اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن قراءة الأعمال العرفانية، دون الإيمان بأسسها النظرية، ضرورية للحياة الأخلاقية والنفسية. وكتاب «سحابة الجهل» هو أثر في العرفان العملي المسيحي يركز على «المراقبة» والتمييز بين المجاهدة والمشاهدة.

محسن آزموده: إن العرفان والتفكير والحياة العرفانية، في مختلف الأديان والطقوس، تدعو دوماً إلى حقيقة واحدة وإلى السكينة الداخلية والتنقية النفسية، وهي من هذا المنطلق تُشكّل في زمن الشدة سبيلاً لمواجهة المصائب والصعوبات. في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، في خضم هيمنة الكنيسة والحرب والتمييز الاجتماعي وانتشار وباء الطاعون المهلك، تحدث عارف مسيحي في مجموعة من الرسائل إلى صديقه عن غيوم الجهل والنسيان ودعا المريدين إلى المراقبة. وكانت حصيلة هذه الرسائل كتاباً بعنوان «غيوم الجهل» صدر حديثاً بترجمة صبا ثابتي عن دار ققنوس للنشر. تُرجم هذا الكتاب إلى لغات متعددة وكتب عنه العديد من المفسرين وأصحاب الرأي. يوم الخميس 16 تير (يوليو) قدّم مصطفى ملكيان، الباحث المعروف في الفلسفة والأخلاق، محاضرة حول هذا الكتاب نستعرض تقريراً عنها. مع الإشارة إلى أن ما يُطرح حول خصائص العرفان والفكر العرفاني وكيفية مواجهتنا المعاصرة لهما، يتعلق بجميع التقاليد العرفانية في شتى الأديان والطقوس، وبالتأكيد توجد آراء ووجهات نظر مختلفة حول الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها هذه المواجهة.
*********
إن أولئك الذين أحرزوا تقدماً في العرفان العالمي من وجهة نظره، خاصة على الصعيد العملي، كانوا ينفرون من الشهرة ومن أن يكونوا محط أنظار الناس. لذا ليس غريباً البتة أن مؤلف كتاب «غيوم الجهل»، الذي يُحتمل أنه كان أحد الرهبان المسيحيين رفيعي المقام، لم يسمح لأحد بأن يهتدي إلى هويته كمؤلف، ولا يزال مجهولاً بعد 600 عام من هو مؤلف هذا الكتاب والكتب الستة الأخرى.
ما الحاجة إلى قراءة الآثار العرفانية؟
لكن في مطلع القرن الحادي والعشرين وفي العصر الحديث، أو بتعبير آخر في عصر ما بعد الحداثة، ما الحاجة إلى قراءة الآثار العرفانية؟ الجواب الأول هو أنه على الرغم من أن أغلبيتنا على دراية بأفكار الحداثة وما بعد الحداثة ولدينا ألفة بها إلى حد ما، إلا أنه لا يزال هناك أناس في العالم يوافقون على جميع الأسس النظرية للعرفان ويستطيعون قراءة الكتب العرفانية بصفتها كتباً عرفانية، وينالون من المتعة ما كان يناله القراء في القرون الماضية. أما الجواب الثاني الأكثر أهمية فهو أنك حتى لو لم تقبل الأسس النظرية للكتب العرفانية، أي حتى لو لم تقبل بوجود الله أو لم تعتقد بالوصال الإلهي، وبتعبير المترجمة الاتحاد بالله والفناء في الله والبقاء بالله، فإن الكثير مما في الآثار العرفانية يصلح لبلوغ 6 مقاصد، أي للوصول إلى حياة طيبة بمعنى الحياة الأخلاقية، وحياة سعيدة بمعنى الحياة التي تقترن بأقل قدر ممكن من الألم والمعاناة من الناحية النفسية، حياة نتمتع فيها بالسلامة الأخلاقية ونستطيع فيها أن نتحمل المزيد من الألم والمعاناة وأن نقلل من إلحاق الألم والمعاناة بالآخرين. ومن هذا المنطلق، أعتقد جازماً أن على جميع العاملين في علم النفس والعلاج النفسي وحتى الطب النفسي، وجميع الناشطين في الإصلاح السياسي والاجتماعي لمجتمع ما، وجميع مثقفي المجتمع، أن يستفيدوا من هذا الكنز العرفاني الغني على الأقل من أجل المقصد الثاني (بلوغ الحياة السعيدة). إن الكتابين الحاليين الصادرين في مجلد واحد، حتى لو لم نقبل أياً من الأسس النظرية للعرفان بما فيها فرضياتهم الأساسية، يمكنهما أن يساعدانا في بلوغ واحد أو أكثر من المقاصد الستة المذكورة. لذلك، وعلى الرغم من معارضة الكثيرين، أؤكد عن وعي أننا بحاجة دائمة إلى قراءة الآثار العرفانية، لأن هذه الكتب ليست فقط لمن يريدون بلوغ الوصال الإلهي والفناء في الله والبقاء بالله أو النيرفانا، أو بتعبيرات أخرى موجودة في التقاليد العرفانية المختلفة، بل هي مفيدة أيضاً لمن يريدون أن يكونوا طيبين وسعداء.
