين، يرتبط الموت والحب ارتباطًا وثيقًا، ولن تكون للعلاقة العاطفية نهاية سعيدة. ما يهم البطل الرومانسي هو كيفيّة الحياة لا كمّيتها. ما أهمية عدد السنوات التي تعيشها، المهم هو كيف تعيش.
يسعى البطل الرومانسي دوماً إلى سبيل للتعبير عن ذاته (self-expression) وبلوغ فضيلة التماسك الداخلي، والحب وسيط مهم لإظهار عالمه الباطني. لا يملك البطل الرومانسي عادةً مهنة لائقة، فشغله الشاغل هو العشق. ملاعبة المعشوق في أحضان الطبيعة. للحب الرومانسي سمات ومسلمات خاصة، سمات ومسلمات تشكل اللب المركزي لتصور معظمنا اليوم عن الحب. في المنظور الناشئ عن السرديات الرومانسية، لكل إنسان بلا شك رفيق روح (soul mate) ربما لم يلتقِ به بعد، لكنه سيجده في النهاية ليصبح أنيسه. سيجد المرء رفيقه بالفطرة لا باستعمال ملكة العقل والتعقل. عند رؤية الرفيق من النظرة الأولى، يتملكك نوع من الانفعال، وكأن مرآة قد انعكست في مرآة أخرى. الحبيب والمحبوب هما "النصف المفقود" لبعضهما وقد "خُلقا لبعضهما"، تماماً كأنصاف البشر الكرويين المفقودة في حكاية أريستوفان. الحب والمعانقة متشابكان لدى الرومانسيين، فهم يرون التجربة القصوى للحب في المعانقة. المعانقة في نظرهم هي أخطر سبيل للتعبير عن المشاعر. الحب في منظور الرومانسيين هو اندماج (fusion) وتخليق، وتجسيد هذا الاندماج هو الزواج. لكن الرومانسيين يعارضون أساساً الزواج القائم على العقل والحساب. الزواج والملاعبة في نظرهم اندماج متحرر من الحسابات والتقديرات المعتادة التي ينبغي فيها أن تتلاشى (cancel out) ممتلكات الزوجين وما ينقصهما. أي ذاك النوع من الزواج الذي كان سائداً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بين طبقة النبلاء والطبقة البرجوازية الناشئة، والذي ربما لا يزال التصور الشائع للزواج حتى اليوم.
هذه الصورة ذاتها للبطل الرومانسي بما تحمله من خصال تحدثنا عنها هي التي تحولت إلى النمط الثقافي للشخصية الفنية الحديثة. إنسان وحيد، متمرد، حساس، قلق، لا يهدأ، يعتقد أن الآخرين قد أساؤوا فهمه، وأن هذا هو قدر النوابغ. لقد تحول البطل الرومانسي في نهاية المطاف إلى كليشيه ثقافي.
قصيدة "فالنتاين" كُتبت في العصر المعاصر، أي زمن هيمنة التصور الرومانسي للحب (زمن سيادة إيروس)، وهي في الواقع سخرية من مسلمات هذا التقرير عن الحب. لكن الشاعرة، إذ تسخر من عيد الحب وتمازح رموز الحب المألوفة، تخوض في الوقت نفسه صراعاً مع شكل قصائد الحب التقليدية، فقصيدتها لا تلتزم بقالب محدد ولا بالوزن أو القافية. أطلق الغربيون على يوم 14 فبراير اسم عيد الحب (فالنتاين). يوم الحب أو يوم العشاق. ثمة رواية تقول إن اسم هذا اليوم مشتق من اسم قديس روماني يدعى فالنتينوس لا نعرف الكثير عن حياته، وقد أوردت مقاتل مسيحية مختلفة أساطير عن شخصيات مختلفة تحمل اسم فالنتينوس. منذ القرن الثامن عشر، اعتاد العشاق في هذا اليوم إهداء الورود والشوكولاتة وبطاقات التهنئة إلى أحبائهم. وهي عادة شاعت في بلدنا إيران أيضاً منذ أواخر ثمانينيات القرن الشمسي. القصيدة المعنية هي نوع من اللعب البارودي (parodic) مع عيد الحب، ومزاح لاذع مع بعض مسلمات الحب الرومانسي الحديث. إن "القراءة المتأنية" (close reading) لقصيدة فالنتاين يمكن أن تكون أرضية مناسبة للتأمل في بعض مسلمات الحب الرومانسي المعاصر.
