اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تلتقي نظرية الخطأ عند جون ماكي مع نظرية الإدراكات الاعتبارية عند العلامة الطباطبائي، رغم تباينهما الأنثروبولوجي، في اللاواقعية الميتافيزيقية للأخلاق والواقعية المعرفية للغة الأخلاق؛ تحليل للمسلمات الضمنية والصريحة في هاتين النظريتين الميتا-أخلاقيتين.

دراسة مقارنة بين نظرية الخطأ عند جون ماكي ونظرية الإدراكات الاعتبارية عند العلامة الطباطبائي
هذا المقال محاولة لشرح ومقارنة نظريتي ما وراء الأخلاق: «الخطأ» و«الإدراكات الاعتبارية» لكل من جون ماكي والعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي. أُجري هذا البحث وفق منهج البحث المكتبي، وهو مسعى لاكتشاف وتحليل وشرح وصياغة الافتراضات المسبقة الضمنية والصريحة لنظريتين مهمتين في ما وراء الأخلاق، تحت عنواني «نظرية الخطأ» و«الإدراكات الاعتبارية» اللتين طرحهما على التوالي جون ماكي والسيد محمد حسين الطباطبائي. نظراً لأن لغة الأخلاق، وميتافيزيقا الأخلاق، وعقلانية الأخلاق، والمعرفة الأخلاقية هي من أهم الافتراضات المسبقة في ما وراء الأخلاق، فإننا في هذا البحث نقوم بتحليل هذه المكونات. نتيجة المقارنة هي أنه على الرغم من أن الاختلاف المهم بين نظرية الاعتباريات ونظرية الخطأ يكمن في أحد الأسس الأنثروبولوجية للمعرفة الأخلاقية في هاتين النظريتين - حيث يُتحدث في إحداهما (نظرية الاعتباريات) عن وجود واعتبار الإدراكات الاعتبارية الثابتة المتجذرة في الطبيعة البشرية - إلا أن اللاواقعية الأخلاقية في ميتافيزيقا الأخلاق، والمعرفانية في لغة الأخلاق، والواقعية الأخلاقية في عقلانية الأخلاق، واللاواقعية في المعرفة الأخلاقية هي من القواسم المشتركة المهمة بين هاتين النظريتين.
.
.
.
.
من المسائل المهمة في حقل ما وراء الأخلاق، البحث في وجود الأوصاف والمعرفة الأخلاقية وعدم وجودها، وكيفيتها. وفي الأدبيات المتخصصة للمباحث الميتا أخلاقية، يُطرح هذان المسألتان في إطار ثنائيات الواقعية/اللاواقعية والمعرفوية/اللامعرفوية الأخلاقية. ومن الفلاسفة الذين قدّموا تنظيراً مبتكراً ومستقلاً في هذا المجال، العلامة الطباطبائي وجي. إل. مكي، اللذان طرحا نظريتي «الإدراكات الاعتبارية» و«الخطأ». وبرأي المؤلفين، وبصرف النظر عن بعض الاختلافات، فإن أوجه التشابه المثيرة للتأمل بين آراء هذين الفيلسوفين، تجعل القدرات النظرية والعملية لهاتين النظريتين أكثر وضوحاً وقابلة للفهم. وفي أية مقارنة، من الضروري استحضار جذور وأسس المنظومة الفكرية في المدرسة/النظرية، وقبل كل شيء، الحديث عن إمكانية أصل المقارنة المذكورة. مكي فيلسوف يدافع عن المذهب الطبيعي[1] ولهذا السبب لا يُدخل الأمور فوق الطبيعية[3] في مواقفه الفلسفية حول الدين [2]والأخلاق. لذلك، يبدو واضحاً أنه مع وجود هذا الأساس، فإن موقف مكي في الأخلاق هو لا واقعية قوية[4]. ولكن ماذا يمكن أن يُقال عن موقف العلامة الطباطبائي؟ هل يمكن إيجاد وجوه اشتراك بين وجهة نظر مكي كفيلسوف طبيعي، ووجهة نظر فيلسوف وعارف فوق طبيعي مثل العلامة الطباطبائي؟ في تقديرنا أن هذه المقارنة ممكنة ومبررة في آنٍ معاً. أولاً، إن مجرد الاختلافات الأساسية في بعض الأسس (ولو كانت أسساً مهمة في المنظومة الفكرية) لا يؤدي إلى عدم وجود تداخل بين الفروع الأخرى من العالم الفكري للفيلسوفين؛ وثانياً، مع العناية والإشارة إلى بعض اختلافات هاتين النظريتين، سنرى أن هذه المقارنة ليست ممكنة فحسب، بل إن هذا التطبيق المقارن يزيد من البصيرة لفهم وجهة نظر كلا الفيلسوفين في حقل الأخلاق. وبناءً على التوضيح الذي سيأتي، فإن العلامة الطباطبائي في طرحه لنظرية الاعتباريات، ولكي لا ينزلق في مأزق النسبية، يتحدث عن الاعتباريات الثابتة؛ اعتباريات هي، بمقتضى كوننا بشراً، دائمة وأبدية (جوادي، 1374: 23). هذه الفئة من الاعتباريات المتجذرة في الفطرة البشرية، تمنع الفوضوية الأخلاقية والوهن في أساس الأخلاق. وإن كان، حسب التوضيح الآتي، يقترب من اللاواقعية الأخلاقية بلغة اليوم، في تبيينه للاختلافات الأخلاقية، وفي الوجه التحفيزي للغة الأخلاق وغير ذلك. نسعى في هذه المقالة، مع الانتباه إلى بعض الاختلافات المتعلقة باللغة السائدة في فلسفة الأخلاق التحليلية، إلى صياغة نظرية الاعتباريات، أولاً ليكون الحكم على «إمكانية» مقارنة هاتين الوجهتي النظر حول أصل إمكانية المقارنة أكثر تيسراً، وثانياً، تأسياً بـ«تعرف الأشياء بأضدادها/ بأغيارها»، تتضح البصائر الفلسفية للنظريتين.
العلامة في بحث الاعتباريات، ومن خلال تفكيكه بين الإدراكات الاعتبارية والحقيقية، اعتبر التصورات المحمولية والتصديقات الأخلاقية من سنخ الاعتباريات. ومن وجهة نظره، فإن الإدراكات الحقيقية كلية، دائمة، وقابلة للتصديق والتكذيب، ولها ما بإزاء خارجي ومستقل، وتليق بالبرهنة. ومن جهة أخرى، الإدراكات الاعتبارية نسبية، مؤقتة، وغير ضرورية، وليس لها ما بإزاء مستقل وخارجي؛ ولأنها لا تمتلك شرط الضرورة والكلية والقطعية، فهي لا تليق بالبرهنة أيضاً؛ وبما أنه لا يوجد لها أي وصف خارجي ومطابقي في الخارج، فهي كاذبة، ولكنها من جنس الأكاذيب المفيدة (الطباطبائي، 1393: 388-389؛ 394-395). وفائدة هذه الاعتباريات إنما هي لمنافعها العملية. وفي المقابل، فإن الإدراكات الحقيقية ليست مرتبطة بالاتفاقات والمواضعات بأي وجه من الوجوه، ولا تنال الاستحسانات والاستقباحات الفردية والاجتماعية -سواء قبل الاجتماع أو بعده- من الحيثية الوجودية والحيثية المعرفية لهذا السنخ من التصورات والتصديقات.
علاوة على ذلك، فإن ماكي في مجال لغة الأخلاق، وخلافًا لكثيرين ممن يدافعون عن الشكوكية الأخلاقية[5] ويقبلون أيضًا باللامعرفوية[6]، هو معرفوي[7] ويعتقد أن حدوسنا فوق الأخلاقية في مجال لغة الأخلاق تصب في صالح صدقها وكذبها، وأن مجرد كونها تمتلك «قابلية» - لا «وصول» - التصديق والتكذيب، كافٍ لأن نعتبر موقفًا معرفيًا - على مستوى المفاهيم فقط - للغة الأخلاق (كشميري، ۱۳۹۴: ۱). ومع ذلك، فبرأيه، رغم أن لغة الأخلاق تمتلك «قابلية» التصديق والتكذيب، لكن بما أنه لا وجود لأي وصف أخلاقي في العالم الخارجي، فهي جميعًا كاذبة وخاطئة. ويعتقد ماكي في الوقت نفسه أن افتراض وجود هذه القضايا وإسقاط هذه القيم الباطنية على الساحة الخارجية، إنما هو بسبب جدواها العملية، ونابع من رفع الحاجة وقائم على بلوغ المصلحة ودفع المفسدة عنها (أخوان، ۱۳۹۵: ۱۶۰).
يقسم الحكماء الإدراكات إلى حضوريّة وحصوليّة. في الإدراكات الحضورية، تكون عين المُدرَك حاضرة لدى المُدرِك. في هذا النوع من الإدراك، لا توجد وساطة مفهومية؛ لذا فهو يندرج ضمن البديهيات. في الإدراكات الحصولية، ليس المُدرَك نفسه، بل صورته وماهيته هي الحاضرة لدى العالِم. والعلوم الحصولية تنقسم بدورها إلى حقيقية واعتبارية.
المقصود بالإدراكات الحقيقية، تلك المجموعة من المدركات التي تنظر مباشرة إلى الحقائق الموجودة في العالم ولا ترتبط بالسلوكيات والأعمال والأفعال (طباطبائي، 1370: ۲۸۳). في الواقع، هذا النمط من المعارف يقع في نطاق العقلانية النظرية ولا يشمل العقلانية العملية بشتى فروعها. هذه الإدراكات تتحدث عن أمور لا يتوقف وجودها وعدمها وكيفيتها على استحسان الإنسان واستهجانه، ويتم الحصول عليها عبر الحواس الخمس. التصورات الذهنية هي نفس المفاهيم الحقيقية التي أخذها الذهن بالالتفات إلى الخارج، بحيث لا يترتب عليها أي أثر من آثار الموجود الخارجي. لذلك، ما دامت في الذهن، يُطلق عليها لفظ «إدراك»؛ ومن هنا، ولأنها ناظرة إلى موجود في العالم الخارجي له آثار واقعية، تُسمى «حقيقية». بمعنى أنه ما لم يوجد شيء في الخارج، فإن ذهننا لا يقدر على مثل هذا الإدراك (شريعتي نجف آبادي، 1390: ۲۵۰).
من وجهة نظر العلامة الطباطبائي، ليست الحياة الاجتماعية مستحيلة بدون الاعتباريات فحسب، بل إن كل إنسان، في أبسط حاجاته وأكثرها ضرورة، يلجأ، شاء أم أبى، إلى بناء الاعتبارات (أوليائي، 1389: ۹۷؛ طباطبائي، ۱۳۸۸: ۲۵۵). حتى يمكن القول إن الاعتباريات هي لازمة لكل فعل إرادي. وهو يقول في تعريف الإدراكات الاعتبارية: «يمكن تحديد هذا العمل الفكري والقول إن العمل المذكور هو أن نعطي، بواسطة العوامل الشعورية، حدَّ شيءٍ لشيءٍ آخر؛ بغرض ترتيب آثار ترتبط بعواملها الشعورية» (طباطبائي، ۱۳۹۰، الف: 116). أي أن نجعل ما ليس مصداقًا لمفهومٍ ما واقعًا، مصداقًا له لكي نرتب عليه الآثار في العمل. هذا العمل الذهني لا يقع إلا في ظرف العمل، لأنه لا يجد معناه ولا يتحقق الاعتبار إلا في سياق التأثير والتأثر الخارجي.
