اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُخالف دونالد ديفيدسون ومحمد رضا الأصفهاني الرأيَ الشائع، إذ يريان أن الاستعارة تخلو من معنى مجازي، ويُعيدانها إلى مجال الاستعمال وأثرها في سياقها الخاص. ويُبرز هذا المقالُ أوجهَ التشابه بين نظرية الشيخ الأصفهاني ونظرية ديفيدسون.

الاستعارة في الغرب من الموضوعات التي دُرست من منظورات متعددة وقُدمت حولها نظريات مختلفة. للاستعارة في التراث البلاغي الإسلامي مجال أضيق من حيث التعريف والاستعمال. يعتقد جميع منظّري الاستعارة، في الغرب وفي البلاغة الإسلامية على السواء، أن للاستعارة، فضلاً عن معناها الحقيقي الحرفي، معنىً ثانوياً مجازياً، لكن ثمت وجهتا نظر شاذتان في هذا السياق. لا يقبل دونالد ديفيدسون ومحمد رضا الأصفهاني هذا الأساس. ففي اعتقادهما ليس للاستعارة من معنىً سوى المعنى الحرفي، وأن النقاش حول الاستعارات يتعلق بمجال استعمالها وبالأثر الذي يحدثه هذا الاستعمال في سياق وسياق معين. كُتبت مقالات ورسائل كثيرة حول نظرية ديفيدسون، في حين أن نظرية الشيخ الأصفهاني، رغم سبقها على وجهة نظر ديفيدسون، ظلت مجهولة حتى بين أهل البلاغة الإيرانيين. يتناول هذا المقال، إلى جانب دراسة مفصلة لوجهة نظر الأصفهاني، بيان أوجه الشبه بين نظريته ونظرية ديفيدسون.
كانت دراسة الاستعارة ذات جاذبية فائقة للباحثين منذ العصور القديمة وحتى الآن. نشأت تنوعات كبيرة من وجهات النظر حول الاستعارة تنقسم بشكل رئيسي إلى مدرستين: مدرسة الاستعارة التقليدية ومدرسة الاستعارة الجديدة، حيث تفسر الأولى الاستعارة في مجال البلاغة والثانية في مجال الإدراك (Low, Cameron & Todd, 2010). حتى القرن الحالي، كان الانعكاس النظري حول ماهية الاستعارة ودورها يتبع عموماً خطاً فكرياً واحداً يقوم على أن الاستعارة هي في الأصل صنعة بلاغية. فالاستعارة، بوصفها زينة أدبية، تضيف بهاءً وجاذبية أكبر إلى الأقوال الكلامية والكتابية. ومع ذلك، فإن المنظرين الجدد مثل ماكس بلاك[1] (1977)، ولايكوف وجونسون[2] (1980)، يهمشون هذا الدور الزخرفي للاستعارة ويعتقدون أن الاستعارات أدوات إدراكية قوية لا يمكن إعادة صياغتها بلغة بسيطة وحرفية دون أن تفقد معناها. وبناءً على هذه النظرية «لم تعد الاستعارة، خلافاً للتعريف التقليدي، خاصة بالشعر والأدب والخيال الأدبي. مكان الاستعارة هو في المنظومة المفهومية للبشر وهي عملية إدراكية تحدث في ذهن جميع الناس.» (براتي، 1395: 56)
يختلف تعريف الاستعارة في البلاغة الفارسية عن تعريفها في نظريات الاستعارة في الغرب. فالاستعارة في الغرب تشمل أنواع المجاز أيضاً. توجد في الغرب نظريات مختلفة حول الاستعارة، بينما نواجه في البلاغة الإسلامية تراثاً بلاغياً واحداً. يحاول دونالد ديفيدسون[3] في مقالته «ما المعنى الذي تعطيه الاستعارات»[4] (1978)، أن يبين أن معظم النقاشات الفلسفية التي دارت حول ماهية الاستعارة قد أخطأت إلى حد كبير في افتراض معنىً مختلف، توسعي أو «استعاري» للاستعارات. بين علماء البلاغة الإسلاميين، للشيخ محمد رضا الأصفهاني وجهة نظر خاصة ومختلفة عن نظرية الاستعارة المشهورة. لنظرية دونالد ديفيدسون قرابات مع رأي الأصفهاني.
محمد رضا النجفي المعروف بالشيخ محمد رضا مسجد شاهي أو الأصفهاني (1362 – 1278 هـ. ق) هو ابن الشيخ محمد حسين النجفي. كان بارزاً في الفقه والأصول والفلسفة والمنطق وعلم الكلام والشعر والرياضيات والأديان في الحوزة العلمية بأصفهان.
كان الشيخ الأصفهاني، إضافة إلى إحاطته بمباني الأصول والفروع في العلوم المختلفة وخاصة الفقه والأصول، مهتماً بالشعر والأدب أيضاً. كان الأصفهاني ينظم الشعر باللغتين الفارسية والعربية، ومعظم أشعاره باللغة العربية. من جملة آثاره الأدبية يمكن الإشارة إلى الروض الأريض فيما قال أو قيل فيه من القريض (ديوان شعر)، وغالية العطر في حكم الشعر، والسيف الصنيّع على رقاب منكري علم البديع وحواشٍ على شرح ديوان المتنبي.
ليس للشيخ الأصفهاني كتاب خاص في البلاغة، وهو يطرح مبحث المجاز والاستعارة في كتابه «وقاية الأذهان». و«وقاية الأذهان» كتاب باللغة العربية في علم أصول الفقه، يسعى مؤلفه إلى تعريف طلاب هذا العلم به بأسلوب جديد. ويناقش الكتاب في نحو 50 صفحة منه (101-149) موضوع الحقيقة والمجاز.
في البلاغة الفارسية، قلّما يوجد من هو على دراية بوجهة نظر الأصفهاني البارزة حول الاستعارة. ولم يُنشر حتى الآن أي أثر لتعريف هذه النظرية أو نقدها في المجلات الأكاديمية. ففي نظر الأصفهاني، ليست الاستعارة فحسب، بل جميع أنواع المجاز والكناية، هي «استعمال فيما وُضع له» (الأصفهاني، 1413: 105)، ومن هنا فهي أكثر توافقًا وقربًا من التعريف العام للاستعارة في الغرب الذي يشمل أنواع المجاز. في جميع النظريات المطروحة، تُفترض للاستعارة معنى مجازي وغير حرفي، بينما في وجهة نظر دونالد ديفيدسون ونظرية محمد رضا الأصفهاني، فإن افتراض معنى مجازي للاستعارة أمر مرفوض. ومسألة هذا البحث هي دراسة هاتين الوجهتي النظر ومقارنتهما.
كما ذُكر آنفًا، لم يتناول أي أثر بشكل خاص وجهة نظر الشيخ الأصفهاني. وقد أشار مرتضى براتي وآخرون (1395) في مقالهم المعنون «المفهومية المقارنة للاستعارة في الغرب والبلاغة الإسلامية» إلى هذه النظرية. وعلى الرغم من وجود مؤلفات باللغة الفارسية حول آراء ديفيدسون الفلسفية، إلا أن حسين دباغ (1393) قد تناول في كتابه «المجاز في الحقيقة؛ دخول الاستعارات في العلم» مادة حول نظريته الخاصة بمعنى الاستعارات.
في الصفحات الأولى القليلة من مقال ديفيدسون، يمكن تمييز ثلاثة ادعاءات منفصلة على الأقل لكنها مترابطة (ربما تكون لبعض الادعاءات جذور واحدة) يقدمها ديفيدسون ضد النظريات الدلالية للاستعارة:
(1) الاستعارات أو العبارات الاستعارية لا تقول شيئًا يتجاوز المعاني الحرفية لكلماتها، وصانعو الاستعارة أيضًا لا يقولون شيئًا يتجاوز المعاني الحرفية للكلمات التي يستخدمونها.
