اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يؤكد محمود مرواريد، رداً على الانتقادات الأخيرة، أن برهان الصديقين للعلامة الطباطبائي لا يصل إلى نتيجته دون نظرية الوحدة الشخصية للوجود ونظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود، كما يرى أن صياغة الناقد له تنطوي على إشكال.

محمود مرواريد:
ملخص:
يُقال أحيانًا إن البرهان الذي طرحه العلامة الطباطبائي في حاشية الأسفار لإثبات وجود الله لا يستند إلى أي أصل أو مسألة فلسفية. نُبيّن في هذه المقالة أن هذا القول غير صحيح، وأن برهان العلامة لا يبلغ غايته المنشودة دون الاستعانة بنظريتين فلسفيتين، هما: نظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود، والنظرية المعممة لوحدة الوجود الشخصية. تتناول المقالة الحالية شرحًا وتفصيلًا لبعض النقاط المطروحة في مقالتي السابقة «تأمل في برهان الصديقين بتقرير العلامة الطباطبائي»، وتسعى للرد على الانتقادات التي وُجهت إلى تلك المقالة.
.
.
في العددين 46-45 من مجلة «نقد ونظر» الفصلية، نُشرت مقالة لي بعنوان «تأمل في برهان الصديقين بتقرير العلامة الطباطبائي». كان مدعاي في تلك المقالة أن برهان الصديقين للعلامة الطباطبائي[1] يعاني من إشكالات لا يمكن حلها إلا بالاستعانة بثلاثة افتراضات مسبقة أو مسائل فلسفية: نظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود، والنظرية المعممة لوحدة الوجود الشخصية، وقاعدة الاستلزام. وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار برهان العلامة مستغنيًا عن المسائل الفلسفية، فضلًا عن أن بعض تلك الافتراضات المسبقة مثيرة للجدل بحد ذاتها.
في العددين 48-47 من هذه المجلة الفصلية، صدرت مقالة بعنوان «تنزيه برهان الصديقين للعلامة الطباطبائي» تضمنت انتقادات لمقالتي. قدم الناقد المحترم في المقالة المذكورة صياغة لبرهان العلامة وتولى الدفاع عنها.
أسعى في هذه المقالة إلى بيان أن أيًا من انتقادات الناقد المحترم لم تكن موفقة. ولهذا الغرض، سأضع صياغة الناقد المحترم نصب عيني، وسأُظهر أن هذه الصياغة تعاني أيضًا من إشكالات مماثلة لما ورد في المقالة السابقة.
بطبيعة الحال، من الضروري هنا أن أُعدّل المدعا الذي كنت قد طرحته في المقالة السابقة. كنت أعتقد في تلك المقالة أن برهان العلامة يحتاج، لكي يبلغ غايته، إلى المسائل الثلاث المذكورة جميعًا؛ لكن كما سنرى، بقبول نظرية وحدة الوجود الشخصية، لا تعود هناك حاجة إلى قاعدة الاستلزام. وبناءً على ذلك، فإن مدعاي في هذه المقالة هو أن برهان الصديقين للعلامة (سواء بالتقرير الذي قدمته في المقالة السابقة أم بالصياغة التي طرحها الناقد المحترم) لا يصل إلى نتيجة دون الاستعانة بنظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود ونظرية وحدة الوجود الشخصية.
النقاط الرئيسية في كلتا المقالتين متطابقة، باستثناء الحالة التي ذُكرت. ومع ذلك، فإن ترتيب المطالب والإشكالات في المقالة الحالية قد اختلف إلى حد كبير. وقد نشأ هذا الاختلاف لأنني ركزت في هذه المقالة نقاشي على صياغة الناقد المحترم لبرهان العلامة وكشف نقاط ضعفها، ومن الطبيعي أن يتغير مسار المطالب تبعًا لهذا التوجه. إضافة إلى ذلك، يبدو أن مراعاة جانب الاختصار في المقالة السابقة أدى إلى بقاء بعض نقاطها خافية. لذا سأتناول تلك النقاط في المقالة الحالية بمزيد من التفصيل. وعلى هذا الأساس، فإن هذه المقالة ليست ذات جانب ردّي فحسب، بل هي من بعض الجهات إيضاح أكبر للمقالة السابقة.
