اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كتاب «محمد وإمبراطوريات الإيمان» محاولة منهجية لإعادة بناء صورة النبي؛ عبر نقد نصوص السيرة والمغازي تُقترح مناهج أفقية وعمودية لتسليط الضوء على حياة النبي استنادًا إلى الشواهد الأثرية والمصادر غير الإسلامية.

محمد وإمبراطوريات الإيمان، بعنوانه الفرعي: نشأة (صيرورة، بترجمة زهير ميركريمي) نبي الإسلام[1]، من تأليف شون ويليام أنتوني[2]، صدر في 287 صفحة عن منشورات جامعة كاليفورنيا عام 2020. وفقًا لما كتبه أحد الباحثين[3]، كان من المقرر أن يعمل أنتوني، عند التحاقه بمعهد الدراسات المتقدمة في برينستون عام 2013، على موضوع الآخرة في النصوص الشيعية. لكن جلّ وقته انصرف إلى البحث في الشخصية التاريخية للنبي، وكانت ثمرة ذلك هذا الكتاب. هو من تلامذة المؤرخ والباحث في الدراسات الإسلامية الشهير، فرد دونر[4]، ويعمل حاليًا أستاذًا في جامعة أوهايو.
قبل الولوج إلى المتن الأساسي، ينبغي معرفة السياق الذي كُتب فيه هذا الكتاب والهدف من تأليفه. يسعى أنتوني إلى الإجابة عن هذه التساؤلات في مقدمة الكتاب (نشأة محمد التاريخي). بدأ المسلمون، بعد نحو قرنين إلى ثلاثة قرون من وفاة النبي، في كتابة سيرته التي تُعرف بنصوص السيرة والمغازي (= الحروب). هذه النصوص هي في الأساس جمعٌ لكل الروايات الشفاهية المتداولة في عصر المؤلف. وقد حاول المؤلفون، بطبيعة الحال، لمزيد من التأكد، جمع هذه الروايات من أشخاص تصل أصولهم وأنسابهم إلى الصحابة المقربين من النبي. على مر التاريخ، وحتى الآن، ظلت نصوص السيرة والمغازي موضع ثقة المسلمين لاستخلاص سيرة النبي. غير أن المناهج التاريخية الحديثة تُظهر اليوم أن هذه النصوص لا يمكن الوثوق بها على الإطلاق، لكونها قائمة على الروايات الشفاهية، فضلًا عن الفجوة الزمنية الكبيرة التي تفصلها عن عصر النبي. فالروايات الشفاهية تُعاد صياغتها بناءً على ذاكرة الراوي وذكرياته. هذه الروايات هي في الواقع ذكريات، ولا ينبغي خلط الذكريات بالتاريخ. فالذكريات، أكثر مما تنقل التاريخ، تعكس ميول قائلها وتطلعاته. الذكريات هي سرد قصصي للتاريخ يُسعى من خلاله إلى بناء هوية جمعية أو فردية لأصحابها. فالتاريخ، ما إن يُحفظ في الذاكرة ويُروى، يتحول إلى أسطورة منسوجة في نسيج الحاضر. ومن هنا، شكك العديد من الباحثين في القيمة التاريخية لنصوص السيرة والمغازي، ونظروا إليها بقدر كبير من الريبة، واعتبروا استخدامها لإعادة بناء تاريخ النبي أمرًا مستحيلًا. وبحسب رأي كثير من الباحثين، فإن معارفنا عن حياة النبي تكاد تكون معدومة، أو على الأقل محدودة للغاية. في هذا السياق كُتب كتاب أنتوني. إنه يُسلّم بأن نصوص السيرة والمغازي هي نصوص تعرضت للتلاعب، ومستمدة من الذكريات، وبعبارة أخرى – من منظور تاريخي – هي نصوص من الدرجة الثانية، لكنه يسعى في هذا الكتاب إلى أن يُظهر أنه، رغم كل ذلك، يمكن استخدام مناهج تتيح الاستفادة التاريخية من هذه النصوص. يعتقد أنتوني أننا إذا استخدمنا المناهج الصحيحة والعلمية، فسنتمكن من إلقاء الضوء على زوايا من حياة النبي المعتمة والغامضة.
