ليست أزمة المناخ مجرد قضية بيئية؛ فالأنماط السائدة للذكورة قد تؤثر أيضا في طبيعة علاقتنا بالطبيعة والاستهلاك واستغلال الحيوانات. ومن منظور نسوي بيئي، يتساءل ستيفن بوريل وكاسي بيدرسن كيف يمكن لإعادة التفكير في الذكورة وتعزيز أخلاقيات الرعاية أن يشكلا جزءا من الاستجابة لأزمة المناخ.

انتهى مؤتمر كوب ۲۹ أيضا نهاية مخيبة للآمال نسبيا. ويستحق دور الذكورة في الإضرار بالطبيعة مزيدا من البحث.

الآن، بعد اختتام مؤتمر كوب ۱۶ للتنوع البيولوجي ومؤتمر كوب ۲۹ لتغير المناخ، بات أمر واضحا تماما—وهي حقيقة تقفز إلى العين أيضا في صورة قادة العالم—وهو أن هذه الاجتماعات الحيوية لا تزال خاضعة لهيمنة الرجال.
وهذا أمر مهم. ليس فقط لأننا نحتاج إلى أصوات النساء وتجاربهن في اتخاذ القرارات المتعلقة بالاحترار العالمي، بل أيضا لأن هؤلاء القادة، ومعظمهم من الرجال، لم يستطيعوا حتى اليوم، أو لم يرغبوا، في إيجاد حل لهذه الأزمة المناخية المتفاقمة.

. الكوارث «الطبيعية» تلحق بالنساء أضرارا أكبر. (الصورة: غيتي إيمجز)
تظهر إعادة انتخاب ترامب في الولايات المتحدة كيف يتباهى بعض السياسيين «السلطويين» (مستخدمين الخطاب الذكوري نفسه) بلامبالاتهم تجاه تغير المناخ.
ولعل التعبير الأقصى عن ذلك يتجلى في الشعار الذي يردده ترامب باستمرار: «احفروا يا أعزائي! احفروا!»
وفي الوقت نفسه، تكشف مؤتمرات كوب أيضا عن إغفال صناع السياسات لدور تدمير البيئة في تفاقم أوجه عدم المساواة الجندرية والاجتماعية—وإن كانت هذه القضايا قد بدأت تحظى بشيء من الاهتمام.
لقد حان الوقت لكي لا نكتفي بمجرد القول إن «الكوارث "الطبيعية” تلحق بالنساء أضرارا أكبر،» بل علينا أن نسأل: ما الدور الذي أداه الرجال في الاحترار العالمي، وما الدور الذي يمكنهم أن يؤدوه؟
الإخضاع والصيد وأكل اللحوم
تشهد أدلة كثيرة بأن الرجال أكثر ميلا إلى السلوكيات المدمرة للبيئة، ومن ذلك أن نصيب الفرد من انبعاثات الكربون لديهم أعلى عادة من نظيره لدى النساء.
ولا يزال «إخضاع» الطبيعة، من قيادة السيارات السريعة إلى صيد الحيوانات، يعد وسيلة لإثبات «الذكورة».
لذلك، إذا أردنا الوصول إلى جذور أزمتي المناخ والتنوع البيولوجي، فعلينا أن نفكر جديا في الدور الكبير الذي تؤديه التصورات السائدة عن «أن تكون رجلا» في تفاقم هاتين الأزمتين.
ولا يزال الاهتمام بالبيئة في نظر كثيرين علامة على الضعف، ولا ينسجم مع الصورة الذكورية التقليدية القائمة على القوة والاعتماد على الذات.
ولا تزال تصورات قوية عن الذكورة راسخة في الأذهان، تصورات تقمع العاطفة والهشاشة. مع أننا نحتاج إلى هذين الأمرين تحديدا لكي نفهم الترابط بين أشكال الحياة كلها، والحاجة الملحة إلى عمل جماعي.
وبالنسبة إلى كثيرين، أن تكون «رجلا حقيقيا» يعني أن تنفصل عن مشاعرك—تلك المشاعر التي تنسب عادة إلى الأنوثة والطبيعة.

