اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يشرح مصطفى ملكيان، خلال حفل إزاحة الستار عن كتاب «سياسة السعادة»، ثلاثة تأويلات للحياة الهانئة: التأويل القدري وهو السعادة، والتأويل اللذيذي ويُسمى المتعة، والتأويل الإنساني ويُعرف بالرفاه.

من أجل فهم صحيح لكتاب "سياسة السعادة" وتحديد مكانة هذا الكتاب بين الرسائل والمقالات والكتب الأخرى، نحن بحاجة إلى تفكيك. حتى في اللغة الفارسية حيث عدد الكتب قليل جداً جداً، يوجد ما يزيد على مئتي كتاب يتوقف فهمها على معرفة هذا التفكيك الذي سيُقدَّم. في الواقع، ما سيُقدَّم يوفّر أسباب فهم العديد من النصوص ويُتيح فهم كتاب "سياسة السعادة" أيضاً.
قد لا تحظى المصطلحات والألفاظ والترجمات المستخدمة لهذا المطلب بقبول الجميع، لكن الأهم من ذلك هو تقديم تلك المفاهيم الكامنة وراء هذه الألفاظ، والمسعى هو أن تُبيَّن هذه المفاهيم بأوضح صورة ممكنة.
في البداية، سنتناول تعريف الحياة الكامروانية. الحياة الكامروانية أو الحياة المثالية أو حياة الكمال المنشود، هي الحياة التي يتمناها كل إنسان حقاً في أعماق سويداء قلبه، ومن تكون حياته كامروانية نسميه الإنسان الكامروان. لذا، الإنسان الذي حقق أمانيه ولبّى رغباته الداخلية نسميه الإنسان الكامروان، أي الإنسان الذي نال كامه. في اللغة الإنجليزية، لمخاطبة هذا الإنسان الكامروان، تُستخدم جذور كلمة Happy. يقولون إنه يعيش Happily وإن حياته تنطوي على Happiness.
الذين يكتبون نصوصاً حول الكامروانية والإنسان الكامروان، يمكن أن تكون لديهم ثلاثة تصورات مختلفة لهذا المفهوم. لذا، أحياناً يكتب مؤلفان عن happiness ويتصور القارئ أن كلا المؤلفين يتحدثان عن شيء واحد، بينما الأمر ليس كذلك.
على سبيل المثال، لنفترض أن ثلاثة أشخاص في اللغة الفارسية يكتبون في ثلاثة مجالات: علم الحيوان، والنظام الغذائي، والأدوات الصحية المستخدمة في المنزل، ويقرأ قارئ واحد كتابات الثلاثة ويظن أنهم جميعاً يتحدثون عن شيء واحد. بالطبع، ينبغي أن يكون القارئ مبتدئاً جداً حتى يخلط بين هذه الثلاثة!
المؤلفون الذين يكتبون باللغات الأوروبية، وخصوصاً بالإنجليزية، يقولون لفظاً إن الحياة ideal أو حياة الكمال المنشود هي حياة Happy، لكن ثمة ثلاثة معانٍ مختلفة لكلمة Happy لديهم، ينبغي أن نميّز أي معنى يقصده المؤلف حتى نتمكن لاحقاً من نقد ودراسة الاختلافات في الآراء.
ثمة ثلاثة تأويلات للحياة الكامروانية:
1) التأويل القدري
يقول التأويل القدري إن امتلاك حياة كامروانية يتوقف على بخت الإنسان وحظه. إذا كان إنسان ما كامرواناً، فذلك لأنه كان محظوظاً. ثمة مفكرون كثر في اليونان وروما القديمة خصوصاً قالوا إن النقاش حول الكامروانية من عدمها هو في الواقع نقاش حول حسن الحظ وسوئه. يقول هؤلاء المفكرون للإنسان: أيها الإنسان، حسن حظك وسوء حظك لا يتوقفان عليك، بل يتوقفان على الظروف والأحوال التي يخلقها الوجود لك. يقول القدريون إن الوجود قدّر لكل إنسان صُرّةً، تكون لبعضهم مُرضيةً ومرغوبة جداً، ولآخرين نتنة وغير مُرضية جداً. وفقاً للتأويل القدري، ينبغي ترجمة الكامروانية أو Happiness إلى "حسن الحظ"، لأن حظ الفرد وبخته وحدهما يحددان كامروانيته أو عدمها.