الاعتبار هو عمل؛ عمل يصدر عن المُعتبر ويحتاج إلى هدف. وإن لم يكن لهذا الهدف ما بإزاء في العالم الخارجي. لكن ينبغي الانتباه إلى أن المقصود بعمل الاعتبار ليس وصف الموضوع أو المحمول، بل هو وصف القضية، وفي الواقع، هو الحكم (كشميري، ۱۳۹۴: 6).
يُقصد من مفهوم «الاعتباري» خمسة معانٍ على الأقل: (۱) الاعتباري في العلوم الاجتماعية (الطباطبائي، 1385: ۲۰۱)؛ (۲) الاعتباري في العلوم العقلية (الاعتباري بمعنى المعقولات الثانية)؛ (۳) الاعتباري في مقابل الأصيل؛ (۴) الاعتباري بمعنى الوجود التبعي؛ (۵) والاعتباري بمعنى التحقق في ظرف العمل. وهذا المعنى الأخير من الاعتباريات هو ما يعنيه العلامة في نظرية الإدراكات الاعتبارية في المقالة السادسة من أصول الفلسفة والمنهج الواقعي. ووفقاً لهذا المعنى، فإن الاعتبار هو تصور أو تصديق لا يتحقق خارج ظرف العمل، وليس في الحقيقة سوى استعارة (الطباطبائي، 1390، د، ج ۳: ۱۵۳). وهذه الإدراكات تُصنع لأغراض فردية واجتماعية على امتداد الحياة. وعليه، فبمجرد الأفكار الحقيقية لا يصدر عن الإنسان أي إرادة أو فعل. وفي المقابل، فبدون المعارف الاعتبارية التي تنشأ قبل كل فعل، لا يمكن صدور أي فعل عن الإنسان أيضاً (نبويان، 1390: ۱۲۱-۱۲۲).
بما أن هذه المقالة تسعى إلى تتبع الجوانب القيمية والأخلاقية لمبحث الاعتباريات، فإننا سنتناول بمزيد من الفحص الأجزاء التي تشتمل على هذا الجانب. لذا، فمن الجدير أن نتناول بالاستقلال دلالات هذه الأجزاء، ومواضع استعمالها، وكونها حقيقية أو اعتبارية، وأدلة العلامة، وأن نشير أيضاً إلى تقسيمات الاعتباريات من هذه الجهات.
تقع الاعتباريات بالمعنى الأعم في مقابل الماهيات، ويُعبّر عنها أيضاً بالانتزاعيات. أما الاعتباريات بالمعنى الأخص فهي اعتباريات عملية ينشئها الإنسان في مقام العمل (الطباطبائي، ۱۳۹۰، الف: ۱۲۳). وما يعنيه العلامة في بحث الإدراكات الاعتبارية هو القسم الثاني.
بناءً على رأي العلامة، فإن الاعتباريات بالمعنى الأخص هي معلولة للأحاسيس والدوافع المتناسبة مع القوى الفاعلة، وهي تابعة لها من حيث الثبات وعدمه. وحيث إن الأحاسيس تنقسم إلى قسمين: ثابتة ومتغيرة، فإن الإدراكات الاعتبارية تنقسم بالتبع إلى قسمين: ثابتة ومتغيرة ( ، 1363: ۱۳۸؛ الطباطبائي، 1390، الف: ۱۲۳). واستدلاله على هذه الدعوى هو الرجوع إلى النزعات الفطرية. وهو يذكّر بأن الميل إلى الخير والنفور من الشر موجودان في الإنسان بشكل فطري، ويستنتج من هذا البحث أنه بالنظر إلى النزعات الفطرية الثابتة، فإن الاعتباريات المتعلقة بها ثابتة أيضاً، وأن النزعات التابعة للظروف وغير الفطرية تسبب صنع الاعتباريات المتغيرة (الطباطبائي، 1362: ۱۳۷-140).
سواء أكان الإنسان في اجتماع أم لم يكن، فإن بعض عمليات الاعتبار لا تتعطل على أي حال. «إن صنع العلوم الاعتبارية هو معلول لاقتضاء القوى الفاعلة الطبيعية والتكوينية للإنسان، ومن الواضح أن نشاط هذه القوى أو بعضها ليس محدوداً ومقيداً بالاجتماع. وطبقاً لرؤية العلامة الطباطبائي، تنقسم الاعتباريات بتقسيم أولي إلى قسمين: ۱- الاعتباريات قبل الاجتماع؛ ۲- الاعتباريات بعد الاجتماع» (الطباطبائي، 1393: ۲۰۲؛ الطباطبائي، ۱۳۹۰، الف: ۱۲۵). ووجه التمايز بين هذين النوعين هو أن الاعتباريات قبل الاجتماع تستند إلى الشخص الإنساني؛ أما الاعتباريات بعد الاجتماع فقائمة بالجمع (شريعتي سبزواري، بلا تاريخ، ج ۲: ۳۰۵-۳۰۶). والفرق الآخر هو أن الإنسان في كل تماس له مع الفعل لا مناص له من الاعتباريات قبل الاجتماع، وهو ينشئها بأصل ارتباط الطبيعة الإنسانية بالمادة في الفعل؛ ومن ثم فهي لا تزول أبداً ولا يطرأ تغيير على ذاتها؛ على العكس من الاعتباريات بعد الاجتماع (الطباطبائي، 1385: ۳۲۲).
تنقسم الاعتباريات قبل الاجتماع إلى عدة أقسام:
هذا الاعتبار هو في الواقع الضرورة ذاتها الكامنة في «ينبغي»، و«ينبغي» هنا بمعنى الضرورة (مصباح اليزدي، 1386: 53). كل كائن حي، يتوسط بين ذاته وأفعاله. وعليه، فإن كل فعل يصدر عن فاعل، إنما يصدر مع الاعتقاد بأصل الوجوب (الطباطبائي، 1390، أ: 124). وبالطبع، ينبغي أن نضع في الاعتبار أن المقصود بالضرورة هنا هي الضرورة الفلسفية لا المنطقية. فعلى خلاف الضرورة المنطقية التي تنظر إلى ساحة الذهن، فإن الضرورة الفلسفية تنظر إلى عالم الوجود (كشميري، 1394: 15).
خِلقة الإنسان على نحوٍ يجتذب إليه ما يلائم طبعه، ويدفع عنه ما ينفر منه طبعه. وعليه، فإن «الخيرية» و«السوء» بمعنى تلك الملاءمة وعدم الملاءمة مع القوى الإدراكية الموجودة لدى جميع البشر (الطباطبائي، 1374: 204). إن اعتبار الحُسن والقُبح الذي هو بتعبير العلامة «متولد بلا فصل عن الوجوب» (الطباطبائي، 1393: 203) هو كـ«ينبغي» و«لا ينبغي» من زمرة الاعتباريات العامة قبل الاجتماع (الطباطبائي، 1374، أ: 173؛ الطباطبائي، 1390، أ: 127).
في باب ميتافيزيقا الأخلاق والبحث في كون الحُسن والقُبح ذاتيين أو عقليين، وهو من أعرق المباحث وأطولها ذيلاً بين تياري الأشاعرة والمعتزلة (فنائي، 1384: 23)، فإن العلامة وإن كان قد أيد الحُسن والقُبح العقليين واتخذ موقفاً معرفياً وما فوق ديني في إبستمولوجيا الأخلاق، إلا أنه في الباب الأنطولوجي، اتخذ موقفاً شبيهاً بالأشاعرة واعتبر العالم خالياً من الوقائع الأخلاقية. وهو يسوق أدلة لصالح اعتبارية الحُسن والقُبح، منها: (1) أن الخيرية والسوء الأخلاقيين يختلفان في المجتمعات وكذلك لدى الأفراد المختلفين؛ وعليه، فهما نسبيان (جوادي، 1375: 186-187)؛ (2) ودليل آخر هو أنه حين يُعتبر «ينبغي» في فعل ما، أي أن ذلك الفعل يبدو «حَسَناً» وهذه الملاءمة اعتبارية (شريعتي سبزواري، بلا تاريخ: 280) وإلا لكان ضروري الصدور أو دائم الصدور، في حين أنه ليس كذلك (سرايي، 1391: 60)؛ (3) واستدلال آخر هو أن وصف الأمور الاعتبارية، اعتباري حتماً (الطباطبائي، 1393: 203).
كلما وُضع الإنسان على مفترق طرق تؤدي جميعها إلى نتيجة واحدة، غير أن بعض تلك المسارات أكثر صعوبة وبعضها أكثر سهولة، فإنه يختار المسار الأقل كلفة والأسهل وصولاً (الطباطبائي، 1390، أ: 139). هذا الاعتبار الذي هو تعبير آخر عن العقلانية الأداتية[8]، بحسب رأيه، متجذر في طبيعة البشر. وعلة هذا النوع من الاعتبار أيضاً هي أن العمل الشاق وإن كان متعلقاً للقوى الفاعلة، إلا أنه من الطبيعي ألا يكون منسجماً مع القوى الفاعلة. والنتيجة هي أن وجوب العمل الشاق، لدى القوة الفاعلة، إنما هو في صورة وبشرط غياب العمل القليل المشقة، وفي غير هذه الصورة، ينشأ الميل نحو العمل الخفيف. وعلى هذا الأساس، تعرض كثير من الاعتباريات للتغير والتحول في جميع الشؤون الفردية والاجتماعية للإنسان. فمثلاً، كان الإنسان الأولي يأكل اللحم النيء والعشب لسد الجوع، ولكن الإنسان المعاصر لا يفكر فقط في الشبع، وهذا ما أدى إلى تعقيد حياته (الطباطبائي، 1393: 203).
إن الإنسان يستمد كل ما يؤدي به إلى بلوغ أهدافه وغاياته. وعليه، فمن الواضح أن هذا الأصل هو من الاعتباريات قبل الاجتماع، وأن سر تشكل الاجتماعات وحتى الاعتبارات المتولدة عنها هو نتاج هذا الأصل أساساً؛ ذلك أنه لو لم يكن أصل الاستخدام موجوداً، لما كان هناك اجتماع أيضاً (الطباطبائي، 1393: 205؛ الطباطبائي، 1390، ب: 294).
بما أن عدد هذه الفئة من الاعتباريات يفوق ما يمكن تناوله بالكامل، وكذلك نظراً لأن تناول هذا القسم من الاعتباريات يخرج عن نطاق رسالة هذه المقالة، فإننا نُحجم عن شرحها
من الضروري الآن أن نتناول خصائص ومكونات هذه النظرية. ومن الجدير بالذكر أن هذه المكونات هي جميعاً من مقومات نظرية الاعتباريات، وتشمل الاعتباريات الأخلاقية التي هي قسم خاص من الاعتباريات أيضاً.