قبل الخوض في صلب الموضوع، من المناسب أن أقدّم مقدمة حول مفاهيم مجال[2] العامل، وضرورة الشيء[3]، وضرورة الجملة[4]. لهذه المقدمة أثر بالغ في المباحث اللاحقة. مع الأسف، نظراً لأن صياغة اللغة لم تُؤخذ بجدية كافية في تراثنا المنطقي-الفلسفي، تتسرب أحياناً أخطاء وخلطات في الاستدلالات الفلسفية، لا يمكن تمييزها إلا بمساعدة الأدوات المنطقية وتدقيق المقدمات ومراحل الاستدلال. أحد منابع هذه الخلطات هو عدم تعيين مجال العوامل[5] المنطقية. ولكن ما المقصود بمجال عامل منطقي؟ في لغة المنطق، توجد عوامل مختلفة، مثل المسوّرين الكلي والجزئي، والنقيض، والعاطف، والفاصل، وعاملي الضرورة والإمكان وغيرها... يمكن القول تقريباً إن مجال العامل هو ذلك الجزء من الجملة الذي يعمل فيه العامل. على سبيل المثال، في جملة «إنها تمطر وليس الأمر أن الأرض مبتلة»، مجال عامل النقيض هو جملة «الأرض مبتلة»، وفي جملة «ليس الأمر أنها تمطر والأرض مبتلة»، يعمل النقيض على كامل الجملة العطفية «إنها تمطر والأرض مبتلة»، ومن ثم فإن مجاله هو هذه الجملة بأكملها.
إذا أردنا استخدام عاملين أو أكثر في جملة واحدة، فإن أي عامل يقع في مجال الآخر له تأثير أساسي في تحديد محتوى الجملة، ويؤدي إلى نشوء جمل مختلفة (بشروط صدق مختلفة ربما). توضح الأمثلة التالية هذه النقطة جيداً. جدير بالذكر أن كل مثال من هذه الأمثلة يناظر قضايا سنراها في المباحث اللاحقة. للبدء، لاحظوا الجملتين التاليتين:
كل شخص يحب شخصاً ما (مقابل كل x، يوجد على الأقل y واحد بحيث إن x يحب y).
يوجد شخص يحبه كل شخص (يوجد على الأقل y واحد بحيث إنه مقابل كل x، x يحب y).
الفرق بين الجملتين (1) و (2) هو أنه في الجملة (1)، وقع المسوّر الجزئي في مجال المسوّر الكلي؛ لكن في الجملة (2) بالعكس، وقع المسوّر الكلي في مجال المسوّر الجزئي. في الاصطلاح يُقال إنه في الجملة (1)، للمسوّر الكلي مجال موسّع[6]، وللمسوّر الجزئي مجال مضيّق[7]، وبالعكس، في الجملة (2) للمسوّر الجزئي مجال موسّع وللمسوّر الكلي مجال مضيّق. لقد أوجد الفرق المذكور معنى مختلفاً تماماً لهاتين الجملتين. مضمون الجملة (1) هو أن كل شخص له محبوب واحد أو عدة محبوبين، لكن الجملة (2) تعني أن هناك شخصاً أو أشخاصاً محبوبين من قبل الجميع.
من الواضح أن (2) أقوى من (1)، بمعنى أن (2) تستلزم (1) منطقياً، ولكن لا تُستنتج منها[8]. كون الجميع لهم محبوب واحد يستلزم أن لكل شخص محبوباً، لكن عكس هذا الاستلزام غير قائم.