كما مر، فإن اسم القصيدة يشير إلى اليوم الاصطلاحي لإيروس في العالم الحديث: فالنتاين. فالنتاين هو تجسيد لسوق الحب (market of love)، والمفارقة هنا أن الحب الرومانسي الذي لا يطيق أساساً الحب الحديث المسوَّق (marketable)، ويسعى بدلاً من تلاوة آيات الحب من دفتر العقل إلى ملاعبات شغوفة مفعمة بالجلال، ينخرط أساساً في علاقات السوق، وتتجلى ذروة هذا التسوق في عيد الحب. تضع القصيدة إصبعها على شرخ عميق في قلب الحب الإيروسي الحديث. حب ينفر من السوق لكن تعبيره الشغوف يتجسد في نهاية المطاف في المماثلة مع السوق، عبر شراء السلع الكمالية لإظهار شدة الحب. تقول الشاعرة في السطور الأولى من القصيدة:
لا وردة حمراء ولا قلباً من ساتان
سأهديك بصلة،
الورود الحمراء والقلوب الساتانية هي الهدايا المألوفة في عيد الحب. تعلن الشاعرة في المقطع الأول ذي السطر الواحد أنها لن تهدي الحبيب الهدايا التقليدية لعيد الحب. إنها لن تتبع الجماعة والعرف في التعبير عن الحب، ولن تحتفل بعيد العشاق وفق التصور السائد للحب (وهو كما مر تصور رومانسي)، بل على العكس، تريد أن تهدي الحبيب بصلة، وتسخر من خلال ذلك من رموز الحب المألوفة. وكأن الشاعرة تشن حرباً على رومانسية كسر التقاليد التي تحولت بدورها إلى تقليد راسخ ومهجور في آنٍ معاً. فالبصلة، على عكس الوردة الحمراء، لا تسر عين الحبيب، بل ستجعل الدموع تنهمر من عينيه. وبهذا تستبدل الشاعرة الرومانسية بنوع من الواقعية.[13] بصلة، في نظر الشاعرة، ملفوفة بورق تغليف بني. بصلة تشبه القمر. وكأن شيئاً ثميناً وفريداً كالقمر قد لُفَّ بشيء عادي. تماماً مثل الحب. شيء ثمين تم تسليعه وتغليفه. بصلة الحب بطبقاتها المتعددة ليس من المفترض أن تُعرّى آنياً وفجائياً (اقرأ: الحب من النظرة الأولى)، بل بتأنٍ وعناية لتجلب النور:
إنه قمر ملفوف في ورق بني
يبشر بالنور
مثل تعرية الحب المتأنية والمثيرة للرجفة.
في المقطع التالي، تذكر الشاعرة بأن الحب قد يكون أمراً صعباً وسفاكاً للدماء، وأن الحبيب سيعمي عيني الحبيب بالدموع. تماماً كمن ينظر في المرآة وينتحب ويرى صورته مرتعشة:
خذه،
كعاشق سيعمي عينيك بالدموع.
سيحول صورتك إلى صورة مترددة ومرتعشة من الحزن
ثم تواصل الشاعرة تأكيد واقعيتها:
أحاول أن أكون صريحة معك.
لا بطاقة جميلة بختم قبلة،
سأهديك بصلة
ستبقى قبلاتها المرعبة على شفتيك
غيورة ووفية،
مثلنا نحن ما حيينا.
في الواقع، بقولها إنها تحاول أن تكون صريحة (أو صادقة)، تريد الشاعرة أن تفضح الكذب الكامن في الحب الرومانسي المسلّع. حب يفترض أن يوصل الإنسان إلى فضيلة الانسجام لكن كذباً يتخلله من الداخل. إنها لن تهدي الحبيب بطاقات عيد الحب أو طبعات القبلات[14] الفانتازية، ولا ترى في هذه الهدايا أثراً للصدق. بل تعود لتكرر، كما قالت في المقاطع السابقة، أن هديتها في عيد الحب هي بصلة، قبلاتها القاسية والمتوحشة التي ستستقر على شفتي الحبيب. قبلات احتكارية ووفية. وهذه البصلة نفسها تحل حلقاتها محل رمز آخر من رموز الزواج، ألا وهو خاتم الزواج. حب قد يحدث جرحاً دائماً وباقياً في روح الإنسان، ولا تفوح رائحته من أنامل الإنسان أبداً، وكما تبقى رائحة البصل على يديك عندما تلمسه، فإن إحساس الحب والجروح التي تصيب روح الإنسان منه قد تبقى حتى بعد نهاية العلاقة بين العاشق والمعشوق. في القصيدة، تطلب العاشقة من الحبيب أن يتقبل هذه الخاصية الصادمة للحب:
تقبله،
إن شئت،
سيصير الذهب الأبيض لحلقاته صغيراً كخاتم زواج.
