اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يصف مصطفى ملكيان سيمون فاي في مقدمة «رسالة إلى قسّ» بأنها «قدّيسة كاثوليكية خارج الكنيسة» عملت في المصانع لتتفهّم معاناة المستغَلّين؛ نصٌّ حول ثمانية محاور من فكرها وسلوكها.

إشارة: تُعرف «سيمون فاي» بأنها كاتبة ذات نزعة روحانية وملتزمة بالدين المسيحي لكنها نافرة من الكنيسة، وقد وُصفت بأنها «العذراء اليسارية» و«قديسة كاثوليكية خارج الكنيسة». كانت «رسالة إلى قسّ»، من بين آثار سيمون فاي، أول عمل تُرجم لها إلى اللغة الفارسية. ما يلي هو المقدمة شديدة الاستنارة، ودقيقة الملاحظة، والآسرة التي كتبها مصطفى ملكيان لهذا الكتاب، والتي يرسم فيها، بعد تصوير الوجه المتألق لهذا الرمز في الطهارة والتقوى، المضمون الجوهري لـ«رسالة إلى قسّ» في ثمانية محاور ومئة وعشرين بنداً:
وُلدت سيمون فاي وترعرعت في بيئة أسرية فرنسية-يهودية، مثقفة، ومنتمية إلى الطبقة الوسطى. في هذه البيئة، حظيت بتربية وتعليم رفيعين وممتازين للغاية، وتعلمت الكثير خصوصاً عن ثقافة وفن وأدب اليونان وروما القديمتين، وعن الأفكار الأخلاقية. وإضافة إلى أنها أتقنت «اللغات اليونانية واللاتينية والسنسكريتية وعدة لغات حديثة» بشكل جيد، فقد أجرت دراسات وأبحاثاً واسعة في مجال الأخلاق، «والفلسفة، والأديان الغربية والشرقية، والعلوم التجريبية، والرياضيات، والأدب»، والتاريخ.
لكن ما هو أكثر لفتاً للنظر وجاذبية من معلوماتها ومعارفها هو شخصيتها وطبعها النفسي والأخلاقي. إن حبها اللامحدود للبشر، وشغفها الذي لا يُقاوم بالعدالة الاجتماعية (الناتج عن ذلك الحب نفسه)، وسعيها الدؤوب وراء الحقيقة، لما اجتمعت وتمازجت مع وسواسها الأخلاقي وأيضاً مع نزعاتها وتجاربها العرفانية، صنعت منها إنسانة شديدة المحبة، تثير الغبطة، وملهمة. يبدو أن سلوكها الفردي والاجتماعي، وطريقة عيشها، بل وحتى موتها، قابلة للتفسير والتبرير بالكامل باللجوء إلى هذه الخصال النفسية والأخلاقية الخمس.
خلال حياتها القصيرة التي دامت أربعة وثلاثين عاماً، كانت معلمة فلسفة ناجحة وبارزة، ومناضلة ذات التزامات يسارية، وكاتبة مقالات تثير التفكير والتأمل في القضايا الاجتماعية والدينية، وشخصية ذات نزعة عرفانية استثنائية ومختلفة تماماً. في أيام دراستها، كان الذين يعرفون طهارتها ونقاءها ويشهدون أيضاً أنشطتها الاجتماعية والسياسية اليسارية الحماسية، يطلقون عليها لقب «العذراء اليسارية» (Red Virgin). وفي السنوات الأخيرة من عمرها، وبعد وفاتها، أطلق عليها أشخاص أكثر عدداً بكثير (خصوصاً عندما نُشرت مقالاتها وملاحظاتها ورسائلها لأول مرة على هيئة كتب) لقب «قديسة كاثوليكية خارج الكنيسة». لقد كانت شخصية تثير قارئها، وتقلقه، وتدفعه إلى التأمل. كان وسواسها الأخلاقي النادر، وشغفها الاجتماعي والديني المليء بالهموم، يتمتعان بجاذبية عظيمة في نظر العديد من المفكرين الذين اختلفوا معها وفيما بينهم.
لقد دفعها حبّها اللامحدود للبشر إلى شعور بالتوحّد والتقمّص الوجداني لا يُقاوم مع المظلومين والمُهانين، أي شعور التوحّد مع العمّال والفلّاحين والمُستعمَرين وسائر البشر المُستغَلّين وطالبي اللجوء الفارّين من شرّ الحكومات الشيوعية والفاشية. وكونها تحوّلت لاحقاً من اليهودية، دين أسلافها، إلى المسيحية، كان بتعبيرها الصريح، يعود أساساً إلى أنها رأت الصورة الأولى والأصيلة للدين المسيحي «ديناً للعبيد بامتياز» ووحّدت نفسها مع هؤلاء العبيد؛ ومرّة أخرى، داخل عالم المسيحية، كان عدم التزامها بالكنيسة والإكليروس المسيحي ناجماً جزئياً عن أنها وجدت الكنيسة والإكليروس في صراع مع العبيد. هذا الحبّ للبشر عينه هو الذي جعلها، أسرع بكثير من معظم المثقفين اليساريين، تنصرف عن الماركسية والشيوعية، ودفعها إلى أن تتّجه بذكاء وشجاعة نحو راديكالية لم تكن ماركسية ثورية بمعنى تجنّب الخداع والظلم والجور وعنف الستالينية في زمانها فحسب، بل بمعنى أن هذا المذهب متأصّل في النفعية القاسية للينينية وتناقضات أصول العقائد الماركسية ذاتها، وأن أياً من هذه الأمور النظرية والعملية لا ينسجم مع مصالح ومنافع البشر المُبتَلين بالمعاناة. وكانت، في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، تدافع عبر مجادلاتها القلمية التحليلية الدقيقة، عن المساواتية، والوحدوية الديمقراطية، ومناهضة الاستعمار، والنزعة السلمية، ونوع من النظام الاجتماعي الجديد الذي يكون تحررياً وشفوقاً في آنٍ معاً. إن انصراف اهتمامها الوسواسي إلى المُستغَلّين أرغمها على أن تعمل شخصياً، كعاملة، في المزارع والمصانع، وأن تنخرط من هذا الطريق في تعليم نفسها وتزكيتها، وكان هذا العمل، بسبب ضعف بنيتها الجسدية واعتلال صحتها الدائم وفقدان شهيّتها، مؤلماً للغاية ومرهقاً.
إن التوق الذي لا يُقاوم إلى العدالة الاجتماعية، لمّا اقترن بمعرفة عميقة بالطبيعة الآدمية وجوهر الحداثة، قادها إلى نتيجة مفادها أن حلّ اليساريين ذوي النزعة الماركسية، الذي يرى العدالة الاجتماعية رهينة بتغيير في المِلكية وكذلك السلطة السياسية، لا يمكن أن يكون حلّاً ناجحاً، بل ينبغي إحداث تغيير أعمق بكثير في العمل الجديد ذاته. ففي نظرها، إن التنظيم الجديد للعمل القائم على الكفاءة الإدارية، ومن جملته هيمنة هذا التنظيم الهرمي الذي يريد على أية حال أن يكون الأدنى تابعاً ومنقاداً للأعلى، وحتى تصميم الآلات والأجهزة ونظام التكنولوجيا ذاته، كلّها يجب أن تُؤنسَن من الجذور حتى تستطيع تلبية حاجات البشر؛ فما لم يُشرف العمّال، بالمعنى الدقيق للكلمة، على سير العمل والإنتاج، وما لم تُطبّق اللامركزية على سير العمل والإنتاج لضمان الحريات وتأمينها، فلن تظهر العدالة الاجتماعية ـ الاقتصادية. وهذا الأمر يستلزم أن تُفكّك وتُدمَّر من الأساس البنى الرأسمالية الدولية، ومن جملتها الاستعمار، وأن يُقبَل مُجدّداً على الوحدات الاجتماعية ـ السياسية المحلية (التي هي إقليمية أكثر منها وطنية)، كما يستلزم أن تزول البنى السياسية الجديدة، مثل الأحزاب السياسية والنقابات التجارية، لأن هذه البنى السياسية تُسلّم بالعنف الناشئ عن المصالح المتضاربة.
