اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يؤكد السيد محمد حسيني بهشتي أنه لا توجد في الإسلام طبقة تُعرف بـ«رجال الدين» تتمتع بامتيازات خاصة وتتوسط بين الناس والدين. هذا البنيان شائع في الأديان الأخرى، لكنه باطل في الإسلام ويُعد من أكل أموال الناس بالباطل.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُلله ربّ العالمين، و الصلاة و السلام علي جميع انبيائه و رُسُله، و علي سيّدنا خاتم النبيّين، و علي الائمة الطاهرين من اهل بيته، و الخیرة من آله و صَحْبِهِ، و السلام علينا و علي عباد الله الصالحين.
«وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُريدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنَّ كَثيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَ الرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِ اللَّهِ وَ الَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها في سَبيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَليمٍ * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُون»[1]
قالت اليهود عزير ابن الله. وقالت النصارى المسيح ابن الله. هذا قولٌ يخرج من أفواههم، يشبه تماماً قول الذين كفروا من قبلهم.
قاتلهم الله. أنّى يُؤفكون؟ هؤلاء يتخذون أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وكما يتخذون المسيح ابن مريم إلهاً يعبدونه. وما أُمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً. لا إله إلا هو. سبحانه عما يشركون.
(مسألة التوحيد في الإسلام واسعة النطاق وعميقة التأثير إلى حد أنها إذا استقامت استقام كل شيء.) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. يا أيها الذين آمنوا، إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون.
الآيات التي تلوناها الليلة هي من الآيات شبه الفريدة في القرآن الكريم حول موضوعين. الموضوع المهم فيها يتعلق بعلماء الدين والمتقين في المجتمع، والعلاقات بين الناس وعلماء الدين ومن يُسمّون بالزهاد والمتقين في الإسلام.
دراسة دور رجال الدين في الإسلام والأديان الأخرى
يُستفاد جيداً من مجموع الآيات والروايات أن تلك الروحانية المتعارفة بين جميع الأديان لا وجود لها في الإسلام. فالروحانية في الأديان المختلفة عبارة عن فئة من الناس لديهم معلومات دينية وهم أقرب إلى الله من سائر الناس، وهم أولياء الدين وأولياء دنيا الناس فيما يتصل بالدين. والأموال التي ينبغي أن تُنفق في سبيل الدين يجب أن تصل إلى أيديهم وتُنفق، وإن لم تصل إليهم فلا فائدة منها وتكون باطلة. وخلاصة القول إن هؤلاء هم أنصار الدين الخاصون، بمعنى أنهم الأولياء الخاصون للدين، وهم نوع من الوسائط بين الناس والدين. هذا هو معنى الروحانية السائدة في جميع أديان العالم التي نعرفها، سواء الأديان التي لا جذور إلهية لها أصلاً أم تلك التي لها جذور إلهية.
حتى عبدة الأصنام لمعابدهم حراس وسدنة. وهؤلاء السدنة هم وسائط بين الناس والأصنام. فالناس حين يريدون التوجه إلى الأصنام، عليهم أن يستأذنوا هؤلاء السدنة، ويقدموا لهم النذور والقرابين، ويدفعوا مالاً، ويولونهم احتراماً. فإن أرادوا الاتصال بالأصنام مباشرة فلا سبيل إلى ذلك. فالأمر لا يتم دون وساطتهم.
في البوذية والبرهمية، وهما من الأديان المعروفة في العالم، وكذلك في الأديان الصغيرة في الهند والصين واليابان وأفريقيا، وفي كل ما درسته حتى الآن مما ينقله علم الأديان القديم وعلم الأديان المعاصر الذي توسع في الدراسة كثيراً، في جميع الأديان الموجودة في العالم، صغيرها وكبيرها، ومعروفها وغير معروفها، ثمة فئة من الناس هم الحُرّاس الخاصون للدين، وسدنة الدين، والوسائط بين الدين والناس، بحيث لا يستطيع الناس بلوغ الدين وغاياته الدينية إلا عن طريقهم. ولا يمكنهم معرفة الحلال والحرام إلا من خلالهم، ولا فهم الحق والباطل إلا على ألسنتهم، ولا التقرب إلى الله إلا بهم، ولا التوبة وتطهير ذنوبهم إلا عبرهم.
وهذه المكانة، شاء المرء أم أبى، تقترن بامتيازات لهؤلاء، فلهم أموال، ولهم حرمات ومقامات. وتُحمل إليهم النذور خاصة. فعامة الناس ينذرون للروحاني ليعطوه شيئاً كي يفرج الله كربتهم.
مثل هذه الروحانية ليست في الإسلام، وهي حرام وباطلة. هذا هو مغزى هذه الآيات، وهي تحطم هذا النوع من الروحانية. إنها تخاطب المسلمين الذين بدأوا نهضة جديدة في مقابل الجهاز الديني المعروف للمسيحية واليهودية فتقول: إن كثيراً من هؤلاء الأحبار اليهود (حبر أي عالم) وكثيراً من هؤلاء الرهبان والزهاد، «لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ»؛ «يأخذون أموال الناس ويأكلونها بالباطل». ليس لهم هذا الحق. «وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ»؛ إن منهجهم في الأساس منهج يصد الناس عن سبيل الله. الأموال التي تصل إلى أيديهم وكان ينبغي أن تُنفق في سبيل الله، لا ينفقونها في سبيل الله، بل يكنزونها لأنفسهم. لا يستطيعون إنفاقها على أنفسهم، لأنهم لو أنفقوها على أنفسهم وعاشوا عيشة رغيدة لثارت ثائجة الناس. لذا، فهم لا يأكلونها ولا ينفقونها، بل يكنزونها! هؤلاء الذين يكنزون هذه الأموال ولا ينفقونها في السبيل الذي ينبغي أن تُنفق فيه، وهو سبيل الله، فليعلموا أن لهم عذاباً أليماً، وأنهم يوم القيامة بهذه الأموال المكنوزة ستُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.
