اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يطرح كتاب «إلغاء جميع الأحزاب» بمقدمة ملكيان نقد سيمون فاي لجوهر الأحزاب، مقترحاً المطالبة بديلاً عنها؛ حول الوجه المختلف لفكر الفيلسوف وعمله ومقارنة رؤيته بمفكري اللامركزية.

في كتاب «تفكيك جميع الأحزاب» الصادر حديثًا (نشر نگاه معاصر) تقف أمامنا أقوال مغايرة، أمامنا نحن الناطقين بالفارسية وأبناء الشرق الأوسط الذين تُبسط أمام أعيننا هذه الأيام مائدة الشقاء والمِحنة البشرية؛ مائدة مبسوطة أيضًا أمام شعوب أقاليم تمتد من تركستان الصين وكشمير إلى مصر وما وراءها حتى أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا؛ ساحات متعطشة للسلام والخبز والعدالة والمعنى!
ينبغي اغتنام الفرصة والتعريف بهذه الأقوال المغايرة لأنفسنا وللجميع؛ جيدها ورديئها، مجتمعة. وبالضرورة مع الفرز، إن وُجد فيها «جوانب خيّرة».
لا نعرف إلا القليل عن ظاهرة سيمون فاي العجيبة التي ظلت مجهولة في العالم أجمع – باستثناء نخب مثل ألبير كامو وأندريه مالرو وسيمون دو بوفوار وتروتسكي وغيرهم –. لم نُبقِ لأنفسنا «فرصة» للتعرف على هذه النماذج البشرية المغايرة؛ ناهيك عن الفرص التي يسرقها منا «صانعو شبه المسائل». في هذه الكتابات، تسنح لنا الفرصة للتعرف عليها أكثر وعلى وجوه عملها وفكرها المختلفة.
بكلمة موجزة، قُدّمت سيمون فاي إلى الناطقين بالفارسية بهمة مصطفى ملكيان وفروزان راسخي (في عملين ترجميين)، وبالأخص كمفكرة فاعلة في باب الوجود والعرفان والحب والإله والطلب الدائم والاعتناء والانشغال بمحنة المستضعفين. كانت هاتان الترجمتان عملين كبيرين وضعانا أمام «شخصية» جديرة بالتأمل العميق، وينبغي تخصيص الوقت لها لاقتناص فهمها لـ«ما ينبغي فعله» في الحياة، ووضعه في قائمة خيارات «التأمل من أجل العمل».
لكننا سنتعرف هذه المرة على وجه مختلف من وجوه عملها وفكرها:
من أعجب ما شهده القرن العشرون أنه أنجب ثلاث نساء من أبرز فلاسفته السياسيين! :
روزا لوكسمبورغ،
سيمون فاي،
حنة آرنت.
وكان للأوليين أيضًا مصير عجيب ومأساوي. كانتا أيضًا «فيلسوفتين فاعلتين». من أهل الفلسفة لتغيير العالم! وذلك بالقلم والقدم، لا بمجرد تفسيره فحسب. نعرف حنة آرنت بعض الشيء، لكننا لا نعرف تينك الاثنتين.
نتعرف هذه المرة على نظرة سيمون فاي المدهشة والمغايرة تمامًا لإحدى أجهزة المجتمع الحديث؛ على نقدها لدينامية الأحزاب. ذلك الشيء الذي يعتبره جميع أهل العمل الاجتماعي بديهيًا ولازمًا للحياة الاجتماعية والسياسية.