(2) ليس للاستعارات معنى «ثانوي» أو مجازي «خاص».
(3) الاستعارات «لا تنقل مفاهيم وأفكارًا» أو ليس لها «محتوى معرفي» (يتجاوز ما يُعبر عنه بالمعاني الحرفية للكلمات المستخدمة). (ديفيدسون، 1978: 43).
ينبغي الانتباه إلى أن حجج ديفيدسون سلبية. فهو يناقش ويجادل في المقام الأول حول كيف لا تعمل الاستعارات وكيف لا تُنتج معنى. وهو يناقش بشكل أقل بكثير فحصًا إيجابيًا وبنّاءً لكيفية نشوء الاستعارة. ومع ذلك، فإن التصريحات الإيجابية التي يدلي بها تحمل بوضوح طابعًا مصداقيًا[5]: «الاستعارة تجعلنا ننتبه إلى الشبه بين شيئين ونرافقه» أو بالتناوب، «الاستعارة تجعلنا نرى شيئًا بوصفه وكأنه شيء آخر» (Davidson, 1979:37). في مثل هذا المقاربة، من الواضح أن للاستعارة نقاط اشتراك كثيرة مع المقارنة والتشبيه؛ لكن ديفيدسون يرفض كلا الشكلين من وجهة النظر المصداقية والمقارنة للاستعارة. إنه يرفض وجهة النظر القائلة بأن الاستعارة تشبيه مختصر (مما يدل على أن المعنى الحرفي للاستعارة مطابق للمعنى الحرفي للتشبيه)؛ وذلك بسبب افتراضه المسبق بأن الاستعارة هي استخدام خلاق لعبارات تكون، في تفسيرها الحرفي، غريبة أو خاطئة بشكل واضح (المصدر نفسه).
الحجج السلبية هي ضد الادعاءات القائلة بوجود معانٍ استعارية:
المعنى الاستعاري لا يفسر شيئًا (نحن بحاجة إلى فهم ماهية الاستعارة حتى نتمكن من إدراك ماهية المعنى الاستعاري). قد يُقال إن الاستعارة هي إظهار لأوجه الشبه، لكن أوجه الشبه غامضة وغير محدودة - وفي الواقع كل شيء يشبه كل شيء آخر في بعض الجوانب (المصدر نفسه).
على سبيل المثال «تولستوي كان طفلاً أخلاقياً». إذا كانت هذه العبارة مجرد وسيلة لإظهار وجود بعض أوجه الشبه بين تولستوي والطفل، فما هي أوجه الشبه هذه؟ هل كان تولستوي ساذجاً؟ هل كان تولستوي عنيداً؟ هل كان تولستوي أنانياً؟ يعتقد ديفيدسون أنه لا توجد هنا قائمة محددة. قد يُقال إن الاستعارة لها معنى واسع، لكن يبدو أن هذا مجرد وصف للمعنى الحرفي. عند تحديد المعنى، لا يتضح أبداً أين تنتهي الاستعارة ويسود المعنى الحرفي، مما يجعل رسم أي خط بين نوعي المعنى أمراً مستحيلاً.
برأي ديفيدسون، قد يُقال إن الاستعارات هي تشبيهات محذوفة؛ لكن «التشبيه المناظر سيكون مختلفاً. أحياناً، لدينا معانٍ من الاستعارة ليست تشبيهات قطعاً، مثل المعاني الإيحائية. كل التشبيهات صحيحة، لكن ليست كل الاستعارات صحيحة» (المصدر نفسه، 38).
تقدم نظرية ديفيدسون، في بيانها للنقاط السلبية، ثلاث رؤى:
الاستعارة تشبه التشبيه جزئياً من حيث أنها تدفع السامع إلى الانتباه إلى أوجه الشبه.
الاستعارة تشبه إلى حد ما التلميحات الحوارية حيث ينتبه السامع إلى هذا الأمر باستخدام مخيلته ومعرفته بالعالم الواقعي، وإلى حد ما بناءً على لامعنى المعنى الحرفي للقول وعدم معقوليته، وليس بناءً على معانٍ لعبارات إضافية.
لكن الاستعارة تختلف أيضاً عن التشبيه والتلميحات الحوارية. لأنها، مثل الأحلام والرسم، ما «يُلفت الانتباه» ليس قضايا مشفرة دلالياً في العبارة المستخدمة أو مقصودة من المتكلم، كما أن نوع «التخيل» المنخرط والمستخدم في الاستعارة مختلف إلى حد ما (Stainton,2003,351).
في نظر ديفيدسون، تعاني الاستعارة بوصفها رؤية تشبيه مكثف من عيب جوهري آخر تشترك فيه مع النوع الثاني من النظرية المصداقية والإحالية؛ أي الرؤية القائلة بأن المعنى المجازي للاستعارة مطابق للمعنى الحرفي للتشبيه؛ أي ما يسميه تيريل «نظرية التشبيه الاختزالي» (Tirrell, 1991: 126). يجادل ديفيدسون بأن كلا الرؤيتين تجعلان المعنى الاستعاري الخاص أكثر وضوحاً وجلاءً مما ينبغي، «لأنها تطابقه مع المعنى الحرفي لتشبيه، غالباً ما يكون «تافهاً جداً»: إنه تافه لأن كل شيء يشبه أشياء أخرى من بعض الوجوه» (Davidson, 1979:37). وهو يعتقد أن مثل هذه الرؤية تشوش على نقاط الشبه المحددة التي قد تقودنا فيها الاستعارة (أو التشبيه من جهة أخرى) إلى اكتشاف المعنى الحرفي للمقارنة؛ أي أنها تدّعي ببساطة أن شيئاً ما يشبه آخر دون الخوض في التفاصيل. لا يمكن تفسير الاستعارات بتشبيه أو بعبارة لغوية أخرى، ليس لأن لها معنى غير حرفي فريداً أو غامضاً، بل لأنه «لا يوجد شيء لتفسيره أصلاً» (المصدر نفسه، 30). يعتقد ديفيدسون أن الرؤى التي تؤدي إليها الاستعارات (أوجه الشبه التي تُطلع السامع عليها) ليست عادة من النوع القضوي.
برأي ديفيدسون، لا يوجد شيء اسمه معنى استعاري خارج الكلمات التي عُبِّر بها عن الاستعارة. معنى الاستعارة هو نفس معنى الكلمات المستخدمة للتعبير عنها، وذلك بأكثر معانيها الحرفية الممكنة. فعل الاستعارة يشبه قرصاً مهلوساً. للاستعارة تأثير نفسي. هذا التأثير يقع خارج نطاق اللغة والمعنى. ونتيجة لذلك، يمكننا أن نسمي مقاربة ديفيدسون «رؤية مصداقية سببية»[6]، «هذه الرؤية تعتبر الاستعارة علة[7] أو محفزاً[8] للرؤى حول الشبه بين الأشياء، وليس معبراً[9] عنها» (Leezenberg, 2001:126).
بدأ البحث في المجاز والاستعارة في العالم الإسلامي من القرآن الكريم، إذ إن استخدام المجاز والاستعارة وسائر الصناعات البلاغية في القرآن، يُعدّ من أبرز جوانب الإعجاز البياني للقرآن. وقد تمسك المنكرون بشبهات ذات طابع كلامي أكثر منها أدبي وبلاغي:
1_ اعتبر البعض المجاز مساوياً للكذب.
2_ واعتبره البعض حالة اضطرارية، وقالوا إن المتكلم يلجأ إلى المجاز حين يضيق به الأمر عن الإتيان بالحقيقة، في حين أن أي كذب أو عجز منزه عنه ساحة القدس الإلهي.