لا نستطيع أن نجد في القرآن آيات أشد لهجة وأكثر حدة وصراحة ووضوحاً من هذه حول بطلان هذا النوع من جهاز رجال الدين في الإسلام، وأنا لا أعرف لها نظيراً في القرآن. إذن، هذا النوع من رجال الدين غير موجود في الإسلام أصلاً. رجال دين لهم اختصاصات تُمنح لهم تحت مسمى رجال الدين ذاته، لا وجود لشيء كهذا في الإسلام.
ما هو موجود في الإسلام هو أولاً، أن جميع الناس لديهم وصول مباشر إلى الله. لا حاجة إلى أي وسيط للاتصال بالله. كل شخص يستطيع أن يتصل بالله مباشرة وأن يناجيه ويتضرع إليه.
ثانياً، لكي يصبح المرء إنساناً صالحاً ويعود إلى طريق الله، فالمسألة الأساسية هي أن يعود هو بنفسه. إذا عاد بنفسه، فلديه كل شيء، أما إذا لم يعد بنفسه وقام شخص آخر بأخذ أشياء له من الله، فلا يوجد شيء كهذا في الإسلام، باستثناء دعاء أي مسلم لأخيه المسلم. الدعاء مسألة أخرى. إذا كنت أنا نفسي إنساناً صالحاً، فإن الله يمنحني أشياء. أما أن أكون أنا غير مستعد لأن أصبح إنساناً صالحاً، كسولاً ولا أريد أن أرجع عن فسادي، ثم آتي إلى السيد وأقول له التمس الدعاء، أي ادعُ أنت ليعطيني الله بتوسيط دعائك تلك الأشياء التي كان سيعطيني إياها لو كنت أنا إنساناً صالحاً، فلا يوجد شيء كهذا في الإسلام. الدعاء الذي يدعو به عالم دين لشخص ما، أو الدعاء الذي يدعو به إنسان عادي لعالم دين، كلاهما حسن في الإسلام، ودعاء كل فرد للآخرين حسن وهو من الأمور التي حُث عليها كثيراً. لكن هذا الكلام لا يعني أن لعالم الدين مقامات تجعل الله يمنحني بواسطته أشياء لا ينبغي له أن يمنحني إياها، ليس الأمر كذلك على الإطلاق.
ثالثاً، مسألة النذور بأن ننذر لعالم دين. نحن لا نعرف شيئاً كهذا في الإسلام. أن ننذر ليعطينا الله شيئاً، ليس لدينا شيء كهذا، وخاصة لعالم الدين فالأمر مختلف.
اسمحوا لي أن أفصل معنى "رجل الدين" عن "عالم الدين". تصوروا أيها السيدات والسادة الحاضرون هنا، أن يدخل من باب هذه الغرفة رجل درس الإسلام لسنوات واطلع عليه، وكان أيضاً رجلاً شديد الورع والتقوى، لكنه لا يرتدي لباسي أنا؛ أي ليس لديه عمامة وعباءة ولبادة. ليس على هيئتي أنا. إنه إنسان يدخل من الباب من حيث المظهر والهيئة مثلكم تماماً، لكن من حيث المعلومات، معلوماته أكثر مني، ومن حيث التقوى والورع، ورعه أكثر مني. ثم أدخل أنا. أنتم أيها الأصدقاء أنفسكم تحترمونني أكثر منه. هذا مخالف للإسلام.
احترامكم هذا هو احترام للباس. ليس لدينا في الإسلام لباس خاص برجال الدين. اللباس في الإسلام لا يُحترم، بل الفضيلة والتقوى هما ما يُحترمان. المقام هو ما يُحترم، والمقام غير اللباس. حقاً، في أي بقعة من بلاد الإسلام التي نعرفها لا يوجد هذا الضعف الآن؟ إذا دخل شخصان من الباب، أحدهما متحلٍ بالعلم والتقوى وجيد جداً، والآخر أقل منه وأدنى في العلم والتقوى لكنه يرتدي اللباس المعروف بلباس رجال الدين، أيهما يحظى باهتمام ديني أكبر لدى عامة الناس عندنا؟ هذا مخالف للإسلام. أقولها بصراحة، وبقدر ما اطلعت عليه، إن هذا مخالف للإسلام، وأنا شخصياً، بصفتي شخصاً يرتدي هذا اللباس نفسه، أنهى عن هذا العمل لأنه مخالف للإسلام.
