اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن كتاب «مقذوفات الفلسفة» لمحمد مهدي أردبيلي نموذج بارز لجنس المقالة الشخصية (Essay) حيث يعبّر الكاتب، إلى جانب معتقداته، عن مشاعره ورغباته. وتناول في الندوة خصائص هذا الجنس الأدبي وأهمية الصدق في طرح المسلّمات والإيجاز.

ليس التأليف والكتابة لعرض الآراء ووجهات النظر أمراً شائعاً بين المثقفين والأكاديميين في فروع العلوم الإنسانية في إيران، وثمة قلة قليلة من الشخصيات تُقدم على مخاطرة الكتابة وتشارك القراء أفكارها. الميْل العام ينصبّ على الترجمة، وحتى حين يريد كاتبٌ ما التعبير عن خلاصة تأملاته، يبدو مضطراً إلى إسنادها إلى آراء ووجهات نظر مفكرين من بلدان أخرى. والأقل من ذلك شيوعاً، هو عدم اكتراث أهل الفكر في إيران بمؤلفات بعضهم البعض. فنحن عادةً لا نقرأ أعمال بعضنا ولا نلقي لها بالاً. وهذا الأمر يؤدي إلى عدم تداول الكتابات والمؤلفات في الفضاء العام لأهل الثقافة والفكر المعنيين، وعدم خضوعها للنقاش والحوار. والحديث الحالي لمصطفى ملكيان عن كتاب «مقذوفات الفلسفة» لمحمد مهدي أردبيلي، يكتسب أهمية ويستحق الاهتمام من هذه الناحية. فمحمد مهدي أردبيلي، الباحث والمترجم الفلسفي المعروف، يقدم في هذا الكتاب الواقع في 110 صفحات، مقالاتٍ في مجال الفلسفة وقضايا ثقافية راهنة والسياسة والمجتمع، وهي نصوص يسميها هو نفسه «مقذوفات» الفلسفة، مقذوفاتٌ نتائجها غير قابلة للتنبؤ وهي بمثابة نوع من المقامرة. أما من وجهة نظر ملكيان، فإن هذه النصوص هي مقالات (جستار)، نوع من إبداء الرأي يحضر فيه الكاتب حضوراً بارزاً وجاداً بكل مشاعره وعواطفه ورغباته، ويعرض من خلالها نتاج فكره. يوم الأربعاء 12 خرداد، أقامت دار نشر ققنوس، بحضور زهره حسين زادكان وآريان شبكرد، جلسةً بمناسبة إعادة طبع كتاب مقذوفات الفلسفة. وفي هذه الجلسة، أشار مصطفى ملكيان إلى أهمية كتاب مقذوفات الفلسفة، ثم عرض آراءه حول مفهوم المثقف، وطرح في النهاية نقاشاً حول الجبرية. ما تقرؤونه هو رواية للأسئلة والأجوبة التي طُرحت في هذه الجلسة.
في ساحة الثقافة والفلسفة في بلدنا، يُعتبر كتاب مقذوفات الفلسفة لمحمد مهدي أردبيلي كتاباً مهماً. يمكن تصنيف هذا الكتاب ضمن جنس «المقالة» (essay)، أي استمراراً لتقليدٍ يمكن إرجاع نسبه إلى ميشيل دو مونتين، الفيلسوف الفرنسي الشهير في القرن السادس عشر. واستنباطي منذ زمن مونتين وحتى الآن هو أنني أُطلق على الكتابة التي تتسم بثلاث خصائص اسم «المقالة»:
1- كل كاتب، عبر الكتابة في أي حقل معرفي، سواء كان الفلسفة أو العلوم التجريبية الطبيعية أو العلوم التجريبية الإنسانية أو العلوم التاريخية أو العلوم العرفانية... إلخ، في قالب مقال أو رسالة أو كتاب... إلخ، وكل متحدث في أي حقل معرفي في قالب تدريس أو محاضرة أو حوار... إلخ، يعبّر عن تصوره الخاص للعالم أو لجزء منه. لكن ادعاءه هو أن تصوري للعالم أو لجزء منه مطابق للواقع أيضاً. أما في المقالة، فيشدد الكاتب على أنه يعتبر ما كتبه «تصوراً» عن العالم الواقع. بعبارة أخرى، كل الكتابات والأقوال هي تصور الكاتب أو المتحدث عن العالم الواقع، لكننا نعتقد في الكتابات غير المقالية أن هذا التصور هو تصور عن العالم الواقع لكنه مطابق له، بينما في المقالة يشدد الكاتب نفسه على أنه يعبّر فقط عن تصوره عن العالم الواقع وليس لديه ادعاء يتجاوز ذلك. ومن هذا المنظور، فإن المقالة هي أكثر أنواع الكتابة تواضعاً، بل هي أكثرها واقعية. وأعظم جوانب واقعيتها هو أنها تشدد على أنني أعلم أنني أعبر عن تصوري عن العالم الواقع وليس لدي ادعاء يتجاوز التصور.