الأمثلة الأكثر إثارة للاهتمام لتداخل المجالات، هي الحالات التي يُستخدم فيها في الجملة مسوّر (كلي أو جزئي) وعامل جهة (ضرورة أو إمكان). على سبيل المثال افترضوا أن الغرفة (أ) غرفة خاصة، والزمن t لحظة معينة. لاحظوا الآن الجملتين التاليتين:
كل إنسان من الممكن أن يكون في الزمن t في الغرفة (أ) (مقابل كل إنسان مثل x، من الممكن أن يكون x في الزمن t في الغرفة (أ)).
من الممكن أن يكون جميع البشر في الزمن t في الغرفة (أ) (من الممكن أن يكون مقابل كل إنسان مثل x، x في الزمن t في الغرفة (أ)).
في الجملة (3)، لعامل الإمكان مجال مضيّق وللمسوّر الكلي مجال موسّع، وبالعكس في الجملة (4) لعامل الإمكان مجال موسّع وللمسوّر الكلي مجال مضيّق. ما قيمة الصدق لهاتين الجملتين؟ الجملة (3) صادقة؛ لأنه بالنسبة لكل فرد من البشر يوجد هذا الإمكان أن يكون في الزمن t في الغرفة (أ)، لكن الجملة (4) في الظروف المتعارفة خاطئة؛ لأن الغرفة (أ) (إذا كانت غرفة عادية) لا تملك هذه السعة لتستوعب جميع البشر في زمان واحد.
جدير بالذكر أن (4) أقوى من (3). إذا كان من الممكن أن يكون جميع البشر في الزمن t في الغرفة (أ)، فبالنسبة لكل فرد منهم أيضاً يوجد هذا الإمكان أن يكون في الزمن t في الغرفة (أ).
المثال التالي يتعلق بالترتيب بين المسوّر الجزئي ومؤثّر الضرورة، وهو شديد الشبه بالموضوع الرئيسي لهذه المقالة. افترض أن (أ) شيء مادي معين (قطعة من الشمع مثلاً). في هذه الحال تكون جملة «(أ) له شكل» صادقة. والآن إذا أردنا أن نضيف إلى هذه الجملة مؤثّر الضرورة، يمكننا أن نفعل ذلك بطريقتين مختلفتين تماماً:
بالضرورة، (أ) له شكل (بالضرورة، يوجد شكل يكون (أ) حائزاً له).
(أ) له شكل بالضرورة (يوجد شكل يكون (أ) حائزاً له بالضرورة).
هنا أيضاً يعود الاختلاف بين الجملتين إلى اختلاف الترتيب بين المسوّر ومؤثّر الضرورة. في (5) يقع المسوّر الجزئي في نطاق مؤثّر الضرورة، بينما في (6) يقع مؤثّر الضرورة في نطاق المسوّر. والمعادلات الموجودة بين القوسين تُظهر هذا الاختلاف بشكل أفضل. الجملة (5) صادقة؛ لأن الأشياء المادية لا يمكن أن تكون بلا شكل؛ ولكن أي شكل كان لـ (أ) – سواء أكان مكعباً أم كروياً أم هرمياً أم غير ذلك – فإن هذا الشكل ليس ضرورياً لـ (أ)؛ إذ كان بإمكان (أ) أن يكون له شكل آخر غير هذا. وعليه فالجملة (6) كاذبة. وهنا أيضاً (6) تستلزم (5) ولكن لا تُستنتج منها.