هذا هو الشيء غير الموجود في الإسلام. الشيء الموجود في الإسلام هو احترام العلم والتقوى والطهارة، احترام تقديم الخدمة. كل من كان أكثر خدمة وعلماً وتقوى وفضيلة، كان أقرب إلى الله وأكثر احتراماً بين الناس. هل ينذر الناس أبداً لمثل هذا العالم الذي لا يكون لباسه هكذا؟ أبداً.
إن قيام الناس بتقديم النذور والقرابين لعالم دين، هذا العمل تفوح منه رائحة الوثنية السابقة. هذه الأعمال هي من أفكار ما قبل الإسلام التي تسربت لاحقًا بين المسلمين. في زمن نبي الإسلام وكذلك في زمن الأئمة الطاهرين، لم يكن هناك أي لباس خاص أو مقام خاص مطروحًا على الإطلاق. هذا اللباس يعود إلى الأزمنة المتأخرة، وهو يخص إيران بشكل خاص. هذه الأمور من النظام الإيراني سرت إلى النظام العباسي. حتى في زمن بني أمية، وعلى الرغم من الانحرافات الكثيرة، لم يكونوا على هذا النحو، لأن أسلوب حياتهم كان مثل حياة العرب. لكن في زمن بني العباس حين صار زمام الأمور الحكومية بأيدي الإيرانيين والنواحي المحيطة أكثر، ولأن الإيرانيين نشأوا على هذه التقاليد نفسها، أرادوا أن يصنعوا للإسلام جهازًا مشابهًا لجهاز الكهنوت الزرادشتي. ثم استمر الأمر في التزايد يومًا بعد يوم.
في الإسلام، يمكن لأي شخص أن يتقرب إلى الله بلا واسطة وبإصلاح نفسه. كيف يمكنني أن أصبح صالحًا؟ بأن أقوم بواجباتي الدينية. إذا لم أقم بها، فلا يمكن لآخر، حتى لو كان عالمًا أو في زي أهل العلم، أن يقربني إلى الله. متى أستطيع أن أنال حاجاتي من الله؟ عندما أكون مستحقًا لاستجابة الدعاء.
إذا دعا عالمٌ لشخص ما من أجل نذر، فهذا العالم بعيد عن الله. أما إذا دعا شخص عالم وتقي، دون أي تطلع حتى لتلقي السلام، فهذا الدعاء أقرب كثيرًا إلى الاستجابة. لكن أن يكون الدعاء دكانًا، بحيث يعطوني شيئًا فأدعو، وعندها يستجيب الله دعائي، فهذا خلاف الإسلام. في الإسلام لا توجد مثل هذه الأشياء أبدًا. إنها ضد الإسلام، وكم من هذه الأشياء في مجتمعنا، وكلها من مخلفات عصر الوثنية وعصر الانحراف. باختصار، هذه الأمور ضد الإسلام.
من وجهة نظر الإسلام، يمكن لأي شخص أن يدرس ويطالع ليفهم القرآن والحديث ويصبح ملا، لا فرق أن يكون لباسه بذلة وربطة عنق، أبيض كان أم أسود، أو قبا ولِبادة وعباءة وعمامة. كل من درس وطالع واستطاع أن يفهم القرآن والحديث جيدًا، له الحق في إبداء الرأي حول الإسلام. إبداء الرأي في المسائل الدينية ليس حكرًا احتكاريًا ولا بيد أفراد معينين.
بعد زمن النبي، يصعد عمر المنبر ويقول: أنا أحكم عليكم. كلما رأيتموني أعمل خلافًا لله والسنة، يجب أن تردوني عن الانحراف، ويسأل: إذا لم أرجع عن الانحراف، فكيف تردونني عن الفساد؟ ينهض رجل عربي ويقول: إذا لم ترجع، نردك بهذا السيف. الحساب في الإسلام هكذا.
رحم الله آية الله النائيني. لقد كتب في رسالة، في أوائل الحركة الدستورية، عن الحكم في الإسلام. مع أن الكتاب قديم جدًا ونثره الفارسي ليس سلسًا جدًا، إلا أنه يحتوي على تعبير لطيف للغاية. يقول: في عصرنا يوجد استبداد ديني واستبداد حكومي، وهذان الاستبدادان يحرس أحدهما الآخر. العالم المستبد هو حارس الحاكم المستبد، والحاكم المستبد هو سند العالم المستبد. وحقًا الأمر كذلك. في حين أنه لا ذاك محتكر ولا الآخر. لا يوجد أي احتكار.
الويل لذلك الزمن الذي يقول فيه شخص ما كلامًا عن الدين خلافًا للرأي السائد. تُرفع في وجهه هراوة التكفير. طبعًا هناك حالة لا يمتلك فيها الشخص دراسة. لا ينبغي الخلط بين هذين الأمرين. تارة يكون شخص قد قرأ أربعة كتب وتعلم أربع كلمات عربية، فيبادر فورًا إلى إبداء الرأي حول الإسلام، بآراء جديدة، فيصبح متجددًا في الدين. هذا أيضًا انحراف. يجب تخطئته أيضًا. لكن تارة يكون شخص عالم، درس ومارس وهو صاحب رأي حقيقي حول الإسلام، ويقدم رأيًا جديدًا يكون مخالفًا لزعماء الدين. أن يُسحق هذا الشخص بهراوة التكفير، هذا خلاف الإسلام. إنه ضد الإسلام تمامًا.