2- في المقالات لا تُعرَض معتقدات الكاتب فحسب، بل إلى جانب المعتقدات تُعرَض أيضًا مشاعره وعواطفه وإرادته وغاياته ورغباته ومُثُله ومعاييره. بينما في سائر أنماط الكتابة غير المقالية، يُفترض أن الكتّاب يعبّرون عن معتقداتهم فقط، أي أنهم لا يُطلعوننا إلا على بُعدهم العقائدي-المعرفي، أما في المقال فإن البُعدين الثاني (المشاعر) والثالث (الرغبات) من الوجود الإنساني يُعبَّر عنهما أيضًا بشكل موازٍ تمامًا وبصورة متشابكة ومتداخلة مع المعتقدات. 3- في الكتابات غير المقالية يُتوقَّع من الكاتب ألا يعبّر عن النتاج الفكري فحسب، بل أن يعبّر أيضًا عن عملية الوصول إلى ذلك الفكر، أي أن يقول بأية أدلة ولماذا توصلت إلى هذه النتيجة، كأن أقول مثلاً "أ هي ب"، وبأي دليل أو أدلة أرفض القول المخالف. بعبارة أخرى، في غير المقال يُتوقَّع من الكاتب أن يعبّر عن استدلالاته. أما في المقال فيُقدَّم نتاج فكر الكاتب فقط، ولا يُعبَّر عن الدهاليز التي اجتازها، ولا عن المنعرجات التي مر بها، ولا عما رفضه وما قبله. يمتلك كتاب «مقذوفات الفلسفة» الخصائص الثلاث المذكورة أعلاه، لذا ينبغي القول إنه كُتب ضمن جنس المقال.
تكمن الأهمية الأولى لهذا الكتاب في أنه، ضمن جنس المقال، يتفوق تفوقًا كبيرًا على سائر الأعمال التي كُتبت سابقًا في هذا الجنس، ولا يُقارن بها أصلًا من هذه الناحية. وسبب آخر لأهمية هذا الكتاب هو أن الدكتور أردبيلي يؤدي فيه دَينه لا لهيغل وحده، بل إنه لم يُخفِ أبدًا كونه يتنفس في فضاء هيغلي. وهذا الأمر قيّم من جهتین: الأولى أن أداء الدَين والإقرار بالمديونية عمل قيّم وأخلاقي، والثانية أن المخاطبين الذين يخالفون هيغل يعرفون منذ البداية أنهم لن يجدوا في هذا الكتاب شيئًا يخالف طباعهم، ويعرفون أن عليهم أن يدخلوا الفضاء الهيغلي كي يتمكنوا من الاستفادة أكثر من هذا الكتاب. بعبارة أخرى، يعرف القارئ أن للكاتب في هذا الكتاب مسلّمات هيغلية. وعدم إخفاء المسلّمات أمر مهم. أما السبب الثالث لأهمية الكتاب فهو مواقفه الإبستمولوجية والميتافيزيقية والأكسيولوجية، وهذه المواقف مقبولة من وجهة نظري، بل إنها عُرضت بشكل جيد ومؤثر أيضًا. صحيح أنه لم يُستدل لها كثيرًا، لكنها أُوحيت بطريقة قابلة للتصديق. السبب الرابع لأهمية الكتاب هو اختصاره وإيجازه. للأسف، تعاني الكتب المؤلَّفة في إيران عادةً من الإطناب والإسهاب. لو أراد الدكتور أردبيلي الإسهاب لأمكن أن يبلغ هذا الكتاب ألف صفحة، لكنه عبّر عن المطلب في غاية الإيجاز، لا الإيجاز المُخِلّ، وانتبه إلى أن هذا الكتاب يقرؤه قارئ لا تفيده تلك الإطنابات أبدًا، بل ستكون مدعاة للملل قطعًا. لقد عرف قدر السطور حقًا ولم يقل كلامًا زائدًا عن الحد.