سيمون فاي في هذه المذكرة، إذ تتناول في خطابها الطبيعة الإضرارية لذات الحزب ولكل مؤسسة وبنية وتنظيم يشبه الحزب وتحاول تدعيم دعواها بالاستدلال، تطرح أيضًا سبيل الحل من وجهة نظرها. وأول سؤال يتبادر إلى الذهن عند رؤية عنوان هذا الكتاب وقراءة صفحات من المكتوب هو: إذن «ما العمل؟»
جوابها هو المطالبة المحددة لأهداف عينية قابلة للقياس ومؤطرة زمنيًا، المطالبة الفردية والجمعية. متابعة عمل محدد، بهدف محدد، في زمن محدد. على نحو لا ينتمي فيه الممثل (أو الممثلون) المنتخبون لهذين الأمرين إلى أي حزب ويكونون فقط متابعين لمطالبة أو مطالبات معينة. في نظرها، يمتلك الأفراد والجماعات المطالبية والتجمعات مثل النقابات والمجالس القدرة والطاقة على القيام بعمل اجتماعي مؤثر وذي معنى حول محور هذا الهدف أو ذاك والمطالبة العينية والمحددة والمؤطرة زمنيًا، دون أن يُفتتنوا بـ«الوعود البرّاقة» التي تظهرها الأحزاب والجماعات الحزبية وشبه الحزبية؛ جماعات تطرح الأساطير والمُثُل والأيديولوجيات الوهمية والغامضة والمطاطة واللامكانية واللازمانية لاستقطاب الأنصار الأبدي، ولنمو التنظيم اللانهائي، وكسب السلطة اللامتناهية. هذه الجماعات، في المقابل، وفي أكثر الحالات تفاؤلًا، تستسلم لإغراء المساومة العملية على المُثُل المدعاة بمصالح كسب السلطة والتنظيم وحفظها وتوسيعها وتركيزها، أو تنشغل بالمساومة منذ البداية.
حال اگر قرار باشد به پیامِ اصلی او در این یادداشت نکتههایی اضافه شود، یک نکته شاید –به قولِ آلدوس هاکسلی– کوچکتر کردنِ سازمانِ همهی واحدهای اجتماعیِ بشری باشد به شکلی که امکان ظهور هیولاهای غولآسای شرور اجتماعی –شروری از قبیل تمامیتخواهی، قدرتسالاری، دزدسالاری، دیوانسالاری، حامیسالاری، فضلسالاری، خویشاوندسالاری، فنسالاریِ بزرگمقیاس و ...– منتفی شود و شرارت فقط در حدّ و حدودهای کوچک باقی مانده و در همان ابعادِ کوچک و بهدور از دسترسناپذیری و پیچیدگیِ ساختارهای بزرگ، آسانتر حلوفصل شود، نه اینکه درسطوحِ جهانی، ملی، منطقهای و محلی مِحنت و فَلاکت بیافریند.
نکتهی دیگر آنکه، سیمون وی با وجودِ آن که صریحا منتقدِ مناسبات و روابط ناعادلانهی کار و سرمایه است و برای بهبودِ شرایطِ "از خود بیگانگی" و مسخ نیروی کار در کارخانه پیشنهادِ اصلاحی میدهد ، اما نظریهاش را با بدیهی شمردنِ تولیدِ انبوهِ صنعتی، نظامِ بازارِ آزادِ جهانگستر و دولتِ بزرگِ متمرکز مطرح میکند. به کنش عملیِ او برچسبِ آنارکو سندیکالیسم زدهاند، یعنی فعالیت کارگران در چارچوب سندیکاها با هدفِ نهاییِ در دستگرفتنِ کنترلِ کارخانه. این برچسب چه درست باشد یا نادرست، حاکی است که او فقط در فضای موجودِ تولیدِ بزرگمقیاس و تکنولوژیسم فکر میکند و مشکل را طرح میکند. در ذهنِ او تصویری از فضاهای جایگزین دیده نمیشود و طبعا به راههای برون رفت از این چارچوب هم فکر نمیکند. در حالی که کسانی وجود داشتهاند که ازین چارچوب بیرون زدهاند و به نقدِ "رشدِ قهری (الزام به رشد)" در اقتصادِ بازارِ و سازمان متمرکزِ دولتِ برآمده از آن اقتصاد و حامیِ آن پرداختهاند.
