اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تناول مصطفى ملكيان، في جلسة نقد كتاب «فلسفة الفكر الديني»، ركود علم الكلام الإسلامي في إطار اللاهوت المقارن، عبر مقارنة بين الكلام الأشعري واللاهوت الكاثوليكي. واعتبر أن موضوع الفلسفة هو الوجود برمّته بالمنهج العقلي، بينما موضوع اللاهوت هو النصوص المقدسة للأديان.

إن علم الكلام الإسلامي، بوصفه أحد أهم العلوم التي نشأت في الثقافة والحضارة الإسلامية منذ القرون الأولى، قد حصر نفسه، بتعبير مصطفى ملكيان، في أسئلة تجاوزها سياقها وعصرها، وهو بحاجة إلى إعادة نظر وإصلاح وترميم. وبالطبع، فقد سعى بعض المفكرين المسلمين الجدد في إيران والعالم العربي في العقود الأخيرة، من خلال التأمل في هذا التراث ومراعاة قضايا ومباحث العصر، إلى التغلب على هذه المعضلة. وفيما يتصل بالحديث الحاضر، يسعى مصطفى ملكيان في الكلمة التالية، من خلال مقارنة علم الكلام الإسلامي بعلم اللاهوت المسيحي، إلى تشخيص هذه الآفات وعرض بعض أهم المعضلات التي أدت إلى ركود علم الكلام الإسلامي. ودافع النقاش هو بالطبع صدور كتاب «فلسفة الفكر الديني في الإسلام والمسيحية» من تأليف لوي غارديه وجورج قنواتي، وترجمة إحسان موسوي خلخالي، والصادر عن منشورات حكمت، وهو كتاب يرى ملكيان أنه قد تُرجم ترجمة جيدة رغم ضخامته وصعوبة مادته. وفي جلسة نقد ومراجعة هذا الكتاب التي عُقدت عصر الأربعاء 20 دي في بيت الكتاب، ألقى مصطفى ملكيان، الباحث المعروف في الفلسفة، كلمة في مقارنة علم الكلام الإسلامي بعلم اللاهوت المسيحي، نستعرضها فيما يلي:
كتاب «فلسفة الفكر الديني في الإسلام والمسيحية» هو عمل قيّم في مجال اللاهوت المقارَن، أو كما شاع تسميته، اللاهوت التطبيقي. يضم الكتاب كمًا هائلًا من المعلومات والتحليلات والنقود، ولا يمكن تلخيصه. سأخصص حديثي للنقاط الرئيسية التي قصدها المؤلفان. أولًا، ينتمي الكتاب من حيث المجال المعرفي إلى اللاهوت المقارَن، ويعقد مقارنة بين اللاهوت المسيحي واللاهوت الإسلامي. لكنه لم يتناول كلا الجانبين على نحو جامع. ففي جانب اللاهوت الإسلامي، اقتصر الاهتمام على كلام الأشاعرة، ولم يُتناول كلام المعتزلة ولا كلام الشيعة، سواء أكانوا اثني عشرية أم زيدية أم إسماعيلية. والسبب واضح، فالكتاب صدر قبل 70 عامًا (1948)، وفي ذلك الوقت لم تكن معظم مصادر الكلام المعتزلي قد خرجت من طور المخطوط إلى طور المطبوع والمنشور، وينطبق هذا القول على الكلام الشيعي أيضًا. لذا، يقتصر هذا الكتاب على مقارنة الكلام الأشعري باللاهوت المسيحي. أما في جانب اللاهوت المسيحي، فالكتاب ليس جامعًا أيضًا، لأنه يقتصر على لاهوت المسيحية الكاثوليكية، ولا يلتفت إلى لاهوت المسيحية البروتستانتية ولا لاهوت المسيحية الأرثوذكسية الشرقية. والسبب في ذلك جليّ أيضًا، أولًا: لأن كلا المؤلفين كاثوليكيان توماويان (من أتباع توما الأكويني)، وبالتالي فإن اهتمامهما وتخصصهما ينصبّان على هذا المجال. ثانيًا: كما صُرّح في الكتاب، يرى المؤلفان (وهو رأي صائب ويؤكده إيزوتسو أيضًا) أن الكلام الإسلامي بلغ نهايته في القرن التاسع الهجري، وأنه منذ القرن التاسع فصاعدًا لم يظهر أي أثر بديع في الكلام الإسلامي (باستثناء حالة واحدة). والقرن التاسع الهجري يصادف بداية ظهور المذهب البروتستانتي في المسيحية. لذا، بما أن المقارنة تمتد حتى القرن التاسع الهجري (السادس عشر الميلادي)، فلا ضرورة إذن لعقد مقارنة بين الكلام الإسلامي واللاهوت المسيحي البروتستانتي والأرثوذكسي الشرقي. وهناك بالطبع إشارات إلى بارت وكيركغور وغيرهما.