بطبيعة الحال، لكي لا تحدث فوضى في أفكار الناس، يجب تقسيم التعاليم الدينية إلى قسمين:
جزءٌ مما يتعلق بالمقررات والقوانين الاجتماعية هو أنه إذا أراد شخص أن يقول: أنا أُبدي رأيي ورأيي حجة، ورأيي قاطع ويجب أن يكون معياراً للعمل، فستعم الفوضى. مثلاً، يقول شخص: أخذ الضرائب حرام، ويقول آخر: أخذ الضرائب حلال، ويقول ثالث: واجب. إذا عمل كل شخص برأيه وتبع كل واحدٍ منهم عددٌ من الناس، فإن الحياة الاجتماعية ستُصاب بالشلل التام. فيما يخص المسائل الدينية المتعلقة بالحياة الاجتماعية، يجب أن يكون هناك نظام منظم ومسؤولون لهم حق إبداء الرأي، وأن يكون هؤلاء المسؤولون متعاونين مع الحكومة يداً بيد. يجب أن يُنتخب ويُعين المسؤولون الدينيون والمسؤولون العلميون بالطريقة الصحيحة، وأن تعمل الحكومة معهم يداً بيد. هذا في المسائل الدينية المتعلقة بالحكم.
أما في المسائل الدينية التي لا تتعلق بالحكم، فيجب إطلاق الحرية والقول بأن كل شخص إذا كان صاحب رأي فليعمل برأيه، وإلا فليتبع صاحب رأي آخر ويعمل برأيه. مثلاً، في المسائل الفردية كالصلاة، ومسائل الطهارة والنجاسة، وفي المسائل المتعلقة بجزئيات المسائل الاعتقادية، ومسائل التاريخ الإسلامي، وفي المسائل العملية أو العلمية، لا فرق. تلك التي تخرج عن محور الحياة الاجتماعية وميدان الحياة الاجتماعية، وتلك التي ليست الحكومة مأمورة بتنفيذها، يجب إطلاق الحرية فيها ليعمل كل شخص برأيه أو يتبع رأي شخص آخر. لا يوجد أي احتكار أو انحصار.
إذا نُظمت الحياة بين الناس وعلماء الدين على هذا الأساس، فهي مطابقة للإسلام. أما أن يصبح التقوى والزهد متجراً، فليس في الإسلام شيء من هذا القبيل. الزهد لا يصبح مهنة للإنسان! كلنا يجب أن نكون زهاداً. من هو الذي لا يكون زاهداً في الإسلام؟ يجب على الجميع أن يكونوا زهاداً. كلٌ بقدره.
ماذا يعمل فلان؟ من تلك الأعمال التي تتناسب مع أعمال رجال الدين. ليس في الإسلام شيء من هذا القبيل. في الإسلام مجموعة من الواجبات التبليغية ومجموعة من الواجبات العلمية. والواجبات التبليغية يجب أن يقوم بها جميع الناس قدر المستطاع. ليس لدينا تقريباً مبلغون متفرغون. إذا احتجنا، للدفاع عن الإسلام ولبعض الميادين الخاصة، إلى تربية نوع من الناس المتخصصين، فيجب أن يتم ذلك عبر تنظيمات وتُدار حياتهم من قبل تلك التنظيمات، وإلا فما أمكن يجب على كل من له مهنة أن يكون مبلغاً للدين أيضاً. الطبيب عليه أن يقوم بتبليغ الدين أيضاً، والمعلم عليه أن يقوم بتبليغ الدين أيضاً، والقاضي عليه أن يقوم بتبليغ الدين أيضاً، والتاجر عليه أن يقوم بتبليغ الدين أيضاً. ومن المتفق عليه أن أثمن التبليغات التي تمت في العالم الإسلامي حتى الآن كانت على أيدي الناس العاديين. نعم، هناك أوقات تكون فيها ضرورة لتربية مبلغ متفرغ، وتربية خطيب متفرغ، وتربية مجتهد متفرغ، أي أناس يجب أن يكرسوا كل طاقتهم ووقتهم واستعداداتهم لواحدة من هذه الحاجات العامة الدينية والتبليغية والعلمية للعالم الإسلامي. حيثما وجدت مثل هذه الحاجة، يجب تأمين حياتهم من ميزانية العالم الإسلامي أيضاً. هذا حساب آخر. وذلك بشرط ألا يوجد ما يكفي من أصحاب المهن الحرة. إذا وُجدوا، فلا حاجة إليه أيضاً. إذا وُجد فعلاً أفراد بارزون ذوو استعدادات يصبحون، مع امتلاكهم مهنة تؤمن حياتهم، مجتهدين أصحاب رأي ومبلغين أفذاذ وخطباء مرموقين، فلا حاجة إليه أيضاً.
على أية حال، لا وجود في الإسلام لمقام خاص يُسمى رجال الدين أو الأوصياء الحصريين على الدين، بحيث نُنشئ طبقة تحت هذا المسمى تتمتع بامتيازات وخصوصيات في الملبس والمكانة وإدارة الحياة. هذه الأمور ليست في الإسلام.