در دیدگاههای امثال آلدوس هاکسلی، فردریک شوماخر، لئوپولد کُر، وِندل بری، ژیل دلوز، مورِیْ بوکچین، مهاتما گاندی، ایوان ایلیچ، مجید رهنما و ... چارچوبها و راههای دیگری مطرح میشود که به تمرکززدایی از تولید و دولت، محلیگرایی (در برابر جهانیگردانی)، کوچککردنِ سازمانها، خودگردانیِ ریزوموار، خودگردانی با شوراهای کوچکِ پرشمار، سادهزیستی و ... میپردازند. اینان به کارکردی بودنِ جماعتهای هدفمند، انجمنها و شوراهای مستقلِ موثر و خودگردانِ محلی، و انواعِ ساختارهای جامعهی مدنی معتقدند؛ به محوریتِ تمرکززدایی از قدرت و سازمان، خودگردانی، محلیگرایی و "دمکراسیِ هرچه مستقیمتر" توجه بیشتری دارند و اینها را ابزارِ "حکمرانیِ درست" میدانند. اینگونه متفکران عموما باور دارند که با کمکِ این ابزارْ شکوفایی، بهروزی، عدالت و آزادی در مجمعالجزائرهای خودگردانِ کوچک به شیوهای آسانتر دسترس پذیر میشود.
این کتاب از ویرایش و دقتِنظر و زحماتِ مصطفی ملکیان، اندیشمندِ مطرحِ ایرانِ معاصر و اندیشهورزِ مستقلِ فلسفهی اخلاق و مباحثِ فرهنگی بهره برده است. اعتنای خاصِ وی به نظر و عملِ سیمون وی، باری دیگر در او شوقِ نوشتن در بارهی سیمون وی را برانگیخت تا مقدمهای مشروح و راهگشای فهمِ بهتر این بحثِ راهبردی و نادِر هم به کتاب هدیه شود.
صمیمانه سپاسگزارِ این همدلی، این اشتراک نظر و این همکاری هستم.
غلامعلی کشانی، اسفند 1397
.
.
در این نوشتار، سیمون وی (Simone Weil)، فیلسوف، عارف، دینشناس، روشنفکر، و مبارزِ سیاسیِ فرانسوی (۱۹۰۹-۱۹۴۳)، که یکی از بزرگترین معنویّتگرایانِ سدهیِ بیستم بود، به حکمِ شیفتگیاش به حقیقت و عدالت و مصالحِ عمومی و از سرِ انساندوستیِ عظیم و عمیقاش و به مقتضایِ دلیلی کاملاً قانعکننده، خواستارِ برچیدنِ همهیِ احزابِ سیاسی میشود، چراکه حزبگرایی با حقیقتجویی و عدالتطلبی و پیگیریِ مصالحِ همهیِ شهروندان منافات دارد، به نحوی که تحزّب با تعقیبِ این سه آرمانِ بزرگِ اخلاقی قابلِ جمع نیست. سپس، نشان میدهد که این روحیّهیِ تحزّب، با همهیِ مَضارّ و شُروراش، اختصاص به نهادِ سیاست ندارد، بل، در نهادِ دین و مذهب، نهادِ تعلیم و تربیت، و نهادِ علم و هنر و ادبیّات و در پدیدههاای مانندِ روشنفکری و ملّیّتگرایی، نیز، مصداق مییابد.
جوهر الكلام، في استدلال سيمون فاي، هو أنه إذا كانت الجمهورية تعني ممارسة الإرادة العامة ــ وهي كذلك ــ وإذا كانت الديمقراطية تعني حكم الأكثرية ــ وهي كذلك ــ فيجب القول إن الأحزاب تشكل عائقاً أمام الجمهورية وعائقاً أمام الديمقراطية على حد سواء؛ لأن كل حزب ــ في نهاية المطاف ــ يقدم مصالحه الحزبية على المصالح العامة. وتفصيل هذا الإجمال على النحو التالي:
١) معيار الخيرية هو فقط الحقيقة والعدالة، ومن ثم المنفعة العامة؛ أي أن كل شيء يُعتبر خيراً بقدر ما ينطوي عليه من حقيقة أو عدالة أو منفعة عامة.
٢) الخير وحده هو المرغوب لذاته أو بالذات، أي أن الخير وحده هو المرغوب لخاطر نفسه، وبوصفه غاية (نهائية). أما سائر الأشياء، ومنها الديمقراطية، وكذلك الحكومة والدولة ذاتها، والسلطة، والثروة، والإنتاج الاقتصادي، والجامعة، والكبرياء الوطني، فمرغوبيتها ليست إلا بقدر ما تخدم الخير، وبهذا المعنى تكون مرغوبيتها عرضية أو بالعرض، وذلك فقط لكونها أدوات ووسائل لا مناص منها لبلوغ الغاية والهدف الذي هو الخير.