لقد دفعها بحثها الجادّ عن الحقيقة أولاً: إلى الهروب من أيّ نسقنة تُضحّى فيها بالوقائع للحفاظ على اتساق النسق، وثانياً: إلى نوع من الانتقائية والتفكير الانتقائي يُؤخذ فيه بالحقّ والحقيقة حيثما وُجدا، سواء أكانا قديمين أم جديدين، شرقيين أم غربيين، ويُنبذ فيه الباطل والخطأ حيثما شوهدا. حتى دينها كان انتقائياً. فمسيحيتها، فضلاً عن كونها متأثرة بشدة بفهمها وتمييزها الشخصي وذات جانب تقشّفي ونسكي قوي، كانت انتقائية عن وعي وقصد وبصورة ذكية وعالِمة، لأنها من جهة لم تشمل فقط التجسّدات اليونانية للمسيح، بل تجسّداته البوذية وأيضاً تجسّداته العديدة في الثقافة الشعبية والأدب، ومن جهة أخرى رفضت القسم الأعظم من العهد القديم الذي تعتبره المسيحية الرسمية والتاريخية من جملة الكتب المقدسة، ومن جهة ثالثة تغذّت من منابع أفلاطونية ورواقية وهندية، ومن جهة رابعة تأثرت بكانط وماركس أيضاً إلى حدّ ما.
وسواسه الأخلاقي جعله لا يقتصر على التشدد على نفسه في سبيل الاستكمال الأخلاقي وجلد ذاته، بل دفعه إلى التأكيد على التعاليم والأحكام الأخلاقية للدين أكثر من سائر تعاليمه، ومن منظور أخلاقي شنّ هجمات عنيفة على المسيحية التقليدية والتاريخية وحتى على الكتب المقدسة، وفي مقام التدريس والتعليم، كان يشرح النصوص الأدبية والفلسفية من منظور أخلاقي. ومع أنه نتيجة للإحباط السياسي الناجم عن تبدد آمال وأحلام الجبهة الشعبية في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، وبسبب عنف الفاشيتين الحمراء والسوداء، انجذب نحو التأكيد على الأمور والمسائل الدينية، ومع أن التجارب العرفانية المتكررة التي انتابته منذ عام 1938 فصاعداً قرّبته من المذهب الكاثوليكي، حتى إنه نظم أشعاراً تتفق ومشرب الكاثوليكية ومسلكها، إلا أنه مع ذلك كله لم ينضم أبداً إلى الكنيسة ولم يعتمد، ورغم أن ميله إلى المذهب الكاثوليكي كان خالصاً ومخلصاً، فقد كان ذا نظرة نقدية جداً للكنيسة كمؤسسة بيروقراطية، وكانت انتقاداته لهذه المؤسسة ذات طابع أخلاقي في الغالب، وكان يركز بإصرار على التلوث الروحي، والأخلاق الملتبسة المرائية المزورة، ومحاكم التفتيش، وانعدام التسامح في الكنيسة، وإن لم تكن عداؤها للعقلنة بلا تأثير في هذا الموقف النقدي.
تجاربه العرفانية، وإن كانت مؤثرة في تقريبه من المذهب الكاثوليكي، إلا أنها كانت في الوقت نفسه تمنعه من الانضمام إلى الكنيسة، لأن مشربه العرفاني كان شديد القرب من مذهب الغنوصية (Gnosticism)، في حين أن الكنيسة لم تكن فقط تعارض بشدة الأركان الثلاثة الرئيسية لهذا المذهب، أي الإيمان بمبدأي الخير والشر، والتشاؤم، والإيمان بإله غير مشخص، بل كانت تعد هذا المذهب من أسوأ البدع التي ظهرت في الدين المسيحي وأكثرها إثارة للامتعاض، ولهذا السبب قامت بملاحقة الكاثار (Cathari) وتعذيبهم، وهم أتباع حركة دينية شاعت في القرون الوسطى وكانت تؤمن بالثنوية وتنبثق من الغنوصية والمانوية، وأبادتهم بأبشع صورة في القرن الخامس عشر الميلادي.
لعل أبرز رسالة لهذا القديس وبطل الأخلاق إلى مخاطبيه هي أن يسعوا إلى أمرين: أولهما الطهارة التامة، والآخر "موهبة المحنة" في عالم يفيض بألم البشر ومعاناتهم. ففي نظره، في عالم مشحون بالألم والمعاناة، فإن معاناة الإنسان لألم أبناء جنسه هي موهبة وعطية إلهية، نظير موهبة الصلب وعطيته التي نالها يسوع المسيح. ومن أعمق أقواله: "إن منشأ كل الشرور هو التخيل وأحلام اليقظة"، لأن من ينشغل بهذا العمل، بدافع من الغرور، يغفل عن عالم يئن ويتألم باستمرار، ويوجه انتباهه إلى خير أو خيرات تقع وراء هذا العالم الواقعي. وطريقة موته، بأفضل وجه، تنم عن حاجته إلى أن ينال حظاً من المحنة التامة والشفقة الخالصة تجاه البشر الذين يأتون ويتألمون ويمضون.
* * *
رسالة إلى قسّ، من بين آثار سيمون فاي، هي أول أثر يُنشر باللغة الفارسية. في هذا الأثر، تتحدث سيمون فاي كمفكرة، من جهة، هي أولاً عاشقة للدين المسيحي وملتزمة به و«لطالما قبلت النهج المسيحي باعتباره النهج المعقول الوحيد»، ومن جهة أخرى، هي شديدة الاستياء والنفور من تفسير الكنيسة الكاثوليكية الرومانية لهذا الدين وما اقترفته هذه الكنيسة، على مر التاريخ، باسم الدين، لدرجة أنها «لم تشعر أبداً، ولو للحظة واحدة، بأن الله... يريد[ها] في الكنيسة.» بهذا الارتباط العاشق بالدين والروحانية وذلك «الانفصال النقدي عن جميع أشكال وصور الدين المؤسسي»، وبوصفها شخصاً «كان دائماً أكثر انشغالاً بمعاناة الآخرين ومحنهم ـ بما في ذلك الشرور والآثام التي كانت تُرتكب باسم الدين ـ من قلقه على موقعه الخاص»، وبدافع «الصدق والتواضع الفكري الوسواسي» الذي كانت تتحلى به، تكتب رسالة موجهة إلى قس كاثوليكي دومينيكاني فرنسي مقيم في نيويورك، وتعدد فيها بعض الأفكار التي استقرت في ذهنها وضميرها وشكلت حاجزاً بينها وبين الكنيسة، وتنوه إلى أن تلك الأفكار، في نظرها، تنطوي على درجات متفاوتة من الاحتمال أو اليقين وليست محتملة أو يقينية بالقدر نفسه، وفي الوقت ذاته، تطلب من مخاطبها في الرسالة أن يحدد بشكل قاطع وصريح ما إذا كان كل واحد من هذه الأفكار متوافقاً حقاً مع العضوية في الكنيسة أم لا، رغم أنها إن أدانت الكنيسة كلها أو بعضاً منها، فإنها لن تتخلى عنها حتى يثبت لها أنها خاطئة. سيمون فاي، من جهة، تعتبر الانشغال الجاد بهذه الأفكار والعقائد والمسائل أمراً بالغ الأهمية وتقول: «حاشا وكلا أن أعتبر التفكير في هذه المسائل لعبة. هذا التفكير ليس فقط ذا أهمية حيوية بالنظر إلى أن الخلاص الأبدي للإنسان نفسه في خطر، بل، علاوة على ذلك، يمتلك أهمية أعتقد أنها تفوق بكثير أهمية خلاصي أنا شخصياً. مسألة الموت والحياة لعبة بالمقارنة مع هذا التفكير.» ومن جهة أخرى، تتجنب بشأن هذه الأفكار والعقائد والمسائل أي نوع من النرجسية والجمود والتعصب وتقول: «أنا أعتبر نوعاً من تعليق الحكم على جميع الأفكار، أياً كانت، دون استثناء، فضيلة التواضع في مملكة العقل.» وبهذا تظهر روحانيتها العميقة وعقلانيتها الأصيلة معاً. من المناسب أن نفصل أهم عقائد سيمون فاي، في هذه الرسالة، عن بعضها البعض، ونقدم تنسيقاً دقيقاً لكل منها، ونرتبها وننظمها بناءً على الصلة التي تربطها ببعضها البعض. يبدو أنه يمكن حصر هذه الموضوعات والمضامين في ثمانية موضوعات ومضامين.