لذا، في التأويل القدري، أفضل ترجمة للكامروانية هي حسن الحظ، وأفضل تأويل لانعدام الكامروانية هو سوء الحظ. كان لهذه النظرية أنصار كثر بين قدماء اليونان والرومان. ومن بين مفكري العصر الحاضر، يُعد روبرت سولومون (Robert C. Solomon)، وهو فيلسوف وجودي، من أنصار القدرية. في أعماله، لا يمكن أن يُعزى كل شيء إلى الشخص نفسه ويُتصور أن مصير كل إنسان بين يديه هو. كان يعتقد أن ظروف العالم وأحواله هي التي تصنع حياة الأفراد لهم.
مفكر آخر من القدريين هو برنارد ويليامز (Bernard Williams)، الذي أكد هو الآخر على الدور البارز للحظ في كامروانية البشر.
٢) التفسير اللَّذي
يقول هذا التفسير إن مقدار اللذة التي تعود على كل فرد هو العامل المحدد للفلاح، وإن الخيبة هي مقدار الألم والمعاناة التي تصيب الإنسان. الفالح هو من نال أكبر قدر ممكن من اللذة في الحياة، والخائب هو من عانى أكبر قدر ممكن من الألم في الحياة.
لِمَ هذه النظرية لَذِّيَّة؟ لأن القائلين بها يعتقدون أن حياة الإنسان تدور حول اللذة والألم، ويجعلون الفلاح والخيبة متوقفين على حجم وكمية اللذة والألم. وِفقاً لهذه النظرية، فإن أفضل ترجمة لـ Happiness هي الطِّيب.
في هذا التفسير، الشخص الفالح هو من كان طيب العيش في حياته.
٣) التفسير الإنساني
يقول هذا التفسير إن الإنسان الفالح هو من عاش حياة تليق بإنسان. بناءً على هذا التفسير، إذا عشنا على النحو الذي يليق بالإنسان، فسنفوز بالفلاح. من أجل الفلاح، ينبغي أن ندخل في حياتنا ما يستحقه الإنسان وحده. بعبارة أخرى، إذا كانت هناك موهبة أو مواهب خاصة بالإنسان، فيجب أن ندخلها في حياتنا حتى نفلح.
كان جيرمي بنثام قد حدد ٩ معايير لقياس الطِّيب (اللذة) واعتبرها مقياساً للحياة الطيبة. أما جون ستيوارت مل، فرغم قبوله الرؤية العامة لبنثام، إلا أنه كان له نقد جوهري فصله بعض الشيء عن أستاذه، وقال جملته الشهيرة:
"سقراط غير سعيد، خير من خنزير سعيد."
إذا كان كلام بنثام صحيحاً، فمن المسلَّم أن خنزيراً سعيداً أفضل من سقراط غير سعيد. ذلك أن الخنزير السعيد لديه حياة طافحة باللذة، بينما سقراط غير السعيد لديه حياة خالية من اللذة. يقول ستيوارت مل إن سقراط، حتى لو كان غير سعيد، يمتلك الموهبة الإنسانية الخاصة، أما الخنزير، مهما كان سعيداً، فلا يمتلك الموهبة الإنسانية الخاصة، ولأن الموهبة الإنسانية الخاصة أرجح من الموهبة الخنزيرية الخاصة، فإن سقراط غير السعيد خير من خنزير سعيد.
لذا، إذا استطاع إنسان أن يعيش مثل سقراط، لكنه كان غير سعيد وكانت حياته تفتقر إلى اللذة، فإن ذلك أفضل من أن يعيش مثل خنزير، لكن حياته مليئة باللذة من أولها إلى آخرها. يقول جون ستيوارت مل إن مسألة البشر ليست مجرد مسألة لذة وألم، بل إن مسألتهم هي: إلى أي حد هم بشر؟ بالتأكيد، إذا أمكن اقتران تلك الإنسانية باللذة، فذلك أسمى، ولكن إذا حدث تعارض بين الإنسانية واللذة، فعلى المرء أن يسعى وراء تلك الإنسانية، لا اللذة.