في الإسلام، الدين ومعرفة الدين وتبليغ الدين هي واجب الجميع. الزهد والتقوى والورع هي، في حدود الطاقة والإمكان، واجب الجميع. لا معنى في الإسلام لأن نُنشئ رجال زهد متفرغين ونؤمن حياتهم، لأن ذلك ليس من الحاجات. إذا كان هناك ضرورة لمربين ومعلمين ومبلغين وخطباء ومجتهدين للعالم الإسلامي، يجب أن يصرفوا كل عمرهم ووقتهم في طريق خاص ولا يقدرون على تأمين حياتهم، فإذا ظهرت مثل هذه الضرورة، في حدود هذه الضرورة، يجب أن تُؤمن حياة هؤلاء من ميزانية الأمة الإسلامية. أما النذر لهم فلا معنى له. يجب أن تُؤمن حياتهم من بيت مال المسلمين.
بيت المال أيضًا يجب أن يكون تحت سلطة وتحت إشراف جهاز وتنظيم، لا أن آخذ مالًا مباشرة وأصرفه، وأن هذا المال الذي آخذه هو ملكي وأصرفه كيفما شئت. وأمنّ على الناس بأن مال الخمس أو سهم الإمام الذي تدفعونه هو من اختصاصي، لكنني أتفضل عليكم وأجعل قسطًا منه يُصرف عليكم أنتم. هذا كله ليس في الإسلام أصلًا. الخمس وسهم الإمام والزكاة الموجودة في الإسلام، معناها أن كل من تزيد إمكاناته المالية عن معيشته، يصرف نسبة معينة من الدخل الزائد عن النفقة وصافي ربحه في مصالح الأمة الإسلامية، طبعًا تحت إشراف جهاز وتنظيم يستطيع أن يحسن إنفاقه. حتى في مسألة سهم الإمام، للعلماء الدقيقين رأي خاص.
على كل حال، المسألة الأساسية هي أن القرآن ينفي صراحة هذا المعنى القائل بوجود جماعة معينة في الإسلام تعيش بامتيازات مادية واجتماعية، بصفتها رجال دين وبصفتها رجالًا مختصين بالدين، ويهاجمهم ويصدهم عن هذا السبيل، ويهاجم الناس أيضًا.
يقول للناس: إذا نذرتم لعالم ديني واعتقدتم أن هذا العالم الديني يستطيع أن يقضي حاجتكم، فهذا العمل نوع من الشرك. إذا أغمضتم أعينكم وآذانكم، ومع علمكم أن هذا الرجل المتعلم تعليمًا أكاديميًا هو شخصية علمية بارزة، لكنكم نظرتم إلى فم معممي ورفضتم كلامه دون تمحيص، فهذا أيضًا يقول الإسلام إنه بحكم الشرك.
في مجمع البيان للطبرسي، في تفسير قوله تعالى: «اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ»، رواية تقول إن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. تقول الرواية: والله ما كانوا يسجدون لأحبارهم ورهبانهم. كون القرآن يقول إنهم اتخذوهم أربابًا من دون الله لا يعني أنهم كانوا يسجدون لهم. لم يكونوا يسجدون أبدًا ولم يكونوا يخرون على الأرض. معنى قول القرآن إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم وزهادهم أربابًا من دون الله ليس أنهم كانوا يخرون على الأرض أمامهم. أبدًا! بل المقصود أنهم كانوا يقبلون كل ما يقولونه دون تمحيص. هذا يضعه الإسلام في حساب «اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ». معنى التمحيص هو أن فلانًا إذا كان عالمًا بارزًا وأنا أعلم أنه عالم ونزيه، وأعلم أن معلومات هذا الآخر أقل منه، فإن تقديم رأي هذا على رأي ذاك هو خلاف منطق العقل. القرآن يدعونا دائمًا إلى اتباع المنطق الصحيح.
ليس كل أحد يستطيع أن يبدي رأيه في الدين. شاء أم أبى، بعض الناس يصبحون مقلدين لبعض آخر. ولكن ما هو معيار التقليد؟ هل هو اللباس؟ أبدًا! معيار التقليد هو العلم والنزاهة، أنت حين لا تعرف شيئًا عن الإسلام بنفسك، شئت أم أبيت، إذا أردت أن تفهم شيئًا عن الإسلام، فعليك أن تراجع صاحب نظر. هذا الرجل صاحب النظر، على أي معيار ومقياس تختاره؟ المعيار هو العمل والتقوى.
الآن إذا كان هناك خمسة أشخاص، كلهم ذوو علم وتقوى، فانظر ماذا يقول هؤلاء الخمسة أو هؤلاء المئة؟ إذا رأيتهم يتحدثون بشكل متطابق، فهذا جيد جدًا. ولكن إذا رأيتهم مختلفين في الرأي، فمن كان علمه ونقاؤه ونزاهته أكثر، فهو أوثق. هذه كلها معايير معقولة ومنطقية هي معايير تقليد الأعلم بيننا. ولكن إذا ظهر اليوم شخص أعلم، ليس له لحية طويلة ولا عمامة، بل يرتدي بذلة وبنطالًا، فمن سيقلده؟ إذن يتضح أننا نقول تقليد الأعلم، ولكننا لا نعمل به. حتى في هذه الرسائل العملية مكتوب، ولكننا لا نعمل به. ندوس بأقدامنا على ما هو مكتوب في الرسالة العملية. هذا انحراف، وكل من يقر هذا الانحراف، عالمًا كان أو عاميًا، فهو منحرف أيضًا. لأن أحدًا من العلماء لا يريد أن يقول شيئًا أسمى مما كتبوه في رسائلهم العملية.