٣) العقل وحده يمتلك القدرة على إدراك واختيار الأمر الخيّر، أي الحقيقة والعدالة والمنفعة العامة؛ أما المشاعر والعواطف والانفعالات فليست فقط عديمة القدرة على ذلك، بل إنها تدفع الإنسان في اتجاه الشر.
٤) العقل مشترك وواحد لدى جميع البشر؛ في حين أن مشاعر البشر وعواطفهم وانفعالاتهم، في أغلب الحالات عمومًا، تتسم بالاختلاف والكثرة.
٥) إذن، فالبشر ما داموا، وبالقدر الذي، يسيرون فيه في مقام اتخاذ الرأي و/أو القرار، وفق حكم العقل والعقلانية، فإنهم يقتربون أكثر من الحقيقة والعدالة والمنفعة العامة، ويقتربون أكثر من بعضهم البعض. وبعبارة أخرى، إن العقل والعقلانية يجعلان البشر أكثر نجاحًا في تحقيق المُثُل الأخلاقية، ويجعلانهم أكثر ترابطًا واتحادًا وقدرةً وقوة. وعلى العكس من ذلك، فإن اتباع المشاعر والعواطف والانفعالات يشكل عائقًا أمام تحقيق المُثُل الأخلاقية، ويُضعف ترابط البشر واتحادهم وقدرتهم وقوتهم.
٦) ونتيجة لذلك، فإن الإجماع العام للبشر لا يصيب الصواب ولا يفضي إلى الحقيقة والعدالة والمنفعة العامة إلا إذا سار البشر وفق حكم العقل والعقلانية، لا وفق مقتضى المشاعر والعواطف والانفعالات. فالإجماع العام لأمة ما، إذا كان حصيلة مشاعر تلك الأمة وعواطفها وانفعالاتها، لا يمكن أن تكون له أي أولوية أو رجحان على رأي فرد واحد، وإذا كان ذلك الفرد قد توصل إلى رأيه وفق حكم العقل والعقلانية، فإن رأيه يتفوق، بالتأكيد، على ذلك الإجماع العام.
٧) وفي الوقت نفسه، عمليًا وفي الواقع، في معظم الأوقات، تكون إرادة جميع الناس راجحة على إرادة الفرد الواحد، لأن المشاعر والعواطف والانفعالات المتكثرة والمختلفة والمتضاربة لأمة بأكملها تبطل مفعول بعضها البعض وتفقدها زخمها وقوتها، وبالطبع، تُفسح المجال للعقل والعقلانية.
٨) لممارسة فكرة الإرادة العامة، أولاً، يجب أن تتحقق عدة شروط، من بينها شرطان على قدر كبير من الأهمية:
أ) في الوقت الذي يدرك فيه الناس قصدهم ويعبرون عنه، يجب ألا يوجد أي نوع من المشاعر أو العواطف أو الانفعالات الجمعية، لأنه، على عكس الانفعالات المتكثرة والمختلفة لأفراد أمة أو مجتمع كل على حدة، والتي تبطل مفعول بعضها البعض وتُلاشي أثرها، فإن أي انفعال جمعي واحد ومشترك، يشترك فيه جميع أفراد أمة أو مجتمع، لا يبطل مفعوله أو يُلغى أثره بأي شيء فحسب، بل كلما ازداد عدد الأفراد ازدادت شدته وقوته؛ ومثل هذا الانفعال الشديد والقوي لا يترك مجالًا للعقل والعقلانية.
ب) يجب على الناس أن يعبروا عن إرادتهم بشأن مسائل ومشكلات الحياة العامة، لا أن يقتصروا على انتخاب فرد واحد من بين عدة أفراد مختلفين أو (والأسوأ من ذلك) اختيار واحدة من بين عدة منظمات غير مسؤولة مختلفة.
