يستخلص مصطفى ملكيان، في معرض إجابته عن سؤال «كيف نتعلّم لغة؟»، مجموعة من التوصيات التي طرحها على مدى سنوات في ورش الترجمة. تتألف هذه الطريقة من أربعة أقسام، ومع أنها تفترض اللغة الإنجليزية نموذجا، فإنها قابلة للتطبيق على لغات أخرى أيضا.

توصيات لتقوية اللغة الإنجليزية وتعلّم فن الترجمة¹
لطالما كان تعلّم لغة أجنبية، ولا سيما الإنجليزية، من الشواغل التي تهمنا نحن الإيرانيين، ويشهد على ذلك العدد الكبير من الدورات الحرة لتعليم اللغات. وإن معالجة هذا الشاغل وإتقان هذه الأداة ضرورة لا غنى عنها للطلاب والباحثين عن الحقيقة الذين يرغبون في الإفادة من المصادر الأصلية في المجالات التي تهمهم، ولا سيما الفلسفة.
يتقن الأستاذ ملكيان الإنجليزية والعربية منذ سنوات طويلة، وقد شرع منذ السنوات الأولى لمغادرته الجامعة ودخوله الحوزة العلمية في تدريس اللغة الإنجليزية، وظل طوال سنوات تدريسه يواجه هذا السؤال: كيف نتعلّم لغة؟ وهنا نستخلص بعض توصياته التي قدّمها في دروس ورش الترجمة وفن الترجمة، ونضعها بين أيدي الباحثين عن الحقيقة.
نُظّمت هذه التوصيات في أربعة أقسام: يتناول القسم الأول ملاحظة عامة حول تعلّم اللغة، ويعرض القسم الثاني طريقته المقترحة لفهم النصوص وشروط تطبيقها. أما القسم الثالث فمخصص لمزايا هذه الطريقة، في حين يتناول القسم الأخير بعض النقاط التي ينبغي للمترجمين مراعاتها لتقديم ترجمة جيدة.
وأخيرا، مع أن اللغة المفترضة في هذا النص هي الإنجليزية، يبدو أن هذه الطريقة قابلة للتطبيق على اللغات الأخرى أيضا.
ينبغي أولا تحديد الغاية من تعلّم اللغة، فإذا تحددت الغاية وجب تعلّم اللغة بما يتناسب معها، لأن لكل غاية نوعا خاصا من الدراسة وتركيزا على مهارة معينة من مهارات تعلّم اللغة. ومن المؤكد أن طريقة دراسة من ينوي، مثلا، السفر إلى بلد ناطق بالإنجليزية بغرض الدعوة الدينية، ومن ثم يحتاج إلى التركيز أكثر على مهارة التحدث²، تختلف عن طريقة من يريد أن يبقى في بلده ويجلس في المكتبة ليدرس المؤلفات العلمية والفلسفية باللغة الإنجليزية، فيحتاج إلى التركيز أكثر على فهم المقروء³.
الطريقة التي نعرضها هنا مفيدة لفهم النصوص وترجمتها إلى اللغة الفارسية. وهي أفضل سبيل لتحقيق هذا الهدف، وقد نجح كل من اقتُرحت عليه والتزم بها. وتتمثل هذه الطريقة في اختيار نص إنجليزي تُرجم إلى الفارسية، ثم مقابلة النص الإنجليزي بترجمته الفارسية. غير أن ذلك يتطلب توافر عدة شروط:
من الأفضل أن تكون النصوص المختارة لعدد من المؤلفين؛ فألف صفحة من نصوص عشرين مؤلفا، مثلا، أفضل من ألف صفحة لمؤلفين اثنين. وفي رأيي [=الأستاذ ملكيان]، وبناء على تجربتي، تكفي ألف صفحة من النصوص للمقابلة، ولا سيما إذا كانت ۵۰ مقالة من عشرين صفحة تستوفي الشروط الآتية.
كلما زاد عدد مترجمي النصوص المترجمة كان ذلك أفضل؛ فألف صفحة مترجمة بأقلام أربعة مترجمين مختلفين، مثلا، أفضل من المقدار نفسه مترجما بقلم مترجم واحد أو مترجمين اثنين. كذلك فإن ألف صفحة من ترجمات ثمانية مترجمين أفضل من المقدار نفسه من ترجمات أربعة مترجمين.