ثانيًا، هذا الكتاب ليس سهل الفهم، ولكن إذا ما تحلى المرء بالصبر وقرأه بتؤدة، فسيحقق تقدمًا ملموسًا في فهم اللاهوت الإسلامي الأشعري واللاهوت المسيحي الكاثوليكي، لأن الكتاب، رغم مرور 70 عامًا على تأليفه، مفعم بنكات بديعة وعميقة. ثالثًا، المؤلفان كاثوليكيان، وبطبيعة الحال، لا شك أن لديهما اهتمامًا وتعلقًا بالكاثوليكية، وبتوما الأكويني على وجه الخصوص، لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذا التعلق لم يؤثر على أحكامهما. رابعًا، بعد صدور هذا الكتاب، كُتبت مؤلفات كثيرة في مجال اللاهوت المقارَن، حتى في هذا الباب تحديدًا، ولكن على حد علمي، لم يوجه أحد نقدًا جادًا لهذا العمل.
ينصبّ بحث المؤلفين على نتيجة المقارنة التي أجرياها بين علم الكلام الأشعري الإسلامي واللاهوت الكاثوليكي المسيحي. وقبل ذلك، لا بدّ من تقديم توضيح حول اللاهوت والفلسفة. ففي ثقافتنا، وللأسف، لا يتّضح الفرق والحدّ الفاصل بين اللاهوت والفلسفة، على الرغم من كونهما علمين يختلفان في الموضوعات والمناهج والغايات. سأتناول الفلسفة أولاً. الفلسفة هي أعمّ علم في العالم من حيث الموضوع، لأن كل علم من العلوم عدا الفلسفة يتحدث عن فئة من موجودات الكون، بينما تتحدث الفلسفة عن جميع موجودات الكون. لذلك، يمكن للفلسفة أن تتحدث عن جميع الموجودات، بما في ذلك الإنسان والله والطبيعة والجمادات والنباتات والماضي والمستقبل وما إلى ذلك، ومن حيث الموضوع، لا يوجد علم يضاهي شمولية الفلسفة. ورغم هذه الميزة، فإن سبب عدم تداخل الفلسفة مع العلوم الأخرى كالفيزياء والكيمياء واللاهوت وغيرها، هو أن الفلسفة تتحدث عن كل شيء بمنهج واحد فقط، وهو المنهج القَبْلي أو ما سمّاه القدماء بالمنهج العقلي. أما بقية العلوم فتتحدث عن موضوعاتها الضيقة والمحدّدة بمناهجها الخاصة، كالمنهج التجريبي أو منطق الرياضيات أو المنهج التاريخي أو المنهج الشهودي وما إلى ذلك. وعليه، فالفلسفة لا تستطيع أن تقول إلا قولاً عقلياً، ولا تقول شيئاً يمكن إثباته بالمناهج الأخرى. ولهذا السبب أيضاً، للفلسفة فروع مختلفة، وهي تتحدث عن موجودات وظواهر الكون المختلفة ولكن بالمنهج العقلي. ولدى أقسام الفلسفة في جامعات العالم الآن 90 فرعاً، يُبحث في كل منها في قسم من موجودات الوجود. إذن، فمن حيث الموضوع، فإن الكون بأسره هو موضوع بحث الفلسفة، ولكن من حيث المنهج، لا يبحث الفيلسوف إلا بالمنهج العقلي.