مدمر ومميت.
ستبقى رائحته على أصابعك،
ستبقى على سكينك.
استخدام استعارة السكين عدائي وعنيف إلى حد ما، وهو ما يتعارض مع تصور الرومانسيين للطبيعة البشرية. فالطبيعة البشرية في نظر الرومانسيين خيّرة بالأساس، والطفل في نظرهم هو أنقى أنواع البشر. وهي نظرة يمكن تتبع جذورها حتى أعمال جان جاك روسو. نظرة تقف في مقابل نظرة اللاهوت المسيحي (مثلاً نظرة القديس أوغسطين) التي بموجبها نولد أساساً بالخطيئة الأولى، أو في مقابل نظرة فلاسفة مثل توماس هوبز الذين يعتبرون الطبيعة البشرية شريرة بالأساس، ويرون أن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان". باستخدام استعارة السكين، تتبنى الشاعرة نظرة أكثر تشاؤماً للعلاقة العاطفية، تذكّر المرء بالعبارة الشهيرة للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في مسرحيته لا مخرج (No Exit) بأن "الآخر هو الجحيم"، أو تستحضر نظرة ألسبياديس (فتى أثينا المدلل) في محاورة المأدبة ذاتها، حين يدخل الحفلة فجأة بفظاظة ووقاحة ويعتبر الحب منطوياً على نوع من العداء أو الكراهية.
يمكن لقراءة قصيدة فالنتاين أن تكون شرارة للتأمل في بعض مسلّمات الحب الرومانسي وتقديم نموذج آخر للعشق بين البشر. ففي هذه المسلّمة الرومانسية القائلة بأن العاشق والمعشوق كائنان طاهران وبريئان ومنزهان تماماً، يمكن إثارة الشكوك. إن عدم رؤيتك لأي عيب أو نقص في نفسك أو في حبيبك يسبب المتاعب للعلاقات العاطفية. فكل البشر لديهم نقائصهم وعيوبهم وجنونهم الخاص، وبهذه العيوب والجنون يدخلون في العلاقة العاطفية. العشق هو فن اكتشاف جنون الطرف الآخر. من الجيد أن يخبر الحبيب وحبيبه بعضهما البعض مراراً عن تفاهاتهم وضعفهم وضيق أفقهم، بدلاً من أن يعتبر كل منهما الآخر إنساناً بريئاً.
ثمة سؤال دائم: هل يهيم طرفا العلاقة العاطفية ببعضهما بسبب تشابهاتهما أم بسبب اختلافاتهما؟ ويشير الباحثون المحدثون إلى كلا العاملين. فالمحب الذي يبحث عن محبوبه يسعى إلى نوع من "الغريب المألوف". يرى العاشق في المعشوق دوماً شيئاً من الألفة (ولعل هذه العناصر المألوفة تعود إلى صورة المعشوق المثالي التي راودته منذ الطفولة، وهي صورة مستقاة من المحيطين والوالدين والثقافة والمجتمع وحتى الأساطير والخرافات) وشيئاً من الغرابة الناتجة عن العالم الخاص والفريد لذلك الآخر (the other). وهنا ينبغي مساءلة تلك الفرضية الرومانسية عن الحب القائلة بأن العاشق والمعشوق "خُلقا لبعضهما" سلفاً وأنهما "النصف المفقود" لبعضهما، وأن تركيبهما سيكون بالضرورة مزيجاً أكمل وأفضل. في الواقع، على العاشق والمعشوق أن يبذلا جهداً جهيداً ويُخضعا ذاتيهما للجرح والتعديل كي يصيرا جديرين بجسد وروح كل منهما. فالتركيب الجديد للمحب والمحبوب لا يمكن دون انحلال ذواتهما السابقة. [15] يصر الرومانسيون كثيراً على أن الحبيب والمحبوب ينبغي أن يتقبلا بعضهما بكليتهما كما هما. لكن هذه الفرضية ليست فرضية ناجعة. فالبشر في العلاقة العاطفية بحاجة إلى تحرير ذواتهم. المعشوق هو ذاك الذي تقول عنه: "حياتي قبله" و"حياتي بعده". الحبيب