3_ أنكر بعض السلفيين وكذلك المتطرفون من أهل الكشف والشهود، وجود المجاز في القرآن لكونه يؤدي إلى نفي المعاني وسلب الحقائق عن الصفات العليا لذات الجمال والكمال (نصيري، 1392: 87).
اعتبر علماء الأدب استخدام الاستعارة مدعاة لرواج الكلام وجاذبيته وجماله، وقد بلغ القرآن في هذا المضمار الذروة وتجاوز حد الإعجاز. إن استخدام أنواع الاستعارة في القرآن هو ما جعل لهذا الكلام الإلهي رونقه الخاص وجعله في الطليعة (المصدر نفسه). يكتب ابن رشيق القيرواني عن أهمية الاستعارة: «الاستعارة أفضل أنواع المجاز، ومبدأ النكت البديعية في كل كلام رائق، وليس في زينة الكلام ما هو أحسن من الاستعارة» (ابن رشيق، 1907: 239).
الحقيقة هي استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له (ما وضع له). في الاستعمال الحقيقي، يتبادر المعنى إلى ذهن السامع مباشرة دون حاجة إلى قرينة. وقد ينقلب المعنى المجازي أحياناً إلى معنى حقيقي، كما في الحالة التي يبلغ فيها استعمال اللفظ في المعنى المجازي حداً يتبادر معه ذلك المعنى من اللفظ دون حاجة إلى قرينة (مظفر، 1378، ج 1: 27).
المجاز في اللغة بمعنى الطريق، والعبور، والممر (شيرازي، 1373: 275). المجاز، في الرأي المشهور، هو استعمال اللفظ بمساعدة قرينة في غير المعنى الذي وضع له، بسبب علاقة ومناسبة بين ذلك المعنى والمعنى الموضوع له، كاستعمال لفظ «أسد» للإنسان الشجاع في جملة «رأيت أسداً في ميدان القتال» لعلاقة المشابهة بين الإنسان الشجاع والأسد في الشجاعة وبمساعدة القرينة (ميدان القتال).
الحقيقة اللغوية: يضع اللغويون لفظاً لمعنى، ونحن نستعمل ذلك اللفظ في نفس ذلك المعنى. مثلاً، لفظ «خبز» وضعه اللغويون لنوع من المأكولات يُصنع من القمح. فإذا استعملنا لفظ «خبز» في معناه الأصلي الذي وضعه له اللغويون، سمي ذلك حقيقة لغوية (مثلاً، أن يقول زيد للخباز في المخبز إنه يريد رغيفي خبز).
المجاز اللغوي: يضع اللغويون لفظاً لمعنى، ونحن نستعمل ذلك اللفظ في غير المعنى الذي وضعه له اللغويون. مثلاً، يقول زيد في جملة لصديقه إنهما إذا قاما بعمل ما معاً، فسيحصلان على خبز وماء. هنا استعمل زيد لفظ الخبز والماء في معنى غير المعنى الذي وضعه له اللغويون، وهذا الاستعمال يسمى استعمالاً مجازياً (محقق داماد، 1362: 111).
كما سبق أن أوضحنا، فإن التعريف المشهور للمجاز هو «المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له»؛ كاستخدام لفظ الأسد بمعنى الإنسان الشجاع. وفيما يتعلق بمسألة ما إذا كان استعمال اللفظ في غير ما وضع له يتطلب إذن الواضع أم لا، يمكن القول إنه إذا لزم إذن الواضع، فينبغي لنا الرجوع إلى علاقات[10] المجاز. وهناك من يعتقد، كصاحب الكفاية، أنه لا حاجة إلى إذن الواضع، ويكفي أن يقبله الذوق السليم. (نفس المصدر)
هناك وجهة نظر أخرى في باب المجاز لا تعتبر المجاز «استعمال اللفظ في غير ما وضع له». وتُنسب وجهة النظر هذه إلى السكاكي. ويكتب التفتازاني في شرح هذه الوجهة:
يعتقد البعض [مثل السكاكي] أن الاستعارة مجاز عقلي وليس لغوياً؛ لأننا في الاستعارة لا نتصرف في اللغة، بل نتصرف في الأمر العقلي؛ بمعنى أننا إذا أطلقنا لفظ الأسد على الإنسان الشجاع، فإن هذا الإطلاق يكون بعد أن ندّعي أن الإنسان الشجاع فرد من أفراد الأسد (بعد ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به) (التفتازاني، 1315، 70).
لتوضيح وجهة نظر السكاكي بشكل أفضل، يمكن الرجوع إلى قوله في كتاب مفتاح العلوم:
اعلم أن المجاز عند علماء علم البيان على نوعين: 1. المجاز اللغوي الذي مر شرحه [استعمال اللفظ في غير ما وضع له] ويُسمى بالمجاز المفرد. 2. المجاز العقلي وهو المجاز في الجملة. والمجاز اللغوي على نوعين: نوع يعود إلى معنى الكلمة، ونوع آخر يعود إلى حكم للكلمة في الكلام. والمجاز الذي يعود إلى معنى الكلمة على نوعين: مجاز مفيد ومجاز غير مفيد. والمجاز المفيد أيضاً على نوعين: مجاز بلا مبالغة في التشبيه، ومجاز بمبالغة في التشبيه يُسمى استعارة وله أنواع مختلفة (السكاكي، 1317: 166).
وجهة نظر السكاكي حول كون المجاز (إسناد الفعل إلى فاعل غير حقيقي) لغوياً أو عقلياً ليست واضحة تماماً. فهو أثناء عرضه لوجهتي النظر حول كون المجاز عقلياً أو لغوياً، ينحاز في البداية، مثل أستاذه (الحاتمي)، إلى كون المجاز لغوياً، لكنه يميل في ما بعد أكثر نحو كونه عقلياً. ويكتب في الجمع بين وجهتي النظر اللغوية والعقلية للمجاز:
اعلم أن وجه التوفيق هو ادعاء كون الإنسان أسداً، مع الادعاء بأن أفراد الأسد ومصاديقه على طريق التأويل نوعان: أحدهما «الفرد والمصداق المتعارف» وهو الأسد ذو الشكل والصورة الخاصة وذي القوة والجرأة الكبيرة. والمصداق الآخر هو «المصداق والفرد غير المتعارف»؛ أي الشخص الذي يمتلك نفس القوة والجرأة لكنه ليس على شكل وهيئة الأسد (نفس المصدر، 164).
في اعتقاد السكاكي، الاستعارة ليست مجازاً بل هي حقيقة لغوية. ففي الاستعارة يُستعمل اللفظ في معناه الأصلي نفسه، لكنها ليست حقيقة، بل يحدث في الاستعارة نوع من التصرف العقلي والذهني. فعلى سبيل المثال، حين نسمي الشخص الشجاع أسداً، فإننا ندّعي في أذهاننا أن الشخص الشجاع هو أحد مصاديق الكلي للحيوان المفترس. لذا فعندما نستعمل لفظ الأسد للشخص الشجاع، فإننا في الواقع نريد أن نبين أنه هو ذلك الحيوان المفترس، وأن الحيوان المفترس له مصداقان، أحدهما الأسد المفترس والآخر الشخص الشجاع. وفي هذه الحالة، المعنى الأول هو الأصل والمعنى الثاني هو الفرع.