ربما يخيّل لمن لا يعرف هدف الكتاب، بعد قراءته، أنه يفتقر إلى نظام منطقي، وأنه مجموعة من الفصول غير المترابطة. لكن ينبغي أن نعلم أن كتاب أنتوني ليس كتاب سيرة للنبي، ولا هو – على عكس ما قد يوحي به عنوانه – محاولة في مجال بنائها. هذا الكتاب هو مسعى منهجي من أجل البحث العلمي والتعامل مع نصوص السيرة والمغازي، والطريقة الصحيحة والشاملة لتحليلها. من خلال هذه المناهج والنماذج[5] التي يوردها الكتاب، يأمل أنتوني أن نتمكن في المستقبل، ومع المزيد من الأبحاث، من تقديم صورة أوضح عن حياة النبي. في الواقع، أهمية هذا الكتاب منهجية، أكثر مما هي متعلقة بالمعلومات والمعطيات التاريخية.
لهذا، ولتعريف منهج عمله، يقسم المصادر اللازمة للوصول إلى سيرة النبي حسب أهميتها إلى أربع فئات: (1) القرآن، (2) النقوش والكتابات والشواهد الأثرية، (3) كتابات غير المسلمين –باللغات الآرامية أو اليونانية أو السريانية– ممن عاصروا عصر النبي أو قاربوه، وأخيراً (4) المصادر المتعلقة بسيرة النبي باللغة العربية في متون الحديث الإسلامية، والتي لا تقتصر بالضرورة على السيرة والمغازي.
وهو يرى أن القرآن –الذي يتصدر هذه القائمة– لا ينبغي فهمه من خلال متون التفسير وأسباب النزول، وبشكل عام السيرة والمغازي، بل –وعلى عكس التصور السائد تماماً– ينبغي قياس اعتبار السيرة والمغازي بنص القرآن. وبالطبع، فإن التعامل مع القرآن بوصفه نصاً تاريخياً له إشكالياته الخاصة التي يعدد المؤلف بعضاً منها في المقدمة. أولى هذه الإشكاليات وربما أهمها في مقاربة القرآن هي أن هذا الكتاب ليس نصاً تاريخياً. فالقرآن نص كُتب برؤية (أو رؤى) كونية خاصة، ويصعب استخلاص الأحداث التاريخية منه. لغة القرآن خطابية وأدبية أكثر منها تاريخية. ولهذا، يعتمد أنتوني في هذا الكتاب بشكل أكبر على المصدرين الثاني والثالث، ويسعى من خلالهما إلى تحقيق هدفين رئيسيين: (1) قراءة متون السيرة والمغازي الإسلامية ثم التحقق المقارن من اعتبارها إلى جانب المصادر غير الإسلامية المعاصرة والموجودة في القرنين الأول والثاني الهجريين. ويطلق على هذه الطريقة اسم المنهج الأفقي. (2) المنهج العمودي، الذي تُفحص وتُحلل فيه سلسلة روايات المتون الإسلامية –التي نُقلت أحياناً في تقاليد منفصلة– ويُتعرّف فيه على الرواة المؤسسين، وبهذا يمكن، من بين القراءات المختلفة، سبر العوامل البيئية والظروف السياسية والبارامترات الاجتماعية التي شكلت جنس السيرة والمغازي. بعد هذه المقدمة، يأتي في بقية الكتاب أمثلة ونماذج –متفرقة وغير مترابطة أحياناً– للمنهج الذي شرحه أنتوني في مقدمة الكتاب. يتشكل الكتاب من ثلاثة أقسام عامة، لكل منها فصول مختلفة.