هذا التفسير يرى أن التقدير واللذة لا دور لهما في الفلاح، بل يجعل من العيش الإنساني معياراً للفلاح.
في هذا التفسير، أترجم Happiness إلى الرفاه.
فيما يلي، سيتم تناول تفسيري الطِّيب (التفسير اللَّذي) والرفاه (التفسير الإنساني).
كتاب "سياسة السعادة"، كتبه فيلسوف رؤيته هي الرؤية اللَّذِّيَّة (الطِّيب). في الواقع، يتناول المؤلف سياسة الطِّيب.
أول تقابل بين الطِّيب والرفاه هو أن الطِّيب يعتمد على رضانا عن الحياة، بينما الرفاه يعتمد على جدارتنا بأن نُسمَّى بشراً.
اللذة تهتم برغبات الإنسان، أما الرفاه فيهتم بحاجاتنا، والرغبات والحاجات لا تتطابقان في كثير من الحالات. كلما ازداد الإنسان نضجاً، اقتربت رغباته من حاجاته. بعبارة أخرى، مع ازدياد النضج، يرغب الفرد أكثر من ذي قبل في الأشياء التي يحتاجها ولا يرغب في ما لا يحتاجه، وما يرغب فيه هو ما يحتاج إليه وما لا يرغب فيه هو ما لا يحتاج إليه. عند أكثر البشر، ليس الأمر كذلك. في طور الرضاعة والطفولة تكون الرغبات والحاجات في اتجاهين متضادين ولا تنطبق الرغبات على الحاجات. ولكن حتى مع تقدم العمر، يبقى أكثر البشر في طفولتهم، وتكون لرغباتهم وحاجاتهم فوارق شاسعة فيما بينها.
بعبارة أخرى، الذين يسعون وراء اللذة، يسعون وراء رغباتهم. أما الذين يسعون وراء الرفاه، فيسعون وراء حاجاتهم.
الحاجة، هي شيء إذا حُرم منه كائن عضوي (نباتي أو حيواني أو إنساني)، تعرض بقاؤه الكمي والكيفي للخطر. فمثلاً، يحتاج النبات إلى الماء والتربة المناسبة والسماد وضوء الشمس وحرارة الشمس والأكسجين، وهذا يعني أنه إذا لم يصل إلى النبات واحد من هذه الأشياء، فإنه يميل إلى الذبول والموت والفناء.
بالنسبة للبشر أيضاً، توجد أشياء (حاجات) إذا لم تصل إليهم، ينحدرون في منزلق، ونهاية هذا المنزلق هي الفناء.
الطفل المصاب بالزكام يحتاج حقاً إلى الدواء، لكنه لا يذعن البتة لتناول الحبوب والكبسولات والشراب، لكنه من ناحية أخرى يرغب في المثلجات، التي ليست فقط ليست من حاجاته، بل هي ضد حاجاته أيضاً.
لأنه من الجلي لدى الأطفال وجود فجوة عميقة بين الرغبات والحاجات، فقد أُجيز للآباء والأمهات والمعلمين والمربين في جميع الثقافات والحضارات أن يضبطوا الأطفال ويكبحوهم. من المؤكد أن الطفل مستعد لأن يعطي قطعة من الذهب ويأخذ بدلاً منها ثلاث قطع من الشوكولاتة!
لكن حينما يبلغ الإنسان سناً أعلى، تقول الثقافات والحضارات مثلاً: اتركوا ابنكم وشأنه ودعوه يقرر بنفسه. طبعاً، ترك الابن هذا ليس لأن لم يعد بحاجة إلى وصي لتمييز الحاجات عن الرغبات وفصلها، بل لسبب آخر.
إذن، الحاجة هي شيء إذا لم يصل إلى الكائن الحي، تعرض بقاؤه الكمي والكيفي للخطر. أما الرغبة فهي شيء إذا لم يصل إلى الكائن الحي، فإنه لا يلتذ فحسب أو يتألم، ولا يتعرض بقاؤه الكمي والكيفي للخطر.
* كل شخص إذا كانت لديه رغبة، فهو على علم بها، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للحاجة، فما أكثر الحاجات التي نجهلها!