ينبغي أن يكون المترجمون المختارون من المترجمين المهرة ومن الطراز الأول، مع الانتباه إلى أن معرفة المترجم من الطراز الأول لا تكون بالشهرة، بل بسؤال أهل الخبرة في هذا المجال.
يرى الأستاذ أن المترجمين الآتين، ممن يترجمون من الإنجليزية إلى الفارسية، جديرون بالثقة: عزت الله فولادوند (في مجال الفلسفة السياسية)، مير شمس الدين أديب سلطاني (في مجال الفلسفة، وهو لا نظير له من حيث الدقة)، علي محمد حق شناس (يترجم إلى فارسية بالغة السلاسة والرصانة)، محمد علي موحد، عبد الكريم سروش، حسن كامشاد، نجف دريابندري، أبو الحسن نجفي وغيرهم... (يُنصح بمقابلة عشر أو عشرين صفحة من أعمال كل واحد من هؤلاء المترجمين).⁴ وثمة ملاحظة أخرى في هذا الصدد، وهي أن أول عملين أو ثلاثة أعمال لأي مترجم تكون عادة من أفضل أعماله، وقد لا تبلغ أعماله اللاحقة جودة أعماله الأولى. ويحدث ذلك لأن المترجم، بعد أن يقدّم إلى السوق عملين أو ثلاثة أعمال جيدة وتحظى بتقدير أهل الاختصاص، يتلقى سيلا من عروض الناشرين المختلفين لإبرام العقود، وقد يؤدي قبوله عقودا متعددة إلى تراجع دقة عمله وجودته.
كلما تنوعت النصوص المختارة بين مجالات وتخصصات مختلفة كان ذلك أفضل؛ فألف صفحة تضم نصوصا في الفلسفة والاقتصاد والسياسة وعلم النفس والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، مثلا، أفضل من العدد نفسه من الصفحات إذا كانت كلها في مجال الفلسفة. (وهذا الأمر مهم بوجه خاص في العلوم الإنسانية)
ينبغي أن يشمل النص المختار في كل تخصص موضوعات مختلفة من ذلك التخصص. فإذا اخترنا، مثلا، مئتي صفحة من النصوص الفلسفية، كان من الأفضل أن تتوزع على مجالات وفروع فلسفية مختلفة، مثل فلسفة العقل وفلسفة اللغة وفلسفة الأخلاق والفلسفة السياسية والميتافيزيقا ونظرية المعرفة وغيرها، بدلا من أن تكون كلها في مجال واحد، كالميتافيزيقا مثلا.
كلما كان النص المختار في كل مجال أكثر عمومية كان ذلك أفضل. فإذا اخترنا، مثلا، عشرين صفحة في مجال الفلسفة السياسية، فمن الأفضل أن تتناول موضوعات أكثر عمومية في الفلسفة السياسية، كالمباحث المتعلقة بالعدالة والحرية والشرعية وغيرها، بدلا من نص من عشرين صفحة عن الماركسية مثلا. وهذا الشرط ضروري لأن النص كلما ازداد تخصصا قلّ عدد مفرداته وازداد تكرار تلك المفردات.
ينبغي أن يكون النص الإنجليزي المختار قد كُتب أصلا باللغة الإنجليزية، لا أن يكون، مثلا، نصا كُتب بالفرنسية ثم تُرجم إلى الإنجليزية، ثم نُقل من الإنجليزية إلى الفارسية.
إلى جانب تعزيز مهارة فهم النصوص والقدرة على الترجمة، تتمتع هذه الطريقة بعدة مزايا أخرى، هي:
في تعلّم أي لغة، يكون اكتساب المفردات أسهل الأمور، ثم تأتي القواعد في المرحلة التالية، وبعدها تركيب الجملة؛ لكن الأصعب من ذلك كله هو «أسلوب التعبير» الخاص بكل لغة، وهو أمر لا يمكن تعلّمه بواسطة الكتب والمعاجم. فعلى سبيل المثال، يكثر في اللغة الإنجليزية استخدام المبني للمجهول، وهذا من خصائص أسلوب التعبير الإنجليزي، في حين ينبغي عند الترجمة إلى الفارسية تحويل معظم الأفعال المبنية للمجهول في الإنجليزية إلى أفعال مبنية للمعلوم.
ومن الأمور الأخرى التي يمكن تعلّمها بهذه الطريقة، ولا يمكن اكتسابها بقراءة الكتب المختلفة، تقنيات الترجمة التي يستخدمها المترجمون الجيدون؛ فهي لا تُدرَّس مباشرة، وإنما يمكن اكتسابها من خلال هذه العملية.