أن أتكلم بكلام تجريدي أولًا ليعرف المخاطب في أي فضاء أنا، ثم أصل إلى كلام ملموس، هو أسلوب يمكن الدفاع عنه. لكن المسألة هي أن الكتاب الحالي يفترض لدى القارئ سلسلة من المعلومات المسبقة، أي أنه حتى حين يتحدث عن الطعام أو المسائل التاريخية، لا يمكن الاستفادة منه دون أية خلفية فلسفية. لكن نسبيًا، كلما اقتربنا من بداية الكتاب إلى نهايته، صار أيسر فهمًا وأسهل منالًا، وهو ما أراه عملًا صائبًا أيضًا.
أُجيب في ثلاثة أجزاء؛ أولاً فيما يتعلق بالأُسس الفلسفية التي ندرك من خلالها علاقة النص بماتنه (مؤلّف النص) ونسبته إليه. يلتفت الدكتور أردبيلي إلى نقطتين أوافقه عليهما كل الموافقة، ويستنتج منهما أن كلامه في باب علاقة المكتوب بالكاتب ونسبته إليه صحيح. النقطة الأولى هي الضرورة الحاكمة على الكون بأَسره، أي أن العالم عالم ضرورة ونحن نظن أنه عالم إمكانات. كل شيء ضروري، ما حدث كان ينبغي أن يحدث، وما يحدث ينبغي أن يحدث، وما سيحدث في المستقبل ينبغي أن يحدث. لكننا نتوهم أن ما حدث كان يمكن أن يحدث على نحو آخر... والنقطة الثانية الموجودة في فكر هيغل ويؤكدها الدكتور أردبيلي هي أننا أجزاء، نحن من جهة لا شيء، ومن جهة أخرى فإن الكل موجود فينا بشكل مندمج وكبسولة. وهيغل في هذه النقطة متأثر تماماً باسبينوزا. بعبارة أخرى، إن الكون كله قد تضافرت أسبابه في سبيل ظهور كتاب مثلاً.
النقطة الثانية تتعلق بتعبير "القذف" في عنوان الكتاب. مراد المؤلف من تعبير القذف هو أن مصير المكتوب بعد كتابته لا يعود بيد أحد، حتى المؤلف نفسه. لذلك صحيح أن المؤلف هو الذي يحدد إلى حد ما "ماذا أكتب؟" و"لمن أكتب؟" و"لماذا أكتب؟" و"كيف أكتب؟"، لكن هذا الحد معين، وما يتجاوزه ليس بيده. الوجود هو الذي يحدد مَن هم مخاطبو المكتوب. بل أبعد من ذلك، حين يصل المكتوب إلى أيدي الناس، لا يقرؤه كل أحد، ومن يقرؤه لا يفهمه كلهم، ومن يفهمه لا يقبله كلهم، ومن يقبله لا يلتزم به كلهم طوال حياتهم. هذه المراحل الأربع مهمة جداً، وعليه فإن مقولة "المقذوفية" صحيحة تماماً.
النقطة الثالثة هي أن الكون قد أعطى المؤلف ما أعطاه مجاناً، ولم تكن للمؤلف أي أهلية سابقة. كما أن ما لم يعطه إياه لم يكن مسبوقاً بانعدام أهلية سابقة، لذلك لا يستطيع المؤلف أن ينسب الكتاب إلى نفسه فحسب.