۱- السمة المميزة للإدراكات الحقيقية هي أن لها مصداقًا نفس أمري وواقعي في الخارج، ويمكن اختبار صدقها وكذبها؛ أما الاعتباريات فليس لها أي مطابَق نفس أمري أو خارجي (الملتقى الثقافي بمناسبة ذكرى رحيل العلامة الطباطبائي، 1363: 151)؛ فمثلاً، قضية «الصدق حسن» هي قضية أولاً ليس لها أي وعاء لتعيين صدقها وكذبها، وهي أساسًا لا تحتمل الصدق والكذب؛ وثانيًا العلاقة بين الموضوع والمحمول أمر اعتباري تابع لاعتبار المتكلم.
لكن كما سبقت الإشارة، فإن الإدراكات الاعتبارية من وجهة نظر العلامة هي من سنخ القضية[9]، لا شبه القضية (سروش، 1370: 346)؛ وعليه فهي تحتمل الصدق والكذب. صحيح أنه ينبغي من وجهة نظره بدل الحديث عن صدق وكذب هذه الإدراكات، الحديث عن لغويتها أو عدم لغويتها (الطباطبائي، 1393: 174)، لكن وفقًا للتبيين الذي يقدمه لطبيعة هذه القضايا، إذا عرضنا هذه القضايا على الخارج، يتجلى كذبها. وبعبارة أدق، هي تمتلك إمكان الصدق[10] لكنها لا تمتلك قيمة الصدق[11]. وهذا هو الاشتراك المهم الذي تجمعه هذه الرؤية مع نظرية الخطأ عند ماكي، وهو ما سنتناوله في قسم المقارنة من هذا البحث.
يستعين العلامة بالاستعارات الأدبية لتوضيح هذه النقطة المهمة (الطباطبائي، 1390، ج، ج 8: 54). وطبقًا لتحليله للإدراكات الاعتبارية، فإن هذا النوع من الإدراكات هو من جنس وطبيعة الاستعارات، وبما أن الصدق والكذب المنطقيين أو المعرفيين لا موضوعية لهما (بل ولا طريقية) في الاستعارات أساسًا، فإن هذه الفئة من الإدراكات هي كذلك أيضًا. وغني عن البيان طبعًا أننا في أنواع الاستعارات، نسعى إلى تهييج المخاطب واستثارته ويكون لنا مقصد وهدف عملي، وهذه هي النقطة ذاتها التي ينبغي أن نضعها في الاعتبار عند تحليل طبيعة الاعتباريات (الطباطبائي، 1393: 158-159). إذن، يتبين من الملاحظة أعلاه أن التبرير الكامن وراء هذا النوع من الفعل هو الوصول إلى الفائدة وجني النتائج العملية. ولهذا السبب، «إذا واجه عالم من وجهة نظر الواقعية تمييز ومعرفة مطابقة وعدم مطابقة المفاهيم وتشخيص صدق وكذب القضايا بهذه المفاهيم والقضايا الاستعارية، فسيحكم على مفرداتها بأنها غير مطابقة للمصاديق ومركباتها [...] وقضاياها بأنها كاذبة. لأن المطابَق الخارجي لكلمة ’أسد‘ هو الحيوان المفترس لا الإنسان، ومطابَق كلمة ’قمر‘ هو جرم سماوي، لا الجميل الأرضي» (الطباطبائي، 1393: 160). ويقدم العلامة لإظهار أن هناك فرقًا جديًا بين هذين النوعين من «عدم المطابقة»، معيارًا لتمييزهما. وهو يرى هذا المعيار في «التأثير العاطفي-الوجداني» الذي له آثار خارجية وحقيقية. وعليه، «فإن العالم المذكور سيرى فرقًا بين هذين النوعين من الغلط والكذب، وهو أن الغلط والكذب الواقعيين لا أثر لهما، لكن الغلط والكذب الشعريين لهما آثار حقيقية وواقعية، لأنهما يستتبعان تهييج المشاعر الباطنية والآثار الخارجية المترتبة على المشاعر الباطنية» (الطباطبائي، 1393: 161-162).
۲- بما أن طبيعة المشاعر تتسم بعدم الثبات وإمكان القبض والبسط قائم دائمًا، فإن الأحكام والقضايا المبنية عليها تبقى سارية ما دامت هذه المشاعر نفسها موجودة، وإلا فإن تلك الأحكام والقضايا تصبح سالبة بانتفاء الموضوع (أوليائي، 1389: 136).
۳- تُوصف الإدراكات والأفكار العملية والاعتبارية بكلمة «وهمية»؛ لأنه ليس أي من تلك الإدراكات صورة لأمر واقعي، ولا تحكي عن حقيقة نفس أمرية، وليس لها مصداق سوى ما افترضه الإنسان في ظرف توهمه (الطباطبائي، 1385: 233). ومن جهة أخرى، يعتقد العلامة الطباطبائي في المقالة الخامسة من أصول الفلسفة والمنهج الواقعي في مبحث العلم والإدراك أنه لا يمكن للذهن أن يصنع صورة من تلقاء نفسه وبصورة جعلية واختراعية محضة، سواء أكان لذلك التصور مصداق واقعي (حقائق) أم لم يكن (اعتباريات).
۴- رغم أن هذه المفاهيم والمعاني ليست حقيقية وواقعية، إلا أنها بما أن فلسفة نشأتها هي المطلوبات العملية، فإن لها تأثيرات واقعية وخارجية. وعليه يمكن القول إنه إذا افترضنا واحدًا من هذه المعاني الوهمية لا أثر خارجي له، فلن يكون من نوع هذه المعاني وسيكون غلطًا حقيقيًا أو كذبًا حقيقيًا ولغوًا. في حين أن هذه المعاني ليست لغوًا أبدًا (الطباطبائي، 1385: 161).
5- لما كانت هذه السنخ من الإدراكات ناشئة عن عوامل شعورية، فإنها لا تستطيع أن ترتبط بالمعارف الحقيقية. وبعبارة أخرى، لا يمكن للإدراكات الاعتبارية أن تقيم «ارتباطًا إنتاجيًا» مع الإدراكات الحقيقية. والواقع أن هذا القانون المنطقي يُعد من أهم تعاليم قوانين الفكر. ولتوضيح الارتباط الإنتاجي ينبغي القول إن الذهن، لكي يجعل من المجهول معلومًا، يتخذ من معلوماته ومعارفه السابقة وسيلةً ويحول المجهول إلى معلوم، وبهذه الطريقة يضيف إلى معلوماته ويستمر التقدم. لكن فيما يتعلق بإمكانية الارتباط الإنتاجي بين الإدراكات، ينبغي القول إن رأي القدماء المشهور بشأن العلاقة بين المعارف الحقيقية هو أن العلاقة الإنتاجية ممكنة فقط بين إدراكين حقيقيين أو أكثر. غير أنه لما كانت العلاقة بين طرفي القضية في الإدراكات الاعتبارية علاقةً اتفاقيةً وفرضيةً، وقد جعلها المعتبِر لغاية الوصول إلى هدف ما، فإن القاعدة العقلانية الوحيدة المستخدمة في الاعتباريات هي اللغوية وعدم لغوية الاعتبار (رمضاني، 1387: 174). وعليه، فرغم أن هذه القضايا لا تصلح للبرهنة بمعناها الخاص، فإن هذا لا يعني أنها لا شأن لها ولا وظيفة في حقل الأخلاق؛ إذ يمكن الحديث عن التبرير العملي والدور التحفيزي-الانفعالي لهذه القضايا. وهي سمة تُعد إحدى المعضلات التي تواجه الواقعيين الأخلاقيين، ووفقًا لرأي اللاواقعيين، فإن إمكانية تفسير هذه السمة غير متاحة للواقعيين؛ لأنه يصعب في القضايا الإخبارية المحضة تفسير الوجه التحفيزي لهذا الصنف من القضايا.
بدأت اللاواقعية الأخلاقية تقريبًا مع آراء «آير» الذي كان من الأعضاء البارزين في حلقة فيينا الوضعية، كما مهّد «جورج إدوارد مور» عن غير قصدٍ الأرضيةَ لانتشارها (توكلي، 1391: 7). تنبع معظم الانتقادات الموجهة للواقعية الأخلاقية من مواقف وضعية. وقد واجه رفض الواقعية الأخلاقية مشكلات، من بينها عدم توافقها مع الحدوس الأخلاقية والمتعارفة لدى البشر؛ بحيث ظلت هناك أسئلة بلا إجابة. وقد دفعت مثل هذه الانتقادات والإشكالات أولئك إلى تقديم تفسير جديد للغة الأخلاق. ومن هنا، اعتبروا بنية اللغة الأخلاقية شبيهة بالقضية؛ أي أننا نظن في الظاهر أن هذه قضايا، لكن الحقيقة أن البنية شبه القضوية للأخلاق هي التي غذّت وهم وجود حقائق أخلاقية في العالم المحيط، و«هذا الظن الباطل هو ما جعل فلاسفة الأخلاق ينهضون بجهد عقيم وباطل بغية الوصول إلى هذه الحقائق. في حين أن الجمل الأخلاقية إما أن تكون من سنخ الإنشائيات أو أنها أفعال كلامية أساسًا؛ وعلى كل حال فهي تفتقر إلى قيمة الصدق» (المصدر نفسه: 8). لكن هذا الجواب كانت له توابع فاسدة لم تخفَ على الواقعيين؛ من جملة عدم التوافق والتوابع الفاسدة أن هذا التلقي للغة الأخلاق لم يكن منسجمًا مع وظائفها في المنطق -وظائف لا يمكن تبريرها إلا بقبول الوجه الإخباري لهذه اللغة- (المصدر نفسه). وفي هذا السياق، سعى «جون ماكي» إلى أن يبقى بمنأى عن حالات عدم التوافق التي يطرحها الواقعيون، مع احتفاظه في الآن نفسه بالإيمان باللاواقعية. فقد اتخذ في حقل اللغة الأخلاق، خلافًا لسائر مناهضي الواقعية، موقفًا معرفيًا واعتقد أن هذه القضايا جميعًا متجهة نحو الصدق. وبرأيه، نظرًا لعدم وجود أية خاصية أخلاقية تتيح لهذه القضايا أن تحقق النجاح، فإنها جميعًا تنتهي إلى الفشل بشكل منهجي. وهكذا، فهو مع إيمانه بالمعرفوية، يظل متمسكًا برأيه فيما يخص ميتافيزيقا الأخلاق، وبهذا تفلت نظرية الخطأ من قبضة كثير من الانتقادات (كشميري، 1394: 27).
نظرية الخطأ هي في الواقع مسار يقول إننا لسنا أمام مفترق طرق بين اللاواقعية واللامعرفوية، بل يمكن الحديث في باب ميتافيزيقا الأخلاق عن طريق ثالث ليس موقفًا لامعرفويًا ولا موقفًا واقعيًا. بعض استدلالات ماكي التي طُرحت لصالح خلو العالم من القيم مشتركة بين سائر مناهضي الواقعية، وبعضها الآخر مستقل ومنفصل ويُعد من إبداعاته الخاصة. ويمكن اعتبار مجموعة استدلالات «غرابة القيم» النظريةَ الخاصة بماكي.