في مجال العرفان العملي المسيحي
كتاب «سحابة الجهل» هو عمل في مجال العرفان المسيحي، لكنه يتناول بشكل أساسي العرفان العملي المسيحي. فالتعقيدات النظرية للعرفاء لا تنعكس في هذا الكتاب. ومن هذه الناحية، فهو أشبه بـ«المثنوي المعنوي» لمولانا منه بـ«فصوص الحكم» أو «الفتوحات المكية» لابن عربي. بعبارة بسيطة، يستفيد الإنسان من كتاب مولانا أكثر مما يستفيد من كتاب فصوص ابن عربي، لأن المباحث في الفصوص نظرية بحتة، أما في المثنوي فليس بالضرورة أن ينوي المرء أن يصبح عارفاً، بل لعله يريد ألا يكون حسوداً وأن يكون متواضعاً. وهكذا، يطغى الجانب العملي في هذا الكتاب على الجانب النظري ويسود عليه. وبالطبع، حتى في العرفان العملي، ينصب تركيز الكتاب على مفهوم «المراقبة» ويتناول الجوانب الأخرى من العرفان العملي بقدر أقل. تحتل «المراقبة» مركزية في العرفان العملي، سواء في العرفان العملي للأديان الشرقية كالبوذية والطاوية. يبدأ الكتاب بهذه العبارة: هذا الكتاب هو رسالة في باب المراقبة.
عيسى (ع) في مأدبة مرتا ومريم
ثمة قصة في إنجيل لوقا بهذا الشأن، مفادها أن عيسى (ع) دخل قرية ذات يوم، فدعته امرأة تدعى مرتا كانت تعيش مع أختها مريم إلى وليمة. قبل عيسى (ع) دعوتهما وذهب إلى بيتهما. جلست مريم إلى جانب عيسى (ع) وشخصت ببصرها إلى حركاته وسكناته وأصغت إلى كلامه. أما مرتا فانشغلت بتنظيف البيت والطبخ وخدمة الضيف وواجبات الضيافة. ولما تعبت مرتا، قالت لعيسى (ع): قل لأختي مريم أن تساعدني في الضيافة. فأجابها عيسى (ع) قائلاً: إن عمل مريم أفضل من عملك (يا مرتا). ننقل هذه الحكاية إلى سياق المسيحية. أولاً، في سياق المسيحية، عيسى (ع) ليس نبياً، بل هو الله الابن أو ابن الله، أي أحد الأقانيم الإلهية الثلاثة، أي هو الله الذي تجلى في صورة بشرية. وعليه، فإن هاتين الأختين، مرتا ومريم، كانتا في خدمة الله، ولم تحِدْ أي منهما عن خدمته، لكن في الوقت نفسه، اتجهت إحداهما (مرتا) نحو النشاط وخدمة عيسى (ع)، بينما الأخرى (مريم) كانت فقط تتأمله وتنظر إلى عيسى (ع) بلسان الحال والمقال. ويفضل عيسى (ع) هذه الثانية. ومنذ ذلك الحين، نشأ هذا المفهوم في عرفانات الأديان الغربية الثلاثة، مفاده أن الذين يريدون الوصول إلى الله أمامهم طريقان: طريق العمل أو الفعل (action) أو ما نسميه في أدبياتنا العرفانية المجاهدة، والمراقبة (contemplation) أو ما نسميه في أدبياتنا العرفانية المشاهدة. العارف النشيط مثل مرتا هو من أهل المجاهدة، ومريم من أهل المشاهدة. وبالطبع، كلتاهما تسلكان طريق الله وتريدان أن تكونا في خدمته.