يوجد في الفلسفة تقسيم يقسم الموجودات إلى فئتين:
1) موجودات تكون موجوديتها هي عين مدرَكيتها.
2) موجودات لا تكون موجوديتها هي عين مدرَكيتها.
هناك موجودات بمجرد أن توجد، تُدرَك، وإذا لم تُدرَك، فمعنى ذلك أنها غير موجودة أصلاً. موجودية هذه الموجودات هي عين مدرَكيتها، مثل ألم الأسنان. إذا لم يشعر الشخص بألم الأسنان، فمعنى ذلك أنه لا يوجد ألم أسنان أصلاً.
الفئة الأخرى من الموجودات، يمكن أن توجد ولا تُدرَك، أو لا توجد وتُدرَك. مرض الأسنان هو من هذه الفئة. قد يكون الشخص مصاباً بمرض في الأسنان لمدة سنتين، لكنه يجهله. المرض من جملة الموجودات التي ليست موجوديتها عين مدرَكيتها. أو مثال آخر، قد تكون سمكة موجودة لسنوات طويلة في أحد المحيطات، لكننا اكتشفناها مؤخراً. وجود هذه السمكة ليس متوقفاً على إدراكنا لها، لأن هذه السمكة كانت موجودة لسنين طوال في المحيطات، لكننا كنا نجهلها، وجهلنا هذا لا تأثير له على وجود هذه السمكة. في الواقع، موجودية السمكة ليست هي عين مدرَكيتها. أو مثال آخر، التعب من جملة الموجودات التي تكون موجوديتها عين مدرَكيتها. إذا لم نشعر بالتعب، فمعنى ذلك أننا لسنا متعبين.
اللذة والألم من بين الموجودات التي يكون وجودها عين إدراكها. فإذا وُجدت اللذة أو الألم، شعر الإنسان بهما، وإذا لم يوجدا، فلا إحساس بهما ولا إدراك لهما. أما الحاجة فليست كذلك. فقد يحتاج المرء إلى شيء وهو غافل عن هذه الحاجة. كما قد لا يحتاج المرء إلى شيء إطلاقاً، لكنه يظن أنه بحاجة إليه. على سبيل المثال، يراجع شخص طبيباً ويقول له: أذني تؤلمني. فإذا قال الطبيب: لا! إن ما يؤلمك هو كعب قدمك. في هذه الحال، يُعطي الجميع الحق للمريض. ذلك أن الألم من الأشياء التي يستلزم وجودها الإحساس بها. فعندما لا يحس المرء بألم في كعب القدم، فهذا يعني أنه لا ألم في كعب القدم.
في هذا المثال، عند تحديد موضع الألم في جسد المريض، يكون قول المريض هو الحجة، أما عند تحديد نوع المرض وسبب هذا الألم، فقول الطبيب هو الحجة.
المرض والحاجة من جنس واحد، ويتطلب تشخيصهما وجود متخصص، أما الألم الناتج عن المرض والرغبة فهما من جنس آخر، ولا يتطلب تشخيصهما متخصصاً.
فالنقطة الموجودة إذن هي أن تشخيص الحاجة يتطلب متخصصاً، أما تشخيص الرغبة فلا يتطلب وجود متخصص. لذا فإن الخبرة أو التخصص لا موضوعية له في تشخيص الرغبة، وكل شخص أعلم من غيره بما يريد.
وينبغي الانتباه بالطبع إلى أنه عندما يُقال إن تشخيص حاجات الإنسان يتطلب متخصصاً، فليس معنى ذلك أن جميع المتخصصين متفقون على تحديد الحاجات. لقد مر 6000 عام على التاريخ المكتوب، ولم يحدث بعدُ اتفاق بين المتخصصين على تحديد حاجات الإنسان. وهناك بالطبع نظريات، وسنتطرق إلى بعضها.
الذين يسعون وراء اللذة (لا الرفاه) يتصورون أنهم إذا ما أُشبعت رغباتهم في الحياة، فسيبلغون السعادة. لذا فهم يريدون دوماً العيش في مجتمع تُشبع فيه رغباتهم على أفضل نحو ممكن.
تُشبع الرغبات عبر طريقين.