أما موضوع بحث اللاهوت فليس هو الكون بأسره، بل موضوع بحثه هو النصوص المقدسة لدين ومذهب ما. ومن هذه الناحية، وعلى عكس الفلسفة التي لا تأتي مضافة ولا موصوفة، فلا بدّ للاهوت دائماً من صفة، أي يجب أن نقول اللاهوت المسيحي أو اللاهوت الإسلامي أو اللاهوت الهندوسي... إلخ. أي أنه بناءً على أي النصوص المقدسة، أو النصوص المقدسة لأي دين أو مذهب، يتخذها اللاهوت موضوعاً لبحثه، يُتحدث عن لاهوت ذلك الدين أو المذهب. لذلك، إذا لم يرد شيء في النصوص المقدسة، فإن اللاهوتي، بما هو لاهوتي، لا يتحدث في ذلك الموضوع، ولا يتناول إلا المباحث التي وردت في الدين والمذهب الذي يعنيه.
وهنا يبرز سؤال: ما هدف اللاهوتي من تناول هذه النصوص المقدسة؟ في الإجابة عن هذا السؤال، يبدو أن هناك ستّ مهام. صحيح أنه إذا قام لاهوتي بواحدة من هذه المهام الست، يمكن القول إنه لاهوتي، ولكن على اللاهوت بمجمله أن ينجز المهام الست. أي أننا نتوقع من اللاهوت أن ينجز جميع المهام الست، تماماً كما أن الأطباء في مختلف تخصصات الطب، لكل منهم تخصصه الخاص، ولكننا نتوقع من علم الطب بمجمله أن يعالج جميع أمراض البدن. المهمة الأولى للاهوت هي تنظيم (systematize) النصوص المقدسة لدينه ومذهبه، التي لا تخضع مطالبها لنظام. لا سيما وأن الاضطراب الظاهري يبلغ أقصاه في القرآن، لأن من أوجه اختلاف القرآن عن سائر النصوص المقدسة أنه تكوّن بالتدريج خلال حوادث وقعت على مدى 23 عاماً. ولكن حتى لو نظرنا إلى النصوص المقدسة للأديان والمذاهب الأخرى، بخلاف القرآن، فإنها أيضاً لا تمتلك نظام الكتب البشرية. إذن، فالمهمة الأولى للاهوتي هي تنظيم (systematize) محتويات المتون والنصوص الدينية، أي تلك المجموعة المشوشة والمضطربة، حتى لو كان لهذه المجموعة، بتعبير حافظ، نظام المضطرب.