القسم الأول: قبل تشكل متون السيرة والمغازي
الفصل الأول: الشاهد الأول
السؤال الأول الذي يُطرح هو: أين يوجد أقدم مصدر غير القرآن يذكر الصورة التاريخية للنبي، وأين عُثر عليه؟ وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الباحثين شككوا في الوجود التاريخي لمحمد بسبب غياب مصادر تاريخية في القرن الأول الهجري تشير إليه بشكل مباشر. لكن أنتوني يرى أن مصادرنا الأولية لإثبات الوجود التاريخي للنبي ليست محدودة فحسب، بل إنها غنية إلى درجة تسمح لنا باستخلاص بعض النقاط التاريخية والسيرية منها. يبدأ بتحليل بعض المكتشفات الأثرية، ومنها أوراق البردي المتبقية من عامي 23 و24 هجري، والنقود الباقية من القرن الأول، والنقوش الحجرية (مثل نقش الريان بن عبد الله عام 78 هجري). لكن لا يزال بالإمكان القول إن هذه الوثائق تفصلها عن وفاة النبي عشرون أو ثلاثون سنة على الأقل. أقرب مصدر يرد فيه ذكر لمحمد التاريخي هو مصادر غير إسلامية لا تفصله عن وفاته سوى سنتين. وهنا يتناول تحليل ثلاثة نصوص غير عربية –يونانية وسريانية– باقية. تعود هذه النصوص لمسيحيين كانوا يعيشون في روما الشرقية (نواحي سوريا الحالية). ورغم أن هذه المصادر، بسبب قدمها، تعاني من سقطات كما أنها قصيرة جداً (بضع جمل)، إلا أنها تستطيع أن تقدم لنا معلومات قيّمة. تظهر هذه المعلومات عندما نتمكن من مقاربتها بشكل منهجي. هذا الجزء من الكتاب مهم بشكل خاص من الناحية المنهجية، ويُظهر لنا كمّ المعلومات والتحليلات التي يمكن استخلاصها من نص من بضعة أسطر. في أحد النصوص تحديداً، يُشار إلى أن نبي الساراسنة[6] (وهو الاسم الذي كان الروم يطلقونه على العرب. ربما كان اسم قبيلة عربية تعيش قرب حدود روما) يدّعي أنه صاحب مفتاح (أو مفاتيح) الجنة[7]. ولهذا، يتناول أنتوني في الجزء التالي تحليل فكرة "مفتاح الجنة". لا ينبغي الاستهانة بورود هذه الفكرة في نص مسيحي من العصور القديمة المتأخرة، لأنها تنطوي على معنى أيديولوجي. تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن بعض الباحثين يعتقدون أن محمداً –بحسب زعمه– لم يأتِ بدين جديد، بل كان استمراراً للخط الديني اليهودي-المسيحي، وأن دين الإسلام الرسمي صُنع لاحقاً، خاصة في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان. يمكن تفسير مفتاح الجنة بطريقتين. الحالة الأولى، هي المعنى ذو الحمولة الأيديولوجية المسيحية، حيث كان حامل مفتاح الجنة في العصور القديمة المتأخرة هو وريث المسيح (أو بطرس[8]) فعلياً. إذا نظرنا من هذا المنظور، فإن النبي في الواقع ادعى وراثة عيسى ووضع نفسه عملياً في مواجهة البابا وحكم روما. يخلص أنتوني، عبر تحليلات ومقارنات مختلفة، إلى أن هذا التفسير خاطئ، وأن المقصود بمفتاح الجنة في الكتابة المذكورة هو رواية أخروية وإشارة إلى الجنة في العالم الآخر. ثم يتناول بالتحليل العمودي المصادر الإسلامية أيضاً، ويرى أن الأحاديث التي تقدم مثلاً الجهاد أو السيف على أنهما مفتاح الجنة هي من اختراع الأمويين اللاحق لتشجيع الفتوحات. من سمات كتاب أنتوني –بالنظر إلى خلفيته البحثية– اهتمامه بالمصادر الشيعية التي قلما يلتفت إليها باحثون آخرون. وفي هذا الجزء نفسه، يقدم تحليلاً لمسألة الشفاعة في المذهب الشيعي امتداداً لفكرة مفاتيح الجنة.
الفصل الثاني: محمد التاجر
شكك بعض الباحثين في امتهان النبي للتجارة الوارد في نصوص السيرة. في هذا الفصل، يتناول أنتوني هذه المسألة باتباع المنهجين الأفقي والعمودي المذكورين. فرغم ورود مهنة التجارة في بعض المصادر العربية الأولية، فإن أقدم المصادر العربية تقدم النبي على أنه راعٍ. وهو ينقد ويحلل العديد من نصوص السيرة والمغازي في هذا المجال بدقة متناهية، محاولاً استنباط أسباب اختلاق بعض الروايات. فعلى سبيل المثال، إحدى أهم الروايات هي لقاء النبي –حين جاء للتجارة– براهب مسيحي يكتشف فيه جوهر النبوة. يقارن هذه الرواية بالنصوص المسيحية ويُظهر نماذج من الأخذ والعطاء بين نصوص السيرة والمغازي والتقليد المسيحي في القرون الأولى.