هل قرأتم في أي رسالة عملية حتى الآن أن شرط المقلد والمرجع هو العباءة والعمامة؟ في أي رسالة يوجد شيء كهذا؟ هل رأيتم شيئًا كهذا في رسالة حتى الآن؟ ليس لدينا رسالة كهذه.
إذا كان مثل هذا الانحراف موجودًا بين الناس، حتى لو كان أحد من أهل العلم يقرّ هذا الانحراف عمليًا وقوليًا، فهو باطل ومخالف للإسلام. هذا أمر لا يريده الإسلام. لأننا إذا عملنا وفق هذه المعايير المعقولة والمنطقية، فسنكون أحياء دائمًا.
نحن نسمح دائمًا للأفراد الأحرار الأنقياء المتعلمين بأن يضعوا حقائق الإسلام دون حجاب في متناول الناس، ولأنه قد يوجد بين هؤلاء أناس مستغنون لا يتخذون هذا العمل وسيلة للعيش، فإن الحرية الدينية في مواجهة الاستبداد الديني (على حد تعبير المرحوم النائيني) تبقى مصونة دائمًا.
إذا عملنا بغير ذلك، إذا نظرنا فقط في فم من يرتدي زيًا خاصًا، فهنا تظهر الانحرافات. لا أظن أن أحدًا من أهل العلم يرتضي أن يقرّ هذه الانحرافات. إذا أقرّ أحد من أهل العلم هذا الانحراف، فهو نفسه منحرف، لكنني حقًا لا أعرفه. لأننا كلما تحدثنا مع أيٍ من مراجع التقليد اليوم وقلنا له: يا سيدي، نحن نعرف شخصًا أعلم منك، وأعدل منك، فهل نقلده أو نقلدك؟، ينبغي أن يقول: قلدوه. أما إذا تلكأ وكان في أمره ريبة، فعلى الأقل تقواه ضعيفة.
أنا أقولها صراحةً عن نفسي: إنني لا أدّعي أي نوع من التفوق على أحد من خلق الله. كلما ظهر رجل في أي ركن من أركان الدنيا (وقد ظهر حقًا) كان أعلم مني وأفهم وأتقى، فقد احترمته أنا بنفسي وقدمته على نفسي، وينبغي لي أن أقدمه. وهذا ليس منّة، بل هو واجبي.
إذن، من وجهة نظر القرآن الكريم، للعلاقة بين الناس وعلماء الدين معيار، يختلف عن المعيار السائد في جميع الأديان المعتادة في العالم. كنت أقول في إيران، وأقوله هنا أيضًا. غالبًا ما يتحدث الرفاق عن مدى انتظام تنظيمات الكنيسة. أقول: لا سمح الله أن تكون لنا تنظيمات مثل الكنيسة، لأن وضعنا سيصبح أسوأ مما هو عليه اليوم. سنكون أنيقين في الظاهر لكن أجوف مما نحن عليه الآن. الكنيسة تقوم بأنشطة جيدة، وتقدم خدمات اجتماعية، وتبشر من خلالها. كل هذا جيد جدًا، لكنني لم أرغب قط في أن يكون لنا جهاز يشبه جهاز البابا في الكنيسة الكاثوليكية. حاشا أن نحلم بمثل هذا الشيء. إنه محال! أنا لا أحلم بمثل هذا الشيء أبدًا، وسأحاربه دائمًا. النظام والحساب في الأنشطة جيد جدًا، لكن هذا النظام سيء جدًا، أو جهاز الكنيسة البروتستانتية الإنجيلية الأبسط والأحدث قليلًا، والذي انحرافاته فيها أقل.
سمعتم أن حوالي خمسين عامًا مرت على ظهور فرقة مسيحية جديدة بدأت في أمريكا. هذه الحركة ليس لديها جهاز رجال دين ولا كنيسة. لأنهم يقولون إن التبليغ والدعوة واجب الجميع، وعبادة الله يمكن أن تؤدى في كل مكان، ولسنا بحاجة إلى وسيط. في أوائل وجودي هنا، جاء واحد أو اثنان من هؤلاء المبشرين إلى منزلي. سألتهم بالتفصيل عنهم. كانت لديهم منشورات. هؤلاء يسعون إلى وضع نص الإنجيل، كما يسمونه، بلغات مختلفة في متناول الجميع، في نقطة مقابلة تمامًا للكنيسة الكاثوليكية التي لا أدري هل لا تزال ترتضي أن يقرأ الناس العاديون ترجمات الإنجيل بلغات مختلفة أم لا؟ تعلمون أن إحدى أهم المسائل الخلافية بين الكنيسة الكاثوليكية وفولتير كانت هذه. لأن الكنيسة الكاثوليكية كانت تقول: لا نجيز ترجمة الإنجيل إلى أي لغة. أول مسألة ثار عليها فولتير كانت أن الناس يجب أن يفهموا ما يقوله الإنجيل. عدم فهم الإنجيل لا معنى له. يجب أن يُترجم إلى لغات مختلفة، وهذه إحدى ميزات البروتستانت والكنيسة الإنجيلية على الكنيسة الكاثوليكية. الآن هذه الجماعة خطت خطوة أبعد من هذا. طبعًا سألتهم: هل يوجد بينكم رجال دين متخصصون أم لا؟ اتضح مجددًا أن هؤلاء لديهم أيضًا، لأن التخلص من هذه المسألة صعب. يتطلب همة عالية واستنارة، يتطلب نضجًا فكريًا كبيرًا. لكن تلوث هؤلاء أقل بكثير. على كل حال، من وجهة نظر الإسلام، فإن مسألة علم الدين مشجعة للجميع.