يتناول كتاب "سياسة السعادة" أحد طريقَي إشباع الرغبات.
قد يرغب المرء في شيء لا يملكه في حياته، أو قد يملك في حياته شيئاً لا يرغب في امتلاكه. في هذه الحال، لا تكون رغبات المرء مُشبعة. لأنه إما يرغب في شيء يفتقده في حياته، وإما يجد في حياته، من غير قصد، شيئاً لا يرغب فيه إطلاقاً. في هذه الحال، لدى المرء مرغوب مفقود، ولديه غير مرغوب موجود. وطبقاً لتفسير السعادة بمعنى اللذة، لا يكون المرء سعيداً في هذا الوضع.
للخروج من هذا الوضع، ثمة طريقان:
1) تغيير العالم الخارجي (ليتوافق مع رغباتنا)
2) تغيير الرغبات (لتتوافق مع العالم الخارجي)
أو بلغة الأقدمين، عندما لا تجري الأمور على وفق المراد، فإما أن نجعل الأمور على وفق المراد، وإما أن نجعل المراد على وفق الأمور.
على سبيل المثال، افترضوا أن شخصاً ما يجلس هنا، وحضوره غير مرغوب لي. طبقاً لما قيل، يوجد طريقان:
إما أن أقول له: اخرج من الغرفة (جعل الأمور على وفق المراد)، وإما أن أقول لنفسي: لماذا أعاني من وجود هذا الشخص هنا؟ ثم أقوم بعد ذلك بتغييرات في نفسي بحيث لا يتحرك ذلك الشخص من مكانه ولا يخرج، لكنني أستمتع بحضوره (جعل المراد على وفق الأمور).
الطريق الثاني هو طريق الرواقيين المقترح. كانوا يقولون: عندما لا تجري الأمور على وفق مرادكم، فاجعلوا مرادكم على وفق الأمور. أي أحدثوا تغييرات في أنفسكم بحيث لا يصبح هذا الوضع محتملاً فحسب، بل تصبحون راغبين فيه أيضاً.
عندما يكون وضع ما غير مرغوب للإنسان، فهو في البداية يتحمل ذلك الوضع، ثم يستسلم له، ثم يرضى به، ويصبح في النهاية راغباً فيه.
كلا الطريقين هما سبيلان للفلاح بتفسير اللذة (تلبية الرغبات).
ديريك بوك (Derek Bok) ليس على مشرب الرواقيين. فهو يقول إن علينا تغيير ما هو خارجنا حتى يتحقق الفلاح (اللذة). ولذلك فهو ينتهج سياسة السعادة أو سياسة اللذة. وهذا التغيير الخارجي تقوم به مجموعات مختلفة، من بينها رجال الدولة والسياسيون ومنفذو السياسات. وبالطبع، ليست هذه الفئة وحدها مسؤولة عن تغيير العالم الخارجي من أجل السعادة، لكن هذا الكتاب يقتصر على معالجة هذه الفئة. فعلى سبيل المثال، جزء من هذا التغيير للعالم الخارجي يقوم به المعلمون والآباء والأمهات.
وفيما يتعلق بمسألة الحاجات، وكما سبق بيانه، نحن بحاجة إلى متخصصين. وفي كتاب "سياسة السعادة"، لا يتناول ديريك بوك الحاجات.
لو قرأ شخص هذا الكتاب دون الانتباه إلى التفسيرات الموجودة للفلاح، لقال إن هذا الكتاب يذكر سبعة عوامل لسعادة الإنسان (الفلاح بالتفسير اللذي)، لكنه لم يذكر الأخلاق، وليستنتج هذه النتيجة الخاطئة وهي أنه لا حاجة للأخلاق كي يكون المرء فالحاً.
وفقاً للنظرية الثالثة، الفلاح رهن بتلبية الحاجات، وإذا لم تُلبَّ هذه الحاجات فسيدهمنا الفناء. وفي تحديد هذه الحاجات، ليس هناك وفاق بين المتخصصين.
أشهر وجهات النظر هي وجهة النظر الأفلاطونية. وفي هذا الباب، يستنتج أفلاطون بناءً على ثلاثة افتراضات مسبقة. ومن بعده، فحص المفكرون رأي أفلاطون وتوصلوا إلى نتيجة مفادها أنه حتى لو كانت هذه الافتراضات الثلاثة خاطئة، فإن نتيجته صحيحة.