القسم الثاني: تشكل نصوص السيرة والمغازي
الفصل الثالث: بداية تقليد كتابة السيرة
في هذا القسم تُناقش أصول وعلل وعوامل وكيفية تشكّل أولى كتابات السيرة والمغازي. ويُسلّط الضوء بشكل خاص على دور الخلافة الأموية والعباسية في هذا السياق. تعود أقدم الإشارات حول تدوين سيرة النبي إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. ومن هنا تبرز أهمية معرفة الأمويين وأهدافهم لفهم كيفية كتابة هذه النصوص. كما ينبغي الانتباه إلى الأهداف الشخصية والقبلية لأول كتّاب ورواة السيرة. فعلى سبيل المثال، يُعد عروة بن الزبير (ابن الصحابي الزبير بن العوام) أحد أهم رواة السيرة. ولا ينبغي إغفال دوره في إبراز التراث الزبيري، وكذلك علاقته بعائشة زوجة النبي وأبي بكر الخليفة الأول. يمكن نسبة أولى كتابات السيرة إلى رسائل عروة بن الزبير وعبد الملك بن مروان. ولذلك يخصص أنتوني فصلاً كاملاً لهذه الرسائل، ويورد تسع رسائل منسوبة إليه –وصلتنا عبر نصوص أخرى– بنصها الكامل.
الفصل الرابع: رسائل عروة بن الزبير
كما ذُكر، تُترجم نصوص الرسائل وتُنقل في هذا القسم. وتُحلل التقاليد الروائية المختلفة (البصرية، والمدنية، ورواية ابن شهاب الزهري) لها، وتُخضع أقوالها ومسكوتاتها للنقد. عند التعامل مع النصوص التاريخية –خاصة تلك التي يُخشى أن تكون مشبعة بالأيديولوجيا– يجب الانتباه إلى أن الأقوال ليست وحدها المهمة، بل إن ما لم يُقل –عمداً أو سهواً– يمكن أن يكون ذا أهمية للمؤرخ. ورغم أن عروة يُعد من أوائل رواة السيرة، إلا أنه لا ينبغي أن نغفل عن أن روايات عروة بن الزبير لم تكن مدونة، بل كانت تُروى شفهياً. لذا، ينبغي أن نرى: متى يمكن تتبع أولى المدونات في السيرة؟ يُتابع هذا الموضوع في القسم التالي.
الفصل الخامس: دوافع البلاط
من الصعب تحديد الزمن الدقيق لكتابة نصوص السيرة والمغازي، لكن يبدو أن عمر بن عبد العزيز هو أول من أمر بتأليف كتب بهذا المضمون. ولكن بقدر أكبر من اليقين، يمكن البحث عنها في زمن هشام بن عبد الملك. فقد طلب من عالم مدني يُدعى محمد بن مسلم، المعروف بابن شهاب الزهري، أن يدوّن ما يعرفه من العلم (الحديث). ورغم وجود أدلة على أن الزهري نفسه قام بتدوين بعض الرسائل، إلا أنه لا يتوفر اليوم مصدر مباشر عنه. لذا، فإن معرفة الأنماط الروائية المختلفة عنه يمكن أن تساعدنا في تحليل النصوص المتبقية من السيرة. يعدد أنتوني المدارس المختلفة وتلاميذه المتنوعين ويقدم الشروح اللازمة عنهم. ولكن مع بداية العصر العباسي، يصبح شخص يُدعى محمد بن إسحاق (80-151 هـ) الراوي الرئيسي لنصوص السيرة. لذلك يُحلل الكتاب علاقة ابن إسحاق بالبلاط العباسي، وتُفحص التهم التي وجهها إليه بعض علماء عصره في هذا السياق. وللأسف، لم تصلنا أي كتابات مباشرة حتى من ابن إسحاق. لذا، من الضروري فحص تقاليده الروائية أيضاً. ونتيجة لذلك، تُعرض التقاليد المدنية-البغدادية، والكوفية، والحرّانية، وتقليد أهل الري، وتقليد بغداد في نقل روايات ابن إسحاق. يمكن تسمية ابن إسحاق بمبتكر نوع السيرة والمغازي الأدبي. ومن بعده استمر هذا المسلك بشكل رسمي واحترافي.