٩) ولكن، من جهة أخرى، للأحزاب السياسية ثلاث خصائص ذاتية:
أ) الحزب السياسي جهاز لإنتاج الانفعالات الجمعية؛
ب) الحزب السياسي منظمة غرضها من التأسيس هو ممارسة ضغط جمعي على أذهان أفرادها كل على حدة؛
ج) المقصد الأول وكذلك الهدف النهائي لكل حزب هو النمو اللامحدود واللامتناهي للحزب نفسه.
في ما يتعلق بالخاصية الذاتية (أ) ينبغي القول إن الأحزاب السياسية لا تُعلّم أعضاءها، بل تُكيّفهم، أي تُهيئهم للضبط والإحكام الإيديولوجي الصارم للغاية الذي يفرضه الحزب على أعضائه. والدليل الصادق على هذا الادعاء أنه إذا تعهد عضو حزب علناً بأن "أقسم أني متى ما كان عليّ أن أبحث مسألة أو مشكلة سياسية أو اجتماعية، فإني سأنسى تماماً عضويتي في جماعة سياسية معينة، ويكون همّي الوحيد هو أن أحرز ما ينبغي عليّ فعله لكي أكون قد خدمت العدالة والمصلحة العامة على أفضل وجه"، فإن ذلك الحزب سيعتبر عضوية ذلك الشخص لاغية وسيلغيها. يريد الحزب من أعضائه الولاء الأتمّ للحزب، لا التعلق والالتزام بمقتضيات ولوازم الحقيقة والعدالة والمصلحة العامة؛ ومن ثم، فهو يسعى إلى إنتاج انفعالات جمعية لصالح الحزب. ومن هنا أيضاً، إذا قال عضو في الحزب X إن الحق مع الحزب X في المسألة أو المشكلة 1P، والحق مع الحزب Y في المسألة أو المشكلة 2P، والحق مع الحزب Z في المسألة أو المشكلة 3P، فإن الحزب X يرفض عضويته، حتى لو أثبت العضو المذكور أن موقفه في المسائل أو المشكلات الثلاث قد اتُخذ بحكم البحث عن الحقيقة، والمطالبة بالعدالة، ورعاية المصلحة العامة. ليس لعضو الحزب X الحق والإذن في أن يقول: "أنا، بصفتي شخصاً متعلقاً وملتزماً بالحقيقة والعدالة والمصلحة العامة، أعتقد أن..."، بل عليه واجب وتكليف أن يقول: "أنا، بصفتي عضواً في الحزب X، أعتقد أن..."
من هنا يتضح أن (ب) هي أيضاً من الخصائص الذاتية لكل حزب سياسي، أي أن الغرض من تأسيس حزب سياسي هو ممارسة ضغط جمعي على أذهان الأفراد الأعضاء كي يكون للجميع، بخصوص كل مسألة أو مشكلة، رأي واحد، وهو بالطبع الرأي الذي يحمله قادة الحزب. أما آراء قادة الحزب، وإن كانت تُعرب في نطاق الأنظمة الأساسية ومواثيق الأهداف واللوائح الحزبية، فهي مبهمة إلى حدّ لا يستطيع أحد أن يرفع الإبهام عنها. نظرياً ومن حيث المبدأ، الحزب أداة في خدمة تحقيق تصور خاص للمصلحة العامة، لكن هذا التصور مبهم إلى ما لا نهاية. هذا الحكم لا استثناء له وينطبق بالتساوي على جميع الأحزاب، بمعنى أن جميع الأحزاب، بالقدر نفسه، تتحدث بإبهام (وباحتمال قريب من اليقين، عن علم وعمد) عن مبادئها العقائدية ــ إبهام شديد إلى درجة لا يستطيع معها أحد أن يقدم وصفاً واضحاً ودقيقاً للمبادئ العقائدية لأي حزب سياسي. ونتيجة لذلك، يستطيع قادة كل حزب، في أي ظرف وأي حال، واقتضاءً لمصالح حزبهم، وبالاستناد إلى ذلك الإبهام، أن يتخذوا موقفاً جديداً، من دون أن يتكشف أنهم لم يفعلوا شيئاً سوى انتهاز الفرصة والحفاظ على مصالح حزبهم.