أهل المراقبة أو أهل المشاهدة
هناك أناس ليسوا من أهل طاعة الله أصلاً، بل هم أهل عصيان ومعصية وذنب، وليس لديهم أي نية لاتباع الله وطاعته. يُطلق على هؤلاء عادة اسم الخطاة. أما الذين هم أهل طاعة، فهم صنفان: صنف يطيعون الله مع حفاظهم على حياتهم الاجتماعية، أي أن هدفهم الأوحد من هذه الحياة الاجتماعية هو الوصول إلى الله، وهؤلاء هم أهل المجاهدة والنشطاء (active)، أما الصنف الثاني فيعطلون الحياة الاجتماعية ويذهبون إلى الصومعة أو الدير أو الأشرم أو كهف أو غابة، ويبتعدون كلياً عن حياتهم الاجتماعية، ويشكلون في النهاية جماعة (community) فيما بينهم. فمثلاً، أهل الصومعة يعيشون معاً. أي أنهم، لكي يصلوا إلى الله، يديرون ظهورهم كلياً لمقتضيات الحياة الاجتماعية ويعيشون في نهاية المطاف في جماعة من رفاقهم وأهل سيرهم وسلوكهم. الصنف الأول هم أهل الفعالية أو المجاهدة، والصنف الثاني هم أهل المراقبة أو المشاهدة، أي أنهم يعطلون كل شيء ويريدون الوصول إليه عبر التركيز أولاً على وجود الله وثانياً على حضوره. الحياة مع القسم الثاني تسمى حياة المراقبة.
أحد معاني المراقبة هو أسلوب أو نمط حياة (life style)، نمط الحياة السالكية لأولئك الذين يريدون العدول عن الحياة الاجتماعية. وهذا الكتاب كُتب لأولئك الذين عطلوا الحياة النشيطة واتجهوا نحو حياة قوامها المراقبة. لكن للمراقبة في الكتاب معنى ثانٍ أيضاً، وهو عمل خاص يقوم به هؤلاء الأشخاص أنفسهم. يمكن تعريف هذا العمل الخاص بطرق مختلفة. أحد تعريفاته هو: المراقبة هي التأمل في الأمور الروحانية والأمور الماورائية. الكتاب يتناول المراقبة بمعنييها، أي أنه يشرح نمط الحياة ذلك، وكذلك ذلك العمل الخاص الذي هو لب لباب نمط الحياة ذاك.
لب لباب العرفان
إذا أردنا الاستفادة من كتب العرفان بشكل عام، وهذا الكتاب بشكل خاص، من أجل أن نصبح أكثر أخلاقية، أو لتحقيق المقاصد الستة المذكورة أعلاه، فعلينا القيام بعدة أمور، وإلا فسنجد حاجزاً عاطفياً بيننا وبين محتوى الكتاب. أولاً، ألا نلتفت في هذه الكتب إلى كل ما يتعلق بالمعتقدات والتفكير السحري. ثانياً، أن نحذف كل ما يتعلق بالمعتقدات والتفكير الأسطوري. ففهمنا اليوم لا يقبل هذه الأساطير. لا تتصوروا أنه إذا تمت هذه الحذوفات فلن يتبقى شيء في النهاية. إنها تحوي من النكات ما يستحق أن يصرف المرء عمره في خمسة من هذه الكتب. ثالثاً، ألا نلتفت إلى كل ما قيل في هذه الكتب عن مؤسس ذلك الدين والمذهب. كالقول بأن العالم خُلق من أجل مؤسس هذا الدين والمذهب، وأنه لولا هذا المؤسس لما خلق الله عالم الوجود، أو أن مؤسس هذا الدين والمذهب لم يرتكب أي