الافتراضات المسبقة الثلاثة لأفلاطون كانت كالتالي:
الافتراض الأول:
كل فرد يتكون من بدن ونفس. لقد كان قائلاً بنوع من الثنائية (Dualism). وكان يعتبرنا متكونين من بدن وروح أو نفس. بعبارة أخرى، لم يكن مادياً.
الافتراض الثاني:
كان أفلاطون يقول إنه بما أن كل فرد هو موجود واحد لا غير، وبما أن هذا الموجود قطعتان، فإن إحدى هاتين القطعتين هي ذواتنا، والأخرى هي ممتلكاتنا. أي أن إحدى هاتين الساحتين تُحمل علينا بفعل "الوجود" والأخرى بفعل "الملك". هل الإنسان بدن له نفس، أم نفس لها بدن؟
كان أفلاطون يقول: احملوا النفس على ذواتكم بفعل الوجود، والبدن بفعل الملك. كان يقول إن كل فرد هو روح تملك جسداً، وكلما حدث تعارض بين البدن (ممتلكاتنا) والنفس (ذاتنا)، فخذوا النفس (الذات) واتركوا البدن (الممتلكات).
الافتراض الثالث:
والآن، بما أن نفس كل فرد هي ذاته، فكم جزءاً لهذه النفس؟ كان يعتقد أن هذه النفس تتكون من ثلاثة أجزاء: المعتقدات، والمشاعر والعواطف والانفعالات، والإرادة.
كان أفلاطون يقول إن الجزء المعرفي من وجودنا يريد الحقيقة. وجزء المشاعر والعواطف والانفعالات منا لا يريد إلا الجمال، ولم يكن أفلاطون يعتبر هذا الجمال جمالاً بصرياً فحسب، فعلى سبيل المثال كان يعتبر الطعام اللذيذ جميلاً لذائقتنا والرائحة العطرة جميلة لحاسة الشم لدينا. والجزء الثالث من وجودنا هو الإرادة، وهي عاشقة للخير، ولا يمكن إرضاء الإرادة بشيء آخر سوى بالعيش الأخلاقي.
كان أفلاطون يقول إن الإنسان يحتاج إلى الحقيقة والجمال والخير. منذ زمن أفلاطون وحتى اليوم، كان لهذه الافتراضات المسبقة الثلاثة لأفلاطون معارضون كثر، لكن دعوى أفلاطون لم تجد معارضاً. ذلك أن وجهة نظر أفلاطون، التي كانت وجة نظر فلسفية، تأكدت بالطرق التجريبية. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر وما بعده، حين استقل علم النفس العلمي، رأى علماء النفس التجريبيون أن طمأنينة الإنسان تتحقق بالحقيقة والجمال والخير. وعليه، فإن وجهة النظر الثلاثية هي وجهة نظر لاقت قبول الكثير من العلماء، وإن كان هناك مخالفون أيضاً.
كان قول أفلاطون إنه باجتماع الصدق والجمال والخير معاً، تُلبى حاجاتنا الإنسانية (وجهة النظر الإنسانية) ويصبح كل فرد إنساناً بكل ما في الكلمة من معنى، ويكون الفلاح ثمرة اجتماع هذه الأمور الثلاثة.
في أبحاث السنوات الأخيرة، أُضيف عامل رابع يبدو أن أفلاطون كان غافلاً عنه. العامل الرابع هو الصداقة والحب، وقد كان أرسطو، بصفته تلميذ أفلاطون، قد انتبه إلى هذا العامل، ولكن تحت ظل أفلاطون الثقيل، لم يُولَ رأي أرسطو هذا اهتماماً كبيراً.
لذا، يُقال اليوم إن الحقيقة، والجمال، والخير، والصداقة والحب هي أربع حاجات يجب تلبيتها حتى يكون الفرد، من منظور الازدهار الإنساني، مزدهراً (مزدهراً من منظور إنساني). إذن، فالحاجة إلى المحبوب والصديق موجودة أيضاً في الإنسان.