على خلاف رأي جمهور المشككين الأخلاقيين، فإن ماكي في مجال اللغة الأخلاقية معرفي[12] ويرى أن قابلية الأحكام والقضايا الأخلاقية للصدق والكذب[13] مبرَّرة (أخوان، ۱۳۹۵: ۱۴۸). وهو في الوقت نفسه يدافع بقوة عن موقف اللاواقعية (Risberg, 2020: 1). إنه يعتبر الإيمان بالصدق مشروطاً بوجود وصف في الخارج بوصفه مطابِقاً للقضية، ولأنه يعتقد أنه لا يوجد أي وصف أخلاقي[14] في العالم الخارجي، فإن جميع هذه القضايا في مجال الأخلاق خاطئة وغير مطابقة للواقع (Miller, 2003: 116 -117؛ مياندارى، ۱۳۹۰: ۶۸). وهو يطرح أيضاً الذاتية الأخلاقية[15] ويدافع عنها. وهو بالطبع ينتبه إلى هذه النقطة المهمة وهي أن نموذج الذاتية الذي يدافع عنه يختلف عن الذاتية الشائعة في أدبيات فلاسفة التحليل اللغوي. ففي رأيه أن الذاتية الشائعة تنظر بشكل رئيسي إلى التحليلات الدلالية واللغوية، في حين أن موقفه هو الدفاع عن نوع من الذاتية الأنطولوجية التي تقف في مقابل الموضوعية الأخلاقية (Mackie, 1977: 18). وهو يشرح ويبين أيضاً آلية وعملية بناء الاعتبار لدى البشر في الساحة الاجتماعية، والتي يرى أن جميع هذه القيم والقواعد الأخلاقية هي من بناء البشر وهي لتلبية الحاجات العملية للإنسان (Mackie, 1977: 199).
يعتقد ماكي أن عملية التشييء إذا كانت في اتجاه مطلوباتنا، يمكن أن تكون معتبرة. وعليه، فإن هذا التبيين يتضمن على الأقل نقطتين رئيستين: الأولى هي أننا في المعتقدات الأخلاقية نكون مبرَّرين طالما أنها تلبي مطلوباتنا، والتبرير الذي يُساق لصالح هذا الاعتبار هو التبرير العملي[16] نفسه؛ والثانية هي أننا هنا قد فصلنا «الخيرية» عن موضعها الأصلي -الذي هو مطلوبيتنا ومرغوبيتنا- واستخدمناها في موضع ليس موضعها حقاً؛ لكننا مبرَّرون في هذه العملية؛ لأن الجزء المهم من هذه العملية هو مقتضيات الحياة الاجتماعية وإلزاماتها (Mackie, 1977: 199).
يعتقد ماكي أنه على الرغم من أنه لا يمكن استخلاص نتيجة أنطولوجية من الأوصاف الأخلاقية، إلا أن فلسفة الأخلاق التحليلية المتأخرة منشغلة بشكل رئيسي بالتحليلات اللغوية وقد خلطت بين أحكام التحليلات المفهومية[17] والتحليلات العينية[18] [الأنطولوجية]، في حين يجب تمييز مقام التحليلات اللغوية عن التحليلات الوجودية (الأنطولوجية) بعضها عن بعض (ماكي، 1379: ۱۹۷). وهو يصرح بأنه يدافع عن موقف الشخصانية في حقل القيم، لا بوصفها فكرة لغوية، بل بوصفها نظرية أنطولوجية؛ لأن الشخصانية في ما وراء الأخلاق تنظر بشكل رئيسي إلى التحليلات الدلالية واللغوية وهذا ليس موضوعاً عنده، وهو يمضي في مباحثه حول كمّ وكيف ووجود وعدم وجود القيم الأخلاقية (Lossau, 2022: 12). ومع ذلك، فإن بحثه حول لغة الأخلاق في مشروعه مهم من حيث إنه يتعلق أكثر بأنطولوجيا القيم. وهو في مجال لسانيات الأخلاق يعتقد أنه على الرغم من عدم وجود أي وصف عيني في الخارج لنرجع إليه لقياس صدق وكذب الأحكام الأخلاقية، إلا أن أعرافنا اللغوية تفتي لصالح معرفية لغة الأخلاق[19]. والنتيجة هي أن المعرفية، من وجهة نظر ماكي، قابلة للجمع مع اللاواقعية[20] (أخوان، ۱۳۹۵: 150) وفي رأيه أن كون البشر لديهم معتقدات أخلاقية تدل على الخارج، متسق مع الرأي القائل بأن جميع هذه المعتقدات خاطئة/كاذبة (McCord, 2010: 467).
من وجهة نظر ماكي، لا وجود للقيمة المطلقة في العالم، بما في ذلك القيم الأخلاقية. ولإثبات هذه الدعوى الأنطولوجية[21]، يستخدم بشكل عام حجتين: غرابة القيم، والاستدلال عبر التفسير الأفضل والخلاف الأخلاقي (بما أن حجة التفسير الأفضل وحجة الاحتكام إلى الخلاف تتناولان موضوعًا واحدًا، سنشرحهما في قسم آخر)، وفيما يلي شرح موجز لكل منهما:
يتألف هذا البرهان من أربع حجج منفصلة: غرابة القيم الأخلاقية الموضوعية،[23] وغرابة طريقة معرفة القيم الأخلاقية الموضوعية،[24] وغرابة ترتب[25] الأوصاف الأخلاقية على الخصائص الطبيعية، وغرابة خاصية التحفيز للمعطيات الطبيعية[26] ((Mackie, 1977: 38-41.
تختلف القيم الأخلاقية عن الأشياء التي نختبرها من حولنا (Olson, 2014: 85). ففي رأي ماكي، إن القيم الأخلاقية، بافتراض وجودها، هي أمور مختلفة تمامًا عن سائر الموجودات/الوقائع التي نألفها. لذلك، فإن هذه القيم أمور غريبة وغير مألوفة ((Mackie, 1977: 38.
على الإنسان، لمعرفة الأحكام الأخلاقية المعيارية، أن يسلك طريقًا غير مألوف (Fanaei, 2003: 12). وهذا المسار المعرفي ينبغي أن يتيسر عبر الإدراك الأخلاقي[27] أو الحدس[28]. لكن هذا المسار متميز عن الطرق المعتادة لاكتساب المعرفة (Mackie, 1977: 38). لذا، فبدلًا من اللجوء إلى أساليب غريبة، من الأفضل أن نعتقد بأن القيم الأخلاقية غير موجودة أساسًا. في الواقع، بما أن إحدى مسلّمات ماكي المهمة هي المذهب الطبيعي، فإن المعتقدات الناتجة عن التجربة الحسية هي الوحيدة المعتبرة بالنسبة له. ومسلّمته الأخرى هي أنه إذا أقرّ شخص بوجود معتقدات أخلاقية موضوعية ذات متعلقات أخلاقية، فإنه مضطر لافتراض مَلَكة وطريق معرفي منفصل أيضًا. لذلك، وبسبب هاتين المسلّمتين غير المختبرتين، فهو يرى أن الإيمان بالقيم الأخلاقية مدعاة للدهشة من الناحية المعرفية.
في نظره، بافتراض وجود القيم الأخلاقية، فإن كيفية اتصاف الأوصاف القيمية بالطبيعي/غير القيمي أمر غير قابل للفهم والتفسير. على سبيل المثال، عندما نعتبر التعذيب أمرًا قبيحًا/غير جائز/رذيلًا أخلاقيًا، فإن كيفية ارتباط وترتب الرذيلة/القبح/عدم الجواز بالفعل الطبيعي «التعذيب» أمر عجيب. والمقصود بالأمور الطبيعية هو أنها «تندرج علميًا ضمن رؤية كونية طبيعانية» (Olson, 2014: 88). وعلى هذا الأساس، يرى ماكي أن أي إسناد وارتباط للأوصاف الأخلاقية بالمعطيات الطبيعية هو أمر غريب (Fanaei, 2003: 12). في الواقع، في هذه الحجة، حتى مع افتراض وجود القيم الأخلاقية، فإننا نواجه أمرًا مدهشًا/غير مقبول.
حجة ماكي في هذا الشأن، بشكل موجز، هي كالتالي: (المقدمة الأولى) المعتقدات الأخلاقية محفّزة بالذات؛ (المقدمة الثانية) المعتقدات الطبيعية لا تملك خاصية التحفيز هذه؛ (النتيجة) إذن، المعتقدات الأخلاقية ليست معتقدات طبيعية (توکلی، 1391: ۱۶). ومن هنا، فإن الواقعيين عاجزون عن تقديم تفسير تحفيزي للأحكام الأخلاقية. لذا، من الأفضل أن ننكر أساسًا وجود القيم الموضوعية ونعتقد بذاتية القيم (Mackie, 1977: 40). إذن، وفقًا للحجة المذكورة، وبافتراض اللاواقعية، يمكن تفسير خاصية التحفيز للقضايا والأحكام الأخلاقية بشكل أفضل.
برأي ماكي، فإن وجود خلافات أخلاقية واسعة النطاق يشهد على أنه لا توجد حقيقة أخلاقية في الأساس يمكن للطرفين المتنازعين، بالرجوع إليها، أن يجيبا عن أسئلتهما إجابة مُرضية (كشميري، ۱۳۹۴: 35). وبرأي ماكي، فإن اتساع النزاعات الأخلاقية حول القيم والقواعد الأخلاقية الأساسية لا يسفر عن نتيجة سوى غياب القواعد والقيم، وينبغي البحث عن سر هذه الخلافات في موضع آخر (ذاتية القيم) لا في سعي باطل لاكتشافها. كما يعتقد كثير من المدافعين عن نظرية الخطأ، اقتفاءً بماكي، أنه لفهم وتبيين اتساع وتنوع الخلافات الجادة في النظريات الأخلاقية، ينبغي أن نختار طريقاً يكون، من بين سائر طرق التبيين، أكثر اتساقاً وأبسط (بأقل قدر من الافتراضات الميتافيزيقية) من الناحيتين الداخلية والخارجية (Olson, 2014: 88). وفي نظرية ماكي التفسيرية أيضاً، فإن ظواهر الأخلاق تُفسَّر بشكل أكثر اقتصاداً في ظل غياب الحقائق الأخلاقية (Fanaei, 2003: 19). إذن، فأفضل تفسير لهذه الخلافات هو أنها خلافات في الظاهر، وهي في الحقيقة خلافات في الذوق. إن حجة الخلاف وحجة التفسير الأفضل، وإن كانتا من حيث الموضوع تنصبان على أمر واحد (الخلاف)، إلا أنه ينبغي اعتبارهما حجتين مستقلتين؛ لأن الأولى يُراد منها أن تستنتج من وجود الخلافات، منطقياً، اللاواقعية، والثانية تعتبر، بشكل ظني، أن أفضل تفسير لهذه الحقيقة هو اللاواقعية.