۱ الله
۱) الله محبة.
2) أهم حقيقة بشأن الله هي أنه خيِّر. لذا، فإن الاعتقاد بأن الله يمكن أن يأمر بالظلم والجور هو أكبر خطأ بشأنه.
۳( الله يمنح لطفه للأخيار والأشرار على حد سواء. هذا اللطف المتساوي للأخيار والأشرار ليس ظلماً، بل هو أسمى وجه مميز لعدالة الله. ۴) هذا التصور الشائع بأن الله، مثل سلطان مطلق العنان متقلب المزاج، يفيض بنعمته على إنسان أكثر من آخر بشكل اعتباطي.
بحجة أنه ليس مديناً لأي إنسان، هو تصور خاطئ تماماً. إنه مدين لخيريته اللامتناهية بأن يمنح الخير لكل مخلوق على أكمل وجه.
۵) الله يفيض كمال نعمته باستمرار على كل شخص. نحن البشر من نرضى بتلقي نعمته بدرجات متفاوتة. في الأمور الروحية البحتة، يحقق الله جميع الرغبات والأماني. أولئك الذين لديهم أقل هم الذين رغبوا أقل.
۶ ) فكرة أن الله في بحث عن الإنسان هي فكرة جميلة وعميقة بلا حدود؛ وبمجرد أن تحل محلها فكرة أن الإنسان في بحث عن الله يظهر الانحطاط.
۷) الله، في الوقت نفسه، شخصي وأنثروبومورفي وغير شخصي ولا أنثروبومورفي. هذان المفهومان لا يمكن الجمع بينهما إلا في الله، وهما متناقضان ومتعارضان في غيره.
8) كثير من الأمور المتناقضة الأخرى (غير الشخصية واللاشخصية) يمكن الجمع بينها في الله.
9) فقط في حال تصوّرنا الله شخصيًا وبشريًا وغير شخصي وغير بشري في آنٍ معًا، يمكننا أن نتصوره ثالوثًا (أقانيم ثلاثة) وواحدًا (أحدًا) في الوقت ذاته.
10) القديسون الذين يتمتعون بمراتب عليا من الروحانية يعرفون الله، في آنٍ واحد ودون نقصان، شخصيًا وغير شخصي؛ أما القديسون الواقعون في المراتب المتوسطة أو الدنيا، فينصبّ اهتمامهم حصرًا أو غالبًا على أحد هذين الجانبين من وجود الله.
11) كل التصورات التي نحملها عن الله والمنافية للنشاط الناجم عن المحبة الخالصة هي تصورات خاطئة. أما سائر التصورات التي أحملها عنه فهي صحيحة بدرجات متفاوتة. فمحبة الله ومعرفته، في الواقع، لا يمكن فصلهما عن بعضهما.
٢ الإيمان والفضيلة والرجاء (=الفضائل الإلهية الثلاث)
12) الإيمان الحقيقي هو نوع من الالتزام يختلف عن الاعتقاد برأي معين.
13) كل من يؤمن بأن يسوع هو المسيح، حتى لو لم يوافق على أي شيء آخر تؤكده الكنيسة، فهو صاحب إيمان حقيقي.
14) تعريف "الإيمان بأنه الاعتقاد الراسخ" بكل ما علّمته الكنيسة (تعريف مجمع ترنت) هو تعريف خاطئ.
15) رأي القديس توما الأكويني القائل بأن من يرفض قبول أصل عقائدي واحد لا يملك ذرة من الإيمان، هو رأي باطل: ويستلزم نزعة شمولية، إن لم تكن أكثر خنقًا من شمولية هتلر، فهي خانقة بالقدر نفسه تمامًا.
16) الإيمان والمحبة، وإن كانا شيئين، لا ينفصلان عن بعضهما.
17) محبة الله ومحبة القريب، وإن كانتا شيئين، لا تنفصلان عن بعضهما.
18) كل من يستطيع أن يُظهر شفقة خالصة تجاه إنسان متألم، فهو حتمًا واجد لمحبة الله وللإيمان؛ حتى لو لم يخطر بباله ذرة من التفكير في يسوع المسيح.
19) إنه لادعاء باطل أن الشيطان يهيئ أسباب ووسائل ظهور فضيلة المحبة الخالصة للقريب (وقبول نظام العالم كله) في الهراطقة والملحدين والكفار ليتمكنوا من خداع الآخرين بشكل أفضل. حيثما توجد هذه المحبة، ثَمّ يوجد الإيمان.
20) إن من يُسمّون بالملحدين والكفار، والذين يستطيعون ممارسة الشفقة الخالصة، هم قريبون من الله تمامًا بقدر المسيحيين، وبالتالي يعرفونه بالقدر نفسه. لأن "الله محبة" وهؤلاء يعرفون المحبة. وإن عُبّر عن معرفتهم بعبارات أخرى أو ظلت غير منطوقة.
21) معنى الفضائل الإلهية الثلاث، أي الإيمان والمحبة والرجاء، هو كالتالي: فضيلة المحبة تعني أن نُعمل قوة الحب الملكوتي والإلهي. وفضيلة الإيمان تعني أن نجعل كل قوى النفس تابعة ومنقادة لقوة الحب الملكوتي والإلهي. وفضيلة الرجاء تعني أن نهدي النفس نحو تحول تصبح بعده، كليًا وحصرًا، محبة.
22) لكي تتحقق فضيلة الإيمان، أي أن تصبح سائر قوى النفس تابعة ومنقادة لقوة المحبة، يجب على كل واحدة منها أن تجد خيرها الخاص في هذه القوة، وهذا الكلام ينطبق بشكل أكبر على العقل الذي هو، بعد المحبة بذاتها وحقيقتها، أثمن من سائر القوى جميعًا.
٣ العقل، وأسرار الدين، والأصول الاعتقادية
23) أسرار الدين لا يمكن أن يؤيدها العقل أو ينكرها، لأنها ليست من سنخ الحقيقة، بل هي أسمى من الحقيقة. إن قيمة قضايا مثل "يسوع المسيح هو ابن الله" و"الخبز والنبيذ المباركان هما جسد المسيح ودمه" (وهي من أسرار الدين المسيحي) لا تنتمي إلى مقام الحقيقة ومرتبتها، بل تنتمي إلى مقام ومرتبة أسمى؛ لأن الحقيقة تنتمي إلى حقل العقل، في حين أن إدراك قيمة هذه القضايا مستحيل على العقل، إلا بشكل غير مباشر وعبر الآثار والنتائج التي تحدثها.