بهذا البيان، يُعلم أن (ج) هي أيضاً من الخصائص الذاتية لكل حزب سياسي؛ بمعنى أن الغرض الأول والأخير لكل حزب سياسي هو النمو اللامتناهي للحزب نفسه؛ وهذا مصداق خاص لانقلاب العلاقة بين الهدف والوسيلة؛ وانقلاب العلاقة بين الهدف والوسيلة هذا ظاهرة تظهر دوماً عندما يبسط بناء جمعي سيطرته وهيمنته على الأفراد المفكرين. من حيث القاعدة، كان ينبغي أن يكون الحزب السياسي وسيلة لبلوغ هدف، هو المصلحة العامة والعدالة؛ لكن، في الواقع، ولأن هذا الهدف يُعبر عنه بإبهام تام، فإنه يصير غير واقعي. ومن جهة أخرى، فإن وجود الحزب نفسه شيء عيني وخارجي وواضح يُدرك بلا أي عناء. لذلك، وعلى نحو لا مفر منه، يصير الحزب، في الواقع، غاية نفسه.
۱۰) ولهذه الخصائص الذاتية الثلاث عينها، فإن كل حزبٍ توّاقٌ إلى الكلية. ولتوّق الحزب إلى الكلية سببٌ آخر أيضاً: فلكي يخدم الحزبُ، على نحوٍ مؤثر، تحقيقَ مفهوم المصلحة العامة ــ التي هي، بحسب ادعائه، فلسفةُ وجوده ــ ثمّة شرطٌ لازم وكافٍ، ألا وهو أن تكون بيد الحزب قوةٌ عظيمة، ومع ذلك، فلا قوة متناهية، مهما عظُمت، تبدو كافية، لأن غياب التفكير (والاكتفاء بالانفعالات الجمعية) يؤدي إلى استمرار حالة العجز والوهن في الحزب ودوامها، وهذا الشعور بالعجز والوهن يُعزى، بدوره، إلى عدم كفاية القوة التي أُحرزت حتى الآن. حتى لو تحول الحزب إلى الحاكم المطلق الذي لا ينازعه منازع والفريد في بلده، فإن التطورات الدولية تضع حداً لقوته. ومن هنا، فإن النزوع الذاتي لجميع الأحزاب السياسية نحو الكلية، هو أولاً على المستوى الوطني، ثم على المستوى الدولي والعالمي.
۱۱) والحاصل أن الأحزاب السياسية منظماتٌ صُممت، علناً ورسمياً، بهدف قتل الحس الباحث عن الحقيقة والتوّاق إلى العدالة في جميع النفوس. وهي تمارس، بواسطة الدعاية، ضغطاً جمعياً على جمهور عظيم؛ وهدف هذه الدعاية ليس التنوير، بل الترغيب والتشجيع والتحريض. ومن هنا، فإن الفرد حين ينخرط في حزبٍ ما، يتخلى عن فكرة ألا يكون في خدمة شيء سوى الحقيقة والعدالة والمصلحة العامة.
۱۲) لكن، إذا قبلنا بوجود الحقيقة، فلا يسعنا إلا أن ننشغل بهمّ الحقيقة. وفي هذه الحال، إذا كان لنا رأيٌ في موضوعٍ أو مسألةٍ أو مشكلةٍ ما، فليس ذلك لأننا أبيض أو إيرانيون أو مسلمون/مسيحيون أو شيعة/سنة أو ليبراليون/اشتراكيون أو...، بل فقط لأن نور الشواهد والقرائن والأدلة والإمارات الذي لا يُقاوم قد هدانا وساقنا إلى ذلك الرأي. على الساعي الصادق وراء الحقيقة فقط أن يزيد من نوره الباطني.