إن كان حبيباً بحق يشطر حياة المرء شطرين، كخياط يضع مقصه على طرس قماش مشوه ليقطع منه نموذجاً جديداً. الحبيب يفكك ذات المحبوب. يفترض بالعلاقة العاطفية أن تبني من صميم الهويات المفردة المنعزلة هوية مشتركة. ومن قيم الصداقة المهمة أنها تحولنا إلى الشخص الذي نريد أن نكونه، ويكون الصديق في هذا المسار عوناً ومرشداً لنا. وحتى لو انفصمت عرى العلاقة العاطفية ووقع الفراق، فإن المحب والمحبوب سيتركان قطعاً من بعضهما في الآخر. في المقابل، يولي التصور الرومانسي للحب قيمة لا حد لها للأصالة (authenticity). فبحسب هذا الفهم، ينبغي للفرد أن يكون ذاته كما هي، وألا يخضع ذاته للجرح والتعديل تحت النظرة المحدقة (gaze) للآخر مطلقاً، وأن يتقبل ذاته الحقة، وإلا يكون قد خان الحب. يوجه الرومانسيون تحذيراً مهماً للإنسان. فنحن البشر لدينا القابلية لأن نعرّف أنفسنا تحت ظل قطيع الناس (بتعبير هايدغر Das Man) وأن نسير دوماً في الطريق الذي يجرنا إليه الآخرون فنذوب في الجمع. صحيح أن ترك المرء ذاته رهينة للنظرة المحدقة للآخرين هو عمل غير صواب يبقي منا إنساناً مهزوماً فاقداً لذاته لا أثر فيه للفردانية، لكن في تحذير الرومانسيين شيئاً من الإفراط. فهم في الواقع يطرحون نوعاً من المفارقة الزائفة[16] التي بموجبها إما أن يتقبل الإنسان ذاته كما هي بالتمام أو يتحول إلى كائن مهزوم. بينما توجد بوضوح طرق أخرى بين هذين الخيارين. فلا ينبغي للإنسان أن يعرّف نفسه وفقاً لنظرة الآخرين، ولا أن يستسلم لتثبيت ذات متصلبة غير مرنة. فمن مقتضيات الحب التحرير والجرح والتعديل المستمر للذات. ومن مقتضيات الامتزاج العاطفي وأن يتلاءم الطرفان وينغلقا على بعضهما أن يبريا قليلاً من قطع أحجية روحيهما ويرققاها. وخلافاً للفردانية القصوى الكامنة في الفكر الرومانسي، فنحن البشر لسنا مجرد كائنات مستقلة عن بعضها على نحو مثالي، بل على العكس، البشر بالضرورة يعتمدون على بعضهم البعض، وهوية كل منا وكينونته تتشكل في العلاقة مع الآخر.
إن هذا الافتراض الرومانسي القائل بأن الحبيب والمحبوب ينبغي أن يحب كل منهما الآخر بكليته كما هو، يستلزم نظرة أخرى في الحب الرومانسي، وهي أنه في التصور الرومانسي ثمة تقابل جدي بين الوله والعشق للمحبوب وبين توجيه النقد إليه. ففي نظر الرومانسيين، ليس من المفترض أن ينتقد العاشق والمعشوق بعضهما بعضًا ويتحدثا عن عيوب بعضهما، بل إن الحبيب والمحبوب "مقبولان ومرضيان" ولا شكوى بينهما ولا يتبادلان "الكلام الجارح". ومن هنا، ففي التصور الرومانسي للحب، لا حاجة لأن يتحدث طرفا العلاقة العاطفية كثيرًا عن بعضهما، بل يفترض بهما أن يتخاطبا دون وساطة وسيط اللغة الملوث. ففي عيون العشاق الرومانسيين، تدنس الكلمات المشاعر النقية، وإن كان الحبيب حبيبًا حقًا فلا حاجة لأن يبوح المحبوب بسر قلبه، لأن طبيعة الحب تقع وراء الكلمات المبهمة والقاصرة. وكأن التصور الرومانسي للحب يعتبر العاشق والمعشوق كائنين قارئين للأفكار (mind reader)، يعرف كل منهما ما يدور في ذهن وضمير الآخر، وإلا لما كان حبه حبًا حقيقيًا.