خطأ في حياته، أو أنه لم يكن تحت تأثير ثقافة زمانه... إلخ. هذه الخصائص يضفيها أتباع كل دين ومذهب على مؤسسي دينهم ومذهبهم، لكنها لا تنسجم مع الواقعية. بل إن هؤلاء المؤسسين هم بشر يستحقون احتراماً كبيراً جداً، لكن من علامات الاحترام الحقيقي لهم أن نقول إنهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه مع كونهم بشراً يحملون كل الخصائص العادية للإنسان. هذا هو أعظم احترام. النقطة الرابعة هي أنه يجب ألا نلتفت إلى ما يقال حول وثاقة النصوص المقدسة. هذه أمور نختلقها لأنفسنا. وسببها نرجسية جماعية كامنة فينا نحن البشر، تقتضي أن يكون كل ما في جماعتنا خالياً من المشاكل. النقطة الخامسة هي أن كل ما يتعلق بعلوم ومعارف ذلك الزمان، والتي أثبتت تطورات العلوم والمعارف البشرية لاحقاً أنها كانت خاطئة، يجب حذفه. مثلاً، كل ما في هذه الآثار تحت تأثير الهيئة والنجوم والجغرافيا والطب في ذلك الزمان، يجب حذفه. عندما تُحذف هذه الأمور، نتوجه إلى لب لباب تلك الرؤية. إلا إذا كنتم شخصاً، رغم عيشكم في القرن الحادي والعشرين، تستطيعون قبول كل تلك الأقوال، وهو أمر غريب في نظري. لكن بشكل عام، من أجل حياة مثالية، علينا القيام بهذه الأمور. إذا تم هذا الغربلة بأنواعها الخمسة، يمكن لهذه الكتب أن تكون مفيدة جداً.
لماذا المشاهدة بدلاً من المراقبة
لكن لماذا تُفضَّل تلك الحياة القائمة على المراقبة (contemplative) على الحياة الفاعلة (active)؟ يقول عموم العرفاء: لأن الإنسان يطلب مرة الخلاص، ومرة الكمال. للخلاص تكفي الحياة الفاعلة نفسها، لكن الخلاص أمر سلبي، وقد نريد نحن بالإضافة إلى الخلاص الكمالَ. إنهم يعتقدون أنه يمكن بلوغ الكمال حين ينعطف المرء إلى حياة أهل المشاهدة أو الحياة القائمة على المراقبة. كلما أردت أن أدرك شيئاً على نحو جيد، وجب عليَّ أن أدير ظهري لكل ما عداه. التوجه، أي الإقبال، يقترن دوماً بمليارات من الإدبار (إدارة الظهر). برأي العرفاء، إذا أراد الفرد أن يصل إلى الله فحسب، وكان بلوغه والوصال الإلهي هو المطلوب له وحده، فعليه أن يدير ظهره لكل شيء آخر، وإن كانت كل الأشياء الأخرى، بتعبير العرفاء الإسلاميين، صنائع الله، أي مصنوعاته ومخلوقاته. في هذه الرؤية، على الفرد أن يتوجه إلى الله نفسه فقط، وألا يلتفت إلى شيء آخر، لأنه إن لم يفعل ذلك، فلن يراعِ أدب العشق. بهذا الشرط وحده نبلغ، أبعد من الخلاص والنجاة والفداء، الكمالَ. أهل المراقبة والمشاهدة يبلغون الكمال، أما أهل المجاهدة فيبلغون الفداء والخلاص والنجاة والفلاح والحرية فحسب. الخلاص أمر سلبي، أي النجاة من الهلاك، أما الكمال فأمر إيجابي.