24) الجزء الوحيد من النفس الإنسانية القادر على الاتصال الحقيقي بأسرار الدين والالتزام بها هو مَلَكة العشق الملكوتي والإلهي. ودور سائر قوى النفس، وفي مقدمتها قوة العقل، يقتصر على إدراك أن الأمور التي يتصل بها العشق الملكوتي والإلهي حقيقية، وأن هذه الحقائق أسمى من متعلقات تلك القوى نفسها، ثم بعد هذا الإدراك، أن تخفت فور أن يبزغ العشق الملكوتي والإلهي حقاً في النفس.
25) لخفو العقل، إفساحاً للمجال للعشق كي يستولي على النفس كلها، نتيجتان مهمتان: الأولى أن العقل، حين يعاود نشاطه بعد هذا الخفو، يجد نفسه، قياساً إلى الماضي، متمتعاً بنورانية أشد وسعة أكبر لإدراك الحقائق الخاصة به؛ والأخرى أن هذا الخفو يهب العقل تهذيباً لا نظير له يجعله قادراً على إدراك حقائق كانت ستبقى عنه محجوبة إلى الأبد لولا هذا الخفو؛ وبتعبير آخر، إن بعض الحقائق في متناول العقل وفي قبضته، لكن العقل لا يقدر على إدراكها إلا بعد أن يمر خافتاً من خلال الأمور اللامعقولة.
26) لا يستطيع العقل أن يدرك مزايا هذا التبع والانقياد للعشق إلا بمعونة التجربة، وعبر المراجعة وإعادة النظر، ولا يمكنه أن يعرف شيئاً عن هذه المزايا قبل التجربة.
27) ليس من الضروري أن يبدأ العقل عمله بدليل يبرر قبول التبع والانقياد للعشق. ففي الواقع، هذا التبع والانقياد أمر فوق طبيعي لا يحدث إلا بصنع الله.(26)
28) لكن وضع العقل إزاء أصول العقائد الدينية يختلف عن وضعه إزاء أسرار الدين: فالتلقي الصحيح لأصول العقائد الدينية ليس بتصديقها، بل بالنظر إليها من مسافة معينة، بدقة وحرمة وعشق.(۲۴)
29) ينبغي لنا أن نولي اهتماماً احترامياً دائماً لا جدال فيه للبيانات التي رأت الكنيسة من الصواب أن تجعل أسرار الدين بها قابلة للفهم ومصونة، وبالأخص للإدانات الصادرة عن الكنيسة، لكن لا ضرورة لأن نكون ملتزمين بها ومخلصين لها.(۲۷)
30) كذلك، ينبغي أن نولي اهتماماً احترامياً للآراء التي أدانتها الكنيسة، وذلك بحسب ما يبدو من صلاح مضمون تلك الآراء أو حياة أصحابها ـ حتى لو كان هذا الصلاح الظاهري ضئيلاً جداً وتافهاً.
31) التوصية بتصديق أصول العقائد الدينية والالتزام بها فكرياً وعقلياً خاطئة من وجهين: الأول أن النظرة الدقيقة المتسمة بالحرمة والعشق إلى أصول العقائد، وما يرافقها من صدمة تلحق بالإنسان جراء هذه النظرة، تؤدي إلى إشراق نور في النفس ينير جميع وجوه الحياة الإنسانية في الحياة الدنيا، في حين أن تصديق أصول العقائد يفتقر إلى هذا الأثر؛ والثاني أن الالتزام الفكري والعقلي ليس أمراً اختيارياً أبداً وبأي وجه من الوجوه، والاهتمام وحده هو الأمر الاختياري؛ وعليه، فإن الاهتمام وحده هو ما يمكن أن يصبح متعلقاً للإلزام والتكليف، لا الالتزام الفكري والعقلي.
32) ما يُحدث عملياً، عبر ممارسة الإرادة، ليس التزاماً فكرياً وعقلياً، بل هو إيحاء وتلقين. (شرطية باسكال تؤدي إلى هذا الإيحاء والتلفيق عينه، لا إلى الالتزام الفكري والعقلي).
33) ليس ثمة ما يحط من مقام الإيمان أكثر من السعي لإحداث التزام فكري وعقلي عبر ممارسة الإرادة. فهذا الإيمان، عاجلاً أم آجلاً، سيكون عرضة للشك والريب والوسوسة والشبهة.
34) ما من شيء أسهم في إضعاف الإيمان وتشجيع اللاإيمانية بقدر التلقي الخاطئ لوظيفة العقل، أي أن نعتبر وظيفة العقل هي تصديق أصول العقائد والالتزام بها.
35) كل تكليف، عدا التكليف بالاهتمام، يؤدي إلى اختناق النفس كلها، لا اختناق العقل فحسب.
36) ينبغي للعقل إما أن يُمارس بكامل الحرية وإما أن يظل خافتاً (الفقرتان 24 و25)؛ فالنشاط المقيد والمشروط للعقل غير ممكن (28). الحرية الكاملة للعقل، في نطاقه الخاص، ضرورية. ففي نطاق العقل، لا حق للكنيسة في أي شكل من أشكال الرقابة والقضاء. ونتيجة لذلك، حيثما يتعين إقامة البرهان على دعوى، تكون جميع البيانات الكنسية باطلة وغير مشروعة.
37) بقدر ما تكون قضية «الله موجود» قضية عقلية ـ وبهذا القدر فقط ـ يمكننا إنكارها، دون أن نرتكب إثماً على الإطلاق، لا في ناحية الإيمان ولا في ناحية المحبة. النفي المؤقت لهذه القضية هو من المراحل الضرورية للبحث الفلسفي.
38) حق الكنيسة في الإشراف والقضاء في الأمور التعبدية، من حيث إنه يفرض نوعاً من الانضباط في ناحية الانتباه على العقل، وكذلك من حيث إنه يمنع العقل من دخول عالم الأسرار، الذي هو غريب عنه ويؤدي إلى تيهانه فيه، هو أمر مرغوب.
39) حق الكنيسة في الإشراف والقضاء في الأمور التعبدية، من حيث إنه يمنع العقل، في بحثه عن الحقائق التي هي شغله الشاغل، من أن يستخدم بحرية تامة نوراً منبثاً في النفس، ناتجاً عن التأمل والمراقبة العاشقة، هو أمر غير مرغوب.
٤ المعجزة
40) لا يمكن الجزم بتصديق أو تكذيب صحة ووثاقة الأعمال التي اعتُبرت معجزات تاريخياً.
41) المعجزات، بافتراض وقوعها وقبولها، ليست برهاناً على صدق الدين وحقانيته، لأنها (الدليل الأول:) لو كانت برهاناً، ونظراً لعدم وجود دين إلا وله معجزات، لأثبتت صدق وحقانية جميع الأديان، لا ديناً واحداً بعينه.
42) والقول بأن معجزات المسيحية هي المعجزات الوحيدة المعتبرة وسائر المعجزات غير واقعية، أو أن معجزات المسيحية وحدها هي من عمل الله وسائر المعجزات من عمل الشيطان، هو قول تحكمي بلا دليل (ويمكن قول الشيء نفسه بخصوص النبوءات والشهداء أيضاً).
43) المعجزات ليست برهاناً على صدق الدين وحقانيته، لأنها (الدليل الثاني:) ليست سوى آثار طبيعية لقدرات استثنائية يمتلكها قلة من البشر، وفي أغلب الحالات (لا كلها) القديسون، ومن ثم، فهي تورث ظناً قوياً (لا قطعاً) بقداسة آتِي المعجزة؛ لكن المعجزة والعمل الخارق والنبوءة يمكن أن تصدر أيضاً عن الأشرار والكذابين، وبالتالي، لا يمكن أن تدل على حقانية الفاعل وصدقه.