۱۳) حين يكون لبلدٍ أحزابٌ سياسية، يتضح، عاجلاً أم آجلاً، أن التدخل المؤثر في الشؤون العامة مستحيلٌ دون الانضمام إلى حزب. ومن جهة أخرى، كل من ينشغل بهمّ الشؤون العامة يريد لهمّه أن يكون مثمراً. ونتيجة لذلك، فعلى أولئك الذين ينشغلون بهمّ المصلحة العامة، في بلدٍ كهذا، إما أن يسلموا همّهم ذاك إلى النسيان، فيكونوا بذلك قد قصّروا في واجبهم الأخلاقي، أو أن يستسلموا لأحد الأحزاب، فيكونوا بذلك قد أداروا ظهورهم لهمّ الحقيقة واتباع نورهم الباطني. وعليه، فإن مجرد وجود الأحزاب السياسية يواجه المرء ببرهانٍ ذي حدين (dilemma) كلا شقّيه غير مقبول ولا يمكن الأخذ بأيٍّ منهما.
۱۴) ألا يمكن، في مواجهة ذلك البرهان ذي الحدين، خلقُ شقٍّ ثالث؟ ألا يمكن لأولئك الذين ينشغلون بهمّ المصلحة العامة وهمّ الحقيقة معاً أن ينضموا إلى حزبٍ، وفي الوقت نفسه، يتبعوا فقط نورهم الباطني في كل موضوع أو مسألة أو مشكلة؟ الجواب سلبي، لأن أمثال هؤلاء لا يمكنهم أن يعلنوا لحزبهم عن هذا العزم وهذا الحل، وبالتالي، فهم في صدد خداع حزبهم، ومن ثم، فإنهم يرسخون، في أعماق نفوسهم، جذورَ اللااستقامة، وغنيٌّ عن البيان أن شجرة اللااستقامة لا تثمر إلا ظلمةً باطنية.
۱۵) إذن، فبينما نولي، من جهة، اهتماماً للحقيقة والعدالة والمصلحة العامة، ونريد، من جهة أخرى، أن نحافظ على النظرة المتوقعة من أعضاء حزبٍ سياسي، لا يمكننا أن نتصدى لفحص موضوعات الحياة العامة ومسائلها ومشكلاتها البالغة التعقيد. إن مدى اهتمام الإنسان محدود، ولا يتسع للعناية بهذين الهمّين في آنٍ واحد؛ وفي الواقع، فكل من لديه أحد هذين الهمّين، يضطر، لا محالة، إلى إهمال الهمّ الآخر. فقط حين نكون توّاقين إلى الحقيقة، بقلبٍ ونفسٍ متحررين خاليي البال من كل ما يقبل صبغة التعلق، دون أن نسعى إلى تخمين مضمون الحقيقة، فإننا نجد النور الباطني. إن آلية الاهتمام الصادق برمتها ليست سوى هذا.
۱۶) الواقعية اللافتة للنظر والمهمة للغاية هي أن مجرد وجود الأحزاب يخلق مشكلة لأولئك الذين يريدون اتباع نورهم الداخلي فحسب، ولا يقبلون، بأي حال من الأحوال، أن يجعلوا صدقهم عرضة للمساومة والتضحية، لأنه، تماماً كما لا يمكن للمرء أن يهتم بالحقيقة والعدالة والمصلحة العامة ويحافظ في الوقت نفسه على نظرة حزب سياسي وطريقة تلقيه، لا يمكنه أيضاً أن يهتم بالحقيقة والعدالة والمصلحة العامة ويسعى في الوقت ذاته إلى التفاعل تجاه ضبط الحزب وكبحه. بعبارة أخرى، كما أن دافع الوفاء لحزب ما يضعف قوة فهمنا وتمييزنا ويضلل ملكة حكمنا، فإن دافع معارضة نظرات حزب ما وطرق تلقيه يحدث بدوره خللاً في فهمنا وتمييزنا وحكمنا، لأن أياً من هذين الدافعين لا علاقة له بالحقيقة والبحث عن الحقيقة، وكلاهما يجب النظر إليهما بعين الريبة. الانتباه الصادق، الذي يزيد النور الداخلي توهجاً، هو حالة عصية المنال، وكل تدخل للمشاعر والعواطف والانفعالات، سواء كانت إيجابية أم سلبية، يخرجه عن مساره الصحيح. وكما أن الحب يجعلك أصم أبكم تجاه عيوب محبوبك ونقائصه، فإن الكراهية تجعلك بدورها أعمى أصم تجاه فنون الشخص الذي تكرهه وكمالاته. الميل إلى معارضة نظرات حزب ما وطرق تلقيه، تماماً بقدر الميل إلى موافقتها، يضعف قوة تمييزنا ويطفئ نورنا الداخلي. لذلك، يجب دائماً أن نسعى بجدية إلى صون قوة تمييزنا وحكمنا وحمايتها من الاضطراب الناشئ عن المخاوف والآمال الشخصية.