لمن تكون المراقبة؟
من ناحية أخرى، المراقبة ليست لجميع البشر. الله يريد من جميع البشر النشاط، لكنه لا يطلب من الجميع المراقبة أو المشاهدة. من أين لنا أن نعرف ممّن طلب الله المراقبة والمشاهدة؟ يقدم المؤلف في موضعين من الكتاب ثلاث علامات لمن يمكنهم أن يكونوا من أهل المشاهدة، بل ينبغي لهم ذلك. وعليه، فالله لا يأمر أحدًا بأن يكون من أهل المراقبة، بل على الفرد أن يرى إن كانت هذه الحالة أو الحالات الثلاث موجودة فيه أم لا، فإن وجدت، فعليه أن يترك الحياة الاجتماعية ويصبح من أهل المراقبة: 1. أن يراعي الأخلاقيات ولا يكون أسير الكذب والتزوير والرياء والخداع والمكر والتكبر وخيانة الأمانة ونقض العهد والظلم. 2. أن يشعر بالظمأ رغم تلبية جميع احتياجاته المادية والمعنوية. أي أن يكون مرتويًا في الأمور المادية كالثروة والشهرة والسلطة والاحترام والجاه والمحبوبية وعلم القيل والقال، وفي الأمور المعنوية كالفرح والأمل والتصالح مع الذات والتوازن مع المحيط والتكامل الوجودي والمعنى. العلامة الثانية للفرد الذي ينبغي أن يتجه إلى المراقبة هي أنه رغم كل هذا، لا يزال لديه ضالة ويتجه بكليته نحو الله. 3. حين يرى أهل المراقبة أو يسمع كيف يعيشون، ينشأ فيه طلب، وتذرف عيناه الدمع لذكراهم، وينشأ في قلبه حسرة. الفرد الذي يمتلك هذه الخصائص الثلاث، حتى لو بقي في الحياة الاجتماعية طوال عمره، سيكون غير راضٍ عن نفسه، وعليه أن يتجه نحو المراقبة. وإلا، أي في حال عدم امتلاكه هذه الخصائص الثلاث، فهو فقط من أهل المجاهدة وليس من أهل النار. من هذا المنطلق تبرز أهمية مقولة السيد المسيح (ع) حين يقول: «كثيرون هم المدعوون إلى بيت أبي وقليلون هم الواصلون إلى ذلك البيت». أي أن الجميع دُعوا إلى طاعة الله، لكن الواصلين إلى داخل البيت، أي أهل المراقبة، قليلون.
سحابة الجهل، سحابة النسيان
إن الإعراض عن كل شيء، كما وصفه مؤلف هذا الكتاب، وبعده بثلاثة قرون الصوفي المسيحي الإسباني يوحنا الصليبي (San Juan de la Cruz) (1542-1591) متأثرًا بمؤلف كتاب «سحابة الجهل»، قد وُصف بطريقة خاصة. ما معنى هذا الإعراض؟ يستخدم المؤلف تعبير «السحابة». يقول إن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي لنا أن نعرفها، لكننا نعرفها، وهناك أمور أسمى ينبغي لنا أن نعرفها ولا نعرفها. لذلك، أولاً، واجبنا هو أن نُسلّم ما لا ينبغي لنا معرفته إلى سحابة النسيان، وثانيًا، واجبنا هو أن نعرف الأمور التي تقع في سحابة الجهل. يقول مؤلف كتاب سحابة الجهل، ومن بعده يوحنا الصليبي تبعًا له، إننا نواجه سحابتين: 1. سحابة النسيان: سحابة ينبغي أن نلقيها نحن بأنفسنا على معارفنا التي لا تنفعنا شيئًا، بل تعيقنا وتزعجنا. هذه السحابة لا تصلح إلا لشيئين؛ أحدهما إرضاء فضولنا، والآخر للتفاخر وتوليد العُجب فينا. ويرفض المؤلف كليهما. في أدبيات البوذية، يُطلق على هذه الحالة اسم التحرر من المعرفة. 2. سحابة الجهل: هي سحابة تمنعنا من معرفة ما ينبغي لنا معرفته عن الله. وعليه، فالعلاقة بين هاتين السحابتين هي أنه كلما ازدادت سحابة النسيان كثافة، تزداد سحابة الجهل رقة ونحافة، والعكس صحيح، أي كلما تراكمت سحابة النسيان، كلما رقّت ونحُلت سحابة الجهل تجاه الأمور الميتافيزيقية وما ينفع الإنسان ويُحدث فيه تحولًا روحانيًا، فيرى الله تدريجيًا وكأنه من وراء ستار شفاف. وبالطبع، كما كان يقول القديس بولس أيضًا، فإننا في النهاية نرى الله من وراء حجاب (ولو كان رقيقًا جدًا).