لعل أحداً يفسر صدق (5) وكذب (6) على هذا النحو: ليس أي من الأشكال الخاصة ضرورياً لـ (أ)، ولهذا السبب تكون (6) كاذبة. لكن أصل امتلاك الشكل (وبتعبير آخر، أحد الأشكال) ضروري لـ (أ)، ومن ثم تكون (5) صادقة. وبناءً على هذا، فإن اختلاف مضمون (5) و (6) يعود إلى اختلاف متعلَّق الضرورة في هاتين الجملتين. في الجملة (5)، متعلَّق الضرورة هو أصل امتلاك الشكل، بينما في (6)، تعلقت الضرورة بامتلاك شكل خاص. هذا التفسير ليس خاطئاً، لكنه لا يكشف البنية المنطقية للجملتين (5) و (6)، ومن ثم لا يعبّر عن الجذر الأساسي للاختلاف بينهما. لا يمكن إدراك الجذر الأساسي للاختلاف على نحو جيد إلا بعد انكشاف البنية المنطقية لـ (5) و (6). في كلتا الجملتين استُخدم مؤثّر الضرورة والمسوّر الجزئي معاً، فأين يكمن الاختلاف إذن؟ الجواب هو أن المسوّر في إحداهما يقع في نطاق الضرورة، وفي الأخرى تقع الضرورة في نطاق المسوّر، وهذا هو الأساس الرئيسي للاختلاف بين الجملتين.
وفقاً للمصطلح الشائع بين الفلاسفة التحليليين، إذا كان نطاق مؤثّر الضرورة في جملة ما موسَّعاً (مثل الجملة (5)) تُسمى تلك الضرورة «ضرورة القضية»، أما إذا كان نطاق الضرورة مضيّقاً (مثل الجملة (6))، فإن الضرورة المستخدمة تُسمى «ضرورة الشيء». قد لا تكون هذه التسمية دقيقة تماماً، لكن وجهها واضح تقريباً: في الجملة (5)، نطاق الضرورة هو الجملة بأكملها «(أ) له شكل»، وبتعبير آخر، تدخل الضرورة على هذه الجملة كلها؛ ومن هنا يمكن تسميتها «ضرورة القضية». أما (6) فتعبر عن كون شكل خاص ضرورياً للشيء (أ). وبهذا الاعتبار تُسمى الضرورة المستخدمة في (6) «ضرورة الشيء».[9]
من المناسب التذكير بأن مصطلحي «ضرورة القضية» و«ضرورة الشيء» لا ينبغي أن يدفعانا إلى الظن بأن ضرورة القضية أمر لغوي محض لا صلة له بالواقع. ضرورة القضية وضرورة الشيء ليسا نمطين مختلفين من الضرورة. فكلاهما لهما الدلالة نفسها، ووفقاً للنظرة الواقعية إلى الموجهات، فإن كليهما ناظر إلى حقائق فوق لغوية. وكما قيل، فإن اختلافهما يعود فقط إلى ترتيب استخدامهما في الجملة.[10]
كما رأينا في حال الجملتين (5) و (6)، يمكن أحياناً إضافة مؤثّر الضرورة إلى جملة ما بطرق مختلفة. وفي بعض الهليات البسيطة (القضايا الوجودية) يكون الأمر على هذا المنوال أيضاً. الجملة التالية صادقة بوضوح:
يوجد واقع ما.
يمكن إضافة مؤثّر الضرورة إلى هذه الجملة بطريقتين مختلفتين:
بالضرورة، يوجد واقع ما.
واقع ما يوجد بالضرورة (يوجد واقع ما يكون موجوداً بالضرورة).
العلاقة بين (8) و (9) شديدة الشبه بالعلاقة بين (5) و (6). فمؤثّر الضرورة في (8) له نطاق موسَّع وفي (9) له نطاق مضيّق. وبناءً على هذا، استُخدم في هاتين الجملتين ضرورة القضية وضرورة الشيء على الترتيب.[11]
يمكن أيضًا إظهار هذا الفرق دلاليًا (باستخدام أداة العوالم الممكنة). الشرط الضروري والكافي لصدق (8) هو أن يوجد شيء ما في كل عالم ممكن، وإن لم يكن مطابقًا للأشياء الموجودة في العوالم الممكنة الأخرى. أما (9) فلا تصدق إلا إذا وُجد الشيء نفسه أو الأشياء نفسها في جميع العوالم الممكنة. وعليه، فإن (8) و(9) تكافئان الجملتين (10) و(11) على الترتيب:
في كل عالم ممكن توجد حقيقة. (لكل عالم ممكن W، يوجد x في W).