القسم الثالث: تحليل نصوص السيرة والمغازي في سياق العصور القديمة المتأخرة
الفصل السادس: النبوة وإمبراطوريات الإيمان
بناءً على ما ورد في الأقسام السابقة، كانت المطالب الحكومية والسياسية هي الدافع والمحرك لكتابة نصوص السيرة والمغازي. ومن هنا، فإن «خطاب الإمبراطورية» المستمد من معرفة المسلمين بالإمبراطوريتين الساسانية والرومانية يظهر بوضوح في هذا النوع من الكتب. وعلى الرغم من أن النبي لا يُلقب بالملك، ونادراً ما نجد لفظ مَلِك في هذه النصوص، إلا أن استخدام مصطلح مُلْك النبي وأمته شائع بكثرة. وفي هذه النصوص يُتصور أن النبي كان يضمر طموح السلطة منذ البداية. فعلى سبيل المثال، نجد في هذه النصوص تقارير من طفولة النبي يُتنبأ فيها بأنه سينال المُلك يوماً ما، وأن ملكه سيدوم بين قبيلته. وهي رواية صيغت على هوى الحكام. ويمكن تتبع هذا الخط في تطوير المفاهيم القرآنية لهذه الفترة أيضاً، حيث يستخرجون المفهوم الدنيوي للمُلك في تفسير آيات القرآن من «مُلك إبراهيم»، ويعتبرون أنفسهم ورثة إبراهيم الذي منحه الله المُلك. يُستشهد في هذا القسم بآيات من القرآن استخدمت في التحليلات الحكومية للمسلمين. ثم يخضع أحد أكثر التقارير وضوحاً ذات التوجه الحكومي في كتب السيرة والمغازي للنقد. يتعلق هذا التقرير بهرقل، إمبراطور الروم الشرقي، الذي يرى بعد هزيمته للساسانيين في المنام أن مملكة المختونين قد حانت. ويفسر له معبرو الرؤيا هذا المصطلح بأنه يعني اليهود، وينصحونه بقتل اليهود، لكن منجماً (عرّافاً) يخبر الملك لاحقاً بأن المقصود ليس اليهود، بل العرب. يتتبع أنتوني جذور حلم هرقل في النصوص المسيحية، ويحلل العناصر المختلفة لهذه القصة في النصوص اللاتينية واليونانية ليصل إلى جذور الرواية الإسلامية. ويخلص إلى أن ما نُقل في نصوص السيرة والمغازي ليس مختلقاً بالكامل من أذهان المسلمين، بل له جذور في رواية شفوية بين الناس في ذلك الزمان، قام كُتاب السيرة الأوائل بتوظيفها لصالحهم ولغايتهم عبر تغيير جزء من الرواية. تُظهر أبحاث أنتوني أن ابن شهاب الزهري (بصفته الراوي الأول للقصة) اعتمد في روايته على مصدر سرياني. ثم تُنقل أدلة كثيرة لإثبات هذه الفرضية. ما يُطرح في هذا الفصل يساعد الباحث على أن (1) يرى تأثير وتدخل النصوص الأجنبية والخطاب الملكي (وتحديداً الروماني هنا) في ضبط وتسجيل روايات السيرة، و(2) يتعلم إلى أي مدى يمكن للتحليل الأفقي والمتوازي للمصادر العربية وغير العربية أن يوصلنا إلى معلومات ومعطيات قيّمة ستكون مدعاة لدهشة المؤرخين.
الفصل السابع: محمد وكَدْمَن[9]
صوت æ في اللغات الإسكندنافية هو ذاته صوت الفتحة الذي لا وجود له مستقلاً في الإنجليزية المعاصرة. يرى بعض الباحثين أن اللغات الإسكندنافية هي أصل اللغة الإنجليزية. وقصة كيدمون –الذي عاش في أراضي إنجلترا الحالية– هي كالتالي: في القرن السابع الميلادي (القرن الأول الهجري، تقريباً في زمن ظهور الإسلام) كان رجل مغمور يُدعى كيدمون يعيش في منطقة نائية عن المدينة. كان رجلاً أميناً، وقد قبله جميع أفراد قبيلته كشخص موثوق به، وكانوا يعطونه حيواناتهم ليرعاها. لكن حياته تحولت في إحدى الليالي. فبينما كان معتزلاً الحفلات وصخب القرية، وسكن في مكان هادئ، غلبه النعاس فجأة. وفي تلك الحال شعر بأن شخصاً يقف أمامه ويناديه: كيدمون، غنِّ لي شيئاً[10]، فيجيبه كيدمون، لكونه رجلاً غير متعلم ولا يعرف القراءة والكتابة، بأنه لا يستطيع الغناء. فيجيبه ذلك الشخص بأنه يجب أن يغني، فيقول كيدمون: ماذا عساي أن أغني؟ فيقول الصوت: غنِّ عن بدء الخلائق! ثم يبدأ بإنشاد أبيات عن الرب الخالق، أشياء لم يسمع بها من قبل. وعندما يستيقظ من نومه يتذكر كل شيء، وكأن وديعة إلهية قد أودعت في صدره. وكما يُرى، فإن هذه الرواية قريبة بشكل مذهل من رواية ابن إسحاق الشهيرة في سيرته عن بعثة النبي في غار حراء والآيات المتعلقة بها في سورة العلق (رواية اقرأ). يُبحث في هذا الفصل جذور هاتين القصتين وارتباطهما ببعض. تكمن المشكلة الرئيسية في هاتين الروايتين في أن نقلهما قد تم تقريباً في حقبة زمنية متشابهة، ويصعب اعتبار إحداهما مقتبسة من الأخرى. يعرض أنتوني آراء المختصين الآخرين بالتفصيل، وينقد جميع عناصر القصة بدقة بالغة. وقد طُرحت احتمالات عديدة لتحليل هذا التشابه. فعلى سبيل المثال، ليس من المستبعد حتى أن تكون رواية ابن إسحاق قد وصلت إلى إنجلترا (كما وصلت بعض النقود من العصر الأموي في الحقبة نفسها إلى الأراضي الإنجليزية) وصارت مادة لصياغة قصة كيدمون. لكن رأي أنتوني هو أن كلتا الروايتين (بشكل منفصل) هما روايات ممتزجة بالأدب والجماليات، بغرض الأسطرة والبطولة للعظماء. وهو جنس أدبي يمكن تتبعه في كتب تذكارات العصور القديمة المتأخرة. عادة ما يرغب أتباع العظماء في مزج سيرهم الذاتية بالمبالغات والقصص الخيالية لتقديم رواية جذابة وفنية عنها. ولتقريب الصورة إلى الذهن، يمكن النظر على سبيل المثال إلى تذكرة الأولياء للعطار. ففي كل مدخل، إذا ألقينا نظرة على الروايات الأولى لكل واحد من العرفاء، نلاحظ أنهم كانوا قبل التحول أناساً عاديين (طبعاً مع خصلة أو أكثر من الخصال الشخصية البارزة، وفي رواية ابن إسحاق وكيدمون هي الأمانة) لكن حدثاً قصصياً خارقاً في حياتهم يحولهم إلى عارف سالك. وفي النهاية، يذكر أنتوني، لإثبات مدعاه أكثر، أن رواية اقرأ ليست الرواية الوحيدة المعبرة عن بدء الوحي في النصوص الأولى للسيرة. كما تظهر أبحاث علماء القرآن أن الآيات الأولى من سورة العلق تعود غالباً إلى الفترة الوسطى والأخيرة من مكة وليس إلى بداية العهد المكي. ثم ينقل الروايات المختلفة لكتب السيرة التي تعبر عن بدء الوحي، ورغم أن شواهد أنتوني في هذا القسم تبدو أضعف لإثبات مدعاه مقارنة بالأقسام السابقة، إلا أن قدرته على تحليل وتفكيك المطالب هي مسألة تثير الإعجاب بشدة.
وفي النهاية، ينبغي أن أذكر مرة أخرى أن هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية أو رواية متماسكة كسائر الكتب، بل هو جمع متفرق لفصول مختلفة وغير مترابطة أحياناً، جُمعت معاً لغرض آخر. لقد سعى أنتوني في هذا الكتاب إلى إقناع القارئ والباحث بأنه رغم أن نصوص السيرة والمغازي هي نصوص –من الناحية التاريخية– من الدرجة الثانية للوصول إلى حياة النبي، إلا أنه بتحليلها المنهجي يمكن الحصول على معلومات من الدرجة الأولى عن حياة النبي، لنتمكن بواسطتها من إلقاء الضوء على الأقل على جزء من حياته الغامضة.
.
.
[1] Muhammad and the Empires of Faith: The Making of the Prophet of Islam
[2] شون ويليام أنتوني
[3] خليل، محمد حسن، مجلة الأكاديمية الأمريكية للدين 88.4 (2020): 1205-1208.
[4] فريد م. دونر
[5] دراسة حالة
[6] المسلمون في المصادر المسيحية المبكرة
[7] مفاتيح الجنة
[8] بطرس
[9] كيدمون
[10] غنِّ
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.