يتضح الآن أننا، من أجل الازدهار، نحتاج إلى الأخلاق أيضاً. الإنسان السعيد يمكنه ألا يكون أخلاقياً ويكون سعيداً، لكن الإنسان المزدهر لا يمكنه أن يكون مزدهراً وهو غير أخلاقي في الوقت نفسه.
في النقاش حول السعادة، كان كل فرد يفهم رغباته بنفسه ويرجع إلى المتخصص ليعرف طرق تلبيتها. على سبيل المثال، لتلبية الرغبات يُرجع إلى الطبيب (طبيب الجسد أو طبيب الذهن أو الطبيب النفسي) أو المهندس أو المدير أو ... إلخ.
أما في منطقة الحاجات، فنحن لا نحتاج إلى المتخصص فقط لتلبيتها (كما في منطقة الرغبات)، بل نحتاج إليه أيضاً لمعرفتها.
هنا، يبرز بعض الناس بسرعة، وبالاعتماد على الحاجات في مقابل السعادة، يريدون إحالة الناس إلى جهة لا نعتبرها متخصصة ولا يريد الناس الرجوع إليها لمعرفة حاجاتهم. من هذا المنظور، فإن التركيز على الحاجة في مقابل السعادة يخدم الأنظمة الأيديولوجية. فحين يقول الناس إن رغباتنا لا تُلبى، تجيبهم هذه الأنظمة بأننا منهمكون في تلبية حاجاتكم! أنتم لم تكونوا تفهمون حاجاتكم، ونحن نفهمها ونعمل على تلبيتها.
لذا، يمكن للأنظمة الأيديولوجية أن تسيء استخدام هذا التقسيم بشكل جيد جداً، لكن هذا لا يعني أن هذا التقسيم خاطئ. قابلية إساءة استخدام هذا التقسيم كبيرة. إذا قال الناس إننا لا نملك الرفاه والأمن والصحة والحرية، ترد الأنظمة الأيديولوجية بأننا لا شأن لنا بهذه السعادات الزائلة لكم! بل جئنا لتلبية حاجاتكم الإنسانية! يجب الحذر من أن تسيء الأنظمة الأيديولوجية استخدام هذا التقسيم. ويجب الانتباه إلى أن هذه الأنظمة الأيديولوجية يمكن أن تكون ستالينية، أو دينية، أو حتى ليبرالية.
لإسبينوزا مقولة شهيرة:
"أية جملة قيلت في العالم ولم تُساء استخدامها؟"
لتشخيص حاجاتنا، لا نذهب إلى الإلهيين لنرى ما هي حاجاتنا. لمعرفة نمط حاجاتنا، يجب أن نذهب إلى أصحاب الرأي في ذلك النمط من الحاجات لنتمكن من معرفتها، ويمكننا الاستفادة من مجالات العلوم المختلفة (وليس العلوم التجريبية فحسب).
النقطة التالية تتعلق بتوقعاتنا من الأنظمة السياسية. لا ينبغي لنا أن نتوقع الازدهار من الأنظمة السياسية، لأن الازدهار يعتمد على الفرد نفسه. الفرد نفسه هو الذي يجب أن يكون محباً للحقيقة والجمال والخير والعشق والصداقة. هذه الأمور ليست مما تستطيع الأنظمة السياسية توفيره للناس. لذا، لا ينبغي توقع الازدهار بمعنى الازدهار الإنساني من الأنظمة السياسية.
لكن هل يمكننا أن نتوقع الازدهار بمعنى السعادة من الأنظمة السياسية؟
جواب الرواقيين على هذا السؤال سلبي. لأنهم يرون أن بلوغ السعادة ممكن عبر التغيير الداخلي للفرد نفسه. فالأنظمة السياسية لا تستطيع تغيير الرؤى الداخلية للأفراد.