قبل حوالي 21 عاماً كتبت مقالاً بعنوان: "تقرير الحقيقة وتقليل المرارة: الوجوه التراجيدية للحياة الفكرية"، يمكن اعتبار ذلك المقال مانيفستو حياتي. منذ ذلك الحين وأنا دائمًا موضع تأنيب ومخالفة واعتراض من سائر الأصدقاء والمثقفين وبعض الناشطين السياسيين. وقبل نحو شهر أجريت حواراً في هذا الشأن مع أستاذي وصديقي العزيز الدكتور سروش. كنت قد طرحت في عام 1379 هذه النقطة، وهي أن على المثقف تجاه المجتمع العالمي أو تجاه مجتمعه واجبين: الأول أن يشارك بني جنسه "الحقيقة" التي تلقاها، أي ما يعتقد أنه "حقيقة". إذا تلقى المثقف شيئاً من الوجود وبدا له أنه الحقيقة، فليشاركه مع بني جنسه. هذا العمل هو تقرير الحقيقة. والعمل الثاني هو تقليل المرارة، أي التخفيف من ألم الناس ومعاناتهم. على المثقف أن يخفف من ألم الناس ومعاناتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ولو بمقدار ضئيل.
ما دام هذان الواجبان متساوقين فلا إشكال، لكن ماذا نفعل حين لا يتساوقان؟ بعبارة أخرى، إذا نشب نزاع بين تقرير الحقيقة وتقليل المرارة، فماذا على المثقف أن يفعل؟ أي حين يؤدي تقرير الحقيقة إلى زيادة ألم الآخرين ومعاناتهم، أو حين يستلزم تقليل المرارة كتمان الحقيقة، ماذا ينبغي فعله؟ لبيان رأيي في المقال المذكور مررت بثلاث مراحل. أولاً عرضت أدلة الفريقين، أي أدلة القائلين بتقديم تقرير الحقيقة وأدلة القائلين بتقديم تقليل المرارة، وخلصت إلى أن أدلة الفريقين متكافئة في نظري، ولا يستطيع أي من الفريقين إخراج الآخر من الميدان، وأدلة كل منهما متساوية في القوة أو الضعف، ونتيجة لذلك لا يمكن بالاستدلال الفلسفي ترجيح أحد القولين على الآخر وإخراجه من الميدان. في المرحلة الثانية كتبت أنه ما دمنا لا نستطيع ترجيح أحدهما على الآخر بالمنهج الاستنتاجي والاستدلال الفلسفي، فعلينا أن نرجع إلى حدسنا ونرى أيهما ينبغي ترجيحه على الآخر. حيث يغيب الاستدلال الفلسفي، لا مناص من الرجوع إلى حدسنا. وفي المرحلة الثالثة والأخيرة كتبت أن حدسي الشخصي يقول إن تقرير الحقيقة مُقدَّم على تقليل المرارة. علينا أن نقول الحقيقة حتى لو زادت معاناة الناس.
بطبيعة الحال، أعتقد أننا إذا قلنا الحقيقة في موضع ما وزاد ألم الناس ومعاناتهم، فإن هناك من جهة أخرى سُبلاً لمصالحة الناس مع هذه الحقيقة المُرّة ومساعدتهم على التعايش معها، ويمكننا أن نضع هذه السُبل بين يدي أبناء جنسنا ونقول لهم: هذه هي الحقيقة، وهي مُرّة، وفي رأيي أن كل حقيقة تقريبًا مُرّة. لا ينبغي للنائب أن يكون ناطقًا بلسان الناس، ولا ينبغي له أن يقول إن كل ما يقوله الناس صواب، وإن كل موقف يتخذونه صحيح. كنت قد كتبت في المقال المذكور أن على المثقف أن يكون حَكَمًا على الناس أيضًا، أي أن يقول لهم مثلاً: إنكم لستم على حق في هذه المسألة. وهذا لا يعني الدفاع عن النظام السياسي الحاكم في المجتمع، بل قوله يعني أن الناس هنا، لأنهم أخطأوا ثقافيًا، صارت ثمرة سياستهم بهذا القدر من العفونة والفساد والتسميم والضرر. السياسة والنظام السياسي هما ثمرة شجرة ثقافة المجتمع. إذا كانت شجرة ثقافة المجتمع غير سليمة، فثمرة سياسته ستكون عفنة وفاسدة ومُسَمِّمة وسامّة. لذلك، لا ينبغي للمثقف أن يعتبر نفسه ناطقًا بلسان الناس، بل هو حَكَمٌ عليهم. حيثما كان الحق مع الناس، يقول لهم: الحق معكم، وحيثما لم يكن الحق معهم، يقول لهم صراحةً وبسرعة: لستم على حق. المثقف ليس وكيلاً عن الناس، بل هو حَكَمٌ عليهم. حيثما تتعارض رغبات الناس مع احتياجاتهم، عليه أن ينحاز إلى جانب احتياجاتهم ويُريهم أن رغباتهم تتعارض مع احتياجاتهم.