على الرغم من أنه من المشهور أن المجاز عند السكاكي هو استعمال اللفظ في معناه الموضوع له (الميرزا القمي، 1378 والبروجردي، 1419)، إلا أننا بالتدقيق أكثر في عبارة السكاكي الأصلية في باب الاستعارة، نكتشف أن نظرية المجاز الادعائي (نظرية الشيخ محمد رضا الأصفهاني) ونظرية السكاكي تختلفان عن بعضهما (غالب أهل البلاغة المتأخرين لا يعتقدون بذلك)؛ لأنه في نظرية الأصفهاني يُدّعى أن اللفظ قد استُعمل في معناه الحقيقي والحرفي، ولكن في نظرية السكاكي، الاستعمال هو في غير ما وضع له. ففي نظرية السكاكي، يدّعي المتكلم أن للأسد مصداقين وفردين، ولكن بسبب أن لفظ الأسد قد وُضع للفرد الحقيقي، فإن استعماله في الفرد الادعائي هو استعمال في غير ما وضع له. وعبارة السكاكي الأصلية حول المجاز هي هذه العبارة:
و اما المجاز فهو الکلمه المستعمله فی غیر ما هی موضوعه له بالتحقیق، استعمالا فی الغیر بالنسبه الی نوع حقیقتها، مع قرینه مانعه عن اراده معناها فی ذلک النوع (سکاکی،1317: 160).
بحقيقة، في نظره يوجد في المجاز بعلاقة المشابهة (الاستعارة)، ادعاء المصداقية.
قام محمد رضا الأصفهاني في كتابه «وقاية الأذهان» بتعميم تعريف السكاكي للاستعارة وسحبه على جميع أنواع المجاز، سواء أكان استعارة أم غير استعارة. وقد عرّف الاستعارة بأن اللفظ يُستعمل دائماً فيما وُضع له ولا يُستعمل أبداً في غير ما وُضع له. يعرض الأصفهاني أولاً خلاصة الرأي المشهور في الحقيقة والمجاز: «اللفظ إن استُعمل فيما وُضع له فهو حقيقة، وإن استُعمل في غير ما وُضع له فهو مجاز، وما عدا ذلك خطأ وغلط» (الأصفهاني، 1413: 101). يرى أهل البلاغة أن المجاز على نوعين: إن كانت وجهة الاستعمال هي المشابهة سُمّي استعارة، نحو: زيد أسد، وإن لم تكن وجهة الاستعمال مشابهة بل كانت إحدى العلائق الخمس والعشرين (كعلاقة الجزء والكل) سُمّي مجازاً مرسلاً؛ نحو: زيد عين.
لا يقبل الأصفهاني هذا الرأي ويدّعي أن الحقيقة والمجاز كلاهما من باب استعمال اللفظ فيما وُضع له:
لصعوبة إثبات الوضع للمجازات، التزم قوم بأن دلالتها ليست وضعية، فوقعت لهم تكلفات هي من حيث الفساد أعظم وأظهر من الفساد الذي وقع فيه إخوانهم من قبل (المصدر نفسه: 103)
يقوم دونالد ديفيدسون، شأنه شأن الشيخ الأصفهاني، في البداية بإنكار الآراء السابقة عليه في باب الاستعارة، ويرى أن جميع منظّري الاستعارة قبله قد أخطأوا في فهم الاستعارة وطرح نظرية مناسبة بشأنها. في مبحث الاستعارة، تثير نظرية ديفيدسون جدلاً واسعاً بسبب دعواه أن الكلام والتعبير الاستعاري يخلوان من أي معنى غير حرفي محدد، وإن لم يكن هناك اتفاق كبير بين الباحثين في حقل الاستعارة على هذه الدعوى. إنه يهاجم جميع النظريات السابقة، من زمن أرسطو حتى عهد ماكس بلاك، ويعتبرها غير ذات قيمة:
الخطأ الأساسي الذي سأتصدى لتفنيده هو أن الاستعارة، فضلاً عن المعنى الحرفي، تنطوي على معنى آخر. هذه الفكرة موجودة لدى كثيرين ممن كتبوا في الاستعارة: في أعمال النقاد الأدبيين (مثل ريتشاردز، وإمبسون، ووينترز)، والفلاسفة من أرسطو إلى ماكس بلاك، وعلماء النفس من فرويد إلى علماء النفس قبل سكنر وبعده، واللغويين من أفلاطون إلى يوريل فاينرايش. (ديفيدسون، 1978: 28).
يعتقد محمد رضا الأصفهاني:
في المجاز طريقة أخرى - مطابقة للوجدان ويؤيدها البرهان ويقبلها كل ذهن سليم مستقيم ويرفضها كل ذهن مريض - وهي أن الألفاظ تُستعمل في معانيها الأصلية، ومستعملها لا يخلق معنى جديداً ولم يعدل عن التزامه الأول؛ بل أراد بها معانيها الأولى (الأصفهاني، 1413: 103).
وهو يكتب في شرح هذا المطلب وبيانه:
الطبع السليم يشهد أن قائل «حاربت اليوم أسداً ضارياً» و«لقيت أمس قمراً منيراً» لم يحارب إلا رجلاً شجاعاً جسوراً ولم يقابل إلا وجهاً مشرقاً، ولا يريد شيئاً سوى إلقاء المعنى الأصلي الموضوع له إلى السامع وإفهامه إياه، حتى لو لم يكن مطابقاً للواقع أو لم يكن على سبيل الجد (المصدر نفسه، 104)
برفضه «المعنى الاستعاري» وإنكاره وجود آليات لغوية منقولة عبر المفهوم الاستعاري، يعتقد ديفيدسون أن الجمل الاستعارية ذات معنى، سواء أكانت الجمل قابلة للإثبات تجريبياً أم لا؛ لكنه يدّعي أن معانيها ليست سوى المعاني الحرفية. «الاستعارة تعني ما تعنيه الكلمات، في أكثر تفسيراتها حرفية، ولا شيء أكثر» (ديفيدسون، 1984: 30). وفقاً لرأي ديفيدسون، حين يقول هوتسبر: «الفكر عبد الحياة، والحياة حمق الزمان»، فهو لا يقول إلا إن الفكر (في الواقع) بالمعاني الحرفية تماماً لتلك الكلمات هو عبد الحياة، وبالمثل، الحياة حمق الزمان.
في اعتقاد ديفيدسون، فإن معنى الاستعارات هو ذلك التأثير الذي يلقيه الشاعر في ذهن السامع عبر خلق مشهد خاص. وهذا التأثير لا يمكن إلقاؤه إلا بنفس الكلمات التي استُعملت بطريقة حرفية. فالتأثير الذي ينتابنا من قراءة شعر حافظ يبعد فراسخ عن المعنى الذي نحصل عليه من كتابات شارحي شعر حافظ. إن افتراض معنى آخر غير المعنى الحرفي هو ضرب من الترجمة. يقول روبرت فروست في تعريف الشعر: الشعر هو ما يضيع في الترجمة (فروست، 1939: 95).
هل للشعر أدناه معنى غير ذلك المعنى الحرفي والواقعي للكلمات؟!
أيها الفستق، لقد ضحكت ساخراً من حديث القند إني مشتاق، فبالله عليك، ابتسم ولو بشكر
في اعتقاد الأصفهاني، ليس للاستعمال والتطبيق معنى سوى الإفهام وإلقائه إلى السامع، ولا فرق في ذلك بين كونه صادقاً أو كاذباً، جاداً أو هازلاً.
لذا، عندما يقول ابن العميد:
قَامَتْ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ نَفْسٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي
قامَتْ تُظَلِّلُنِي ومِنْ عجَبٍ شَمْسٌ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ
فلو لم تكن هذه المعاني مرادة، لما كان هناك مجال لتعجب الشاعر من محبوبه حين تظلله الشمس.
ويرى مولوي أيضاً محبوبه شمساً يتمنى أن تظلله:
علينا الشمس تظللنا وتلك الشمعة تصير مقيمة هذا الحوض
إن فصاحة وبلاغة وجلال مثل هذه التصويرات تضيع إذا ما أخذنا لها معنى غير معناها الأصلي.