المهمة الثانية لعالم اللاهوت هي أنه بعد التنظيم، ينبغي أن يوضح ما كان يقصده النص المقدس من كل جملة على حدة. ذلك أن مجرد معرفة اللغة السنسكريتية لا تكفي لفهم النصوص المقدسة الهندوسية، كما أن مجرد معرفة اللغة العبرية لا تكفي لفهم الديانة اليهودية. أي أنه لفهم النص المقدس، بالإضافة إلى معرفة اللغة، ثمة حاجة إلى معلومات وافرة كالصرف والنحو والمفردات والمعاني والبيان والبديع وفقه اللغة والتاريخ وشأن النزول، أو بتعبير المحدثين سياق النص (context of text). المهمة الثالثة لعالم اللاهوت هي أن يوضح لماذا قيلت هذه المطالب. أي بعد بيان ما قيل، ينبغي أن يوضح ما هو العيب والنقص في حياتنا الذي جاءت هذه المطالب لرفعه. المهمة الرابعة هي بيان الافتراضات المسبقة لهذه المطالب، أي ينبغي على عالم اللاهوت أن يبين ما هو تصور قائل النص أو كاتبه عن الإنسان والعالم والوجود حتى قال هذه الأقوال. وهذا العمل نسميه تحليل النص المقدس. فعلى سبيل المثال، يرى كثير من علماء اللاهوت أن أحد افتراضات الشارع المسبقة هو أن العقل البشري، وإن كان ضرورياً لتدبير حياته، إلا أنه غير كافٍ. هذا افتراض مسبق لم يرد في أي موضع من النص المقدس، لكن يستفاد من أجوائه أنه يضع هذا الافتراض نصب عينيه. المهمة الخامسة لعالم اللاهوت هي أن يقيم الاستدلال لكل جملة من هذه الجمل ويظهر أنها حق، أي يظهر أن هذا المطلب مطابق للواقع إن كان خبرياً، ومطابق للمصلحة إن كان إنشائياً، لأن الحق في الخبريات يعني المطابقة للواقع، وفي الإنشائيات يعني المطابقة للمصلحة. المهمة السادسة لعالم اللاهوت هي الدفاع عن النص المقدس في مواجهة الهجمات التي تشن عليه. فإذا قام شخص بهذه المهام الستة بصدد المواد الخام الواردة في النصوص المقدسة لدين أو مذهب ما، أمكن أن نطلق عليه عالم لاهوت ذلك الدين أو المذهب.
لذلك نشهد أن الفلسفة تختلف عن اللاهوت من حيث الموضوع. فموضوع الفلسفة هو جميع موجودات عالم الوجود، أما موضوع اللاهوت فهو فقط المواد الخام الواردة في النصوص المقدسة لدين أو مذهب ما. ومن حيث المنهج أيضاً، تستخدم الفلسفة المنهج العقلي فحسب، بينما يستطيع علماء اللاهوت استخدام جميع المناهج المعروفة لدى البشر. أي إذا ورد في النص المقدس ادعاء تجريبي، يستطيع عالم اللاهوت أن يدافع عن هذا الادعاء بالمنهج التجريبي أو يسوق استدلالاً تجريبياً لصالحه، أو إذا طُرح ادعاء تاريخي، يستطيع أن يدافع عنه بمنهجية العلوم التاريخية، وهكذا. لذلك فإن اللاهوت، على عكس الفلسفة، ليس أحادي المنهج (mono methodic). كما تختلف الفلسفة واللاهوت من حيث الغاية. فغاية الفلسفة هي إظهار العالم الواقعي كما هو. أما غاية اللاهوت فهي أن يظهر أولاً ما قاله الله لنا نحن البشر (الخبريات)، وثانياً ما طلبه منا (الإنشائيات).
المقارنة الأولى التي يجريها الكتّاب بين اللاهوت الإسلامي واللاهوت المسيحي هي أن اللاهوت الإسلامي امتزج بالفلسفة في وقت مبكر جداً، وكان هذا في العالم الإسلامي على حساب الفلسفة واللاهوت معاً. أما في المسيحية فلم تحدث هذه العملية. فعندما تمتزج الفلسفة واللاهوت، لا يُوفى حق الفلسفة ولا حق اللاهوت. ذلك أن الفلسفة التي يُفترض أن تتحدث بالمنهج العقلي فقط، حين تمتزج باللاهوت، نرى الفيلسوف المعني يستشهد في خضم بحثه العقلي بجملة من كتاب مقدس، ولا يراعي أحادية المنهج في الفلسفة، ولا يضع في اعتباره أن الفلسفة ينبغي أن تتبع العقل القائم بذاته فحسب، وألا يقول مثلاً إنه ورد في الأوبانيشاد كذا. إذن فالإشكال الأول لخلط الفلسفة باللاهوت هو أن عقلانية الفلسفة ستضيع. والمشكلة الثانية هي الرقابة الذاتية، إذ على الفيلسوف بعد وصوله إلى نتيجة، أن يرى هل تتوافق هذه النتيجة مع كل قضية من قضايا النص المقدس أم لا. وقد حدث هذا الأمر كثيراً في الفلسفة في العالم الإسلامي، حيث توصل الفيلسوف بالمنهج العقلي إلى نتيجة، لكنه حين رأى أن دعواه لا تنسجم مع النص المقدس، اضطر إلى تغيير كلامه بطرق شتى.
