اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدرس مصطفى ملكيان في مقدمة كتاب «سياسة السعادة» توصيةَ توجيه الحكومة نحو سعادة المواطنين، ويحلل افتراضاتها المسبقة حول سلطة الحكومة وارتباط السعادة بالأوضاع الخارجية.

سياسة السعادة: ما يمكن أن تتعلمه الحكومة من الأبحاث الجديدة حول الرفاه، تأليف ديريك بوك، ترجمة نرجس سلحشور، الطبعة الأولى، نشر نو، ۱۳۹۹، ۳۸۳ ص.
على حد علمي، فإن كتاب The Politics of Happiness: What Government Can Learn from the New Research on Well-being، من تأليف Derek Curtis Bok، والذي صدرت الآن ترجمته الفارسية الأنيقة بقلم نرجس سلحشور تحت عنوان سياسة السعادة: ما يمكن أن تتعلمه الحكومة من الأبحاث الجديدة حول الرفاه، ليس فقط أول مؤلَّف بهذا العنوان، بل أول مؤلَّف بهذا الموضوع يُنشر في الغرب. يتضمن هذا الكتاب، في الواقع، توصية وتقريرًا بحثيًا. التوصية هي أن على الحكومات أن توجه عملية الحكم وكذلك السلوكيات الحكومية نحو ناتج يُدعى "سعادة المواطنين"، وبالتالي، عند الحكم على نجاح/فشل أو جودة/رداءة نظام حكم ما، وعند مقارنة أنظمة الحكم بعضها ببعض، يجب أن يكون المعيار والمقياس والمحك والميزان هو مدى وعمق سعادة المواطنين. أما تقرير الأبحاث التجريبية والميدانية والإحصائية التي أُجريت، فيتمثل في أن سعادة مواطني أي حكومة أو مجتمع تعتمد اعتمادًا كليًا على سبعة عوامل مهمة، بحيث يمكن اعتبار هذه السعادة دالة في هذه المتغيرات السبعة. وهذه العوامل السبعة هي: ۱) المزاج الموروث لكل شخص؛ ۲) الزواج: في مقابل العزوبية، أو فقدان الزوج، أو الانفصال عن الزوج، أو المعاشرة دون زواج رسمي؛ ۳) التمتع بعلاقات اجتماعية، كالصداقة والمجالسة، والمشاركة في الجماعات الاجتماعية، والقيام بأعمال خيرية وتطوعية؛ ٤) التمتع بالرضا الوظيفي-المهني، في مقابل عدم الرضا عن الوظيفة والمهنة وفقدان الوظيفة والمهنة، سواء كان فقدان الوظيفة والمهنة ناتجًا عن الطرد الجماعي لمجموعة من العاملين، بمن فيهم ذلك المواطن المعني (حسب المصطلح الخاطئ الشائع، الناتج عن إعادة هيكلة القوى العاملة) أو ناتجًا عن طرد ذلك المواطن وحده لسبب خاص؛ ٥) تصور الشخص نفسه لوضع صحته الجسمية والبدنية، في مقابل التصور الذي يحمله الأطباء عن هذا الأمر؛ ٦) التمتع بإيمان ديني ومذهبي أو، على الأقل، التمتع بمثل أعلى شخصي يمنح المرء قوة ذهنية ونفسية تضاهي إلى حد ما ما يمنحه الإيمان الديني والمذهبي، كمثل أعلى للتصالح والصداقة مع البيئة ومثل أعلى للعيش البسيط باختيار؛ و ۷) التمتع بنظام حكم ديمقراطي، ملتزم ومتعهد بالحريات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمواطنين، متمسك تمامًا بالدستور وسائر قوانين البلاد، كفؤ وقادر على حل المشكلات، يتمتع بأدنى مستوى من ممارسة العنف، وبأدنى مستوى من الفساد، ويحظى بثقة المواطنين الكاملة (خاصة الشرطة والسلطة القضائية)، ويتحمل المسؤولية ويخضع للمساءلة. وبالطبع، لكل واحد من هذه العوامل السبعة قيود وشروط وحدود وثغور، يأتي تفصيلها وشرحها في فصول الكتاب.
ليس في نيتي هنا تلخيص مطالب هذا الكتاب، على الأقل لأن الكتاب كُتب بأسلوب موجز ومكثف إلى درجة لا يتسنى لي معها تلخيصه، وللاطلاع على محتوياته، فيما يبدو، لا سبيل إلا بدراسته.