هناك حقيقة توجد في كل عالم ممكن (يوجد x بحيث لكل عالم ممكن W، يوجد x في W).
بناءً على هذا، إذا افترضنا أن في كل عالم ممكن أشياء تتحقق، لكن لا يتكرر أي شيء بعينه في جميع العوالم الممكنة، فستكون الجملتان (8) و(10) صادقتين، والجملتان (9) و(11) كاذبتين. ومن هنا يتضح أن (9) و(11) أقوى من (8) و(10). جدير بالذكر أن النسبة بين (10) و(11) تشبه النسبة بين (1) و(2). ففي (10)، كما في (1)، يقع السور الجزئي في نطاق السور الكلي؛ أما في (11)، كما في (2)، فيقع السور الكلي في نطاق السور الجزئي.
رأينا حتى الآن أن عامل الضرورة يمكن إضافته إلى الجملة (7) «توجد حقيقة» بطريقتين مختلفتين، فنحصل على جمل بشروط صدق مختلفة. فما هو الحال في سائر الهليات البسيطة؟ إذا استُخدم في موضوع هلية بسيطة لفظ عام، مثل «يوجد إنسان»، فيمكن أيضًا إضافة عامل الضرورة إلى الجملة بطريقتين: «يوجد إنسان بالضرورة» و«هناك إنسان يوجد بالضرورة».[12] من الواضح أن لهاتين الجملتين قيمة صدق مختلفة. ولكن إذا كان موضوع الجملة اسم علم، مثل «زيد موجود»، فإن عامل الضرورة لا يمكنه العمل في الجملة إلا بطريقة واحدة. وبعبارة أدق، الجملتان «زيد موجود بالضرورة» و«بالضرورة زيد موجود» لهما شرطا الصدق نفسهما. كلتا الجملتين صادقتان إذا كان زيد موجودًا في جميع العوالم الممكنة. يعود أصل هذا الأمر إلى أن لفظ «زيد» هو، اصطلاحًا، دالٌّ جامد، أي أنه في جميع العوالم الممكنة التي يوجد فيها مدلول هذا اللفظ، يدل هذا اللفظ على الشيء نفسه[13].
وخلاصة القول إنه إذا استُخدم عامل الضرورة في هلية بسيطة، فيجب أولاً فحص ما إذا كان موضوع الجملة اسم علم أم لفظًا عامًا. فإذا كان اسم علم، فإن موقع عامل الضرورة في الجملة لا يؤثر في شروط صدقها. أما إذا كان الموضوع لفظًا عامًا (مثل «توجد حقيقة» و«يوجد إنسان»)، فيجب أن يُحدد بدقة ما إذا كان عامل الضرورة قد استُخدم بنطاق موسع أم بنطاق مضيق.
في نهاية هذا القسم، من الضروري الإشارة إلى نقطة مهمة أخرى. كما مر، يمكن القول إن الجملة (5) «بالضرورة، الألف له شكل» تعبر عن ضرورة أصل أن يكون للألف شكل، والجملة (6) «الألف له شكل بالضرورة» تعبر عن ضرورة أحد الأشكال الخاصة للألف. وعلى هذا القياس، يمكن القول إن مضمون الجملة (8) «بالضرورة توجد حقيقة»، هو ضرورة وجود أصل الحقيقة، بينما بالجملة (9) «هناك حقيقة توجد بالضرورة»، يُعبر عن ضرورة وجود حقيقة خاصة. بناءً على هذا، فإن الجملة (8) تكافئ:
’(8) وجود أصل الحقيقة ضروري (بالضرورة يوجد أصل الحقيقة).