خلاصة المباحث إذن، سألخص عرائضي:
1- جميع الآيات والروايات تشجع المسلمين على أن تكون لديهم أكبر قدر ممكن من المعرفة بالدين، وهذا الأمر لا يختص بفئة أو طبقة معينة.
2- مسألة التقوى والطهارة وعبودية الله هي مسألة تخص جميع البشر. جميع الآيات والروايات تدعو الناس كافة إلى الطهارة والتقوى والفضيلة.
3- معيار القرب من الله هو التقوى والطهارة والفضيلة الأكثر، وليس المقام والمكانة معياراً للقرب من الله.
4- لا يلعب اللباس أي دور في أيٍّ من هذه المسائل.
5- على أية حال، العلاقة بين الناس الذين معلوماتهم الإسلامية قليلة والناس الذين معلوماتهم الإسلامية أكثر، لا تتجاوز علاقة معلم وتلميذ، أو علاقة متخصص وشخص عادي. مراجعة الناس لعالم ديني بارز هي إما نظير مراجعة تلميذ لمعلم، أو نظير مراجعة شخص عادي قليل الاطلاع لمتخصص، لا تخرج عن هاتين الحالتين. معيارها هذا وليس لها معيار آخر.
7- قيمة الناس الأتقياء والأفاضل هي أن لهم أثراً تربوياً. أي أن الإنسان الفاضل عندما يجلس ويعظ وينصح ويرشد، فالكلام الذي يقوله ينبع من قلبه، فيستقر في القلب، ويجب أن يكون دور هؤلاء هو دور التربية في المجتمع. أن يكونوا ملهمين للطهارة والفضيلة والتقوى في المجتمع. وإلا فالتقوى في الإسلام ليست مسألة نذور ومتجر، وليس لدينا ذلك إطلاقاً.
7- لكي تستقر مسألة علوم الدين والتبليغ الديني على أسس صحيحة في المجتمع الإسلامي، قد نحتاج في أوقات معينة إلى تربية متخصصين دينيين يكونون مؤهلين علمياً، وفي الخطابة والحديث، وفي الكتابة، وفي التبليغ في مجالات خاصة، ليكرس هؤلاء الأفراد كل وقتهم لهذا العمل. في هذه الحالة، يكون هذا العمل من واجبات الأمة الإسلامية، ويجب تربية مثل هؤلاء الأفراد، ولكن يجب أن تدفع تكاليفه الدولة الإسلامية والأمة الإسلامية من صندوق بيت المال، وذلك بحساب وكتاب ونظام وترتيب.
أي نوع من النشاط يُرى في المؤسسات الدينية للشعوب الأخرى في العالم، يكون جانبه خدمة الخلق وجانبه تبليغ الدين من طريق خدمة الخلق وتوجيه الناس إلى المسائل المعنوية من طريق الخدمة، فهو مستحسن، لكن هذا ليس من الوظائف الاختصاصية للمؤسسات، بل هو من وظائف الجميع. لأن التبليغ في الإسلام هو وظيفة الجميع، فهذا العمل أيضاً وظيفة الجميع. ويجب أن يكون له نظامه، ويجب أن يكون له نشاطه.
هذا هو خلاصة ما يمكننا قوله من منظور الإسلام حول المسألة المتعلقة بما يُسمى رجال الدين، وهذه الآيات العجيبة حول هذه المسألة تأتي إلى الميدان بصراحة.
وأكرر مرة أخرى: «وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ»؛ «قالت اليهود عزير ابن الله». «وَ قالَتِ النَّصارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ»؛ «وقالت النصارى المسيح ابن الله».
«ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ»؛ «ذلك قولهم بأفواههم». «يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ»؛ «يضاهئون قول الذين كفروا من قبل». «قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ»؛ «قاتلهم الله أنى يؤفكون».
من أي طريق ينحرف هؤلاء؟ ينحرفون من طريق أنهم قد نحّوا عقولهم جانباً وسلموها إلى ملّائهم. علاقة هؤلاء بالملّائين ليست قائمة على أساس عقلي. على المرء أن يفقد عقله حتى يستطيع أن يصبح مؤمناً بالكنيسة. لو كان له عقل، لعاند عقله إيمانه. وهو نفس ما صار الآن، وبخاصة، لازمة الكنيسة أو أي كان آخر. لا فرق. من أين تُقال لهم هذه الأكاذيب؟ «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ»؛ «لقد اتخذ هؤلاء علماءهم وملّائهم وزهّادهم ونسّاكهم أرباباً لهم من دون الله، بمنزلة إله صغير، وكذلك المسيح ابن مريم»؛ في حين أن «ما أُمِرُوا إِلاَّ لِیعْبُدُوا إِلهاً واحِداً»؛ «لقد أُمروا أن اعبدوا إلهاً واحداً». «لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ»؛ «لا إله إلا هو». «سُبْحانَهُ عَمَّا یشْرِكُونَ»؛ «تعالى الله عما يشركون به من شركاء».