أما إذا لم تكن نظرتنا رواقية، ونظرنا إلى المسألة مثلاً من منظور النفعية (Utilitarianism) التي تضم عظماء مثل جيرمي بنثام، وجيمس مل، وجون ستيوارت مل، ورسل، فينبغي أن نتوقع من الأنظمة السياسية أن توفر لنا، على الأقل، المقدمات الضرورية للحياة الطيبة. وبتعبير لاروشفوكو، لا يوجد وضع جيد لدرجة لا يستطيع أحمق أن يفسده. لذا، حتى لو وفر النظام السياسي كل المقدمات اللازمة لطيبة الحياة، فلا يزال بإمكان الأفراد أن يرتكبوا الحماقة ويحولوا ذلك إلى ضرر عليهم. إذن، من منظور النفعيين، ينبغي على النظام السياسي أن يوفر للناس المقدمات الضرورية للحياة الطيبة، وقد لا يستفيد الناس من هذه الظروف المهيأة، وهذا أمر يعود إلى المواطنين أنفسهم.
النقطة الأخيرة هي أنه يمكن الحديث عما يصب في صالح الأنواع الثلاثة للرفاه. التفسير القدري للرفاه خاطئ، لكن هذا لا يعني أن الحظ والصدفة لا تأثير لهما في رفاهنا. فالبشر لا دخل لهم ولا تصرف في تحديد آبائهم وأمهاتهم، ولكن بحسب الصدفة، قد يكون أبوا كل فرد وأمه صالحين وسليمين، أو سيئين وغير أسوياء.
إذا كنا نقول إن الأمر ليس كله في أن يستمتع الإنسان فحسب (رفض التفسير اللذي للرفاه)، لكن ينبغي ألا ننسى أن الحياة الخالية من اللذة والمريرة، ليست حياة جذابة. الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وبناءً على سلسلة من المقدمات، يخلص إلى أننا يجب أن نهتم بأبداننا فقط بالقدر الذي أمرنا الله به، والله قال: لا تفعلوا بهذا البدن ما يؤدي إلى موته. لذا يجب أن نشرب الماء لكي لا نموت. لكنه يستطرد قائلاً إن الماء البارد والماء الفاتر كلاهما يرويان العطش، وعلينا أن نشرب الماء الفاتر فقط لكي لا نستمتع بلذة الماء البارد، ولكي نحترس من أن نأنس بهذا العالم! قال عارف مسيحي: كلما أتناول عشاءً لذيذاً في غفلة، أضع يدي في البيت على لهب الشمعة لكي يتحقق التوازن مثلاً!
أما الرؤية الثالثة، فتُعرّف الرفاه بناءً على طلب الحقيقة، والبحث عن الجمال، والإحسان، والحب والصداقة التي يبذلها كل فرد للآخرين. هذه النظرية صحيحة في نظري، لكن يجب أن ننتبه إلى أنه في هذه النظرية أيضاً، على كل فرد أن يأخذ وسعه بعين الاعتبار. صحيح أن البشر يحبون هذه الأمور الأربعة، لكننا في بعض الحالات مضطرون إلى تجاهل أحدها كي ننال الآخر. لذلك، ينبغي ألا نكلف أنفسنا ما لا يطاق (خارج حد الوسع) وننغص الحياة على أنفسنا. في الحالات التي نضطر فيها إلى تجاهل أحد هذه الأمور الأربعة، لا ينبغي أن نلوم أنفسنا على اختيارنا، لأن وسعنا لا يتجاوز ذلك.
أنصح بقراءة كتاب سياسة السعادة. أنا شخصياً تعلمت الكثير من هذا الكتاب. هذا الكتاب يساعدنا في قراراتنا الفردية، كما يساعدنا على أن ندرك في أي مجتمع نعيش وفي أي فضاء يتحرك ساستنا. لكن ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار عند قراءة هذا الكتاب، هو أن ديريك بوك يستخدم الرفاه بتفسيره اللذي، ويطلب تحقيق الرفاه عبر تغيير العالم الخارجي، وهو يلقي بجزء مما يجب أن يتغير في الخارج على عاتق الساسة بحق، وهي بالطبع مهمة ثقيلة.
عدا المهمة التي يلقيها ديريك بوك على عاتق الساسة، يبدو أن هناك طريقين آخرين للسعادة. الدور الذي يؤديه المعلمون والمربون، والدور الذي تقوم به تأملات كل فرد.
.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
الفلسفة
الدين
الفن
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
ضمن عرض سلام به استاد عزیز جناب آقای ملکیان و خسته نباشی به تمامی دستدرکاران.