ما فائدة المراقبة؟
ولكن إذا لم ينجح الإنسان في هذا الطريق، فما العمل؟ أي إذا ما عطّل الفرد حياته الاجتماعية وذهب إلى دير وحاول مثلاً أن يصبح شبيهاً بفرنسيس الأسيزي، لكنه لم يفلح، فكيف سيكون الوضع؟ يُقدَّم لهذا السؤال جواب لاهوتي وجواب سيكولوجي. أو بتعبير آخر جواب ديني وجواب ناسوتي أو علماني. الجواب الديني هو أنه من المحال أن يخلف الله وعده. فهو يقول: من أرادني، أردته. بل إنني أردته قبل أن يريدني. لذا فمن المستحيل أن يخلف الله وعده. والتعبير المشابه له في أدبيات العرفان الإسلامي هو: «مَن كان لله، كان الله له». أما الجواب الناسوتي أو العلماني فما هو؟ هذا الجواب هو أن الفرد الذي يسعى وراء هذه الأمور، يصل إلى سكينة لم يصل إليها أولئك الذين سعوا وراء المطالب المادية، والذين هم في ضجر دائم وسأم من الحياة. إنه يبلغ من المطالب المعنوية ما لا يبلغه الفرد الذي ظل دوماً يسعى وراء المطالب المادية.
الفضائل العرفانية
في بداية الحديث قلتُ إنه حتى لو لم نقبل المبادئ الميتافيزيقية للآثار العرفانية، فإنها تظل مفيدة. وبالطبع لا ينبغي قراءة هذه الكتب مثل الصحيفة اليومية، بل يجب قراءتها باستمرار ومداومة. وبتعبير ذلك العارف الألماني: بدلاً من أن تقرأ ألف كتاب، اقرأ كتاباً واحداً ألف مرة. في رأيي أن كتاب "غيوم الجهل" يقدم بياناً مدهشاً حول عدة فضائل أخلاقية، ويشعر المخاطب حقاً بحدس أنه صادق بإنصاف، وأن الإنسان إذا تحلى بهذه السمة، كان وضعه أفضل حالاً من ضدها أو نقيضها أو مقابلها على أي حال. وهذه الفضائل هي: 1. الامتنان تجاه الوجود، مع أن المؤلف يذكر الامتنان تجاه الله. 2. الرجاء. 3. التواضع. 4. العيش في الحاضر والحياة الهنا والآنية. 5. الثبات على المثل الأعلى وعدم العدول عن الأهداف أو المُثُل، وهو ما يُشار إليه أحياناً بالصبر والاستقامة. 6. فعل ما بوسعك وترك الباقي للوجود، وهو ما يُشار إليه في التعبير العرفاني بالتوكل. 7. عدم الاكتراث بمدح الآخرين وذمهم، أي عدم الاكتراث بأحكام القيمة التي يصدرها الآخرون عني. ينبغي أن أقوم بواجبي الأخلاقي تجاه كل شخص، لكن ما يستنتجه ذلك الفرد من واجبي الأخلاقي لا أهمية له إطلاقاً، سواء مدح أم ذم. مثلاً، أنا مكلف بأن أتعامل مع الآخرين بتواضع. وعندما أفعل ذلك، قد يستنتج أحدهم أن آبائي وأجدادي كانوا خدمة وأنني ابن خادم! لكن آخر قد يقول كم هو متملق، وثالث يقول كم هو لزج! ورابع يقول ربما له منافع! كل هذه الاستنتاجات موجودة ولا تعنيني. إذا أدركتُ أن واجبي الأخلاقي هو التواضع، فينبغي أن أفعله. ولا ينبغي لمدح الآخرين أن يسعدني. 8. عدم إصدار الأحكام على الآخرين. ينبغي أن أكره الكذب ولا أكره الكاذب. بمعنى أنني إذا رأيت شخصاً ظلم مظلوماً، أدافع عنه لكنني لا أحكم على الظالم. يمكنني أن أتخذ موقفاً أخلاقياً من أعمال الآخرين، سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً أو حتى لغة جسدهم، لكن لا ينبغي أن أحكم على الآخرين أنفسهم. أن أكره القول والفعل الخاطئين لا الشخص الذي يقوم بهما. ولأنني أحب ذلك الشخص أساساً، أقول يا ليته لم يفعل ذلك، لأن مثل هذا الشخص يضر نفسه قبل أي أحد. 9. معرفة الذات. كلما ازددتُ معرفة بذاتي، نمَوتُ أكثر وصرتُ أكثر تواضعاً، لأنه يعرف نقاط ضعفه بشكل أفضل ويجد الدافع لإصلاح نفسه. الفرد الذي لا يعرف ذاته، يصاب أولاً بالعُجب والغرور، وثانياً لا يسير نحو الأفضل. وبتعبير مولانا، وهم الكمال هو المانع الوحيد للكمال. 