إلى جانب إسهام هذه الطريقة في تعزيز مهارة الترجمة، لها فائدة جانبية أخرى تتمثل في زعزعة ثقة الطالب بالنصوص المترجمة؛ إذ سيكتشف في أثناء تطبيقها الأخطاء الفادحة التي وقع فيها بعض المترجمين، حتى المشهورين منهم، في ترجماتهم، مما يدفع الطالب إلى الرجوع إلى النصوص الأصلية.
ينبغي أن نقرأ الوحدة النصية (كتابا كانت أو مقالة) التي اخترناها للترجمة مرة واحدة من أولها إلى آخرها، ولهذا العمل عدة مزايا:
• يعرّفنا بالمفاهيم الأساسية في النص، مما يتيح لنا، من خلال قراءة الكتب المرتبطة بهذه المفاهيم، ترجمتها بدقة. ولا يمكن الوقوف على هذه المفاهيم والعثور على مقابلات مناسبة لها إلا بقراءة الكتاب من أوله إلى آخره.
• يمكننا أن نقيّم ما إذا كنا قادرين على إنجاز ترجمته أم لا.
• قد يتضمن النص المراد ترجمته اقتباسات مباشرة من كتب تتوافر لها ترجمات جيدة إلى الفارسية. ومن خلال قراءة النص قبل الشروع في ترجمته، يمكننا العثور على هذه الاقتباسات والاستفادة من تلك الترجمات. ولهذا فائدتان: الأولى أننا نوفر على أنفسنا عناء إعادة ترجمتها، والثانية أن في ذلك نوعا من التقدير لأهل القلم.
ينبغي استخدام معجم إنجليزي-إنجليزي؛ فمن أكثر الأخطاء شيوعا لدى المترجمين الذين يستخدمون معجما إنجليزيا-فارسيا أن يتولد لديهم تصور خاطئ مفاده أنه، ما دامت هذه المعاجم تورد أمام كل كلمة إنجليزية عدة كلمات فارسية بوصفها مقابلات لها، فهم أحرار في استخدام أي واحد من هذه المعاني في أي نص. في حين أن المعاجم الإنجليزية، عند ذكرها المعاني المختلفة، تشرح كيفية استخدام كل معنى منها في سياق الجملة.
ومن بين المعاجم، يوصى بالمعاجم الثلاثة الآتية: أكسفورد⁵، وبستر⁶، راندوم هاوس⁷.
ينبغي أن نقرأ كل ما تُرجم إلى الفارسية أو أُلّف بها حتى الآن في موضوع النص الذي نريد ترجمته.
ينبغي أن نكتسب، من خلال كثرة القراءة، قدرا واسعا من المعلومات العامة؛ فهذه المعلومات ستساعدنا في ترجمة بعض العبارات الخاصة في بعض الكتب، وتقلل حاجتنا إلى الرجوع المتكرر إلى المعاجم.
¹ جمع وإعداد: مجيد خاني (majidkhani.politics@gmail.com)
نُقحت هذه النسخة في آبان ۹۳، وآمل أن أقدّم في المستقبل، إذا تعلمت من الأستاذ نقطة جديدة في هذا المجال، نسخة منقحة جديدة إلى المهتمين.
² Speaking
³ comprehension
⁴ نظرا إلى أن هذه الدروس عُقدت قبل أكثر من عشرين عاما، فإن المترجمين المذكورين كانوا من المترجمين المعروفين ومن الطراز الأول في ذلك الوقت. وقد ظهر في السنوات الأخيرة مترجمون جدد في هذا المجال، ولا أعرف رأي الأستاذ فيهم. كما أن المترجمين المذكورين يعملون في مجالات الدراسة التي يهتم بها الأستاذ، أي الفلسفة والأدب؛ أما المهتمون بتخصصات أخرى فعليهم سؤال المتخصصين في مجالاتهم عن هذا الأمر.
⁵ oxford
⁶ webster
⁷ Random house
الأدب
الفلسفة
العلوم السياسية
الأدب
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
با سلام و تبریک سال نو. عذر می خوام من این مطلب رو چند باری مطالعه کردم اما در یافتن منابع مورد نظر توفیق نداشتم. می خواستم بدونم شمابه نحوی می تونید به من کمک کنید؟ اگر ممکن باشه که این منابع رو داشته باشم ممنون می شم.