44) لو كانت المعجزات تمتلك حقاً الطبيعة والأهمية والقيمة التي تُنسب إليها، لكانت ندرتها، في زماننا، مدعاة لهذا الاعتقاد بأن الكنيسة لم يعد لها نصيب من الله والحق والحقيقة.
45) كان قول المسيح: قدّسوني لأني أفعل الخير على الدوام وبشكل حصري. لا لأني أصنع المعجزات. صلاح وجمال سلوك وحياة المسيح كانا معجزته. لا أمراً خارقاً للعادة يصدر عنه. المعجزة الحقيقية للمسيح هي العشاء الرباني وآلام المسيح، وهما معجزتان غير مرئيتين وغير ماديتين.
46) ذكر المعجزات المرئية والمادية يجعل الإيمان أصعب، لا أسهل.
47) مفهوم المعجزة ذاته هو مفهوم غربي وحداثي؛ وهو مرتبط بالنظرة العلمية للعالم ومتعارض معها في آن.
48) أعقل الطرق وأكثرها وجاهة لفهم حقيقة المعجزة، بما يتوافق مع النظرة العلمية للعالم، هي أن نعتبر العالم شبكة من العلل الثانوية لا ثغرة فيها. وعليه فالمعجزات أيضاً لا تخرج عن سلسلة العلل الثانوية التي لا تتغير، والعلم الذي بلغ درجة كافية من التقدم يمكنه تبريرها وتفسيرها جميعاً.
49) هذا الرأي القائل بأن العلم الذي بلغ درجة كافية من التقدم يمكنه تبرير وتفسير جميع المعجزات، باعتبارها أموراً تقع ضمن سلسلة العلل الثانوية التي لا تتغير، لا يتجاهل صلة المعجزات بالعالم فوق الطبيعي.
50) يمكن لواقعة ما أن ترتبط بالعالم فوق الطبيعي على ثلاثة أنحاء: أ) أن تكون من آثار ونتائج آلية، رغم حدوثها في الجسد، يكون أحد مكوناتها أمراً فوق طبيعي؛ ب) أن تكون من آثار ونتائج تدخل الشيطان في النفس؛ ج) أن تكون من آثار ونتائج تدخل الله في النفس. بكاء شخص هو عاشق صادق لله، أو صدقة نابعة من محبة خالصة لشخص ما، أو مشي قديس على الماء، هي من آثار ونتائج آلية نفسية ـ جسدية، لكن بما أن إحدى حلقات هذه الآلية هي المحبة، التي هي أمر فوق طبيعي، فإن ذلك البكاء أو إعطاء الصدقة أو المشي على الماء، بهذا الاعتبار أيضاً، هو أمر فوق طبيعي ومن مصاديق (أ).
51) ربما توجد حقائق لا يستطيع الجسد وحده إحداثها أبداً، بل لا يمكن أن تظهر إلى الوجود إلا عبر آليات يكون فيها إما دولاب الحب الملكوتي والإلهي أو دولاب الكراهية الشيطانية هو الفاعل. جهلنا أعظم من أن نستطيع تأكيد أو إنكار وجود مثل هذه الحقائق. ربما كان المشي على الماء واحداً من هذه الحقائق.
52) ربما توجد حقائق لا يستطيع الجسد وحده إحداثها ولا الكراهية الشيطانية، ولا يمكن أن تحدث إلا بآليات يكون الحب إحدى حلقاتها. هذه الحقائق، لو علمنا بوقوعها، تزودنا بمعايير لا تقبل الجدل لقداسة أولئك الذين أظهروها. لكن، بما أن جهلنا أعظم من أن نستطيع تأكيد أو إنكار وقوع مثل هذه الحقائق، فحتى لو وجدت هذه الحقائق فعلاً، لا نستطيع اعتبار وجودها دالاً على قداسة من أظهروها. لأننا لا نستطيع، بأي وجه، أن نجزم بأنها من هذا النوع من الحقائق. والنتيجة هي أنه لا يوجد معيار مادي ومرئي لقداسة إنسان.
53) لقد لجأ البعض، لتعليل المعجزات وتبريرها، إلى الاعتقاد بوجود فجوات في شبكة العلل الثانوية التي تكوّن العالم، أي أن المعجزات خارجة عن شبكة العلل الثانوية الثابتة وتقع في هذه الفجوات؛ غافلين عن أن لهذا الاعتقاد نتيجتين فاسدتين: الأولى أن الله لا يستطيع بلوغ مقاصده إلا عبر التلاعب بفعله الخلاق، والأخرى أن هذا الاعتراض يرد على الله: لماذا لا يستخدم هذه الفجوات لتخليص الأبرياء من الألم والمعاناة؟ يمكن قول هذا المطلب بتعبير آخر: إن لم تقدم الكنيسة تعليماً مقنعاً بشأن ما يسمى بالحقائق الإعجازية، أي المعجزات المرئية والمادية، واستمرت في ترويج التصورات الشائعة عن المعجزات، التي تقتضي أن المعجزات خارجة عن شبكة العلل الثانوية الثابتة، فإن كثيراً من المسيحيين سيضلون في أحد هذين الاتجاهين: إما سيرون تعارضاً جلياً بين العلم والدين (النتيجة الفاسدة الأولى)، أو، لأنهم يعتقدون أن الله يدخل في شبكة العلل الثانوية ويتصرف فيها لإحداث آثار ونتائج لغرض خاص، فإنهم يحمّلونه مسؤولية كل الشرور التي لا يتدخل لرفعها ودفعها (النتيجة الفاسدة الثانية).
54) بالتصور الشائع والخاطئ للمعجزات، عندما نواجه الشرور، ينتهي بنا الأمر حتماً إما إلى إنكار علم الله المطلق، أو قدرته، أو خيريته، أو عدالته، وخلاصة القول لا نستطيع قبول إرادة الله دون قيد أو شرط، وإما إلى إنكار حقيقة الشر ذاتها وألم ومعاناة الأبرياء، أي نضطر إلى تجاهل طبيعة الشرور ومداها. كيف لا نقبل إرادة الله؟ وكيف نتجاهل شراً موجود حقاً في العالم؟
55) فقط من خلال قبول الضرورة، التي هي سلسلة العلل الثانوية الثابتة والمتصلة، يمكن، رغم مشاهدة الشر وألم ومعاناة الأبرياء، ودون إنكار هذه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، قبول إرادة الله والتسليم والرضا. لكن، في هذه الحالة، يجب البحث عن المعجزات وإيجادها داخل شبكة العلل الثانوية أيضاً.
الخلاص والقداسة والعرفان
56) وسيلة الخلاص كانت، وستبقى، في متناول جميع الأقوام في كل الأزمنة، لأن التقدم والتأخر التاريخيين لا يمكن أن يلعبا دوراً مهماً في العلاقة بين الله والإنسان.
57) جميع المتدينين أنقياء القلوب هم مسيحيون بلا اسم. لذلك، فإن التبشير الديني والمذهبي لتغيير دين ومذهب الآخرين هو عبث.
58) تغيير الدين والمذهب أمر خطير على الإنسان وله نتائج كارثية.
59) تصرف الروح القدس في نفس المتدين نقي القلب ليس بأن يحثه على ترك التقليد الديني لأسلافه، بل بأن يمنحه نوراً في داخل ذلك التقليد الديني نفسه.
60) أولئك الذين، وإن كانوا يتوجهون ويؤمنون ويحبون الجانب غير الشخصي من الله، وفي قلوبهم عشق إلهي، هم بالتأكيد من أهل الاهتداء والخلاص. يمكن معرفة هؤلاء من خلال نظرتهم إلى أمور هذا العالم.