بدلًا من ذلك، أود أن أتطرق إلى أهم الافتراضات المسبقة للتوصية الرئيسية للكتاب. هذه التوصية بأن على كل حكومة أن تتخذ من سعادة مواطنيها هدفًا، وأن تعتبر جميع سياساتها وتوجهاتها وتنظيماتها وقوانينها وسائل في سبيل بلوغ هذا الهدف، تنطوي على افتراضات مسبقة أهمها ما يلي:
۱) الحكومة، في علاقاتها ومناسباتها مع سائر المؤسسات الاجتماعية، تمتلك قوة الإلزام و/أو قوة المنع. إن سعادة البشر، كما يتبين حتى من التقرير الذي يقدمه هذا الكتاب عن الدراسات والبحوث المنجزة، تتوقف على أمور تجري في مؤسسات اجتماعية مثل الأسرة، والاقتصاد، والعلم والتقنية والفن، والأخلاق، والدين والمذهب، والتعليم والتربية. فإذا لم تكن لمؤسسة الحكومة قوة التدخل والتصرف في هذه المؤسسات الأخرى، سواء أكانت قوة إيجابية ملزمة أم قوة سلبية مانعة، فكيف يمكنها أن تتخذ قرارات وتضعها موضع التنفيذ تكون كفيلة بتأمين العوامل المؤثرة في السعادة؟
۲) سعادة البشر إما تنحصر أو تعتمد بشكل رئيسي على أوضاعهم وأحوالهم الآفاقية، الخارجية، والموضوعية. إن مدى إجراءات الحكومة، من قرارات وتنفيذ للقرارات، هو الأوضاع والأحوال الخارجية والموضوعية للمواطنين. فهي تستطيع، بالاستعانة بفنون مختلفة، من جملتها فنون الهندسة، والطب، والإدارة الاقتصادية، أن تحدث في الطبيعة، وأبدان البشر، وأوضاعهم وأحوالهم المعيشية، من مأكل ومشرب، وملبس، ووقود، ومسكن، وعمل، وفراغ، وراحة، وسفر ونزهة، تغييرات إيجابية ومنسجمة مع السعادة، أي أن تحسن أوضاعهم وأحوالهم الخارجية والموضوعية. ولكن، إذا ادعى مفكر أن سعادة البشر إما تنحصر أو تعتمد بشكل رئيسي على أوضاعهم وأحوالهم الأنفسية، الداخلية، والذهنية، أي على نظرتهم ومنظورهم الخاص، وبالتالي، فإن تحسين أوضاعهم وأحوالهم الخارجية والموضوعية إما لا تأثير له في سعادتهم أو له تأثير ضئيل، حينئذ، لا يمكن مطالبة الحكومة بسعادة مواطنيها. إن مفكرين كباراً مثل بوذا، والرواقيين، واسبينوزا، وحتى شوبنهاور ونيتشه، كانت لهم مثل هذه الدعوى، وقد ألحوا عليها، بصور متفاوتة نسبياً وبدرجات تأكيد مختلفة على المنظورية (perspectivism)، وعلى أن كل شيء في العالم الإنساني والحياة الاجتماعية، في المحصلة، يدور مدار نظرة الفرد ومنظوره إلى العالم، لا العالم نفسه.
۳) جميع البشر، أو على الأقل جميع مواطني مجتمع ما، لديهم قائمة متشابهة نسبياً من الرغبات، بمعنى أن رغباتهم لا تتعدد بتعدد الجماعات الاجتماعية أو بتعدد الأفراد المتعددين والمتكثرين والمختلفين. فإذا كان هناك مثل هذا التعدد والتكثّر والاختلاف، فإن مطالبة الحكومة بسعادة المواطنين تصبح، مرة أخرى، مطالبة بأمر محال.