يعتقد ماكي أن الإنسان، لكي ينسب إلى العالم أشياء لا وجود لها فيه، يستخدم وظيفة التشييء[32] في الذهن. وبما أن «إنكار القيم الموضوعية يمكن أن يستتبع رد فعل عاطفي متطرف، ويعتبر الناسُ العالَمَ الخالي من القيم الموضوعية عالَماً بلا معنى، فإنهم، لإضفاء المعنى على العالم، يُسقطون أمورهم الذهنية على العالم الموضوعي ويمنحونها موضوعية» (حسيني قلعة بهمن، 1383: 37-38). وهو يصرح بالطبع بأن البشر، حتى مع وجود شتى أنواع الحجج لصالح اللاواقعية، مضطرون إلى اختلاق الأخلاقيات وإنشائها في الساحة الاجتماعية، وثمة ضرورة عملية تدفعهم نوعاً ما إلى التوسل بالقواعد المختلَقة واتباعها (lassau, 2022: 11). ومن وجهة نظره، «نحن نحتاج إلى الأخلاق لتنظيم العلاقات بين الأفراد وتعديلها. ومن ثم، فإن الاعتبار الموضوعي يخلق الوجوبَ اللازم لهذه الأحكام» (Mackie, 1977: 42-43).
وعليه، فطالما كانت المعتقدات الأخلاقية تُلبي مطلوبات الإنسان، فإن هذه المعتقدات تكون مبرَّرة عملياً[33].
نسعى في هذا القسم إلى إجراء مقارنة بين هاتين النظريتين من جوانب ذات صلة. وتندرج هذه الوجوه في أربع فئات: الأخلاق النظرية[34]، والأخلاق العملية[35]، ولغة الأخلاق، والمعرفة الأخلاقية. ونسعى في بداية كل قسم إلى تقديم شرح مقتضب للباب وجهة نظر المؤيدين والمعارضين للمواقف المذكورة، وبيان موضع نزاعهم، ثم نعيد قراءة تطبيق ومقارنة نظريتي الاعتباريات والخطأ في قلب تلك البيانات.
في الواقعية واللاواقعية النظرية، يدور الحديث عن وجود/عدم وجود الخصائص الأخلاقية أو «نحو» وجودها، وعن كيفيتها وطبيعتها. تتعلق المباحث حول هذه الثنائية أولاً وبالذات بميتافيزيقا الأخلاق، وثانياً وبالعرض تشمل الجوانب الدلالية والمعرفية وحتى النفسية للأخلاق. يرى الواقعيون أن القضايا الأخلاقية هي أولاً وبالذات خبرية ووصفية وتحكي عن الواقع، وثانياً وبالعرض لها أو يمكن أن يكون لها شأن إنشائي وإلزامي. في المقابل، يعتقد مناهضو الواقعية أن هذه العبارات هي أولاً وبالذات أمرية وإنشائية وتوصيوية، وثانياً وبالعرض هي وصفية وخبرية أو يمكن أن تكون كذلك (دباغ، ۱۳۹۱: ۴۰-۴۱). رغم أن الواقعية الأخلاقية لها روايات متنوعة، لكن ربما يمكن اعتبار القدر المشترك بينها جميعاً هو الاعتقاد بـ«وجود» أو «واقعية» الخصائص الأخلاقية، وهو ما يُنكر في اللاواقعية الأخلاقية، حيث يُرفض الاعتقاد بوجود هذه الخصائص/الموجودات.
يتمثل القدر المشترك لموقف الواقعيين الأخلاقيين في دعم هذين الاعتقادين: أولاً، إن الادعاءات الأخلاقية هي عبارات تكون صادقة أو كاذبة بشكل بين-ذاتي، وثانياً، بعض هذه العبارات صادقة حقاً/واقعاً. ولهذا السبب، فإن موقف المعرفوية الأخلاقية[36] الذي يعتقد بقابلية العبارات الأخلاقية للصدق والكذب، يشكل أحد مقومات (الاعتقاد أ) الواقعية الأخلاقية؛ رغم أن العكس ليس كذلك بالضرورة؛[37] وذلك لأن مناهضي الواقعية ينكرون أحد الركنين الأساسيين والمحوريين للواقعيين على الأقل (كشميري، ۱۳۹۴: ۴۲).
من الجدير بالذكر أنه رغم أن اللاإدراكيين واللاواقعيين الأخلاقيين يتحدثون أيضاً بشكل ما عن صلة ونسبة القضايا بالعالم الخارجي لتكون دليلاً لعملنا بطريقة ما، إلا أن اختلافهم مع الواقعيين يكمن في «كيفية» هذه النسب. في الواقعية الأخلاقية، نبحث عن المدلول «المطابقي» لهذه القضايا لا عن مدلولها «الالتزامي» أو «التضمني». من منظور الواقعيين الأخلاقيين، يوجد المدلول المطابقي للعبارات الأخلاقية في العالم، وإلى جانب ذلك، قد توجد أيضاً مدلولات أخرى، بما فيها المدلول التضمني والالتزامي (مثل الجوانب الأمرية والتحفيزية... إلخ)؛ لكن اللاواقعيين يعتقدون أن المدلول المطابقي لهذه الفئة من القضايا لا يوجد في العالم الخارجي أو لا يمكن أن يوجد. وعليه، فإن موضع النزاع بين الواقعيين واللاواقعيين يدور حول إمكانية/تحقق المدلول المطابقي لهذه العبارات، لا حول أنواع المدلولات الأخرى التي يمكن أن تكون لها.
بناءً على ما تقدّم من توضيحات، تتّضح صياغة نظريتي الخطأ والاعتباريات بشكل أفضل. فبحسب رأي العلامة الطباطبائي، إذا عرضنا القضايا الأخلاقية على العالم الخارجي، فإن كذبها ينكشف لأنها لا تملك مطابقاً خارجياً واقعياً وحقيقياً (الطباطبائي، 1370: 283)، وقد أقام رحمه الله عدة استدلالات لصالح انتفاء الوقائع الأخلاقية تكشف سرّ كذب هذه الأحكام. وكان من جملة أدلته أن وصف الأمور الاعتبارية هو بالضرورة اعتباري (سرايي، 1391: 60). ودليل آخر هو أن «الخير» و«الشر» الأخلاقيين يختلفان باختلاف المجتمعات والأفراد، وبالتالي فهما نسبيان (جوادي، 1375: 186-187). ثم دليل آخر هو أنه حين يُعتبَر «الوجوب» لفعل ما، فهذا يعني أن ذلك الفعل يبدو «حَسَناً»، وهذه الملاءمة اعتبارية، وإلا لصار الفعل ضروري الصدور أو دائم الصدور، بينما الأمر ليس كذلك (سرايي، 1391: 60). وبعبارة أوضح، فإن كلاً من العلامة الطباطبائي، وفقاً للاستدلالات المذكورة والشرح الذي قدّمناه لرأيه، وماكي في استدلالاته القائمة على غرابة الأوصاف الأخلاقية الخفيفة كالخير/الشر، الفضيلة/الرذيلة، الحُسن/القُبح، الوجوب/الحظر، الصواب/الخطأ وغيرها مما يشغل مقام المحمول في القضايا الأخلاقية، ينكرانها. ومع ذلك، ينبغي ألا يغيب عن البال أنه على الرغم من أن العلامة الطباطبائي يتحدث عن اعتبارية الأخلاقيات، فإن إيمانه بالاعتباريات الثابتة المتجذّرة في التكوين والطبيعة البشرية يحول دون النسبية الأخلاقية؛ لأن الاعتباريات الثابتة تمنع، بطريقة ما، من جعل أي حكم أو قاعدة أخلاقية. ومن جهة أخرى، فإن أحد أهم استدلالات ماكي دفاعاً عن نظرية الخطأ هو الغرابة الأنطولوجية للخواص الأخلاقية (أخوان، 1395: 154). وذلك أن القيم الأخلاقية، بما أنها تختلف عما نختبره ونحسّه عموماً في بيئتنا المحيطة، فهي إذن أمور غامضة وعجيبة (Olson, 2014: 85)؛ لأنه بناءً على «مبدأ نصل أوكام»[38]، تقتضي العقلانية منا أن نفسّر العالم بافتراض أقل عدد ممكن من الموجودات، وألا نُزدحم الوجود بلا داعٍ. ودليل آخر لماكي هو استناده إلى الاختلاف في الآراء حول الأحكام الأخلاقية، وهو في هذا متّفق مع استدلال العلامة الطباطبائي. ويقيم ماكي شكلاً آخر من استدلاله على هيئة استدلال التفسير الأفضل (أخوان، 1395: 159). وهنا أيضاً، ووفقاً لمبدأ أوكام، فإن أفضل تفسير هو الأكثر اقتصاداً والأقل كلفة (Olson, 2014: 88). واستدلال آخر لماكي هو الغرابة التحفيزية للأخلاق، والتي بمقتضاها، وبما أن القضايا الطبيعية لا تملك خاصية الترغيب، فإن القضايا الأخلاقية التي تُرغِّب لا يمكن أن تكون طبيعية (أخوان، 1395: 175).
بناءً على التوضيحات أعلاه، فإن كلاً من العلامة الطباطبائي وجون ماكي متّفقان ومتوافقان في إنكار الوجه الميتافيزيقي للأخلاق. لكنهما، وفي خضم هذا الاشتراك، يختلفان في وجهة نظر مصيرية، وهي الإيمان بالاعتباريات الثابتة التي تمنع، بطريقة ما، من الانزلاق إلى هاوية النسبية. وتوضيح ذلك أنه في نظرية الخطأ، لم يُفكّر في أي تدبير نظري للحيلولة دون الانحدار إلى النسبية الأخلاقية[39]. وعلى الرغم من أن ماكي يعتقد أنه بتوسيع النفعية القائمة على القواعد[40] يمكننا تبرير أمور قيمية كالحقوق والواجبات والفضيلة وما إلى ذلك تبريراً عواقبياً (من النوع القائم على القواعد) (Mackie, 1977: 199)، إلا أن هذا، في تقديرنا، ادعاء لا ينسجم مع الأسس الطبيعية والاعتبارية بالكامل لدى ماكي، ولا ينحلّ بتطوير وتغيير معنى المنفعة/العاقبة. فبالاعتباريات الثابتة المتجذّرة في الطبيعة الإنسانية، والتي تحول دون الفوضى المعيارية والمبدئية، يمكن توفير أساس وطيد للمفاهيم المذكورة، بينما لا تتوفر هذه الإمكانية نظرياً في نظرية الخطأ؛ لأنه لا يزال بالإمكان، بافتراض النفعية، طرح هذا السؤال الجاد: إذا ما تم تأمين مجموع مصالح الأكثرية أو دفع أضرارهم، فلماذا لا نستطيع أن ندوس حقوق أقلية ما؟ ويمكن طرح هذا السؤال بشأن المفاهيم الأخلاقية الأخرى كالحقوق والواجبات الأخلاقية غير المشروطة ذات الصبغة المطلقة. وهو سؤال يمكن تبريره بالطبع بالإيمان بالاعتباريات الثابتة، لا في النفي المطلق للقيم (سواء الثابتة أو المتغيرة) الموجود في نظرية الخطأ.