أما علم الكلام أو الإلهيات فعندما يصبح فلسفياً، فإنه يقع في إشكالين. الإشكال الأول هو أن الإلهي حين يفهم أن النص المقدس يقول شيئاً ما، فإنه بدلاً من الإصغاء لهذا القول على نحو صحيح، يسعى إلى تنسيقه مع الفلسفة. وبالتالي فهو لا يسمح للنص المقدس بأن يقول كلمته الخاصة، فيقوم مثلاً بتأويله. والإشكال الثاني لمزج الإلهيات بالفلسفة من منظور عمل الإلهي هو أن هذا العمل يؤدي إلى امتلاء النصوص المقدسة بالتناقضات الداخلية، فيرى فيها التناقض والتضاد والتعارض.
ثمة ثلاثة أقوال حول من مزج الفلسفة بعلم الكلام في العالم الإسلامي، فقد اعتبر البعض أن الإمام فخر الدين الرازي (544-606 هـ.ق) هو المسؤول، واعتبرته جماعة الإمام محمد الغزالي (450-505 هـ.ق)، وعدّه آخرون الخواجة نصير الدين الطوسي (597-672 هـ.ق). يحظى الرأيان الأول والثاني، أي الإمام فخر الدين الرازي والإمام محمد الغزالي، بمؤيدين أكثر، لكن المهم هو أنه منذ أن قال قائل: ينبغي لفلسفتنا أن تصبح كلامية، ولإلهياتنا أن تصبح فلسفية، توقف نمو الإلهيات، وتوقف نمو الفلسفة أيضاً. يقول مؤلفو الكتاب الحالي إن الإلهيات المسيحية نمت لأن الفلسفة والإلهيات كانتا تعلمان أنهما علمان مختلفان، وأن ثمة وظيفتين ومنهجين وهدفين ومجموعتين مختلفتين من الموضوعات.
الفارق الثاني بين الإلهيات الكاثوليكية والإلهيات الأشعرية (وهذا الكلام قابل للتعميم بالطبع)، هو أنه في الإلهيات الإسلامية، من بين المهام الست التي عُدّت واجبات للإلهي، لم يُؤخذ على محمل الجد سوى مهمة الدفاع. أي أن همّ الإلهيين الإسلاميين الوحيد انحصر في الدفاع عن النص المقدس، وتركوا المهام الخمسة الأخرى جانباً. أدى هذا الأمر إلى توقف النمو الروحي الذي كان يمكن للعالم الإسلامي أن يحظى به من الإسلام. أي أن الإلهيات الإسلامية انحصرت فقط في القول بأن ما نقوله نحن هو الحق، وما تقوله سائر الأديان والمذاهب أو سائر الملل والنحل هو باطل. فالإلهي الإسلامي لم يقم بعمل آخر بعد إثبات حقانية وجهة نظره. قال سورن كيركغور (1813-1855)، الفيلسوف الدنماركي، في مقالة له موجهاً خطابه إلى الإلهيين البروتستانت في أوروبا والدنمارك: أنتم تثبتون أن المسيحية هي الدين الحق. أفترض أنكم على حق تماماً في إثباتكم، ولكن بعد ذلك ينبغي أن تثبتوا أنكم أنتم مسيحيون. وهكذا أطلق ذلك الشعار المهم قائلاً: أيها الروحانيون المسيحيون، بدلاً من إثبات أن المسيحية على حق، أثبتوا أنكم أنتم مسيحيون. لقد حدثت نفس هذه القصة بالضبط لعلم الكلام الإسلامي. أي أن متكلمينا بعد أن أثبتوا أن الإسلام هو الدين الأكمل، لم يتناولوا ما إذا كنا نحن متدينين بهذا الدين أم لا.