٤) رغبات البشر، في نهاية المطاف، لا تتضاد ولا تتعارض مع حاجاتهم. إن التضاد والتعارض بين الرغبة والحاجة أو بين المستلذ/المستكره والمصلحة/المفسدة أو بين المنفعة قصيرة المدى والمنفعة النهائية طويلة المدى، في الزمن الذي نجتاز فيه فترة طفولتنا، ظاهرة شائعة جداً وكثيرة الوقوع. بدننا يحتاج إلى طعام معين؛ لكننا لا نريده. ولا يحتاج إلى طعام آخر بل إن تناوله يضر البدن؛ لكننا نريده. لأننا، إثر إصابتنا بالزكام، صرنا مرضى. نحتاج إلى قرص، أو كبسولة، أو شراب، أو حقنة معينة ونكرهها، ونرغب بشدة في المثلجات أو الشوكولاتة التي ليست في مصلحة البدن ومنفعته النهائية طويلة المدى. في مثل هذه الأوضاع والأحوال، بالطبع، يفضل أبوانا حاجتنا على رغبتنا ومصلحتنا على ما نستلذه، وبحق يفعلان ذلك. منذ أي وقت فصاعداً، يختلف وضعنا، من هذه الجهة، عن وضعنا في فترة طفولتنا؟ منذ أي وقت فصاعداً، نتيقن أن رغبتنا متساوقة ومنسجمة مع حاجتنا ولا تتضاد ولا تتعارض معها؟ منذ متى، كل ما نحتاج إليه نريده وكل ما لا نحتاج إليه لا نريده وكل ما نريده هو مورد حاجتنا وكل ما لا نريده ليس مورد حاجتنا؟ إذا لم نستطع تعيين وقت كهذا، يكون هو الحد الفاصل بين طفولتنا وبلوغنا العقلي والأخلاقي، فينبغي القبول بأننا دائماً معرضون لخطر أن نضحي بحاجتنا في سبيل رغبتنا ونرجح ما نستلذه على مصلحتنا. وفي هذه الحال، أي توقع ينبغي أن يكون لنا من الحكومة؟ توقع تأمين الرغبات أم تأمين الحاجات؟ بتعبير آخر، إذا لم تتحقق معادلة "ما يريده البشر = ما ينبغي للبشر أن يريدوه"، فما الشيء الذي ينبغي للمواطنين أن يطالبوا به الحكومة؟
لإزالة أي سوء فهم، أود التأكيد على أن تشخيص احتياجات البشر لا ينبغي أن يُطلب من أي أيديولوجيا، دينية كانت أم غير دينية. وكما أن تقدم علوم التغذية بلغ اليوم حداً يستطيع معه متخصص في علوم التغذية أن يخبر كل واحد منا، بالنظر إلى عمره وجنسه ووزنه وطوله، بمقدار ما يحتاج إليه من بروتين وكالسيوم وفيتامينات وسعرات حرارية وما إلى ذلك في كل يوم وليلة، فإن سائر احتياجاتنا الجسدية والذهنية والنفسية ينبغي أن يحددها متخصصو شتى العلوم المعنية بالإنسان، لا أي مقام أو مرجع آخر.
٥) لقد بلغت العلوم والمعارف البشرية حداً من التقدم يمكّنها من إدراك أمرين: أحدهما احتياجات الإنسان، والآخر تعارض/عدم تعارض رغبات الإنسان مع احتياجاته.
٦. ليست للحكومة، في ذاتها، رغبات و/أو احتياجات متعارضة مع رغبات و/أو احتياجات مواطنيها. ومن الواضح أنه إذا كان مثل هذا التعارض موجوداً أو وُجد، فإن الواقعية تقتضي ألا نتوقع أن تضحي الحكومة برغباتها و/أو احتياجاتها من أجل رغبات و/أو احتياجات المواطنين. أليس مثل هذا التوقع مخالفاً للتجربة التاريخية لنوع البشر ومخالفاً للحدس الباطني لكل فرد إنساني؟
لم يكن قصدي سوى عرض أهم الافتراضات المسبقة لسياسة السعادة، لا أن أنقد أو أرفض أياً منها. بل على العكس، أنا شخصياً مغتبط للغاية بأن مفكراً مثل ديريك بوك، وهو أحد أكبر الحقوقيين والمتخصصين في التربية والتعليم في أمريكا، وشغل لسنوات طويلة منصب رئيس جامعة هارفارد، قد أبدى اهتماماً بمثل هذه القضية البالغة الأهمية.
أنصح بشدة بقراءة هذا الكتاب.
مصطفى ملكيان
.
.
سخنرانی مصطفی ملکیان در رونمایی از کتاب سیاست شادکامی (۵ دی ۹۶ – خانه اندیشمندان علوم انسانی)
.
.
الفلسفة
الدين
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.