في خصوص أصل العيش والالتزام الأخلاقي، هناك نزاع قائم بين فلاسفة الأخلاق. وبما أن قبول الأخلاق والعيش القائم عليها هو من الأفعال الاختيارية، والأفعال الاختيارية يمكن أن تخضع مبدئياً للواجبات والممنوعات القيمية، بما في ذلك المعايير العقلانية، فإن الفاعل المعرفي[41] مكلّف بأن يتبع دليلاً مبرراً في ممارسة اختياره. بعبارة أخرى، يدور الحديث حول ما إذا كان الفاعل الأخلاقي يمكن أن يكون فاعلاً عقلانياً أيضاً أم لا؟ ما هي الإجابات التي يمكن أن نقدمها لسؤال «لماذا ينبغي أن نكون أخلاقيين؟»؟ ينقسم الفلاسفة في الإجابة عن هذا السؤال إلى جبهتين: أولئك الذين يؤيدون عقلانية الأخلاق، وأولئك الذين يندرجون ضمن المشككين الأخلاقيين (Stanford Encyclopedia of Philosophy, “Moral Skepticism”).
يقع المدافعون عن عقلانية الأخلاق، على الرغم من اختلافاتهم، في فئتين: الفئة الأولى تعتقد أن السؤال أعلاه هو سؤال لا معنى له أساساً، وبتعبير جورج إدوارد مور، نحن أمام سؤال مغلق[42]؛ لأن الوجوب العقلاني كامن في صميم معنى الأخلاق ومفهومها، والتقرير الصحيح لهذا السؤال هو «لماذا ينبغي أن نمتلك عقلانية أخلاقية؟» أو «لماذا ينبغي أن نكون عقلاء؟». العلاقة بين العقلانية والأخلاق من وجهة نظر هذه الفئة من الفلاسفة هي علاقة ضرورية وداخلية. جواب هؤلاء الفلاسفة هو «عدم الإجابة»، ويرون أن حلّه رهن بحلّه. هؤلاء يعتبرون موقف الداخلية[43] بخصوص العلاقة بين العقلانية والأخلاق مبرراً، ولا يرون حاجة إلى أدلة منفصلة لتبرير عقلانية الأخلاق (كشميري، ۱۳۹۴: 47-48). الفئة الثانية تعتقد أن التبرير العقلاني للفعل يختلف عن تبريره الأخلاقي، وهم يدافعون عن الخارجية[44] بخصوص العيش الأخلاقي. إنهم ينكرون وجود علاقة ضرورية بين الاعتبارات العقلانية والاعتبارات الأخلاقية. ويرون أنفسهم مكلفين عقلانياً بتوفير أدلة عقلانية مستقلة من خارج نطاق الأخلاق للعيش/الالتزام الأخلاقي. ينقسم أنصار الخارجية في باب العقلانية الأخلاقية أنفسهم إلى فئتين: بعضهم، مع اعتقادهم بأن السؤال عن أصل الأخلاق مفتوح، يعتقدون أنه يمكن تقديم أدلة لصالحه. بعض هذه الأدلة لاهوتية، وبعضها قائم على المصلحة، وبعضها حقوقي، إلى غير ذلك. من جهة أخرى، يعتقد البعض الآخر أنه لا توجد إجابة مرضية لنفس العيش الأخلاقي. ولهذا السبب، يعتقدون في العلاقة بين العقلانية والأخلاق أنه لا يمكن تقديم أدلة عقلانية للالتزام بالأدلة الأخلاقية. في هذه الرؤية، لا تمتلك الأخلاق سنداً عقلانياً، والعيش القائم عليها هو خلاف العقلانية (كشميري، ۱۳۹۴: ۴۸).
الآن، على الرغم من أن نظرية الخطأ والاعتباريات تندرجان نظرياً تحت النظريات المضادة للواقعية، إلا أنهما ليستا مضادتين للواقعية بخصوص عقلانية الأخلاق وأصل المعقولية في العيش الأخلاقي، وكلا النظريتين تدافعان عن معقولية الأخلاق؛ لأنه لا توجد علاقة ضرورية وتلازم بين الاعتقاد باللاواقعية الأخلاقية النظرية واللاواقعية الأخلاقية العملية، وإن كان العكس ليس كذلك.
العلامة، في سياق بحث «ضرورة الاعتبار» في أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، يتحدث بالتفصيل عن حاجة الإنسان إلى الأفكار الاعتبارية، وجلّ أدلته ذات جانب أداتي وبراغماتي، لدرجة أن الحياة الفردية والاجتماعية للبشر لا تنتظم من دون هذه الأفكار في نظره. هناك بعض الحاجات الفردية لدى البشر تصنع سلسلة من الاعتباريات، وهناك سلسلة من الحاجات الاجتماعية لدى البشر توجب عملية الاعتبار. كما أنه يعرّف الحُسن والقبح بملاءمة الطبع وموافقة الأغراض والأهداف. وهذا بذاته يشير إلى أن الأحكام الأخلاقية تتمتع بالعقلانية؛ لأن جميعها لها شأن أداتي وعملي. وبالتالي، فإن التبرير القائم على العواقب والمصلحة هو لصالح عقلانية الأخلاق.
ويدافع جون ماكي أيضاً، إلى حد كبير، عن نظرية مشابهة. فنظريته في الخطأ، وإن كانت ترفض الواقعية الأخلاقية النظرية، إلا أنها لا تستنتج عدم اعتبار الأخلاق. فماكي يرفض الواقعية الأخلاقية النظرية فحسب. وهو يميز بين معنيين واسع وضيق للأخلاق ولا يرفض سوى أحدهما. فوفقاً للمعنى الواسع، تُطلق الأخلاقيات على مجموعة المبادئ والإرشادات العملية التي يصنعها البشر (Mackie, 1977: 199). وهو أيضاً يؤكد بشدة على منفعة الاعتقاد بالأخلاق والالتزام بها واتباع الاعتبارات (كشميري، ۱۳۹۴: 49). ولا ينفي ماكي، بشكل عام، الأخلاق والعقلانية الأخلاقية. وهو أيضاً يذكر معياراً اجتماعياً لاعتبار الأخلاق. يقول ماكي: «نحن بحاجة إلى الأخلاق لتنظيم العلاقات بين الأفراد وضبط بعض السلوكيات التي يقوم بها الناس تجاه بعضهم البعض -والتي غالباً ما تكون متعارضة مع الميول المتزاحمة-. لذلك، نريد أن تكون أحكامنا الأخلاقية معتبرة، سواء بالنسبة لأنفسنا أو للفاعلين الآخرين» (Mackie, 1977: 42). كما يرى ماكي في نماذج التشييء[45] أن الرغبات والاعتبارات الاجتماعية هي أساس للأخلاق وعقلانيتها (Mackie, 1977: 43)). وكما مر شرحه، فهو يرى البشر مضطرين لوضع الأخلاق ويصرح بأننا حتى لو كنا نعارض جهازاً أخلاقياً، فقد نقدم على تغييره، لكن لا يمكننا إنكاره ونبذه؛ لأننا نحتاج إليه (Lassau, 2022: 11). ونتيجة لذلك، فإن العلامة وماكي في نظرياتهما الميتا-أخلاقية، وإن كانا يعارضان الواقعية الأخلاقية النظرية، إلا أنهما يدافعان عن واقعية أخلاقية براغماتية، ودفاعهما عن عقلانية الأخلاق يستند إلى المنفعة والمصلحة الفردية و/أو الجماعية.
في النزاع بين المعرفيين الأخلاقيين واللامعرفيين الأخلاقيين، يدور الخلاف حول طبيعة ووظيفة ومعنى تلك القضايا الرئيسي ومدلولها المطابقي، لا حول طبيعة ووظيفة ومعانيها الفرعية ومدلولاتها الالتزامية والتضمنية. والكلام هو حول ما إذا كانت علاقة الأحكام والقضايا الأخلاقية ونسبتها بالعالم الخارجي من جنس العلاقة اللزومية أم من جنس علاقة التطابق؟
إن إبداء الرأي بشأن لغة الأخلاق، دون الأخذ بعين الاعتبار ميتافيزيقا الأخلاق، هو تحليل ناقص. ويعتبر أرمسترونغ أن الشكوكية في الصدق الأخلاقي هي من بين الشكوكيات التي لها جانب لساني وجانب ميتافيزيقي. وهو يصوغ الشكوكية في مجال لغة الأخلاق على النحو التالي: «الشكوكية حول الصدق الأخلاقي تعني أنه لا يوجد أي اعتقاد أخلاقي حقيقي صادق. ويستند هذا الادعاء عادة إلى واحد من هذه الادعاءات الثلاثة: (۱) الشكوكية في قابلية الصدق الأخلاقي:[46] الاعتقاد الأخلاقي الحقيقي ليس من الأمور التي يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة؛ (۲) الشكوكية في قيمة-الصدق[47] الأخلاقي: لا يوجد أي اعتقاد أخلاقي حقيقةً صحيح أو خاطئ؛ (۳) الشكوكية بكذب الأخلاق: كل اعتقاد حقيقي أخلاقي هو خاطئ وكاذب. وبما أن هذه الأنواع الثلاثة من الشكوكية لا تتعلق بشكل مباشر بالمعرفة أو التبرير، فلا يمكن اعتبارها شكوكية معرفية. وبدلاً من ذلك، فهذه نظريات حول الصدق، وبالتالي فهي قائمة على نظريات من لغة الأخلاق أو ميتافيزيقا الأخلاق» ( Stanford Encyclopedia of philosophy,”moral skepticism) .
بالاستناد إلى البحث أعلاه، يمكننا تقرير ثنائية المعرفوية واللامعرفوية بشكل أفضل. لكي نُدرج نظريةً ما وراء أخلاقية حول اللغة الأخلاقية ضمن زمرة المعرفويين، ينبغي (1) أن نقدم شرحًا لطبيعة الأحكام الأخلاقية ومعناها ومضمونها يُظهر أن تلك الأحكام والقضايا تمتلك قابلية وإمكانية الصدق والكذب، و(2) إذا تحققت فعلية صدق وكذب تلك الأحكام، نكون قد اعتقدنا أيضًا بقيمة الصدق لتلك القضايا؛ (3) هنا، في الخطوة الثالثة، نواجه مفترق طريقين: الطريق الأول هو أن تكون فعلية هذه القضايا على نحو يمكن معه العثور على بعض القضايا الصادقة على الأقل. يمكن تسمية المعتقدين بهذا الأمر بـ"الواقعيين". الطريق الثاني هو أن نعتقد بالكذب الضروري لجميع هذه الأحكام دون وجود قضية صادقة واحدة على الأقل. الطريق الأول الذي ينتهي إلى الواقعية الأخلاقية نسميه "نظرية التوفيق"[48]، والطريق الثاني اللاواقعي نسميه "نظرية الخطأ"[49].