ولكن ينبغي التنبّه إلى أن العبارة (8) ذات مظهر مضلّل. فقد يُظنّ أن تركيب «أصل الواقعية» (أو «أصل الواقعية» في اللغة العربية) في هذه الجملة يعمل عمل اسم العلم ويشير إلى شيء معيّن، ومن ثمّ فإن بنية الجملة (8) تشبه جملة «وجود زيد ضروري» (= ضرورةً زيد موجود). وهذا الظنّ غير صحيح. فتركيب «أصل الواقعية» ليس في الأساس عبارة إشارية[14] ولا يدلّ على واقعية معيّنة. فليس لدينا، إلى جانب جميع الواقعيات، واقعية أخرى تُسمّى أصل الواقعية، كما أن أصل الشكلية ليس شكلاً خاصاً إلى جانب الأشكال الهندسية الأخرى. فكلمة «أصل» في مثل هذه التراكيب تحلّ محلّ ياء التنكير، أو ما يُعرف بالسور الجزئي. فمثلاً عندما نقول «نحن على يقين من أصل التكاليف في الشريعة» (أو «نحن على يقين من أصل وجود التكاليف في الشريعة») فالمقصود هو أننا على يقين من أن ثمة تكاليف في الشريعة، لا أننا على يقين من أن تكليفاً خاصاً قد جُعل في الشريعة تحت عنوان أصل التكاليف.
من الواضح أن الخطوة الأولى في تقييم أي برهان هي تقريره بدقة. وقد قدّم الناقد المحترم التقرير التالي لبرهان الصدّيقين للعلّامة، والذي سنشير إليه من الآن فصاعداً بتقرير (1):
تقرير (1)
(أ) الواقعية (في مقابل السفسطة) لا تقبل البطلان والعدم ذاتاً (بديهي أوّلي).
(ب) كل ما لا يقبل البطلان والعدم ذاتاً، فهو واجب الوجود بالذات (بديهي أوّلي).
(ن) إذن، الواقعية (في مقابل السفسطة) واجبة الوجود بالذات.
في مقال «تأمّل في برهان الصدّيقين بتقرير العلّامة الطباطبائي»، قمت بصياغة برهان العلّامة بشكل آخر وعلى مرحلتين. ولكنني هنا، سعياً لمجاراة الناقد المحترم، سأركّز بحثي على تقرير (1) وأُبيّن أن هذا التقرير يعاني أيضاً من مشكلات لا بدّ لحلّها من الاستعانة بنظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود ونظرية وحدة الوجود الشخصية. ثمّة نقاط متعددة في دراسة تقرير (1) ينبغي تفكيكها عن بعضها بدقة. وكما نرى، فقد استُخدمت في جميع بنود هذا التقرير الثلاثة ألفاظ «ذاتاً» أو «بالذات». وهذه الألفاظ تنطوي على شيء من الغموض، ويتعيّن تحديد دورها في الاستدلال بشكل مستقل. لذا، ومن أجل تبسيط المسألة، من المناسب أن ندرس تقرير الناقد على مرحلتين. في المرحلة الأولى، نحذف اللفظين المذكورين من بنود البرهان الثلاثة لنصل إلى تقرير آخر:
تقرير (1*)
(أ*) الواقعية (في مقابل السفسطة) لا تقبل البطلان والعدم (بديهي أوّلي).
(ب*) كل ما لا يقبل البطلان والعدم فهو واجب الوجود (بديهي أوّلي).
(ن*) إذن، الواقعية واجبة الوجود.