مسألة التوحيد في الإسلام، بهذا القدر من السعة وبهذا القدر من سعة نطاق نفوذه. له من الفروع والأصول ما إن تحقق التوحيد حقاً بالمعنى الذي قاله الإسلام، صلح كل شيء.
«یریدُونَ أَنْ یطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ»؛ «يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم». «وَ یأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ یتِمَّ نُورَهُ»؛ «ويأبى الله إلا أن يتم نوره، أن يبلغ نور الإسلام طور البلوغ والكمال». «وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ».
«هُوَ الَّذی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دینِ الْحَقِّ»؛ «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق»، «لِیظْهِرَهُ عَلَى الدِّینِ كُلِّهِ»؛ «ليظهره على الدين كله»، «وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»؛ «ولو كره المشركون».
ثم جاءت هذه الآية: «یا أَیهَا الَّذینَ آمَنُوا إِنَّ كَثیراً مِنَ الْأَحْبارِ وَ الرُّهْبانِ …». إن تعبير «كثيراً» هذا يلامس القلب إلى حد كبير، فالقرآن (وبالطبع ينبغي أن يكون القرآن هكذا، ونحن المسلمين التابعين للقرآن ينبغي أن نكون هكذا) يقول كل مطلب برصانة تامة: «یا أَیهَا الَّذینَ آمَنُوا إِنَّ كَثیراً مِنَ الْأَحْبارِ وَ الرُّهْبانِ»؛ «يا أيها المسلمون! إن كثيراً من الملّائين وكثيراً من هؤلاء الزهاد، قد جعلوا من التملاّي والزهد متجراً»؛ «لَیأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ»؛ «يأخذون أموال الناس من هذا الطريق ويأكلونها بالباطل». لكن «كثيراً» منهم، لا كلهم! يوجد بينهم أناس صالحون، وأناس يريدون العلم للعلم، والتقوى للتقوى، والناس للإرشاد. حتى في داخلهم، الكثيرون هم على هذه الشاكلة.
«وَ یصُدُّونَ عَنْ سَبیلِ اللَّهِ»؛ «وهؤلاء هم الذين يصدون الناس عن سبيل الله». لماذا؟ لأن الناس إما أن يفهموا احتيال هؤلاء فينقلبوا رأساً على عقب، وإما ألا يفهموا احتيال هؤلاء فيسيروا بهم في طريق غير الحق. لا يخرج الأمر عن هاتين الحالين. إما أن يفهم الناس احتيال هؤلاء فينحرفوا عن هذا الطريق ويتشاءموا من كل ما هو علم ودين وتقوى وعالم وأمثال ذلك، ويقولوا: دعكم من هذا كله، ما هو إلا احتيال ومتاجرة، وإما ألا يفهم الناس احتيال هؤلاء ودجلهم فيتبعوهم إلى آخر الطريق الباطل.
«وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ»؛ هذه الآية تنطبق أكثر ما تنطبق على هذه الفئة من الملالي، لأن هذه الفئة، كما قلتُ، وكما يرى المرء في أماكن كثيرة، لا يستطيعون حتى إنفاق الأموال التي يأخذونها من الناس على أنفسهم، لأنهم إن عاشوا حياة طيبة جداً، انصرف الناس عنهم. ولهذا السبب، فهم لا ينفقون المال. ولا ينفقونه في سبيل الله أيضاً، وهم في الوقت ذاته محبون للمال، ولذلك، شأنهم شأن محبي المال، يكتنزون المال فحسب. المال الذي أخذوه من الناس على أنه في سبيل الله لينفقوه في سبيل الله. «يكنزون هذا المال والذهب والفضة»، «وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»؛ «وهذا المال الذي ينبغي أن يُنفق في سبيل الله لا ينفقونه في سبيل الله». «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»؛ «فبشّرهم بعذاب الله الأليم الموجع». «يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ»؛ «يوم تُحمى هذه الأموال في نار جهنم»، «فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ»؛ أولاً تُكوى بها جباههم ليُعرفوا جيداً، «وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ»؛ «وجنوبهم وظهورهم»، «هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ»؛ «هذه عاقبة الأموال التي كنزتموها لأنفسكم أو لذريتكم»، «فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ»؛ ذوقوا ما كنتم تكنزون.
صدق الله العلي العظيم. آمُل أولاً أن نسعى كي لا تنشأ بين المسلمين، مع هذا التعليم القرآني الصريح، مثل هذه الحالة، أو إن كانت موجودة ألا تستمر، وأن تبقى العلاقات بين العالم الديني والناس، والعلاقات بين الناس الأتقياء الأنقياء وعامة الناس، قائمة دوماً على تلك الأسس المنطقية والمعقولة للإسلام. الجاهل يتعلم من العالم، وغير المتخصص يرجع إلى المتخصص، وهو صاحب نظر فيُقبل نظره، والرجل الفاضل والرجل النقي المؤمن يزيد بتعاليمه الملهمة، وبعمله، وبموعظته ونصحه، من نور الإيمان في قلوب الناس وينير قلوبهم. هذا فحسب، ولا شيء غير ذلك. هذا ما أرجوه شخصياً لي وللجميع من الله.
.
.
[1]. سورة التوبة، الآيات 30 ـ 35.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.