وعليه، فإن نظرية الخطأ تُقر بأن الأحكام الأخلاقية هي أحكام وصفية قابلة للصدق والكذب، لكنها تدّعي أن جميع هذه الأحكام كاذبة. وبناءً على نظرية التوفيق، فإن قيمة الصدق للأحكام الأخلاقية إيجابية، وبعض الأحكام الأخلاقية على الأقل صادقة. وبالتالي، فإن هذه النظرية هي إحدى مقومات الواقعية الأخلاقية النظرية (Fanaei, 2003: 15).
نظرية الاعتباريات تقف أيضًا إلى جانب نظرية الخطأ في الخطوة الثالثة؛ وذلك لأن كلتا النظريتين (1) تعتقدان بقابلية الصدق والكذب، و(2) تعتقدان أن الأحكام والقضايا الأخلاقية يمكن أن تكون صادقة أو كاذبة بالفعل؛ (3) كما تنتهيان إلى الكذب الأخلاقي. وكما قيل سابقًا، اتخذ ماكي موقفًا بينيًا بين معسكري الواقعيين الأخلاقيين واللامعرفويين الأخلاقيين. فقد أنكر من جهة وجود القيم الأخلاقية، ومن جهة أخرى تعاطف مع رأي الواقعيين بشأن معرفوية اللغة الأخلاقية. والعلامة أيضًا لا يتخذ بأي حال موقفًا لامعرفويًا من اللغة. يصرح العلامة بأن هذه القضايا كاذبة حقيقةً وواقعًا. ومن الواضح أن الكذب فرع عن امتلاك قيمة الصدق، وامتلاك قيمة الصدق فرع عن قابلية الصدق والكذب.
وفقًا لتقسيم أرمسترونغ، تشترك نظرية الخطأ ونظرية الاعتباريات في قابلية الصدق والكذب، وفي امتلاك قيمة الصدق، وأخيرًا في كون القضايا كاذبة (Stanford Encyclopedia of philosophy,"moral skepticism). والنقطة المقابلة لهاتين النظريتين هي نظرية التوفيق، التي هي في الواقع الواقعية الأخلاقية ذاتها مع لوازمها المنطقية مثل المعرفوية الأخلاقية. تتفق كل من نظرية الاعتباريات ونظرية الخطأ مع نظرية التوفيق في قابلية الصدق والكذب وامتلاك قيمة الصدق، لكن ما يفصل بينهما هو غياب الخواص الأخلاقية الذي يؤدي بالضرورة إلى إخفاق جميع القضايا الاعتبارية والقضايا الأخلاقية في بلوغ الصدق.
«ما يجعل الشكاك الأخلاقيين شكاكاً هو أنهم يشكون في المعتقدات الشائعة والعامة. يختلف الشكاك الأخلاقيون في أنواع الشكوك التي يقيمونها» (Stanford Encyclopedia of philosophy, “Moral skepticism”). هناك تقليدان رئيسيان في الشكية المعرفية. تقليد يدّعي أنه لا أحد يعرف شيئاً قط ولا يمكنه أن يعرف. نسمي هذا النوع من الشكية بالشكية الدوغمائية. يعتقد الدوغمائيون، بخصوص الاعتقاد الأخلاقي المبرر أيضاً، أنه لا أحد مبرر قط في اعتقاده بأي اعتقاد أخلاقي حقيقي. في المقابل، لدى الشكاك البيرونيين شكوك متعددة تدفعهم إلى تجنب اتخاذ نظرية أحادية الجانب –أن شخصاً ما لديه معرفة بشيء أم لا، يمكنه أن تكون لديه معرفة أم لا–. إنهم يشكون حتى في استحالة المعرفة الأخلاقية. إن نطاق شكوكهم واسع ورحب إلى درجة أنهم لا يطرحون أي ادعاء أحادي الجانب (Fanaei, 2003: 15). في الواقع، إن ادعاء الشكية البيرونية، سواء بخصوص المعرفة الأخلاقية أو بخصوص الاعتقاد الأخلاقي المبرر، هو «اللاادعاء». وعليه، فإن مقتضى هذه الرؤية هو الصمت الحقيقي. ومن مقتضيات هذه النظرية الأخرى أنها تكبل يد المخاطَب أيضاً، وكأنها تجبر المخاطَب أيضاً على الصمت؛ ذلك أن أي كلام يُطرح تأييداً لهذا النوع من الشكية أو رفضاً له، يصبح عرضة للاادرية العدمية المعرفية بفعل الادعاء الشكي البيروني، ويجعل المخاطَب مضطراً إلى الصمت واللاادعاء. أما في الشكية الدوغمائية، فالكلام بخصوص المعرفة الأخلاقية يدور حول إنكار أصل المعرفة الأخلاقية بمعنى امتلاك اعتقاد صادق مبرر. وبما أن أركان المعرفة ومقوماتها بشكل عام، والمعرفة الأخلاقية بشكل خاص، تشمل ثلاثة أركان هي الاعتقاد الصادق المبرر، فإن الشكية الدوغمائية بخصوص المعرفة الأخلاقية تستهدف ركن «الصدق» في المعرفة وتنكره. في هذه الرؤية، أيدينا خالية من امتلاك اعتقادات حقيقية صادقة. لكن إذا أنكر شخص ما المعرفة الأخلاقية، فإنه مضطر إلى أن يختار الشكية بخصوص امتلاك الاعتقاد الأخلاقي المبرر أيضاً؛ لأنه في التبرير المعرفي يُفترض أن تُقدم الشواهد والقرائن والأدلة لصالح الصدق. فإذا كانت أيدينا خالية من ركن الصدق، فلن يكون لدينا بالتبع تبرير يمكنه أن يوصلنا إلى الصدق أو يقربنا منه (كشميري، ۱۳۹۴: ۵5).
والآن، بالنظر إلى المطالب المذكورة أعلاه، يتضح أن قياس النسبة بين الشكية البيرونية، سواء بخصوص المعرفة الأخلاقية أو بخصوص امتلاك الاعتقاد الأخلاقي المبرر، وبين نظريتي الخطأ والاعتباريات هو مسعى غير ذي جدوى، لأن كلا النظريتين اللتين ندرسهما لهما موقف وادعاء. أما بخصوص الشكية الدوغمائية، فيجب القول إن نظرية الاعتباريات ونظرية الخطأ كلتاهما تتحدثان اللغة نفسها مع الشكية الدوغمائية بخصوص صدق الأحكام الأخلاقية وكذلك تبرير الاعتقادات الأخلاقية.
كما مرّ، كان ماكي يعتقد بنسخة من الأخلاق القائمة على المنفعة والمصلحة. أما العلامة فيعرّف المراد من كون الشيء اعتبارياً بأنه التحقق في ظرف العمل؛ والمراد من التحقق في ظرف العمل هو كونه مفيداً ومنسجماً مع أغراض المعتبرين وأهدافهم. تُصنع هذه الإدراكات لأهداف فردية واجتماعية في مسيرة الحياة (طباطبايي، 1374، ب: ۱۷۲). وعليه، ففي صلب الاعتبار يدور الكلام عن النفع والضرر والمصالح والمفاسد، مما يبدو منسجماً مع ادعاء ماكي بخصوص التبرير البراغماتي القائم على العقلانية الأداتية.
في هذه المقالة حاولنا أن نُظهر أوجه التقارب المثيرة للتأمل بين نظريتي الخطأ والاعتباريات. تشتمل نظرية الاعتباريات على بعض المقومات. الإدراكات الاعتبارية هي ضرب من الوعي لا مطابق له في نفس الأمر خارج الوهم. وقد وضعنا هذه النظرية في خانة النظريات المضادة للواقعية في أنطولوجيا الأخلاق. ومن السمات الأخرى لهذه النظرية أن المصاديق الاعتبارية تبقى قائمة ما دامت المشاعر والدوافع الإنسانية موجودة. أما السمة الثالثة فهي «كيفية إدراكها». تندرج الإدراكات الاعتبارية ضمن العلوم الحصولية غير الحقيقية/الاعتبارية. وكون هذه الأحكام معرفية بطبعها يستلزم أمرين منطقيين: الأول أنها تسعى في إبستمولوجيا الأخلاق إلى الإفضاء إلى حقيقة من عالم الأخلاق، والثاني أن القضايا الأخلاقية هي من جنس القضية. يرى العلامة الطباطبائي أن الإدراكات الاعتبارية من جنس القضية، وإن كانت هذه القضايا غير صادقة، بل هي اعتبارية/استعارية. وهو بطبيعة الحال، في الوقت الذي يقر فيه بسيولة (الاعتباريات المتغيرة) للأخلاق، فإنه بالنظر إلى الإدراكات الاعتبارية الثابتة لا يترك مجالاً للنسبية الأخلاقية (خلافاً لرأي ماكي الذي لا يفكر في تمهيد نظري لهذه النسبية؛ أو بتعبير أدق، لا يستطيع أن يفكر فيها بسبب أسسه ومسلماته المعرفية والأنطولوجية).
إن أصل عقلانية الأخلاق متجذر أيضاً في الحاجات النوعية والشخصية للبشر، وهو لجلب المنافع ودفع المضار الفردية والجماعية. وجون ماكي في نظريته عن الخطأ في المجالات المذكورة، يتفق إلى حد كبير مع نظرية الاعتباريات. فهو بمجموعة من الاستدلالات القائمة على الغرابة والاستدلال عبر أفضل تفسير للاختلاف في الرأي، يسعى إلى رفض وجود الخواص الأخلاقية. وهو في الوقت نفسه الذي هو فيه لاواقعي، يعتقد بـ«إمكان» صدق وكذب القضايا الأخلاقية، وإن كان سبب كذب هذه القضايا هو غياب المعطيات الأخلاقية. كما أنه يعتقد بعقلانية الأخلاق. ومن خلال تفريقه بين معنيين للأخلاق، يعتقد أنه بسبب الحاجات الإنسانية، يحق لنا بل يجب علينا اتباع القواعد والمبادئ الأخلاقية التي وضعناها بأنفسنا. ولذلك فهو يعتبر القضايا الأخلاقية الخاطئة الناتجة عن الموضوعنة (التشييء) قضايا معتبرة. وفي مجال المعرفة الأخلاقية، فهو يميز الأحكام الأخلاقية المعتبرة من غير المعتبرة بالتمسك والتوسل بفوائد القواعد الأخلاقية الموضوعة ذاتياً.
والنتيجة هي أن نظرية الاعتباريات ونظرية الخطأ في لغة الأخلاق، وميتافيزيقا الأخلاق، ومعرفة الأخلاق، والعقلانية الأخلاقية، بينها تقاربات مثيرة للتأمل، وهذا التقارب في الميتافيزيقا ولغة الأخلاق أوضح وأبرز منه في سائر الجوانب.
.
.
.
المصادر الإنجليزية
Fanaei, A. (2003). The ethics of moral thinking: An Inquiry into the Problem Of Justification in Moral Epistemology. United Kingdom: University of Sheffield.
Lossau, Tammo. (2022). Mackie and the Meaning of Moral Terms. JHAP: Journal for the History of Analytical Philosophy. Volume 10, Number 1.
Mackie, J. (1982). The Miracle of Theism: Arguments for and against the existence of God. New York: Oxford University Press Inc.