61) كل من يحب بني جنسه حبًا خالصًا ويقبل نظام العالم كله، بما فيه الألم والمعاناة، فهو بلا شك من أهل الهداية والنجاة، حتى لو عاش ومات في الكفر والإلحاد بحسب الظاهر.
62) كل من بلغ فيه حب بني جنسه حبًا خالصًا وقبول نظام العالم كله، بما فيه الألم والمعاناة، حد الكمال فهو قديس، حتى لو عاش ومات في الكفر والإلحاد ظاهريًا.
63) لقد كان لدى جميع البشر في جميع الأزمنة، على الدوام، ميل إلى التوحيد، ولكن من ناحية أخرى فإن جميع المشاعر الإلهية بين البشر الذين هم في مستوى متوسط من النمو العقلي والروحي، يمكن أن تؤدي إلى انحرافات مماثلة.
64) إن ما اعتدنا تسميته بالوثنية والشرك هو، إلى حد كبير، من ابتداعات تعصب اليهود الذين كانوا يتهمون أي شكل من أشكال التوحيد يختلف عن توحيدهم بالوثنية، في حين أن أيا من هذه الأشكال من الإيمان بالله لم تكن وليست وثنية.
65) الوثنية الحقيقية المكتملة الأركان ليست سوى: الجشع والولع بمتاع الدنيا، وتقديس الأشخاص، والعنصرية والقومية، واعتبار الذات شعبًا مختارًا.
66) من المحتمل جدًا ألا يتوقف المصير الأبدي للبشر على المعمودية. ومن ثم، فإن عقيدة الكنيسة الكاثوليكية بشأن المعمودية خاطئة، لأنه بموجب الآية 9 من الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا، فإن الكلمة الإلهية حاضرة حضورًا خفيًا في كل إنسان، سواء اعتمد أم لم يعتمد، وليست المعمودية هي التي تؤدي إلى دخول الكلمة الإلهية إلى النفس البشرية.
67) كثير من غير المتدينين أقرب إلى الدين من علماء اللاهوت.
68) العرفاء على حق حين يقولون إن تعاليم الكنيسة ليست هي الحقيقة ذاتها، بل ينبغي البحث عن الحقيقة من ورائها وفي ما يتجاوزها.
69) دين العرفاء هو الدين الحقيقي. العرفان هو المُعرِّف عن حقيقة كل تقليد ديني.
70) تعاليم عرفاء جميع التقاليد متوافقة ومتقاربة، بل ومتطابقة.
71) التأمل الملكوتي والإلهي، والإشراق الباطني، والكشف والشهود ممكنة أيضًا خارج المسيحية.
6 الأديان الأخرى
72) الجميع – سواء من بني إسرائيل أو من خارج هذا القوم، وسواء في الكنيسة أو خارجها – ينعمون بالنعمة الإلهية التي انسكبت عليهم بالتساوي (وإن كان أكثرهم يرفضونها).
73) قبل ظهور المسيحية، سواء بين بني إسرائيل أو بين غيرهم، وكذلك بعد ظهور المسيحية، خارج الكنيسة الكاثوليكية وبين غير المسيحيين، كان وما زال هناك كثيرون استطاعوا، في طريق الحب والمعرفة بالله، أن يتقدموا بقدر ما تقدم قديسو المسيحية. وإن كون الحب والمعرفة بالله في العالم المسيحي، منذ زمن المسيح حتى الآن، أكثر مما هما عليه في بعض البلدان غير المسيحية، كالهند، أمر تحوم حوله الشكوك والريبة. كما أن غير بني إسرائيل كانوا، أكثر بكثير من بني إسرائيل أنفسهم قبل المسيحية وبالقدر نفسه الذي للمسيحيين، من أهل المعرفة بالله وخدمته.
74) أنواع التقاليد الدينية المعتبرة والأصيلة هي انعكاسات مختلفة لحقيقة واحدة، وهي على الأرجح متساوية في القيمة.
75) سبب عدم فهم أن أنواع الأديان المعتبرة والأصيلة هي انعكاسات مختلفة لحقيقة واحدة وذات قيمة متساوية على الأرجح، هو أن كل واحد منا يختبر واحدًا فقط من هذه التقاليد، ويرى التقاليد الأخرى من الخارج، في حين أن الدين لا يمكن معرفته إلا من الداخل.
76) وجود تجسدات إلهية غير المسيح (مثل احتمال كون ملكي صادق، وأوزيريس في مصر، وكريشنا في الهند تجسدات إلهية) أمر لا يمكن إنكاره.
77) صفة الوحيانية ليست حكرًا على النصوص المقدسة اليهودية-المسيحية. ليس التقليد اليهودي-المسيحي وحده هو الذي يمتلك نصوصًا مقدسة موحى بها، وطقوسًا مقدسة، ومعرفة فائقة للطبيعة عن الله.
78) الحقائق التصريحية للدين المسيحي الكاثوليكي موجودة في الأديان الأخرى بصورة تلميحية، والحقائق التصريحية للأديان الأخرى موجودة في هذا الدين بصورة تلميحية.
79) محتوى المسيحية قبل المسيح كان موجوداً منذ بداية التاريخ البشري. حقائق المسيحية (مثل تجسد الله في المسيح، الكلمة الإلهية، وساطة يسوع المسيح بين الله والبشر، الروح القدس، الثالوث، النعمة، الخلاص عبر المحبة، أمومة مريم العذراء، كون المسيح حمل الله، المعمودية، المحبة الإلهية، تحويل الماء إلى خمر، تحويل الخمر إلى دم، الخبز والخمر، العشاء الرباني، آلام المسيح، تشرد المسيح قبل الصلب، الصليب، صلب يسوع، موت المسيح، قيامة المسيح، تكفير الخطايا بواسطة المسيح والولادة الجديدة) تنعكس أيضاً في الأساطير والثقافات الشعبية قبل ظهور المسيحية (مثلاً في الثقافة اليونانية، وبين العديد من الأقوام الهيلينية والآسيوية والحضارة المصرية).
80) (نتيجة لما ورد في الفقرات 74 و78 و79) الأساطير والثقافات الشعبية قبل ظهور المسيحية توضّح الحقائق المسيحية، والحقائق المسيحية تنير خفايا وزوايا تلك الأساطير والثقافات الشعبية.
81) (نتيجة لما ورد في الفقرة 80) قد يتعلم أكثر المسيحيين علماً من الأديان الأخرى مطالب وفيرة بشأن الأمور الإلهية (وإن كان من الممكن أيضاً، بمعونة النور الروحي الباطني، أن يستخرج ويفهم كل المطالب من داخل تقليده الديني الخاص).
82) (نتيجة لما ورد في الفقرات 74 و77 و78 و79 و80 و81) تدمير التقاليد الدينية الأخرى، غير المسيحية، خسارة لا تعوّض.
83) قصة الخلق وقصة الخطيئة الأولى في سفر التكوين صحيحة، ولكن قصص التقاليد الأخرى بشأن الخلق والخطيئة الأولى صحيحة أيضاً وتحوي حقائق قيّمة للغاية.
84) القصص المتنوعة بشأن الخلق والخطيئة الأولى هي انعكاسات مختلفة لحقيقة واحدة غير قابلة للترجمة إلى اللغة البشرية. يمكن استنباط هذه الحقيقة الواحدة من خلال أحد هذه الانعكاسات، ويمكن استنباطها بشكل أفضل من خلال عدة انعكاسات مختلفة. (وبشكل خاص، الثقافة الشعبية، إذا فُسّرت بشكل صحيح، تحوي كنزاً من الروحانية)
85) لا يوجد فرق حقيقي بين تلقي وتصور المانويين والمسيحيين للعلاقة بين الخير والشر.