يقول مؤلفو كتاب فلسفة الفكر الديني إنه نشأ في المسيحية كلام تأملي. الكلام التأملي (contemplative or reflexive) يعني أنه بعد إثبات حقانية الدين، ينبغي تناول ما إذا كان الفرد نفسه متديناً بهذا الدين أم لا. يتطلب هذا الأمر أن يفهم الفرد ما هي رسالة كل جملة من جمل هذا النص المقدس لحياته، وما هو أثرها فيها. كان عمل الكلام التأملي في المسيحية أن يدرك، عبر التأمل (reflection or contemplation)، كيف تفيد رسالة كل جملة من جمل الكتاب المقدس المسيحي، بشكل مباشر أو غير مباشر، حياة الفرد المسيحي. ينبغي لكل جملة من الكتاب المقدس، سواء أكانت خبرية أم إنشائية، أن تحمل دلالة إنشائية، أي أن ترتبط بمشكلة عينية وملموسة في حياة الأفراد. مع الأسف، لم يُلتفت إلى هذا الأمر في الكلام الإسلامي، ولهذا السبب لم يكن أي من كبار المتكلمين الإسلاميين شخصيات روحية عظيمة. بينما نرى في المسيحية، بسبب الاهتمام الجاد بالكلام التأملي، متكلمين روحيين عظاماً.
فعلى سبيل المثال، يحتل توما الأكويني في العالم المسيحي الكاثوليكي بمعناه الخاص، وفي العالم المسيحي بأسره بمعناه العام، مكانةً شبيهة بمكانة الغزالي بالنسبة للأشعرية بوجه خاص، ولكامل عالم الكلام الإسلامي بوجه عام. ولا يمكن مقارنة حياته بحياة الغزالي. فأكثر من ثلاثة أرباع كتابه الرئيسي في اللاهوت، أي الخلاصة اللاهوتية (السوما ثيولوجيكا)، مكرس للاهوت التأملي. وبناءً على ذلك، ومن هذا المنظور، وكما أوضح مارشال هودجسون في كتابه the venture of Islam، فإن إمكانات الروحانية في الإسلام قد تلاشت بسبب ظهور علم الكلام من جهة، والفقه من جهة أخرى، لأن كلا العلمين الكبيرين في العالم الإسلامي كانا ظاهريين. فقد أراد علم الكلام إظهار غلبته على منافسيه الآخرين، وكان معنيًا بالظاهر، كما انشغل الفقه بالسلوك الخارجي. ولم يهتم أي من هذين العلمين بالسلوك الباطني، ولم يرجعا إلى الداخل. وهذا ما قام به العرفاء في العالم الإسلامي. بينما في الغرب، كان اللاهوتيون أناسًا أنقياء بسبب غلبة اللاهوت التأملي.
وجه التمايز الثالث بين اللاهوت المسيحي واللاهوت الإسلامي هو أن اللاهوت في المسيحية، على عكس لاهوتنا، متكامل وموحد. لقد انقسم اللاهوت في العالم الإسلامي، وسيطرت ثلاثة أجزاء منه على البقية، ثم سيطر جزءان من هذه الأجزاء الثلاثة على واحد، ثم سيطر واحد من ذينك الجزأين على الآخر. أي أنه انقسم أولاً إلى ثلاثة أجزاء: الفقه، وعلم الكلام، وتفسير القرآن. وبالطبع، حظي تفسير القرآن باهتمام أقل مقارنة بعلم الكلام والفقه. ولاحقًا، حظي الفقه باهتمام أكبر من علم الكلام. وهكذا، فإن ما كان يمكن أن يمنحنا إياه الكل، أصبح محصورًا فيما يمكن أن يمنحه جزء من الأجزاء. في حين أن اللاهوت المسيحي متكامل، أي لا توجد فيه علوم متعددة مختلفة، وله شمولية فُقدت في العالم الإسلامي. وكما يقول كتّاب الأخلاق، فإن أهم جزء في أي دين قد أُخرج أولاً من علم الكلام، وقيل ليفقه الفقهاء في الأخلاق. لكن الفقهاء قالوا منذ البداية إنهم معنيون بالسلوك الخارجي. هذا التجزؤ (compartment) للعلوم هو ما حدث في العالم الإسلامي. بينما حافظ اللاهوت المسيحي على تكامله.