ولهذا السبب، عندما يُدعى الشخص الشجاع أسداً، فإن صوته يُدعى زئيراً، وولده شِبلاً، ومكانه خيساً؛ أو حين ندعو المرأة الجميلة ظبية، فإن صوتها يُدعى بغاماً، وولدها خشفاً، وبيتها كناساً؛ وإذا أعرضنا عن هذا النظام ولم نتبعه وقلنا: «رأيت أسداً وولده يسعى خلفه» أو «رأيت ظبية تحمل طفلها»، فإن الفصاحة في هذه الحال تكون أدنى بكثير من قولنا: «رأيت أسداً وشبله معه» أو «رأيت ظبية تحمل خشفها». (الأصفهاني، 1413: 106)
ويشير جعفر سبحاني إلى المسألة ذاتها، ويعتقد أن كثيراً من تفاسير القرآن وترجماته، بقبولها النظرية المشهورة في الاستعارة، تُكتب بطريقة تقضي على بلاغة الآيات. فعلى سبيل المثال، جاء إخوة يوسف إلى يعقوب عليه السلام وقالوا إن ابنك قد سرق، وإن كنت لا تصدق قولنا، (وسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتي كُنَّا فيها وَ الْعيرَ الَّتي أَقْبَلْنا فيها وَ إِنَّا لَصادِقُونَ) (يوسف/ 82). في ذلك الزمان، كانت «القرية» تُطلق على المدينة (كمدينة مصر)، بخلاف زماننا الذي تعني فيه القرية. وقد قيل في ترجمة الآية: اسأل أهل القرية، وهي ترجمة لا تُلاحظ فيها بلاغة. لكن مراد الآية هو أن سرقة بنيامين مشهورة إلى حد أن الجدران نفسها تعلم أنه سرق. لذا، فإن استعمال «القرية» بمعناها الحقيقي والأصلي هو ما يحفظ البلاغة والتصوير في هذه الآية.
عندما أراد الإمام السجاد عليه السلام لمس الحجر الأسود في الكعبة وتقبيله، تنحى الجميع جانباً هيبةً له. وكان هشام ينتظر دوره، فغضب من رؤية هذا المشهد وسأل: من هذا؟ فأجابه الفرزدق قائلاً:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته و البيت يعرفه و الحل و الحرم
أي هذا هو الذي تعرف الحصباء موضع قدميه، وحتى الحل والحرم يعرفانه. أما قول بعضهم في الترجمة: أي يعرفه أهل الحل والحرم، فقد أغفل بلاغته (انظر سبحاني، 1435: 116).
وينتقد الشيخ الأصفهاني النظرية المشهورة في المجاز، أي استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي، عبر تقديم دليلين آخرين:
ماذا يقول من يعتقد أن اللفظ في المجاز يُستعمل في غير معناه الأصلي بشأن هذه العبارات: «إنه مَلِك؛ بل مَلَك» و«فلان شجاع؛ بل أسد». في هذه العبارات يذكر المتكلم الاسم أولاً ثم يُضرب عنه.
الإضراب في علم البديع هو الإعراض عمّا سبق والالتفات إلى ما يليه باستعمال لفظ «بل»، كما في الأبيات التالية:
عارضه روضةٌ وفمه برعمٌ بل جنةٌ في وسطها كوثرُ
في هذه المواضع يؤكد المتكلم على افتراض المعنى الحرفي للعبارة.
أو ماذا يقولون عن الاستعمالات التي يُنفى فيها المعنى الحقيقي صراحةً؟ كجزء من الآية 31 من سورة يوسف: ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
بحسب رأي الشيخ الأصفهاني، فإن المقصود في جميع هذه الموارد هو المعاني الأصلية. لكنه لا يعتزم التوسع في هذا الموضوع. إذ يكتب:
هذا الأمر جليّ لمن أدرك حقائق فن البيان وصناعة البديع، وكتابنا موضوع في فن أصول الفقه لا في فنون البلاغة ليتسع المجال لعرض شواهد أكثر، غير أني أطلقت عنان القلم ولا تثريب عليه، حتى يثبت قول ابن معتوق في محبوبه (الأصفهاني، 1413: 106).
يقول ابن معتوق (1025- 1087هـ):
و تنهدت جزعاً فأثّر كفّها في صدرها فنظرتُ ما لم أنظرِ
أقلامَ مرجانٍ كتبنَ بعنبرٍ بصحيفة ِ البلّورِ خمسة أسطرِ
(أقلام من مرجان كتبت بحبر عنبري خمسة أسطر على صحيفة من البلور).
أيكون السبب الذي يثير تعجبه هو ضرب الحسناء المخضوبة بالحناء لصدرها فيكمد صدرها بسببه، أم حقيقة كتابة خمسة أسطر بأقلام المرجان وبحبر العنبر على البلور؟ أتكون بلاغة هذا الشعر مجرد وضع الأقلام موضع الأصابع، ولفظي العنبر والبلور موضع سواد الصدر وبياضه، أم في وضع معاني هذه الألفاظ في موضع معاني تلك الألفاظ؟ (المصدر نفسه). إنه يعتقد أن بلاغة الشعر تزول بافتراض المعنى الاستعاري.
مثال آخر يورده الأصفهاني هو شعر الوأواء الدمشقي (ت. 980): «فاستمطرت لؤلؤا من نرجس و سقت وردا و عضت علی العناب بالبرد». ويقول في شرح هذا الشعر: أي صورة تنقشها هذه الألفاظ في مرآة ذهنك، وتُسكرك بلا شراب، وتُطربك بلا سماع؟ أهو هطول اللؤلؤ من النرجس وسقي الورد وعضّ العناب بالبرد، أم تلك الحالة الحزينة المضطربة؛ أي امرأة تبكي وتعض أصابعها؟ (المصدر نفسه). ويجيب الشيخ نفسه قائلاً:
إن قبلت الثاني وكان هذا القضاء من إنصافك، فقد أخطأت وما أحسن الوأواء، وإن كان الأول فهو أحسن من جهة النظم، وقد أحسنت الفهم (المصدر نفسه، 106).
يدعو الشيخ الأصفهاني القارئ إلى التأمل في شروحه وشواهده، وتجنب قبول أقوال أهل البلاغة بلا استدلال:
إن أنعمت النظر فيما أنبهتك عليه من هذه الأمثلة، وجعلته نموذجاً لنظائره من صنوف الاستعمال، حصلت على علم لا يعتريه شك وارتياب، وتدرك أن المجاز ليس وضع لفظ في موضع لفظ؛ بل وضع معنى في موضع معنى، وهذا ما تورثه الملاحة ويوجبه المبالغة وإخوانها (المصدر نفسه).
يدّعي ديفيدسون أيضاً أن الاستعارة يمكن أن تُستعمل بوصفها تصريحات، وأكاذيب، وعهوداً ومواثيق:
ما يُحدث الفرق بين الكذب والاستعارة ليس هو الاختلاف في الكلمات المُستخدمة أو ما تعنيه (بأي مفهوم دقيق للمعنى)؛ بل في كيفية استخدام الكلمات. فاستخدام جملة للكذب يختلف تمامًا عن استخدامها للاستعارة؛ إنهما استخدامان مختلفان لدرجة لا يمكن أن يتداخلا، فكما يُقال، الفعل والكذب... يمكن أن يكون هذا إهانة، كما يمكن أن يكون ادعاءً أن يُقال لإنسان «أنت خنزير»... ما يُميِّز الاستعارة ليس المعنى، بل الاستخدام (ديفيدسون، 1984: 33).
يتطرق الأصفهاني في مواصلة بحثه إلى شبهة مُقدَّرة تقول إن المجاز على النحو المذكور، وفقًا لرأيكم، هو كذب. ويُجيب بالقول إنه يجب التمييز بين الإرادة الجدية والإرادة الاستعمالية. فالكذب القبيح والمذموم عقلاً والمحظور شرعًا هو الكذب الذي يكون الغرض منه إلقاء خلاف الواقع إلى السامع وإغراءه بالجهل وتصديق معنى اللفظ، وهنا تتطابق الإرادة الجدية الواقعية مع الإرادة الاستعمالية والتطبيقية؛ أما في المجاز فالغرض من إلقاء المعنى إلى السامع هو مجرد تصوره له فحسب دون أن يُراد منه التصديق والاعتقاد به. ولهذا السبب يأتون بـ«القرينة المعاندة»[11] في الكلام والتي تكون في تعاند وتضاد مع الإرادة الجدية من الكلام (الأصفهاني، 1413: 108).