86) التقليد المانوي هو أحد تلك التقاليد التي إذا دُرست بطهارة وانتباه كافيين، وُجدت فيها حقيقة.
7 بنو إسرائيل والعهد القديم
87) بنو إسرائيل، في مرحلة من تاريخهم تسبق ظهور المسيحية، أي قبل السبي، كانوا أقل من كثير من الأقوام المحيطة بهم (الصين، الهند، مصر، واليونان) حظاً ونصيباً من الله والحقيقة الإلهية.
88) الصورة الظالمة لله في العهد القديم لا تنسجم مع الخيرية الإلهية.
89) بنو إسرائيل، لاحقاً وبفضل السبي، تعلموا الحقيقة الأكثر جوهرية بشأن الله (أي أن الله خيّر قبل أن يكون قادراً) من الكلدانيين، أو اليونانيين.
90) عدد قليل فقط من أسفار العهد القديم (إشعياء، أيوب، نشيد الأناشيد، دانيال، طوبيا، جزء من حزقيال، جزء من المزامير، جزء من أسفار الحكمة، وبداية سفر التكوين)، بالإضافة إلى بضعة مبادئ معدودة متناثرة في سائر أسفار العهد القديم، هي المقبولة لدى المسيحي؛ أما البقية فعسيرة الهضم، لأنها تفتقر إلى حقيقة أساسية كائنة في قلب المسيحية، وتلك الحقيقة هي: أنه من الممكن أن يقع الأبرياء في الألم والمعاناة. في نظر العبرانيين (وعلى الأقل قبل السبي، وباستثناء حالات نادرة) الخطيئة والألم متلازمان، والتقوى والسعادة متلازمتان أيضاً.
91) كون الخطيئة والألم من جهة، والتقوى والسعادة من جهة أخرى، متلازمين هو من أخطاء العبرانيين، لأنه يحوّل الله إلى أب أرضي، لا سماوي، ومرئي، لا غير مرئي، أي إلى إله زائف. علاوة على ذلك، مع هكذا تصور لا يمكن حتى لمثال واحد من المحبة الخالصة أن يتحقق.
92) بنو إسرائيل كانوا يرفضون الإله المتوسّط، المتألم، والمكفّر عن الخطايا الذي كان قد انكشف للمصريين (والذي تقبله المسيحية وتؤيده)؛ ولهذا السبب، كان شعوب العهد القديم يعتبرونهم قوماً منبوذاً.
93) إذا حكمنا بناءً على العهد القديم، فإن أول شخصية طاهرة تمامًا هو دانيال. قبله، يُعتبر الجميع، بمن فيهم إبراهيم، ذوي حياة غير طاهرة.
۸ المسيحية والكنيسة في التاريخ
94) كل ما نعرفه عن المسيح من خلال الأناجيل، قبل معموديته على يد يوحنا، قليل جدًا وتافه.
95) السر العميق الذي يلف تاريخ المسيحية المبكر جعل فهم هذا الدين شبه مستحيل.
96) علاقات المسيحية، من جهة، ببني إسرائيل، ومن جهة أخرى، بالتقاليد الدينية للغنوصيين، يكتنفها الغموض.
97) لكن ما هو مسلم به أن الثقافات والحضارات السابقة للمسيحية كان لها تأثيرات إيجابية وسلبية كثيرة على هذا الدين.
98) من بين التأثيرات الإيجابية على المسيحية، تأثير التقاليد الدينية للغنوصيين على هذا الدين، فقد كانت الفلسفة اليونانية الكلاسيكية على صلات وثيقة بدين الأسرار، وهو دين الغنوصيين العميق وروحانيتهم. وفي الأناجيل أيضًا، تظهر أكثر الصلات بدين الأسرار.
99) من بين التأثيرات السلبية على المسيحية تأثير إسرائيل وروما على هذا الدين. التلوث المزدوج للمسيحية ناجم عن أن إسرائيل وروما تركتا بصمتهما على هذا الدين: إسرائيل جعلت المسيحية تعتبر العهد القديم كتابًا مقدسًا، وروما حولت المسيحية إلى الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية. هذا التلوث المزدوج هو علة كل التلوثات اللاحقة في تاريخ الكنيسة.
100) الكنيسة تلوثت منذ البداية وبقيت ملوثة. المسيح كان كاملًا، لكن الكنيسة ملوثة بجرائم وجنايات كثيرة.
101) الكنيسة طاهرة تمامًا من وجه واحد فقط: من حيث إنها حافظة الأسرار المقدسة.
102) الكنيسة ليست معصومة، لأنها في تحول دائم. التحول واختلاف آراء وعقائد رجال الدين، داخل الكنيسة، دليل على عدم عصمة الكنيسة. بعض التحولات النظرية والفكرية للكنيسة هي: تغير تفسير الكنيسة لـ "لا خلاص خارج الكنيسة"، تغير تفسير "الماء" في "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله"، تغير الرأي في شأن اليقين بالخلاص النهائي، واختلاف الآراء والعقائد في شأن مصاديق ضروريات الدين.
103) الكنيسة، بإضافتها مبادئ عقيدية أخرى إلى الثالوث والتجسد والفداء، سارت على خلاف العهد الجديد. العهد الجديد يعتبر هذه الثلاثة فقط هي المبادئ العقيدية لدين المسيح.
104) الكنيسة، بصفتها حافظة التعليم، لم تؤد رسالتها على الوجه الأكمل، لأنها: أولاً: أضافت إلى هذا التعليم تدقيقات وشكليات وقيودًا وممنوعات مهينة، وثانيًا: أضاعت كنوزًا حقيقية.
105) الشاهد على هذا الادعاء بأن الكنيسة أضاعت كنوزًا حقيقية من المعارف، هو مقاطع في العهد الجديد ذات جمال مذهل. لكنها اليوم غير قابلة للفهم إطلاقًا، ولا يمكن القول إنها كانت دائمًا غير قابلة للفهم[...]
106) قصور وضعف نقل معاني الآيات والتعاليم، أي أننا لا نفهم معاني كثير من الآيات والتعاليم، معلول لعلتين: إحداهما قلة فهم بعض الحواريين، والأخرى الإبادة الجماعية لكل أو تقريبًا كل من كان لديهم فهم صحيح (حتى بداية القرن الثاني الميلادي).
107) إحدى الحالات التي لم يفهم فيها الحواريون كلام المسيح بشأن نقاط معينة فهمًا صحيحًا، وبالتالي وقعت أخطاء منذ بداية عمل الكنيسة، هي أن وصية يسوع المسيح بالتبشير الديني لم تُفهم بشكل صحيح، واعتبروها بمعنى إرجاع الأقوام عن أديان ومذاهب أجدادهم. كان المسيح يريد أن يحمل المبشرون معهم البشارة لا نظام لاهوت جديد؛ أي أن يضيفوا بشارات حياته وموته إلى أديان ومذاهب أجداد الناس. يسوع المسيح نفسه أيضًا جاء فقط لبني إسرائيل، ولم يكن يدعوهم إلى ترك دينهم، بل كان يضيف بشارات إلى دينهم.
108) إن كون أوروبا قد انقطعت روحياً عن العصور القديمة، واقتلعت منذ القرن السادس عشر معنوية القارات الأخرى، ولم تتمكن المسيحية عملياً من النفاذ خارج نطاق العرق الأبيض، وأن الحماسة التبشيرية للمبشرين المسيحيين جلبت على أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا سيطرة جافة وقاسية ومدمرة من العرق الأبيض، كل ذلك ناجم عن سوء فهم كلام المسيح بشأن التبشير الديني.
109) أسلوب الكنيسة التبشيري ليس صحيحاً، لأنه مرتبط بالقوة والإكراه والعنف.