في كل هذه الافتراضات ثمة نقطة مهمة مغفلة، وهي أن الحب بوصفه انفعالًا (passion) ليس أمرًا منفعلًا (passive) محضًا، بل هو عمل يستغرق وقتًا ويحتاج إلى تعلم وجد واجتهاد. صحيح أن النظرة قد تخلق جذبة عاطفية في لمحة، لكن حتى في هذا الحدث الذي يقع للنفس في لمحة، ثمة مجال واسع للفاعلية والاختيارات. لنفترض أن رجلًا متزوجًا وقع في حب امرأة أخرى من نظرة. يبقى لهذا الرجل مجال الاختيار في أن يتعلق بها أكثر، أو يقول لها أحبك، أو يبتعد عنها ولا يأخذ هذه الرعشة القلبية الناشئة عن نظرة على محمل الجد. الحب تصوغه مجموعة من الاختيارات. وكم من شخص شعر بقدر كبير من الوله من النظرة الأولى، لكنه بعد لقاء أو اثنين وحوار، يكتشف أنه كان مخطئًا في اختيار متعلق حبه، وأن من اختاره لم يكن الشخص الذي كان يظنه. الحب يكون حبًا حقًا عندما تستحكم العلاقة ويمضي عليها زمن. ليس غريبًا أن يقول قائل إن الخوف انتابه منذ خمس دقائق أو أنه غاضب جدًا، لكن القول إنه عاشق منذ خمس دقائق فيه شيء من الغرابة.[17] وكأن العلاقة العاطفية تستلزم قصة وسيرورة، وهذه القصة والسيرورة مؤثرتان في صميم طبيعة الحب. إن جزءًا من علاقة عاطفية عميقة مدين للقصص المشتركة التي مرت على طرفي العلاقة، وهذا الأمر يحتاج إلى مرور الزمن.
وعلى الرغم من التصور الرومانسي للحب أيضًا، فإن العشق ليس مجرد ملاحظة بعض الوقائع (أو الحقائق) في الشخص الآخر. فنحن لا نكتشف أو نتعرف على الصفات التي نعشقها، بل نمنح تلك الصفات والفضائل للمعشوق، وهذا الأمر نفسه يدل على أن في العلاقة العاطفية مجالًا للفاعلية والاختيار من جانب الطرفين، وأن الحب ليس مجرد جذبة غرائز. عندما يرى عاشق محبوبه في غاية الجمال، فليس مراده أن المعشوق أجمل من الآخرين بشكل موضوعي (objectively)، بل إن نظره هو كذلك. أحيانًا ينبغي منح هذا العنصر الذاتي في الحب للمعشوق. العشاق بالعشق والوله يحدثون تغييرات في العالم ويغيرونه.
أخيرًا، إن الحب الرومانسي يغفل الجوانب العملية أو البراغماتية للحياة اليومية المملة. فالحب في التصور الرومانسي يُصوَّر وكأن العاشق والمعشوق دائمًا في شهر عسل، وأن العلاقة الثنائية العاطفية ليس فيها قمر مر (bitter moon). وكما مر، فالعشاق الرومانسيون ليس لديهم وظيفة لائقة للمعاش، وكأنه ليس مفترضًا بالمحبوبين الرومانسيين أن يزاولوا أعمالًا وضيعة مثل غسل الأطباق والصحون المتسخة في المنزل، وتنظيف المرحاض، وتغيير حفاضات الطفل، وأعمال من هذا القبيل. وكأن الإقدام على مثل هذه الأعمال سيدمر حياتهم اليومية. وهذه المثالية بالطبع لا تنسجم مع مقتضيات الحب الحقيقية في الحياة الواقعية. فالعلاقة العاطفية ليست إقامة دائمة في شهر العسل، ولن يطول الوقت حتى تدق اللحظات المرة أبواب العلاقة.
يمكن مقارنة هذه الافتراضات المسبقة بنوع من ممارسة الحب في اليونان القديمة، وبالتحديد ذلك النوع من الحب الذي تحدث عنه أرسطو (خاصة في كتابه الأخلاق النيقوماخية) بالتفصيل. بالنسبة لأرسطو، كان نوع الحب ذو القيمة العالية هو الصداقة أو فيليا. وقد تحدث في الأخلاق النيقوماخية عن ثلاثة أنواع من الصداقة على الأقل. النوع الأول هو الصداقة بوصفها منفعة متبادلة (mutual utility). غالبًا ما يصادق البشر بعضهم بعضًا لينتفعوا من بعضهم. أصادقك فأتلقى منك خدمات، وتلبي أنت حاجة لي، وقد تحصل أنت في المقابل على خدمات وتلبي حاجة لك. ينتفع الطرفان من بعضهما بعضًا من جهة ما. وبالطبع، قد لا تكون هذه المنفعة المتبادلة أمرًا ماديًا، بل أمرًا نفسيًا. وهذا النوع من الصداقة ليس صداقة حقة بالطبع.