يُشير الأصفهاني بالبيان أعلاه إلى الفرق بين الإرادة الجدية والإرادة الاستعمالية. فوفقًا لرأيه، يُستخدم اللفظ في المجاز دائمًا في معناه الموضوع له، لكن إذا تطابقت الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية معًا، كان الاستخدام حقيقيًا، وإذا لم تتطابقا معًا كان الاستخدام مجازيًا؛ لذلك إذا استخدم المتكلم لفظ القمر وكانت إرادته الجدية منه المرأة الجميلة، كان الاستخدام في هذه الحالة مجازيًا. الإرادة الجدية هي الحالة الوضعية للكلمة، والإرادة الاستعمالية هي استخدام اللفظ في سياق وسياق خاص. وهذا هو ما كان ديفيدسون يقصده بالاستخدام (Use) واعتقد أن لكل لفظ في كل سياق وخلفية خاصة (Context)، معناه الخاص به.
في نظر الأصفهاني، يوجد فرق بين الوضع والاستخدام أو الاستعمال للألفاظ. وهو يُوضح هذا الفرق بين الاستعمال والوضع على النحو التالي:
أ) لقد اعتبر الواضع أولاً لفظًا لمعنى، ثم استخدم (Use) الآخرون ذلك اللفظ في ذلك المعنى.
ب) الوضع دائمًا مطابق للمعنى الحقيقي، لكن الاستعمال والاستخدام أعم من المعنى الحقيقي والمجازي.
استعمال اللفظ واستخدامه على ثلاثة أنواع:
1_ الاستخدام الحقيقي: استخدام اللفظ في معناه «الموضوع له»؛ مثل استخدام لفظ الأسد في معنى الحيوان المفترس.
2_ الاستخدام المجازي: استخدام اللفظ في غير معناه «الموضوع له» مع مراعاة وجود نسبة وعلاقة؛ مثل استخدام لفظ الأسد للإنسان الشجاع.
3_ الاستخدام الخاطئ: استخدام اللفظ في غير معناه «الموضوع له» بدون وجود نسبة وعلاقة؛ مثل استخدام لفظ الأسد في معنى الإنسان القصير. إذن، يوجد فرق بين مقام الوضع ومقام استعمال الألفاظ؛ أي أنه في الوضع، يلاحظ الواضع كلاً من اللفظ والمعنى بشكل منفصل ويجعل اللفظ علامة للمعنى، ولكن في مقام الاستعمال، يكون اللفظ بمثابة مرآة للمعنى وكأنه يفنى في المعنى.
علامات الحقيقة وطريقة التمييز بين الاستخدام الحقيقي والمجازي هي كما يلي:
أ. التبادر: وهو أن يتبادر معنى إلى الذهن أسرع من المعاني الأخرى، فيكون دليلاً على أصل وضع أهل اللغة لذلك المعنى.
ب. عدم صحة السلب: إذا لم يمكن سلب مدلول اللفظ عن اللفظ بوجه من الوجوه، كان الاستخدام حقيقيًا، وإذا كان قابلاً للسلب، كان الاستخدام في هذه الحالة مجازيًا. فعلى سبيل المثال، استخدام لفظ «حمار» للإشارة إلى الفرد الجاهل هو استخدام مجازي؛ وذلك لأن قول «الإنسان الجاهل ليس حمارًا» ليس خاطئًا (سلب كون الحمار عن الإنسان الجاهل صحيح).
ج. الاطّراد: الاطّراد في اللغة هو تتابع جزء من شيء لجزء آخر منه. (الراغب، 1412: 212) وفي اصطلاح الأصوليين، هو استعمال اللفظ في معناه المشكوك فيه على كل حال وصورة في جميع المصاديق، مع إلغاء كل ما يصلح لأن يكون قرينة. فإذا صح استعمال اللفظ في جميع مصاديق المعنى المشكوك فيه وعلى كل حال كان علامةً على الحقيقة، وعدم الاطّراد علامةً على المجاز (المظفر، 1378: 28). والاطّراد بمعنى الشمول والعموم، والمقصود به كثرة استعمال اللفظ في معنى واحد (ولمصاديقه المختلفة)؛ وعليه، لاكتشاف ما إذا كان الاستعمال حقيقياً أم لا، ينبغي أن نتبيّن ما إذا كان استعمال ذلك اللفظ في جميع مصاديق ذلك المعنى صحيحاً أم لا. مثال ذلك: استعمال "أسد" للشجاع مجازي، لأنه وإن كان يشمل الحسن والحسين الشجاعين، إلا أنه لا يشمل "اللص الشجاع".
وكما سبقت الإشارة، فإن ديفيدسون يرى أيضاً أن بحث الاستعارة يتعلق بمجال استعمال الألفاظ وتوظيفها:
في اعتقادي أن الاستعارة تنتمي حصراً إلى مجال الاستعمال. إنها شيء يبلغ نتيجة ناجحة بالتوظيف التخييلي للكلمات والجمل، وتعتمد اعتماداً كاملاً على المعاني العادية لهذه الكلمات، وبالتالي على المعاني العادية للجمل التي تشتمل عليها (ديفيدسون، 1978: 35).
وجوهر بحث مقالة "ما معنى الاستعارات"، بالتمسك بالتمييز بين المعنى والاستعمال، يهاجم فكرة المعاني الاستعارية للكلمة:
أنا أؤمن بالتمييز بين ما تعنيه الكلمات وما تُستعمل لتفعله. أعتقد أن الاستعارة تنتمي حصراً إلى مجال الاستعمال... هذا لا يساعد في تفسير كيف تُستعمل الكلمات في الاستعارة لافتراض معانٍ استعارية أو رمزية أو أنواع خاصة من الحقيقة الشعرية أو الاستعارية. هذه الأفكار لا تفسّر الاستعارة، بل الاستعارة هي التي تفسّرها. عندما نفهم الاستعارة يمكننا أن نسمي ما فهمناه "حقيقة استعارية" و(إلى حد ما) نقول ما هو "المعنى الاستعاري"؛ لكن وضع هذا المعنى في الاستعارة ببساطة يشبه تفسير لماذا تجعلك حبة دواء تنام بالقول إن الحبة تملك قوة منوّمة. الجمل الحرفية وشروط الحقيقة الحرفية يمكن، بمعزل عن سياقات استعمال خاصة، أن تُسند إلى الكلمات والجمل. ولهذا السبب فإن اللجوء إليها يمتلك قوة تفسيرية حقيقية. (المصدر نفسه، 33).
لهذا التعريف للاستعارة، أي استعمال اللفظ في معناه الحرفي والواقعي، يمكن تقديم أمثلة مختلفة. ففي "جهار مقاله" لنظامي عروضي ترد نماذج من استعمال العبارات في سياق خاص. المورد الأول هو الرد الذي يبعث به الإسكافي كاتب ألب تكين على وعيد وتهديدات الأمير نوح الساماني. فالإسكافي، رداً على رسالة الأمير الساماني المليئة بالتهديد، يكتب فقط هذه الآية من القرآن: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (هود/32). المقصود بالوعد في هذه الآية هو وعد النصرة الإلهية للمؤمنين ووعيد الذلة والهوان للكافرين؛ لكن استعمال الآية وتوظيفها في هذا السياق الخاص قد أكسبها معنى آخر. حتى لفظ "نوح" قد اكتسب استعمالاً آخر.