110) لقد أصيبت المسيحية، منذ بداية ظهورها وخاصة منذ القرن الثالث عشر، بنوع من الخمول الفكري تحت تأثير النظرة التي كانت الكنيسة تحملها عن سلطتها في الرقابة والقضاء، وبالأخص نتيجة استخدام الكنيسة لعبارة "ليكن ملعوناً" النمطية، وأساساً حيثما وُضع الفرد تحت ضغط عامل اجتماعي يميل إلى الاحتكار والشمولية، نشأ نوع من الخمول الفكري.
111) عبارة "ليكن ملعوناً" وكيفية استخدامها تمنعان الكنيسة من أن تصبح جامعة وشاملة.
112) الأحزاب الاحتكارية والشمولية تشكلت نتيجة آلية شبيهة باستخدام عبارة "ليكن ملعوناً". من هنا، لا تستطيع الكنيسة التنصل من مسؤولية أحداث عصرنا.
113) تسببت المسيحية في ظهور فكرة التقدم، وهي فكرة لا دليل عليها، إذ لا نملك أي دليل على وجود علاقة بين مرتبة الكمال والتعاقب التاريخي.
114) كانت فكرة التقدم سبباً في هلاك العالم الحديث، كما نزعت المسيحية عن العالم.
115) للعثور على الأفق اللامتناهي، يجب التخلص من شر فكرة التقدم التي هي ضرب من الخرافة المتعلقة بالتسلسل الزمني.
116) لم يقل المسيحيون قط لماذا للعزوبة (وخاصة البتولية) قيمة روحية. هذا فراغ جدي يُبعد الكثيرين عن المسيح.
117) بما أن الكنيسة ليست معصومة البتة، بل هي عرضة للجهل وأخطاء كثيرة، فإن جميع أصول الدين يجب أن يعاد النظر فيها من جديد. طبعاً، في إعادة النظر هذه قد تنكشف عدم الانسجام الداخلي لمجموعة أصول الدين.
118) مفهوم الإيمان أيضاً بحاجة إلى تعمق وتدقيق مجددين.
119) إذا لم تعترف الكنيسة بالحاجة إلى مراجعة أصول الدين، يُخشى ألا تكون قادرة على أداء رسالتها.
120) منذ بداية المسيحية وحتى الآن، تدين الحضارة الدنيوية للبلدان المسيحية، قليلاً أو كثيراً، في كل شيء للعصور القديمة السابقة على المسيحية، وتدين ثقافتها الروحية لبني إسرائيل. والمسيحية تقتضي ضرورة إصلاح وترميم الانفصال المتزايد بين الحضارة الدنيوية والثقافة الروحية بأن نعتبر العصور القديمة السابقة على المسيحية أيضاً متخذة ومنبثقة عن وحي ديني، وإن كان متقدماً زمنياً على المسيحية، إلا أنه لا انفكاك ذاتياً عنها. فقط بهذه النظرة تندمج الحياة الدنيوية والحياة الروحية للمسيحيين وتتحدان وتتوحدان، وتشمل المسيحية الحياة كلها. يجب اعتبار علم الله وحكمته المصدر الوحيد لكل الأنوار. حتى الأنوار التي تنير حياتنا المادية والدنيوية.
بعبارة أخرى، بما أن الحياة الدنيوية كلها في البلدان المسيحية مأخوذة مباشرة من الحضارات المسماة "وثنية"، فطالما بقي هذا الوهم بأن هناك هوة بين ما يسمى بالوثنية والمسيحية، فإن المسيحية لن تتجسد. لن تملأ حياة المسيحيين الدنيوية كما ينبغي، وستبقى بعيدة عن الحياة الدنيوية، وبالتالي غير فاعلة، أي أن الفصل بين الأمور المقدسة والأمور العرفية والدنيوية هو ثنائية كاذبة.
***
كيف لا نغتبط ونشعر بالامتنان لأننا نتعرف على أفكار وآراء عارفة وفيلسوفة ولاهوتية ومصلحة، جوهر كلامها ولب رسالتها هو أن أهم وأصدق صفة لله هي خيريته. الله يمنح لطفه للأخيار والأشرار على حد سواء، وأولئك الذين ينالون نصيبًا أقل من هذا اللطف هم الذين طلبوا أقل. أي تصور عن الله لا يتوافق مع الفعل النابع من المحبة الخالصة هو تصور خاطئ. الإيمان، ومحبة الله، ومحبة القريب لا تنفصل عن بعضها البعض، وبالتالي فإن كل من يُظهر شفقة خالصة تجاه إنسان متألم، فهو يحمل حب الله والإيمان معًا. لا يمكن تقييد نشاط العقل أو جعله مشروطًا. المعجزة الحقيقية هي خير وجمال السلوك والحياة، وليست الأفعال الخارقة للعادة. وسيلة النجاة متاحة لجميع البشر في كل الأزمنة. كل من أحب قريبه حبًا خالصًا أولاً، وقبل النظام الكوني بأكمله بما فيه من آلام ومعاناة ثانيًا، فهو من أهل النجاة. ومن بلغ الكمال في هذين الأمرين فهو قديس. كثير من غير المتدينين أقرب إلى الله من علماء اللاهوت. دين العارفين هو الدين الحقيقي. في دار الدنيا، من الممكن أن يبتلى الأبرياء بالألم والمعاناة أيضًا. في الحقيقة، الله هو الذي يبحث عن الإنسان، وليس الإنسان هو الذي يبحث عن الله، وكما قال مولانا جلال الدين:
پولاد پارههاییم، آهنرباست عشقت
اصل همه طلب تو، درخود طلب ندیدم
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
چون در مورد سیمون وی مشهور است که نثری که به فرانسه زبان مادریش می نوشته نثری زیبا است که در زبان ترجمه حتی انگلیسی منعکس نمی شود. و متاسفانه کتابهای وی و آثاری که از وی به فارسی ترجمه شده همه تا انجا اطلاع دارم از انگلیسی ترجمه شده اند. ظاهرا بیشتر علاقمندان به سیمون انگلیسی دانند| و حتی در انگلیسی کتاب مشهورش attente du dieu به waiting for God یا waiting on God ترجمه شده که همه میگویند کاملا وافی به مقصود نیست. یا مهمتر کلمه Malheur فرانسوی که نقش کلیدی در آثار سیمون دارد را در نظر بگیرید هیچ معادل مناسبی در انگلیسی برایش نیست ناچار شده اند affliction را بگذارند ولی ظاهرا بنا بر قول مترجمان کاملا راضی کننده نیست.
سلام دوستان، مقاله ی بسیار بسیار مهمی از سیمون وی دارم که منتظر دستی گشاده، هنرمند و ماهر است که ترجمه کند و من هم کمک به ویرایش اش کنم. اگر دوستی داوطلب این کار بشود، دست شان را می فشارم. برای تماس، لطفا در سایت «عدم خشونت» یا Ghkeshani دات کام، کامنت بگذارید تا با شما تماس گرفته شود. در ضمن، کتابی دیگر هم هست، از یک هم اندیش بزرگ سیمون وی، مهاتما گاندی، که ساده و روان و بی پیچیدگی است، آن هم تشنه ی ترجمه شدن به زبان فارسی ی روان و «تداول» است، ترجمه هایی که «بوی ترجمه ندهند»!
کتاب گاندی: «خود فرمانی روستایی»، به قلم خود اوست. و کار سیمون وی: «لزوم انحلال همگانی احزاب سیاسی»
سالام و درود گمان میکنم مقاله ای از سیمون وی تحت عنوان تاملاتی درباره استفاده درست از تحصیلات در راستای عشق به خدا با ترجمه احسان ممتحن قبل از این اثر منتشر شده و لذا اولین اثر ان است. با تشکر