تقریر(1*) في الحقيقة هو الصورة المُضعَّفة من تقریر (1). كل مقدمة من مقدمات هذا التقریر أضعف من نظيرتها في تقریر (1). كما أن نتيجة تقریر (1*) أضعف من نتيجة تقریر (1)؛ ذلك أن نتيجة تقریر (1) هي وجود واجب الوجود بالذات، بينما نتيجة تقریر (1*) هي وجود واجب الوجود بالقول المطلق (أي الأعم من بالذات وبالغير). ونحن نعلم أنه لا العلامة ولا الناقد المحترم كانا بصدد تقریر (1*)، لأنهما كانا يسعيان إلى إثبات وجود واجب الوجود بالذات؛ ومع ذلك يمكن أن نخمن مسبقاً أنه إذا كان تقریر (1) قادراً على إثبات وجود واجب الوجود بالذات، فإن تقریر (1*) سيكون قادراً أيضاً على إثبات وجود واجب الوجود بالقول المطلق؛ لأن بنية الاستدلال في كليهما واحدة تماماً، مع فارق أن جميع بنود الاستدلال في تقریر (1*) قد أُضعِفت بنفس القدر. وبناءً على هذا، ولكي تتكشف جذور الإشكالات في تقریر (1) بشكل جيد؛ فمن الأسهل أن نفحص في المرحلة الأولى تقریر (1*) ونُظهر نقاط ضعفه، ثم ننتقل في المرحلة الثانية إلى فحص تقریر (1). وكما سنرى، فإن تقریر (1) يعاني من نقاط الضعف نفسها ـ أو ما يشابهها. وفائدة هذا الفحص ذي المرحلتين هي أننا في المرحلة الأولى لا نكون بعدُ أمام إبهامات ألفاظ «ذاتاً» و«بالذات». وأُؤكد أن جعل المسألة على مرحلتين هو فقط من أجل مزيد من الوضوح والبساطة في المباحث، وإلا فبالإمكان في الخطوة الأولى ذاتها أن ننتقل مباشرة إلى تقييم تقریر (1). وفي الحقيقة، أنا أطرح تقریر (1*) فقط بوصفه أداة مساعدة كي نحصل، من خلال تقييمه الدقيق، على رؤية أوضح تجاه إشكالات تقریر (1).
فحص تقریر (1*)
لتقييم هذا التقریر، يلزمنا أولاً أن ننظر إلى مقدماته بدقة أكبر. نبدأ بالنظر في (ألف*):
(ألف*) الواقع لا يقبل البطلان والعدم.
أول سؤال يرد إلى الذهن هو: ما المقصود بعبارة «لا يقبل البطلان والعدم» في هذه المقدمة؟ «لا يقبل» هنا بمعنى «لا إمكان لـ». إذن عندما يُقال «س لا يقبل العدم» فمعناه أن «العدم غير ممكن لـ س»، أو «عدم س ليس ممكناً». وهذا أيضاً مرادف أو ملازم لقولنا «س ضروري الوجود»[15]. وعليه، فإن (ألف*) مرادفة أو مكافئة للقضية التالية:
(ألف*1) الواقع ضروري الوجود.
من الآن فصاعداً، من الأسهل أن نستخدم (ألف*1) بدلاً من مقدمة (ألف*). وبالنظر إلى الترادف أو التلازم بين الجملتين المذكورتين، فإن هذا الاستبدال لا يُحدث خللاً في المباحث اللاحقة. لكن جملة (ألف*1) نفسها يعتريها الإبهام. هذه الجملة هي هلية بسيطة استُخدم فيها عامل الضرورة. وكما رأينا في القسم السابق، لإيجاد البنية المنطقية لمثل هذه الجملة يجب أن نفحص أولاً ما إذا كان موضوع الجملة (أي لفظة «الواقع») اسماً علَماً أم لا. من الواضح أن «الواقع» يمكن حمله على موضوعات مختلفة؛ إذن فهو ليس اسماً علَماً. وبالطبع يمكن كتابة (ألف*1) أيضاً بهذه الصورة: «أصل الواقع ضروري الوجود»؛ ولكن كما مرّ، لا ينبغي أن يُوحي استعمال لفظة «أصل الواقع» بأن موضوع (ألف*1) هو اسم علَم.[16]
والآن، بما أن موضوع (ألف*1) ليس لفظاً عاماً، يُطرح فوراً هذا السؤال: هل عامل الضرورة في (ألف*1) له نطاق واسع أم ضيق؟ وبعبارة أخرى، هل عامل الضرورة في هذه الجملة هو ضرورة الشيء أم ضرورة الجملة؟ (ألف*1) مبهمة من هذه الجهة، ومحتواها هو أحد المطلبين التاليين:
(ألف*2) بالضرورة، يوجد واقع.