والمثال الآخر هو قصة معانقة المأمون لابنة الفضل البرمكي قبل إجراء المراسم الرسمية والشرعية. فالمأمون الذي فقد صوابه حين رأى الفتاة مدّ يده ليعانقها، لكن الفتاة قالت على الفور: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ... (النحل/ 1). يكتب نظامي عن الاستعمال المناسب والموفق للآية في هذا السياق الخاص: "فكف المأمون يده وكاد أن يغمى عليه من غاية فصاحة الآية ولطف استعمالها [Use] في هذه الواقعة [Context]" (نظامي عروضي، 1326: 36).
تنتمي الاستعارة في نظريتي ديفيدسون ومحمد رضا الأصفهاني إلى مجال الاستعمال. فاستعمال اللفظ الموضوع لمعنى خاص في سياق وسياق جديد يكسبه معنى جديدًا طازجًا. فعلى سبيل المثال، تحمل عبارة «انكسر ظهري» في سياقات مختلفة معاني متعددة:
أ. أتحمل مصيبة وبلاءً شديدًا. (في سياق مثل وفاة أحد أفراد الأسرة)
ب. تعبت. (في سياق العمل والمشقة المفرطة)
ج. انكسرت فقرات ظهري وعظامه. (في سياق حادث شديد)
يشرح الأصفهاني الفرق بين وجهة نظره ووجهة نظر السكاكي، ويعتقد أن ما عبّر عنه في جميع المجازات يختلف عما قاله السكاكي في باب المجاز الاستعاري. والفرق الآخر هو أن وجهة نظر السكاكي تقوم على التصرف في الأمر العقلي، وأن المستعير يدّعي أن المشبه به له مصداق آخر أيضًا هو المستعار له، وبهذا جعل نفسه هدفًا للانتقادات؛ لأن اللفظ موضوع للفرد الواقعي لا للادعاء الذي هو المجاز اللغوي. وهو لا يرى وجهة نظره قائمة على مثل هذا الادعاء، ويعتبرها جارية وعملية حتى في الأعلام الشخصية (الأصفهاني، 1413: 103).
وفقًا لهذه الرؤية، لا يوجد بين الحقيقة والمجاز سوى فرق واحد، وهو أنه في الحقيقة لا يُقدَّم مصداق جديد، بينما في المجاز يُقدَّم مصداق جديد، بمعنى أن الفرد يتصور أولاً ادعاء العينية في الذهن ثم يخبر عنه، أي عندما يقول «إن هذا إلا ملك كريم» يعني أن يوسف مصداق من مصاديق المَلَك. إن من يستعمل المجاز يسعى عادة إلى واحد من هذه الأغراض الثلاثة
يلجأ الفرد إلى المجاز للمبالغة في الجمال أو الشجاعة وأمثالها. فمثلاً نقرأ في القرآن أنه عندما دخل يوسف مجلس النساء، قالت النسوة: (حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم) أي ادّعت النساء أن سيدنا يوسف من مصاديق المَلَك. يقول المشهورون إن المراد من الآية هو أن يوسف رجل جميل. فإذا أردنا استعمال المَلَك في يوسف، تزول البلاغة في هذه الحال، ولكن إذا قبلنا رأي الشيخ الأصفهاني، فإن المبالغة تُدرَك تمامًا لأنه وفقًا لرأيه يوسف مَلَك جميل (السبحاني، 1435: 115).
المثال الثاني: يقول الشاعر: «لدي أسدٍ شاكي السلاح مقذّفٍ لَهُ لَبدٌ اظفاره لم تُقلّم»
أي أن عندي أسدًا سلاحه حاد ويهجم في الحروب. له لِبدة وأظفاره لم تُقلّم. يصف الشاعر في هذا البيت بطلاً في ذهنه، فإذا استعملنا الأسد بمعنى الرجل الشجاع، تزول البلاغة في هذه الحال. أما إذا كان المراد هو الأسد نفسه، فتحصل البلاغة، أي أسد سلاحه حاد ويهجم وله لبدة وأظفاره باقية على قوتها (المصدر نفسه). وفي شاهنامه الفردوسي أيضًا يُدعى الأبطال والمحاربون أسودًا ونمورًا. فمثلاً في البيت التالي لم يعد سهراب هو سهراب بخصائصه البشرية، بل نمر ذو صدر ولبدة مهيبة:
غمی بود رستم بیازید چنگ گرفت آن بَر و یال جنگی پلنگ
لنتصور مثلاً رجلاً له معشوقة، وهو مستلقٍ في الشمس، ثم تأتي معشوقته وتلقي بظلها عليه. يصف الشاعر هذا المشهد قائلاً: «قامت تظللني ومن عجب شمس تظللني من الشمس». (قامت وألقت بظلها عليّ، ويا للعجب، شمس تظللني من الشمس!). في هذا المثال استُعملت الشمس بمعنى المرأة الجميلة، ولذلك يتعجب الشاعر كيف صار للشمس ظل. فالتعجب في هذا المثال يحدث إذا استُعملت الشمس في معناها الحقيقي لا في المرأة الجميلة. (المصدر نفسه).
هناك اعتقاد شائع بأن الثوب الكتاني إذا تُرك تحت ضوء القمر فإنه يبلى. «لا تعجبوا من بلى غلالته قد زر أزراره على قمر» أي لا تتعجبوا من قميصي الداخلي الذي بلي؛ لأن أزراره قد شُدَّت على جسد القمر (لأن معشوقتي هي القمر وأنا أنام بجوارها ليلاً). فإذا عملنا وفق الرأي المشهور يصبح معنى الشعر هكذا: لا تتعجبوا من بلى قميصي الداخلي لأن أزراره قد شُدَّت على امرأة جميلة. وفي هذه الحال من الواضح أن البلاغة تزول ولا يتحقق رفع التعجب (المصدر نفسه).
يطرح سبحاني عدة إشكالات وأجوبة حول هذه النظرية ويقول: إذا كان استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز كليهما في المعنى الحقيقي، فما الفرق بينهما إذن؟
الجواب الذي يطرحه هو أنه في استعمال الحقيقة لا توجد دعوى، بينما توجد في المجاز دعوى المصداقية، أي أن قائل المجاز هو في مقام تعريف مصداق جديد. فهو يتصور أولاً المصداقية والعينية ثم يعرّفهما.
السؤال الآخر هو: هل تنحصر هذه الدعوى في الاستعارة أم أنها تصدق أيضاً في المجاز المرسل؟ فمثلاً، في الاستعارة حين نقول: «رأيت أسداً في الحمام» توجد دعوى بأنه يُعرَّف مصداق جديد للأسد. فهل الأمر كذلك في المجاز المرسل؟ يكتب سبحاني:
«أمير المؤمنين عليه السلام حين يقول: (كتب إليّ عيني بالمغرب) هل يعرّف مصداقاً جديداً للعين التي هي الباصرة؟ في الجواب ينبغي القول إن الدعوى نفسها موجودة في المجاز المرسل أيضاً، أي أن هذا الفرد الذي أرسله أمير المؤمنين عليه السلام بصفته مراقباً ليست له أية حيثية إلا أنه عين، أي أنه بكليته في حال مراقبة» (سبحاني، 1435: 116).
الأمر الآخر هو أنه وفقاً للرأي المشهور فإن الفرق بين المجاز والكناية واضح جداً؛ لأن المجاز هو استعمال اللفظ في المعنى غير الحقيقي، والكناية هي عن استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي. فمثلاً حين نقول: زيد كثير الرماد (رماد بيت زيد كثير) فإنه يدل على أن زيداً كريم وأن ضيوفه كثيرون، ونتيجة لذلك فإن رماد بيته كثير لأجل طبخ الطعام؛ ولكن وفقاً لنظرية الشيخ الأصفهاني، فإن المجاز كالكناية هو عن استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي.