۱۷) بناءً على ذلك، فإن الحزب السياسي ظاهرة، ما إن تظهر في ساحة الحياة الاجتماعية والحياة السياسية، تجعل الجميع، بمن فيهم موافقوه ومعارضوه، عرضة للانحراف عن طريق البحث عن الحقيقة، والمطالبة بالعدالة، وصون المصلحة العامة. ومن هنا يأتي التوصية الأخلاقية المؤكدة بإزالة جميع الأحزاب السياسية.
وهنا يبرز سؤال: "إذا كانت الأحزاب تشكل عائقاً أمام الجمهورية وأمام الديمقراطية معاً، فما الذي ينبغي فعله لحل المشكلات التي تنشأ في مجتمع يُفترض أن يكون نظامه السياسي جمهورياً وديمقراطياً في آن؟"
جواب سيمون فاي على هذا السؤال، بإيجاز، هو أن الشخص الذي يريد، عبر الانتخابات، الوصول إلى مقام ومنصب سياسي، عليه أن يعبر عن آرائه ونظراته الشخصية بشأن كل مشكلة اجتماعية، وبطبيعة الحال، يتفق في باب مع أناس ويختلف مع آخرين، وفي باب آخر يتفق مع مجموعة مختلفة ويعارض مجموعة أخرى. بعبارة أخرى، عليه أن يفكر بنفسه، ونتيجة لهذا التفكير المستقل، يجد في كل مرة، وفي كل مشكلة، تقارباً مع أناس وتباعداً عن آخرين. لا يعقد عهد أخوة دائم مع أي شخص أو أي جماعة، بل، حالة بحالة، ينضم إلى فئة ويخرج من فئات. مثل هذا الشخص لا يقول أبداً: "أنا، بصفتي عضواً في الحزب الفلاني، أعتقد أن..."، بل يقول: "أنا، نتيجة لتفكيري الخاص، توصلت إلى هذه النتيجة وهي أن..." عندما يشكل أمثال هؤلاء الأشخاص النظام السياسي لبلد ومجتمع، يمكن أن نأمل ألا تُداس الحقيقة والعدالة ومصالح جميع المواطنين، وأن تبقى الجمهورية والديمقراطية مصونة.
إذا استبدلنا، في جميع البنود السبعة عشر الماضية، كلمة "(الحزب السياسي)" بكلمة "الدين والمذهب"، فلن ينتقص من إحكام الدليل وقوته ذرة. وكما ورد في بداية هذه الكتابة، فإن روح الحزبية، بالإضافة إلى مؤسسة السياسة، تنطبق أيضاً على مؤسسة الدين والمذهب، ومؤسسة التعليم والتربية، ومؤسسة العلم والفن والأدب، وعلى ظواهر مثل التنوير الفكري والقومية؛ وهي أساساً نبعت من مؤسسة الدين والمذهب وامتدت إلى مؤسسة السياسة ومنها إلى سواها.
يعلم القارئ الواعي المنصف أن رأي سيمون فاي المحق هذا لا يمت بصلة، ولو بمقدار ذرة، لرواية جماعة أخرى من القائلين بإزالة الأحزاب السياسية ممن يعتقدون: "يجب أن يكون حزبنا على سدة السلطة وبقية الأحزاب في السجون والمعتقلات."
آمل وآمل أن تزداد شعلة نار الخيرية والإنسانية العديمة الدخان توهجاً في أرواحنا وقلوبنا جميعاً، وأن ينير ضياؤها طريقنا ويمنحنا دفؤها زاد وقوة المسير. فليكن كذلك! وليكن أكثر فأكثر!
۱۱/۱۰/۹۸
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.