لكن أرسطو يتحدث عن نوع آخر من الصداقة أسمى من النوع الأول بمعاييره هو: الصداقة بوصفها استمتاعًا متبادلاً بين طرفي العلاقة (mutual enjoyment). فربما يستمتع طرفا علاقة صداقة - قد ينتفعان من بعضهما أيضًا - بصحبة بعضهما ويحبذان قضاء الوقت معًا. هذا النوع من الصداقة ليس جديرًا بالذم، وجميع البشر تقريبًا لديهم رفاق من هذا القبيل. غير أن أرسطو يشرح نوعًا آخر من الصداقة أسمى من كلا النوعين المذكورين، وهو الصداقة بوصفها إلهامًا متبادلاً (mutual inspiration) وتهذيبًا متبادلاً لطرفي العلاقة (mutual education). ويمكن للافتراضات المسبقة لهذا النوع الثالث من الصداقة أن تكون بديلاً مناسبًا للافتراضات المسبقة للحب الرومانسي، وأن تفتح أمامنا طريقًا للوصول إلى نوع من نظرية ما بعد رومانسية للحب. في هذا النوع من الصداقة، بدلاً من أن يتقبل طرفا العلاقة بعضهما بعضًا قبولاً غير مشروط، يلهم كل منهما الآخر ويهذبه وينحت روحه، فيجد كل منهما ذاتًا أكثر نحتًا وتناسقًا من ذاته السابقة. في هذا النوع من الصداقة، يجد كل طرف في الآخر فضائل جديرة بالثناء، كما يريد كل من الطرفين أن يصير إنسانًا أفضل لصديقه، ويميلان إلى أن يجد رفيقهما أفكارًا أفضل بشأنهما. في هذا النوع من الصداقة الذي يتحدث عنه أرسطو، ليس الأمر أن الطرفين جديران ببعضهما مسبقًا، بل إنهما بجد واجتهاد يجعلان نفسيهما جديرين ببعضهما. كان أرسطو يقول إن المرء لا يستطيع أن يصادق أحدًا بين ليلة وضحاها. الصداقة بهذا المعنى هي حجرة درس للتعلم والتعليم. وعلى عكس الحب الرومانسي الذي يمقت نقد ونقاش طرفي العلاقة العاشقة ويعتبره دليلاً على فقدان الحب، فإن الصداقة بهذا المعنى مفعمة بالتعلم والتعليم. الصداقة حجرة درس يتبادل فيها الأستاذ والتلميذ دورهما ومكانهما باستمرار. كل شخص يتعلم في موضع ويعلم في موضع آخر. وهنا تشبه تجربة ممارسة الحب أحيانًا إهداء البصل، فتدمع عين الحبيب. وبما أن هذا النموذج هو عودة بشكل ما إلى مفهوم فيليا، خاصة في تلقي أرسطو له، فيمكن اعتباره نوعًا من التصور الكلاسيكي (في مقابل النموذج الرومانسي والنموذج الأغابي) للحب.
.
.
[1] هذه المقالة في المجلة العلمية المتخصصة الشهرية معلومات حكمت ومعرفت، السنة الثانية عشرة، العدد 4، تير 1396، دفتر لأخلاقيات ممارسة الحب 2
[2] مثلاً كريستوفر فالزُن، توماس وارتِنبِرغ وستيفن مولهول. للمثال راجع الكتابين التاليين:
فلسفه به روايت سينما، كريستوفر فالزن، ترجمۀ ناصرالدين علي تقويان، نشر قصيدهسرا 1382
تفكر بر پردۀ سينما، تامس إي. وارتنبرغ، إيمان أميرتيمور، انتشارات علمي وفرهنكي 1394
بالطبع كان الكاتب والشاعر والمخرج السينمائي البارز مثل جان كوكتو الفرنسي يتحدث عن "شاعرية الفيلم" (poetry of love) ويعتقد أن بنية الفيلم هي بطبيعتها أمر شاعري. ومن المثير أن تعرف أن من أهم فلاسفة الحب في أيامنا هذه إرفينغ سينغر الفيلسوف الأمريكي والأستاذ السابق في إم. آي. تي. ومؤلف كتاب ثلاثة مخرجين سينمائيين فلسفيين: هيتشكوك، ويلز، رينوار الذي درّس فلسفة الحب في صف قائم على فيلم الجميلة والوحش لكوكتو.