Mackie, J. (1977). Ethics: Inventing Right and Wrong. London: Penguin Books.
McCord, G. (2010). Routledge Companion to Epistemology. New York: Routledge.
Miller, A. (2003). An introduction to contemporary Metaethics. United Kingdom: Blackwell.
Olson, J. (2014). Moral Error Theory; History, critique, defence. United Kingdom: Oxford University press.
Risberg, Olle; Folke Tersman. (2020). Moral Realism and the Argument from Skepticism. Brill (10): 283-303.
Stanford Encyclopedia of Philosophy, “Moral Skepticism”.
Stanford Encyclopedia of Philosophy, “Moral Anti-Realism”.
.
.
المصادر الفارسية
اخوان، مهدی؛ و دیگران. (1395). خطاهای نظریة خطای جان مکی. تأملات فلسفی. 6 (16): ۱۴۵-۱۷۱.
اولیایی، منصوره. (1389). واقعیت اجتماعی و اعتباریات. تهران: انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشة اسلامی.
توکلی، غلامحسین. (1391). تئوری خطا در فلسفة اخلاق؛ تبیین و نقد. حکمت و فلسفه، (۳)، 7-28.
جوادی، محسن. (1374). جاودانگی اصول اخلاقی و نظریة اعتباریات. معرفت (15)، 22 – 26.
جوادی، محسن. (1375). مسألة باید و هست. قم: مرکز انتشارات دفتر تبلیغات اسلامی حوزة علمیة قم.
حائری یزدی، مهدی. (1384). کاوشهای عقل عملی (چاپ دوم). تهران: مؤسسة پژوهشی حکمت و فلسفة ایران.
حسینی قلعهبهمن، اکبر. (1383). واقعگرایی اخلاقی در قرن بیستم. قم: مؤسسة آموزشی و پژوهشی امام خمینی.
حسینی قلعهبهمن، سید اکبر. (1391). نقد و بررسی تئوری خطای جی.ال.مکی در فرااخلاق بر اساس مبانی آیتالله جوادی آملی. اسراء، ۵ (۲)، 27-52.
دباغ، سروش. (۱۳۹۱). واقعگرایی و ضدواقعگرایی و موضع اخلاقی کانت. اندیشة دینی (42)، 37-56.
دباغ، سروش. (1399). درسگفتارهایی در فلسفة اخلاق (چاپ دوم). تهران: صراط.
رمضانی، رضا. (1387). آرای اخلاقی علامه طباطبایی. تهران: پژوهشگاه فرهنگ و اندیشة اسلامی.
سبحانی، جعفر. (1370). حسن و قبح عقلی یا پایههای اخلاق جاودان (چاپ دوم). (ع. ربانی گلپایگانی، تدوين) تهران: انتشارات علمی فرهنگی.
سرایی، ناهید. (1391). علامه طباطبایی: ارزش و اخلاق. تهران: بصیرت.
سروش، عبدالکریم. (1358). دانش و ارزش؛ پژوهشی در ارتباط میان علم و اخلاق (چاپ دوم). تهران: یاران.
سروش، عبدالکریم. (1370). تفرج صنع؛ گفتارهایی در اخلاق و صنعت و علوم انسانی (چاپ دوم). تهران: سروش.
شریعتی سبزواری، محمدباقر. (بیتا). تحریری بر اصول فلسفه و روش رئالیسم. بیجا: بینا.
شریعتی نجفآبادی، رحمت الله. (1390). حکمت برین: ترجمه و شرح تطبیقی بدایةالحکمه. قم: بوستان کتاب.
طباطبایی، محمدحسین. (1362). رسائل سبعه. قم: بنیاد علمی فکری استاد علامه سید محمدحسین طباطبایی. چاپ حکمت.
طباطبایی، محمدحسین. (1370). مجموعة رسائل (چاپ سوم). (س. خسروشاهی، تدوين) بیجا: دفتر نشر فرهنگ اسلامی.
طباطبایی، محمدحسین. (۱۳۷۴). ترجمة تفسیر المیزان (جلد ۲). قم: جامعة مدرسین حوزة علمیة قم.
طباطبایی، محمدحسین. (1374). ترجمة تفسیر المیزان (چاپ پنجم، جلد ۷). (س. موسوی همدانی، مترجم) قم: دفتر انتشارات اسلامی جامعة مدرسین حوزة علمیة قم.
طباطبایی، محمدحسین. (1374). نهایه الحکمه (چاپ دوم، جلد اول). (ع. شیروانی، تدوين) تهران: الزهراء.
طباطبایی، محمدحسین. (1385). اصول فلسفه و روش رئالیسم (جلد اول). (م. شریعتی سبزواری، تدوين) قم: بوستان کتاب.
طباطبایی، محمدحسین. (۱۳۸۸). انسان از آغاز تا انجام. قم: بوستان کتاب.
طباطبایی، محمدحسین. (۱۳۹۰) الف. اصول فلسفه رئالیسم (جلد ۲). قم: بوستان کتاب.
طباطبايي، محمد حسين. (۱۳۹۰) ب. الميزان في تفسير القرآن (جلد ۲). بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
طباطبايي، محمد حسين. (۱۳۹۰) ج. الميزان في تفسير القرآن (جلد ۸). بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
طباطبايي، محمد حسين. (۱۳۹۰) د. ترجمة وشرح نهاية الحكمة. قم: بوستان كتاب.
طباطبايي، محمد حسين. (۱۳۹۰) هـ. حاشية الكفاية. قم: بنياد علمي وفكري للعلامة الطباطبائي.
طباطبايي، محمد حسين. (۱۳۹۰) و. طريق العرفان (ترجمة رسالة الولاية). قم: بخشايش.
طباطبايي، محمد حسين. (1393). أصول الفلسفة والمنهج الواقعي (الطبعة الرابعة والعشرون، المجلد الثاني). (م. مطهري، تدوين) طهران: صدرا.
فنائي، أبو القاسم. (۱۳۸۴). الدين في ميزان الأخلاق؛ بحث في العلاقة بين الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية. طهران: صراط.
فنائي، أبو القاسم. (1389). أخلاقيات الدين؛ بحث في الأسس المعرفية والأخلاقية للفقه. طهران: نگاه معاصر.
كاب، ديفيد روس. (1375). ما وراء الأخلاق (الأخلاق التحليلية). (محسن جوادي، تدوين) معرفت (17)، 70-75.
كشميري، مهدي. (1394). دراسة مقارنة تحليلية لنظرية الخطأ عند جون ماكي ونظرية الإدراكات الاعتبارية عند العلامة الطباطبائي، رسالة ماجستير في فلسفة الأخلاق، جامعة قم.
المؤتمر الثقافي بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل العلامة الطباطبائي. (1363). الیادنامة الثانية للعلامة الطباطبائي. مؤسسة الدراسات والأبحاث الثقافية، الجمعية الإسلامية للحكمة والفلسفة في إيران.
مصباح يزدي، محمد تقي. (1386). فلسفة الأخلاق. (أحمد حسين شريفي، تدوين) طهران: بين الملل.
ماك نوتن، ديفيد. (1383). النظرة الأخلاقية؛ مدخل إلى فلسفة الأخلاق. (حسن ميانداري، تدوين) طهران: سمت.
ماكي، جون. (1379). الطبيعة الذهنية للقيم. (م. فرهاد بور، تدوين) أرغانون، 193-226.
ميانداري، حسن. (۱۳۹۰). تفنيد لنظرية الخطأ في فلسفة الأخلاق بناءً على التطور البيولوجي. حكمة وفلسفة، (۱)، 67-86.
نبويان، محمود. (1390). ماهية الاعتبار عند العلامة الطباطبائي. معرفت فلسفي، (۳۴)، 115-146.
.
.
[1]- Naturalism.
[2]- لماكي كتاب في تفنيد ما وراء الطبيعة بعنوان «معجزة الإيمان بالله». ومقصده من هذا العنوان الكنائي هو أنه إذا كان لمفهوم «المعجزة» معنى محصّل، فهو الإيمان بالله؛ وذلك لأنه برأيه، وعلى الرغم من وجود حجج قوية على عدم معقولية الإيمان بالله، فإن التدين والإيمان بوجود الله أمر غريب أو أشبه بالمعجزة. وهو يذكر في مقدمة كتابه، مشيراً إلى التقسيم الثنائي لـ«المعجزة»، أن الإيمان يندرج ضمن القسم الثاني ويكتب:
"its continuing hold on the minds of many reasonable people is surprising enough to count as a miracle in at least the original sense." (Mackie, 1982: 15)
[3]- Super naturalistic.
[4]- Extrem anti realism.
[5] -Moral sckepticism.
[6] -Non-cognitivism.
[7] -Cognitivist.
[8] -Instrumental rationalism.
[9] -Prposition.
[10] -Truth appnes.
[11] -Truth value.
[12]- Cognitivis.
[13]- Truth-aptness.
[14]- Moral property.
[15]- Moral subjectivism.
[16]- Practical justification.
[17]- Conceptual analysis.
[18]- Objective analysis.
[19]- Moral language.
[20]- Non realism.
[21]- Ontology.
[22]- The Queerness arguments.
[23]- The argument from Queerness.
[24]- The argument from Queerness of knowledge.
[25]- The argument from Queerness of supervenience.
[26]- The argument from motivational force.
[27]- Moral perception.
[28]- Intuition.
[29]- The argument from the explanatory test
[30]- Moral disagreement
[31]- Projectin
[32]- Objectification
[33]- Practical justification
[34]- Theoretical moral realism/antirealism
[35]- Practical moral realism/antirealism
[36]- Moral cognitivim
[37]- لأنه يمكن للمرء أن يكون معرفياً وينكر الواقعية على نحو متسق. وهذا هو الموقف الذي يعتقده ماكي في نظرية الخطأ (وقد مر شرحه في القسم السابق)، وكما نظن، يوجد مثل هذا الافتراض في نظرية الاعتباريات بسبب كون الإدراكات الاعتبارية استعارية. وخلاصة القول إنه يمكن اعتبار العلاقة بين الواقعية الأخلاقية والمعرفية الأخلاقية، في النسب الأربع بين المفاهيم، عموماً وخصوصاً مطلقاً.
[38]. نصل أوكام (Occam's razor) مبدأ منسوب إلى وليم الأوكامي، المنطقي والفيلسوف الإنجليزي. في القرن الرابع عشر الميلادي طرح وليم الأوكامي مبدأً اشتهر بـ«نصل أوكام»، أو «مبدأ الاقتصاد» أو «مبدأ اختصار التفسير». وفقًا لهذا المبدأ، كلما قُدِّم تفسيران مختلفان لسبب حدوث ظاهرة ما، كان التفسير الأكثر تعقيدًا أرجح لاحتواء الخطأ، وبالتالي، عند تساوي الظروف، يكون احتمال صحة التفسير الأبسط أكبر.
[39] -Moral relativism
[40] -Rule utilitarianism
[41]- Pistemic Agent
[42] -Close question
[43]- Internalism
[44]- Externalism
[45]- Objectification
[46]- Truth appnes
[47]- Truth value
[48]- Success theory
[49]- Error theory
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.