. تكشف أزمتا المناخ والتنوع البيولوجي أن البشر جميعا هشون ومعرضون للخطر. (الصورة: غيتي إيمجز)
وهذا يعني إنكار هشاشتنا نحن، في اللحظة نفسها التي أصبحت فيها الكارثة التي أحدثتها أزمة المناخ على مقربة منا.
الترابط الوثيق بين الأضرار الجندرية
لقد أوضح أنصار النسوية البيئية أن طرائق التفكير الأبوية هذه تقوم على تراتبية تضع الثقافة فوق الطبيعة، والإنسان فوق الحيوان، والعقل فوق العاطفة، والذهن فوق الجسد، والذكورة فوق الأنوثة.
وبفعل هذا النمط من التفكير، ينظر إلى العالم الطبيعي بوصفه مخزونا من الموارد التي نعد استغلالها واستخراجها بلا انقطاع حقا مسلما لنا، لأننا نعتقد أن الإنسان منفصل عن الطبيعة ومتفوق عليها.
ويمكن رؤية ذلك في ممارسات مثل أكل اللحوم، الذي كثيرا ما يعد رمزا للقوة والفحولة الذكورية. فالرجال أقل ميلا إلى اتباع الحميات النباتية أو النباتية الصرفة، ومن يفعل ذلك منهم كثيرا ما يتعرض للسخرية ويوصم بأنه «مخنث» أو «فتى الصويا».
وتعد صناعات اللحوم ومنتجات الألبان من أبرز المتهمين في أزمة المناخ، وهي في الوقت نفسه تلحق معاناة جسيمة بالحيوانات التي تولد للاستغلال ثم للذبح في نهاية المطاف.
وبصفتنا باحثين في علم الجريمة، ينبغي لنا أن نعد هذه السلوكيات المدمرة تجاه الحيوانات والبيئة أضرارا أيضا، وأن نفهم في الوقت نفسه كيف تتشابك مع غيرها من الأضرار الجندرية. فعلى سبيل المثال، ثمة أدلة على ازدياد العنف القائم على النوع الاجتماعي في المناطق المجاورة للمسالخ. كما أن إساءة معاملة الحيوانات كثيرا ما تكون حاضرة أيضا في العنف المنزلي. وليست هذه سوى أمثلة قليلة من أمثلة كثيرة تبين أن العيش بانسجام على هذا الكوكب لا يستقيم مع الضغوط والتوقعات الجندرية التي يفرضها المجتمع.
ومهما كان قبول ذلك صعبا ومخيفا، فإن أزمتي المناخ والتنوع البيولوجي تذكراننا بحقيقة أن البشر جميعا هشون ومعرضون للخطر أمام الطبيعة—وبالطبع، معتمدون عليها.
طريق أكثر إشراقا نحو المستقبل
ينبغي لهذه الأزمات أن تدفعنا إلى إعادة تصور حياتنا والعثور على طرائق جديدة للعيش. وينبغي ألا ننظر إلى هذه الأزمات بوصفها خسارة فحسب، بل أن نراها أيضا سبلا بناءة تفتح أمام الفتيان والرجال.

. ما الدور الذي أداه الرجال في الاحترار العالمي، وما الدور الذي يمكنهم أن يؤدوه؟ (الصورة: غيتي إيمجز)
إن فهم هذا الاعتماد المتبادل وبناء روابط وثيقة مع الحيوانات الأخرى والطبيعة يجعلنا أكثر تجذرا في هذا العالم ويعمق صلتنا به. وقد أدركت الشعوب الأصلية هذه الحقيقة منذ قرون. ويمكن لمثل هذه الصلة أن تتيح سبيلا للخروج من الوحدة والعزلة والحيرة التي يعيشها كثير من الفتيان والرجال.
وتشير أدلة كثيرة إلى الأثر الإيجابي للقرب من الطبيعة في صحتنا ورفاهنا، وهو ما يعزز بدوره الاهتمام بالبيئة. وينبغي أن نرسخ الصلة بالطبيعة بصورة أعمق في حياتنا اليومية (بما في ذلك المدارس، والعمل مع الرجال والفتيان) وأن نجعلها جزءا منها.
إن الاهتمام ببيئتنا المحلية وبالحيوانات الأخرى ورعايتها يمكن أن يحيي فينا الشعور بالانتماء إلى المجتمع. وفي زمن يشعر فيه كثير منا بالعجز أمام أزمات متعددة، يمكن لهذا أن يمنحنا القدرة على الفعل.
لكن لكي نفعل ذلك، علينا أن ندرك أن جزءا من الحل يكمن في التحرر من التوقعات الجندرية الصارمة التي أوصلتنا إلى هذا الوضع—ومن بينها الاعتقاد بأن الإنسان «متفوق» على سائر الكائنات الحية.
وتبين خيبات الأمل الناجمة عن مؤتمرات كوب الأخيرة أنه لا ينبغي لنا أن نبقى مكتوفي الأيدي في انتظار تحرك القادة السياسيين. علينا أن نبادر بأنفسنا؛ وأن نبدأ التغيير في حياتنا ومجتمعاتنا، وأن نعمل في الوقت نفسه من أجل تحولات اجتماعية أعمق.
المصدر:
It’s time to recognise the role masculinity is playing in the climate crisis
مصادر لمزيد من القراءة حول ظهور أشكال جديدة من الذكورة وصلات النوع الاجتماعي بالحيوانات والبيئة:
Taylor, Chloë, ed. The Routledge companion to gender and animals. Routledge, 2024
Burrell, Stephen, et al. Gendering green criminology. Policy Press, 2023.
Hultman, Martin, and Paul M. Pulé. Ecological masculinities: Theoretical foundations and practical guidance. Routledge, 2018.
MacGregor, Sherilyn, ed. Routledge handbook of gender and environment. Taylor & Francis, 2017.
الدين
البيئة
العلوم الاقتصادية
علم الاجتماع
البيئة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.