وكما أن المثقف الحكومي لا يمكن الدفاع عنه، فإن المثقف الشعبي لا يمكن الدفاع عنه أيضًا. على المثقف أن يكون تابعًا للحقيقة. حيثما كانت الحقيقة في جانب الناس، يجب أن يقف إلى جانبهم، لا لكونهم الناس، بل لأنهم يقولون الحقيقة، وحيثما لا يقول الناس الحقيقة ويقعون في براثن الخطأ والهذيان والوهم والحكم المسبق والجمود والتعصب والتفكير القائم على الأماني والخرافة والهروب من الاستدلال، فلا ينبغي له أن ينحاز إليهم. لأن مثال الحقيقة هو ما يهم المثقف. ومن هذه الناحية، بطبيعة الحال، المثقف ليس منحازًا للشعب، لكن ليس بمعنى أنه ضد الشعب، بل هو منحاز للحقيقة، وحيثما يقول الناس الحقيقة، يكون خادمًا لهم، وحيثما لا يقولونها، فإن خدمته لهم هي أن ينبههم ويقول لهم إنكم هنا
لستم على حق. ومن هذا المنطلق، أُقر تمامًا آراء السيد أردبيلي. لا ينبغي للمثقف أن يكون شعبيًا ولا حكوميًا. إنه عاشق للناس، لكن الفرد العاشق، أيًا كان معشوقه، عندما تتعارض احتياجاته مع رغباته، يجب أن يُرجّح احتياجاته.
غالبية المفكرين على مر التاريخ، سواء أكانوا فلاسفة أم متكلمين أم مفكرين ذوي نزعة عرفانية أم علماء في العلوم الإنسانية التجريبية كعلم النفس، في مواجهتهم لهذا السؤال، كانوا يسعون لتقديم إجابة لا ينتج عنها الجبرية، ولا تُسفر عن حتمية العلاقة العلية-المعلولية وتعين المعلولات بعللها عن جبر في العالم الإنساني، لأنهم لو قالوا بالجبر لما بُني حجر على حجر. أنا، من باب الصدفة، أقول بالجبرية، لذا أعتقد أنه إما أن تُنكر مبدأ العلية، أو أن تُذعن للجبرية في العالم الإنساني. لكن الجبرية التي أقول بها هي الجبرية السبينوزية، التي توجد، بقدر ما أعرف، لدى هيغل أيضًا إلى حد ما. أنا أقول بالجبرية السبينوزية، غير أن الجبرية السبينوزية لا تُعطل الأخلاق، ولا التربية والتعليم، ولا القانون، وبالتالي العقاب والثواب القانونيين. سبب قبولي للجبرية السبينوزية هو أنني أقول بتعين المعلول بعلته، أي عدم تخلف المعلول عن العلة، وباختصار، ضرورة مبدأ العلية، ولا أنكر ذلك، وأرى أن كل المحاولات التي بُذلت للتوفيق بين حرية الإنسان وضرورة العلاقة العلية-المعلولية باءت بالفشل. إذن، قبول مبدأ العلية يعني قبول الجبرية السبينوزية. وأُؤكد أنه لا شيء من التوالي الفاسدة التي تُعدّ عادةً للجبرية يرد على الجبرية السبينوزية، وهذه الجبرية (السبينوزية) تُبقينا ملتزمين تمامًا بالأخلاق والتربية والتعليم والحقوق والقانون والعقوبات المترتبة على عدم مراعاة القانون.