[3] كارول آن دافي (Carol Ann Duffy) شاعرة وكاتبة مسرحية أيرلندية معاصرة وحائزة على جائزة ت. س. إليوت عام 2005. ستقرأ قصيدتها «فالنتاين» في هذا النص. قام بترجمة هذه القصيدة إلى الفارسية الصديق العزيز الدكتور رضا برهيزكار، العالم اللغوي والمترجم واللساني، وتفضل مشكوراً بوضع ترجمته تحت تصرفي.
[4] أدين بهذه الملاحظة للفيلسوف والكاتب الإنجليزي آلان دو بوتون، لكن ذكر شرح بسيط يوضح الأمر بعض الشيء. تخلق المدارس الفكرية نوعاً من حقول الجاذبية التي تبتلع البشر دون أن يدروا. في الواقع يمكن القول إن المدارس الفكرية هي شرح لهذه الحقول الجاذبة. مثلاً، لا يهم إن كنت تعرف قاعدة التحقق (verifiability) أو كنت على دراية بآير وكارناب وشليك وحلقة فيينا أم لا. روح الوضعية والإيمان بالعلم تسيطر على العالم الحديث بغض النظر عن معرفة الفرد المؤمن بالعلم شيئاً عن مفكري الوضعية أم لا. إذا كنت قد شاهدت مسلسل «بيت من ورق» (House of Cards) من بطولة كيفن سبيسي، فستدرك أن روح البراغماتية تحكم عالم السياسة الأمريكية. لكن ربما لا يعرف هؤلاء السياسيون وليم جيمس وتشارلز بيرس ولو بالاسم.
[5] بالطبع ليست لدي أي معرفة باللغة اليابانية (سواء القديمة أو الحديثة) وقد أوردت هذه الملاحظة نقلاً عن الفيلسوفة مارثا نوسباوم.
[6] etherealized
[7] وكما أورد الشرّاح في شرح بيت مولانا في الدفتر الأول من المثنوي: «عاشقي گر زين سر و گر زان سر است/ عاقبت ما را بدان شه رهبر است» (سواء كان العشق من هذا الطرف أو ذاك/ ففي النهاية سيقودنا ذلك الملك إلى الهداية)، ورد في الأحاديث الإسلامية أن «المجاز قنطرة الحقيقة»، وأيضاً كما يقول مولانا: «چون شدي بر بامهاي آسمان/ سرد باشد جستوجوي نردبان» (حين تصعد إلى سطوح السماء/ يصبح البحث عن السلم بارداً بلا جدوى). من وصل إلى العشق الحقيقي لم يعد بحاجة إلى عشق هذا الدار المجازي.
[8] يمكن تقديم تفسير نفسي لهذه النقطة أيضاً. مثلاً يمكن الاستعانة بنظرية آرون بيك المعرفية، أحد آباء العلاج السلوكي المعرفي. في نموذج بيك، يتسبب حدث مثير (triggering event) في هجوم الأفكار والتصورات التلقائية على الشخص، وهذه الأفكار التلقائية تدفعنا نحو عاطفة أو سلوك معين. بالطبع هذا المسار ليس دائماً خطياً وأحادي الاتجاه، لكن ما يهمنا هو أن التصور الرومانسي للحب بكل متعلقاته هو جزء من معتقداتنا المركزية (core belief) التي تخلق الأفكار التلقائية، وهذه الأفكار التلقائية هي التي تحدد طبيعة عاطفتنا العاشقة. بتعبير أبسط، إذا كنا نعشق اليوم بهذه الكيفية، فذلك لأن لدينا مثل هذه الافتراضات حول الحب، وبتغير تلك الافتراضات، ستتغير طبيعة عاطفة العشق وسلوكياتنا العاشقة أيضاً.