أما وجه الاختلاف الرابع بين لاهوت المسلمين ولاهوت المسيحيين، فهو أن لاهوت المسلمين أصبح دفاعيًا وانحصر في الدفاع. لكن المشكلة هي أنه ما لم يكن هناك هجوم، فلا معنى للدفاع. فإذا حصر المتكلمون جهودهم في الهجمات التي شُنت منذ قرون، والتي تعفن مهاجموها في قبورهم، ولم يلتفتوا إلى هجمات اليوم، فلن يكون ذلك دفاعًا بعد الآن. ويرى كتّاب هذا الكتاب أن علم الكلام الإسلامي، منذ القرن التاسع الهجري، لم يعد يكترث بالإشكالات الموجهة إليه، وانحصر فقط في الإشكالات التي طُرحت في القرون الأولى، بينما لو كانوا ينظرون حولهم في زمانهم لرأوا الإشكالات الجديدة. لذلك، وبتعبيري، كان علم الكلام الإسلامي مثل دون كيشوت، أي أنه كان يحارب عدوًا غير موجود. وبتعبير آخر، عندما تنظر في كتب الكلام الإسلامي حتى زمن محمد عبده (1849-1905م)، ترى أن الكلام الإسلامي كان يجيب عن أسئلة مات سائلوها، ولا يجيب عن أسئلة الجيل التالي. أي أنه ظل يتناول مسائل كمخلوقية القرآن أو عدم مخلوقيته، وكلام الله النفسي، وتناهي أبعاد العالم ولا تناهيها، والجزء الذي لا يتجزأ، والجوهر الفرد... وما إلى ذلك، بينما لم يعد أحد يطرح هذه الإشكالات. في الواقع، كان الأمر وكأن كلامنا يركل قبرًا لا يوجد فيه أحد. بينما كانت هناك آلاف الأسئلة والإشكالات التي لم يعد يُجاب عنها. والآن أيضًا، إذا نظرت إلى كتب الكلام، تراها مكرسة لإشكالات لا يطرحها أحد، وهي مسائل مفروغ منها، وقد بردت بتعبير ويليام جيمس.
ولهذا السبب، يقول مؤلفو الكتاب الحالي إن علم الكلام الإسلامي، منذ القرن التاسع الهجري فصاعدًا، فقد اتصاله بالعالم الواقعي: «أنا في اضطراب لأجل حسين/ وأنت تجيبني بالحديث عن عباس». اليوم، يطرح العالم أسئلة، ويجيب متكلمونا عن أسئلة لا يسألها أحد. وكما يقول بول تيليش، اللاهوتي المسيحي الكبير، إنهم لا يجيبون عن السؤال غير المطروح، أو بتعبير آخر، لا ينبغي حك الموضع الذي لا يثير الحكة، لأنه سيصبح جرحًا. وقد تسبب هذا الأمر في ركود اللاهوت الإسلامي. أما اللاهوت الكاثوليكي فلا يزال يتمتع بالديناميكية، ولا يزال، رغم كل عيوبه ونقائصه، يصغي للأسئلة التي يطرحها المخاطبون اليوم.
.
.
.
.
محاضرة مصطفى ملكيان في إزاحة الستار عن كتاب «فلسفة الفكر الديني»
تأليف: جورج قنواتي | لوي غارديه/ ترجمة: إحسان موسوي خلخالي
.
.
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفن
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
یکی از بهترین سخنرانیهای ملکیان در باب فلسفه و الهیات و لزوم شناخت این دو موضوع بود.