تفصیل البحث يتطلب مجالاً آخر، وهنا أعرض وجهة نظري باقتضاب فحسب. ينبغي أولاً التمييز بين الفعل والإرادة والرغبة والرغبة في الرغبة. فكون كل واحد من هذه الأربعة جبرياً أو لا يختلف عن الآخر. نقاشي بالطبع يدور حول الفعل، لكن ما أقوله ينطبق أيضاً على الحالات الثلاث الأخرى (الإرادة، الرغبة، والرغبة في الرغبة). عندما نقول إن فعل فاعلٍ ما قد وقع جبراً، فمعنى ذلك أنه لكي يقع هذا الفعل، ينبغي أن تتضافر مثلاً مئة عامل، وإذا تضافرت هذه المئة عامل، فإن هذا الفعل يقع جبراً. أما إذا انتفى واحد فقط من هذه المئة، فلا وجود للجبر في وقوع هذا الفعل. والتوصيات الأخلاقية للمعلمين ووالدي الفاعل هي أيضاً جزء من هذه العوامل. إذن، التربية مؤثرة في وقوع الفعل، وبنفس الطريقة فإن القوانين الحقوقية مؤثرة أيضاً في وقوع الفعل. وللتوضيح، أستعين بمثال غاندي. عندما تلدغ عقربٌ إنساناً، فإن هذه اللدغة هي من مقتضى الطبيعة، ولم تفعلها بدافع الغضب أو الحقد أو عن إرادة. لكن هذا لا يعني ألا نمنعها من تكرار هذا الفعل. وهذا الأمر ينطبق على الإنسان أيضاً. لذلك، أعتقد أن الجبرية التي قال بها سبينوزا لا تعطّل الأخلاق والتعليم والتربية والحقوق والعقاب القانوني، ومع ذلك فهي قابلة للدفاع عنها فلسفياً لأنها تقبل الضرورة العلّية – المعلولية. ما لم نرفض الضرورة العلّية – المعلولية، أو نفعل ما فعله كانط، وهو في رأيي غير موفق. كان كانط يقول وكأن هذه الضرورة العلّية – المعلولية غير موجودة في ناحية الروح، وموجودة في المادة والماديات. كان يعتقد أن في الروح نوعاً من الحرية. في رأيي، هذا الطريق غير موفق تماماً.
في الختام، أوصي بقراءة كتاب «مقذوفات الفلسفة» لأني أعتقد أن فيه الكثير من الأمور المثيرة للتأمل. هذا كتاب يدفع الإنسان إلى التفكير. بالطبع، قد لا نتفق مع ما طرحه المؤلف، كما أنني أخالف السيد أردبيلي في بعض المواضع، لكني في الوقت نفسه أراه مثيراً للتأمل. بمعنى أنه يدفع القارئ إلى التفكير والتأمل، ويسأله كيف يفكر بشأن هذه الموضوعات. الكتب المثيرة للتأمل هي كتب مغتنمة، وهذا الكتاب بإنصاف هو أحد هذه الأعمال التي قرأتها في هذه السنوات الأخيرة.
منذ زمن مونتيني وحتى الآن، أسمي الكتابة التي تتسم بثلاث خصائص بالمقالة (جستار): 1- في المقالة، يؤكد المؤلف أنه يعبر فقط عن تصوره للعالم الواقعي، وليس لديه ادعاء يتجاوز ذلك. 2- في المقالات، لا تُعرض معتقدات المؤلف فحسب، بل إلى جانب المعتقدات، تُعرض أيضاً مشاعره وعواطفه وإرادته وهدفه ورغبته ومثله العليا ومعاييره. 3- في المقالة، يُقدم فقط نتاج فكر المؤلف، ولا يُعرض ما اجتازه من دهاليز، وما مر به من صعود وهبوط، وما قام به من رفض وقبول.
أنا أؤمن بالجبرية السبينوزية، لكن الجبرية السبينوزية لا تعطل الأخلاق، ولا التعليم والتربية والحقوق، وبالتالي العقاب والثواب القانونيين. سبب قبولي للجبرية السبينوزية هو قبول مبدأ العلية. لا يرد أي من التوالي الفاسدة التي تُساق عادة للجبرية على الجبرية السبينوزية، وهذه الجبرية (السبينوزية) تبقينا ملتزمين تماماً بالأخلاق والتعليم والتربية والحقوق والقانون والعقوبات الناجمة عن عدم مراعاة القانون.
.
.