[9] يمكن رؤية مصداق هذه الثقة في الرسالة الشهيرة للشاعر الرومانسي الأمريكي المعروف رالف والدو إمرسون المسماة «في الاعتماد على الذات». يتحدث إمرسون هناك عن أن كل إنسان هو مسيحه وجليله الخاص، وأن على المرء أن يثق بنفسه ثقة لا حدود لها. يعتقد أننا استسلمنا أكثر من اللازم لفكر الآخرين. العبقرية هي القدرة على اتباع الصوت الداخلي للفرد. الامتثال للجماعة (conformity) يعني خسارة الذات. وفي ضوء هذه الثقة المطلقة بالنفس، نجده يكره التقليد (سواء كان تقليد الأساتذة والنصوص القانونية للتراث، أم تقليد ماضيه الشخصي). بالطبع ربما يمكن إرجاع نسب الدفاع عن هذا النوع من الحياة الأصيلة إلى روسو وتفريقه بين نوعين من حب الذات: تفريق (amour de soi) (حب الذات البدائي والصحي) عن (amour-propre) (حب الذات تحت أنظار الآخرين المحدقة).
[10] هذه إحدى مفارقات البطل الرومانسي، فهو من جهة يذم الحياة البرجوازية ويعتبرها منحطة، ومن جهة أخرى يرى الفرد كقوة مستقلة ومبدعة في الحياة الاجتماعية والثقافية. بالطبع البطل الرومانسي مهتم بالفردية في فضاء الثقافة، أما الليبراليون فهم أكثر اهتماماً بالفردية في فضاء الاقتصاد أو في المشاركة السياسية للمواطنين.
[11] أحد النزعات الرومانسية هو هذا الميل نحو الأمر الغريب (the exotic). على سبيل المثال، ميلهم نحو الثقافات الآسيوية والشرق أوسطية. ومن أمثلة ذلك هجرة بول غوغان إلى تاهيتي هرباً من المدينة الصناعية، وكذلك لوحات ديلاكروا عن المغاربة والنساء الجزائريات حين كان متواجداً في تلك البلدان كدبلوماسي، وأمثلة أخرى كثيرة.
[12] راجع: سأم باريس ومختارات من أزهار الشر، شارل بودلير، ترجمة محمد علي إسلامي ندوشن، 1395، ص. 186. نُقلت الترجمة مع شيء من التصرف.
[13] على الرغم من الكلاسيكية التي تتخذ من واقعية فجة ومثالية مادة لها، فإن الصراع بين الرومانسية والواقعية صراع تاريخي. الواقعية هي اتباع للمعايير والأعراف وحتى الأشكال غير المرنة كثيراً، والرومانسيون لا يطيقون الواقعية البتة. إن بطل الرومانسية هو في الأساس شخصية مثالية تبحث دوماً عن بديل خيالي أفضل من الوضع القائم.
[14] مُهربوسه (kissogram) قبلة يطبعها الحبيب بشفتيه على رسالة أو بطاقة بريدية.
[15] ينبغي أن يكون هذا التوليف بالمعنى الهيغلي للكلمة الذي يتضمن مفهوم الرفع (Aufhebung/ أوفهبونغ). يمتزج طرفا العلاقة العاطفية وتنتقل ذواتهما السابقة، من خلال تركيب جديد، إلى مرحلة أعلى، وبمعنى ما تختفي الذوات السابقة في الوقت الذي توجد فيه ضمن كلٍّ جديد.
[16] false dilemma
[17] أدين بهذه الملاحظة للفيلسوف روبرت سولومون.
.
.
Not a red rose or a satin heart.
I give you an onion. It is a moon wrapped in brown paper. It promises light like the careful undressing of love.
Here. It will blind you with tears like a lover. It will make your reflection a wobbling photo of grief.
I am trying to be truthful.
Not a cute card or a kissogram.
I give you an onion. Its fierce kiss will stay on your lips, possessive and faithful as we are, for as long as we are.
Take it. Its platinum loops shrink to a wedding ring, if you like. Lethal. Its scent will cling to your fingers, cling to your knife.
لا وردة حمراء، ولا قلباً من أطلس
سأهديك بصلة
إنها قمر ملفوف بورق بني اللون
تعد بالنور
مثل تعرّي الحب الحذر
خذها
ستعميك بالدموع
مثل عاشق
ستجعل انعكاس صورتك
صورة مهتزة رخيصة للأسى
أحاول أن أكون صادقاً معك
لا بطاقة جميلة بطابع قبلة
سأهديك بصلة
قبلاتها المخيفة ستبقى على شفتيك
غيورة ووفية
مثلنا نحن، ما حيينا
تقبلها
إن شئت
ذهبها الأبيض سيتحول إلى حلقات بحجم خاتم الزواج
مدمرة وقاتلة
سيبقى عطرها عالقاً بأصابعك.
سيبقى عالقاً بسكينك
.
.
علم النفس
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.