«الجواب الذي يُقدَّم هو أن
الاستعارة في النظرية التقليدية الشائعة هي استعمال اللفظ في معنًى غير حرفي (غير ما وُضع له). لدونالد ديفيدسون رأيٌ مثير للجدل للغاية في باب الاستعارة، وقد كُتبت حوله مقالات ورسائل كثيرة حتى الآن. يعتقد ديفيدسون أن جميع منظّري الاستعارة الذين يرون أن للاستعارة، بالإضافة إلى معناها الحرفي، معنًى آخر (معنًى مجازي)، قد سلكوا طريقًا خاطئًا في فهم معنى الاستعارة. فبرأي ديفيدسون، تحمل الاستعارات المعنى نفسه الذي تحمله الكلمات في أكثر تفسيراتها حرفيةً ممكنة. ويقدم الشيخ محمد رضا الأصفهاني أيضًا في كتابه «وقاية الأذهان» رأيًا مخالفًا للمألوف في النظرية الشائعة للاستعارة، ونظريةً مشابهة لرأي ديفيدسون حول جميع أنواع المجاز. تنتمي الاستعارة من منظور ديفيدسون والأصفهاني إلى مجال الاستعمال، وليس معنى الاستعارة سوى المعنى الحرفي للكلمات المكوّنة لها، ولهذا السبب فإننا عندما نواجه جملة واحدة (مثل: «انكسر ظهري») في سياقين واستعمالين مختلفين، قد ندرك إحداهما استعارية والأخرى غير استعارية. يرى ديفيدسون أن مفتاح مسألة الاستعارات يكمن في تأثيرها. فالاستعارة تؤثر فينا وتجعلنا ننتبه إلى الشبه بين شيئين ونتفاعل معه. كما تجعلنا الاستعارة نرى شيئًا ونفهمه بوصفه وكأنه شيء آخر. ويعتقد الشيخ الأصفهاني أيضًا أن افتراض معنى ثانوي للاستعارة وسائر أنواع المجاز يؤدي إلى زوال هذا التأثير، وإلى زوال فصاحة الكلام وبلاغته بشكل عام، تمامًا كما أدى افتراض المعنى المجازي وغير الحرفي إلى زوال بلاغة الكثير من آيات القرآن وأشعار الشعراء. الاستعارة، كالتشبيه، لا تنشئ علاقة مماثلة بين شيئين، بل هي هوية، أي إنه في جملتي «فلان أسد» و«هو مَلَك» مثلًا، يستحضر السامع في ذهنه صورة أسد مهيب ذي أبهة، ومَلَك جميل، لا صورة مركبة من أسد ورجل شجاع، أو من يوسف ومَلَك. فإن فعل ذلك، تلاشت الصورة المتخيلة.
.
.
القرآن الكريم، ترجمة أبو الفضل بهرام بور، نشر آواي قرآن.
ابن رشيق، أبو علي الحسن بن رشيق (1907)، العمدة، القاهرة: المكتب.
الأصفهاني، محمد رضا (1413)، وقاية الأذهان، قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
براتي، مرتضى (1395)، دراسة وتقييم نظرية الاستعارة المفهومية، مجلة الدراسات اللغوية والبلاغية العلمية المحكمة بجامعة سمنان، المجلد 8، العدد 16، الصفحات 51-84
براتي، مرتضى وآخرون (1395)، دراسة مفهومية مقارنة للاستعارة في الغرب والبلاغة الإسلامية، مجلة جستارهاي نوين أدبي بجامعة فردوسي مشهد، المجلد 49، العدد 192. صص 128-107
البروجردي، حسين (1419)، الحجة في الفقه، أصفهان: مؤسسة الرسالة.
دباغ، حسين (1393)، المجاز في الحقيقة؛ دخول الاستعارات في العلم، طهران، نشر هرمس.
الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (1412 هـ. ق)، المفردات في غريب القرآن، بيروت: دار العلم، الدار الشامية.
مظفر، محمد رضا (1378)، أصول الفقه، الطبعة 5، بلا تاريخ، قم: منشورات إسماعيليان.
السبحاني التبريزي، جعفر (1435)، المبسوط في أصول الفقه، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
السكاكي، يوسف (1317 ق)، مفتاح العلوم، بيروت: دار الكتب العلمية.
شيرازي، أحمد أمين (1373)، آيين بلاغت، طهران: دفتر انتشارات إسلامي.
محقق داماد، مصطفى (1362)، مباحث من أصول الفقه، ج 1، الطبعة الأولى طهران: مركز نشر علوم إسلامي.
الميرزا القمي، أبو القاسم بن محمد حسن (1378)، قوانين الأصول، طهران: المكتبة العلمية الإسلامية.
نظامي عروضي (1366)، چهار مقاله، تصحيح الدكتور محمد معين، طهران: أمير كبير.
Black, M. (1977). More about metaphor. Dialectica, 31(3‐4), 431-457.
Davidson, Donald (1985). “A Nice Derangement of Epitaphs”. In The Philosophy of Language, ed. A. P. Martinich (New York: Oxford University Press, 2001).
Davidson, D. (1978). “What metaphors mean”. Critical inquiry, 31-47.
Frost, Robert. (1939) “The Figure a Poem Makes,” in Collected Poems of Robert Frost, Oxford University Press.
Leezenberg, M. (2001). Contexts of metaphor. ELSEVIER SCIENCE Ltd.
Low, G., Deignan, A., Cameron, L., & Todd, Z. (Eds.). (2010). Researching and applying metaphor in the real world (Vol. 26). John Benjamins Publishing.
Stainton. Robert. J (2003), Speaker Meaning and Davidson on Metaphor, 345-54. Canadian Philosophical Association.
Tirrell, L. (1991). Reductive and Nonreductive Simile Theories of Metaphor. Journal of Philosophy LXXXVIII: 337-58.
دراسة مقارنة لمعنى الاستعارات بين نظريتي محمد رضا الأصفهاني ودونالد ديفيدسون.
الملخص
تُعدّ الاستعارة في الغرب قضيةً تمّ فحصها من منظورات متنوعة. أما في التراث البلاغي الإسلامي، فللاستعارة نطاق أضيق في تعريفها وتطبيقها. يعتقد جميع منظّري الاستعارة، في الغرب وفي البلاغة الإسلامية على حد سواء، أن للاستعارة، بالإضافة إلى المعنى الحرفي، معنىً ثانويًا ومجازيًا، لكن ثمة رأيان متعارضان. لا يقبل دونالد ديفيدسون ومحمد رضا الأصفهاني هذا الأساس. ففي رأيهما، لا تحمل الاستعارة، بالإضافة إلى المعنى الحرفي، أي معنى آخر، وترتبط مسألة الاستعارات باستعمالها وتتعلق بالأثر الذي يُحدثه هذا الاستعمال في سياق معين. كُتبت العديد من المقالات والرسائل حول نظرية ديفيدسون، بينما لا تزال نظرية الشيخ الأصفهاني مجهولة حتى بين البلاغيين الإيرانيين. تتناول هذه المقالة أوجه التشابه بين نظرية ديفيدسون ورؤية الأصفهاني.
[1] ماكس بلاك
[2] جورج لايكوف ومارك جونسون
[3] دونالد ديفيدسون
[4] ما الذي تعنيه الاستعارات
[5] الإرجاعي
[6] الرؤية الإرجاعية السببية
[7] سبب
[8] يُلهم
[9] يُعبّر
[10] المقصود بعلاقة المجاز هو الصلة القائمة بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي للكلمة.
[11] القرينة التي تمنع إرادة المعنى الحرفي للكلام.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
منابع مقاله: 1- ابوالفضل بهرامپور... اسمشو که دیدم یاد زجرکش کردن افتادم. این هم استعاره ای است در نوع خودش.