المضيفان: زهرة حسين زادكان وآريان شبگرد
بهمة نشر ققنوس
تاريخ الجلسة: 12 خرداد 1400
مصدر التقرير نصاً: محسن آزموده / منشور في روزنامه اعتماد عدد 4945 - الإثنين 17 خرداد 1400 / قناة تلغرام زمانهٔ برخورد
مشاهدة الفيديو على يوتيوب | آپارات
الاستماع على أنكور | كاست بوكس
تحميل الصوت عبر رابط مباشر | على تلغرام
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
با سلام جناب استاد ملکیان عزیز ، به نظر من این سخن جناب دکتر اردبیلی ، که روشنفکر در مقام داور ،، نه مردمی است و نه دولتی ، در شرایط حال حاضر ایران امکان پذیر نیست . گرچه من سخن جناب دکتر اردبیلی را کاملا منطقی و عقلانی می دانم و با سخن ایشان همدل هستم . چرا که عملکرد برخی از روشنفکران حال حاضر در انتخابات ریاست جمهوری گذشته نشان داد که روشنفکر ایرانی" مردمی نیست" ولی" دولتی است" . حمایت از دولتی که این دولت نه تنها دولت( تدبیر و امید) نبود ، بلکه دولت بی تدبیری و ناامیدی بود . حال پرسش این است ، که همه اساتید که از دولت آقای روحانی در دو دوره حمایت کردند ، چرا این اساتید محترم فلسفه ، که همیشه ندای عقل سر می دهند و مخالف تعبدورزی و تقلید هستند ،، در مقابل اشتباهات دولتِ گذشته سکوت کردند ؟! چرا همین اساتید به آقای روحانی ، اشتباهات دولتش را گوشزد نکردند؟ چرا همگی به نوعی در بهت و سکوت فرو رفتند؟ چرا در حوادث آبان ۹۸ در حالیکه خود آقای روحانی در خواب تشریف داشتند و جوان ها در کف خیابان ها پّرپّر می شدند، بیانه ایی صادر نکردند؟ و همچنین در مشکلات تورم و گرانی ها ، برخی از روشنفکران مهر سکوت بر لب نشاندند ؟ البته سکوت نیز نوعی کنش اجتماعی محسوب می شود، ولی از آنجائیکه جنابعالی در مقاله " تقریر حقیقت و تقلیل مرارت " بیان فرمودید : که روشنفکر نسبت به جامعه جهانی یا نسبت به جامعه خودش دو وظیفه دارد : یکی اینکه حقیقتی را که دریافت کرده ، یعنی آنچه را به گمانش(حقیقت) است با همنوعان خودش در میان بگذارد ،، این کار (تقریر حقیقت) است . حال پرسش من این است ؟ این همه حقیقتی که روشنفکر در طی ۸ سال گذشته دولت آقای روحانی دریافت کرده بود چرا قابلِ تقریر نبود ؟! چرا بسیاری از روشنفکران ، حتی به خودشان زحمت ندادند که بیانه ایی در رد حمایت از اشتباهات دولت آقای روحانی صادر کنند ؟ حتی به خودشان زحمت ندادند که از مردم یک عذرخواهی ساده کنند؟ به نظر من یکی از نقاط ضعف روشنفکری در ایران ، عدم یک عذرخواهی ساده از مردمی است که به سخنانِ روشنفکران خود اعتماد می کنند . جناب استاد ملکیان، من بر خلاف جنابعالی (حقیقت) را تلخ نمی دانم . به نظرم حقیقت از هر شیرینی ، شیرین تر است . شیرینی حقیقت به این است که هنگامیکه که آشکار می گردد ، تمام تخیلات و توهمات را به کناری می زند و خودش را عیان می کند . (حقیقت ) خودش آشکار کننده خودش است و شیرینی اش به همین دلیل است که خودش ، خودش را به ظهور می رساند . این “حقیقت” نیست که تلخ است , بلکه “حقیقت” خودش آینه ایی شفاف و روشن است که بازتاب کننده تلخی ها و شیرینی هاست. اینکه یک روشنفکر به زعم خودش( تقریر حقیقت) می کند شاید در نظرش تلخ باشد ولی هنگامیکه ،، حقیقت خودش ، خودش را آشکار کند ، شیرین نمایان می شود..
با سلام شنیدم که استاد ملکیان وارد بازی های سیاسی شده و کاندایی برای ریاست جمهوری معرفی کرده اند بنظرم شان ایشان اجل از اینگونه کارهاست چه خوب هست در زمینه علوم انسانی کام مشتاقان را سیراب فرمایند