10. الصفح. ينبغي للإنسان أن يصفح عن جميع البشر بمن فيهم نفسه، وألا يجول باستمرار في ماضي الآخرين. 11. حب بني البشر الذي هو أسمى من الشفقة على بني البشر. حب بني البشر يعني أن تحب ابن جنسك بقدر ما تحب نفسك. في الشفقة، يمنح الإنسان جزءاً من حقوقه للآخرين، لكنه لا يحبهم بقدر نفسه. بعبارة أخرى، للتعامل مع الآخرين ثلاث مراحل: الأولى أن يتعامل معهم بالعدل، أي يراعي حق الآخر، والثانية هي الشفقة حيث يمنح الإنسان جزءاً من حقه للآخر، والثالثة هي الحب حيث يرى الإنسان الآخر واحداً مع نفسه. في الحب، يعتبر المرء الآخر مثل نفسه. 12. ضبط النفس. رغباتنا لا نهائية، وليس من المفترض أن نسعى وراء كل الرغبات، بل ينبغي أن نظهر كفاً للنفس ونكون ذوي خويشتنداري (ضبط للنفس)، وأن نسعى من بين كل ألف رغبة وراء اثنتين فقط. علاوة على أن معظم الرغبات عندما تتحقق تكون مضرة بي. 13. لا ينبغي أن نشدد على أنفسنا. حتى في الأمور الروحانية، لا ينبغي أن يحمّل المرء نفسه فوق طاقتها. 14. ألا ننشئ تعلقاً وأن نحب. الفرق بين الحب والتعلق هو نقاش طرحته في مكان آخر. في الختام أود التأكيد على أنهم اختاروا كتاب "غيوم الجهل" ترجمةً جيداً، وقاموا بترجمة هذا الكتاب الجيد ترجمة جيدة، وترجمتهم جيدة جداً بإنصاف. في هذا العالم الذي قل فيه التقدير والامتنان تجاه الموجودات، من الضروري أن نكون شاكرين لمن يترجم مثل هذا الكتاب.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفن
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
در ادیان قبلی تاکید بر قیام بالقسط (بهره مندی همگانی) کمتر است ، بسادگی بجهت کم بودن جمعیت و سادگی ابزار...بیشتر به باور به قیامت امر میشده است و افراد برای مواجه نشدن با عذاب الهی به انفاق نیز توصیه میشده اند...نابودی مستکبران و اسرافکاران و غیر مومنین آن جوامع بیشتر با نیروی عوامل الهی انجام میشده است و البته همراهی مومنین... با رسیدن به اوایل دورانی که انسانها در کنار تولید ابزار قدرت و کشتار بیشتر در جنگ ها ، با درک قوانین بهداشت و طب میتوانند جمعیت زیاد داشته باشند اسلام ظهور میکند و استقرار پیدا میکند.... بعنوان دین پایانی بر قیام بالقسط توسط خود مومنین و رضایت اجتماعی تاکید بسیار میکند (مبادا کسانی یا جوامعی فراموش شوند)... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿۲۹﴾ حال پیروان ادیان قبلی یا هر قوم و قبیله دیگر ، به این اقامه قسط تن بدهند و مخالفت نکنند میتوانند بر آداب خویش باشند و امید تزکیه برای آنها هم هست....والا باید با آنها مبارزه بی امان کرد....اجازه رشد ناپاکان نباید داده میشد و بشود....عدم مبارزه با ناپاکان و اسرافکاران ، امکان پاک زیستن را از همه میگیرد... این به گوش ارباب ثروت و ستایندگان رقابت (رقابت هایی که خود در آن پیروزند) و ... سنگین می آید... حقوق بشر و دموکراسی و تکثر گرایی و... بهانه است.... با سفارش ایشان ، میخواهند آخرین دین هم تحریف یشود....این بار کتاب دین را نمی توانند تحریف کنند سازمان های عریض و طویل برای تفاسیر سفارشی تاسیس ، و با طبل و نقاره در اذهان جاسازی میشود... وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴿۲۶﴾ فصلت میخواهند از تعالیم تحریف شده ادیان قبلی که خشونت و قتال کمتری دارند و اهلی و "عرفانی" شده اند ، استفاده کنند...قیام بالقسط برای این دوران از زندگی انسانها ضروری بوده و هست والا فساد از در و دیوار جوامع بالا خواهد رفت ، محیط زیست نابود خواهد شد و....