(ألف*3) يوجد واقع هو موجود بالضرورة.[17] [18]
في تقریر (1*) ليس محدداً بشكل صريح أيٌّ من الجملتين أعلاه هو المقصود كمقدمة أولى للبرهان. هاتان الجملتان هما على التوالي نفس الجملتين (8) و(9) اللتين أوردناهما سابقاً، ومن الواضح أن (ألف*3) أقوى من (ألف*2). والآن، مع أخذ هذه النقاط بعين الاعتبار، ننتقل إلى بيان أول إشكال على تقریر (1*).
يتكون هذا الإشكال من مدعيين:
المدعى الأول: لكي يكون هذا التقرير منتجاً، يجب أن تؤخذ (أ*3) كمقدمة أولى للبرهان، لا (أ*2).
المدعى الثاني: الاستدلال الذي قدمه العلامة للمقدمة (أ)، في حال تماميته، يثبت (أ*2) وليس (أ*3).
لإثبات المدعى الأول، يلزم أن نوضح المقدمة الثانية للتقرير (1*)، أي (ب*):
(ب*) كل ما لا يقبل البطلان والعدم، فهو واجب الوجود.
يمكن التعبير عن هذه المقدمة بصيغة شرطية أيضاً:
(ب*1) لأي x، إذا كان x لا يقبل البطلان والعدم، فإن x واجب الوجود.
كما مر، فإن عبارة «x لا يقبل البطلان والعدم» مرادفة أو مكافئة لعبارة «x موجود بالضرورة». لذلك يمكن كتابة (ب*1) على النحو التالي:
(ب*2) لأي x، إذا كان x موجوداً بالضرورة، فإن x واجب الوجود.
في هذه الجملة، يقع مؤثر الضرورة في نطاق المسور الكلي؛ أي إنها ضرورة الشيء لا ضرورة القضية. من الواضح الآن أنه من (أ*3) و(ب*2) يمكن الوصول إلى النتيجة المطلوبة بمساعدة قاعدة وضع المقدم؛ لأن ضرورة الشيء مستخدمة في كل من (أ*3) ومقدم (ب*2):
(أ*3) هناك واقعية موجودة بالضرورة.
(ب*2) لأي x، إذا كان x موجوداً بالضرورة، فإن x واجب الوجود.
النتيجة: هناك واقعية واجبة الوجود.
لكن لا يمكن، بناءً على أية قاعدة منطقية، استنتاج هذه النتيجة من (أ*2) و(ب*2).
يمكن توضيح المدعى الأول باستخدام دلالات العوالم الممكنة على هذا النحو أيضاً: قضية (أ*2) تكون صادقة إذا وجد شيء ما في كل عالم ممكن، حتى لو كان مختلفاً عن الأشياء الموجودة في العوالم الممكنة الأخرى. إذن، صدق (أ*2) لا يستلزم وجود واجب الوجود؛ لأن واجب الوجود ـ بحسب التعريف ـ هو شيء موجود في جميع العوالم الممكنة.
ننتقل الآن إلى إثبات المدعى الثاني، وهو أن استدلال العلامة على (أ)، في حال تماميته، يثبت (أ*2) وليس (أ*3). بطبيعة الحال، إن تحديد ماهية استدلال العلامة على (أ) بالضبط وبنيته هو نفسه محل بحث ونقاش. لكن يبدو أنه يمكن، مع الحفاظ على روح استدلال العلامة، إعادة كتابته في قالب الخُلْف على النحو التالي:
الفرض: ليس الأمر أنه توجد واقعية بالضرورة. (نقيض (أ*2))
إذن، هناك عالم ممكن مثل W لا توجد فيه أية واقعية. (من (1) بالنظر إلى دلالات الموجهات).
في هذه الحال، لا توجد في W واقعية فعلاً.
إذن، توجد في W واقعية. (من (3) بالنظر إلى «فعلاً»)
لكن هناك تناقض بين (2) و(4)، لذلك لا يمكن أن يكون فرض الاستدلال صحيحاً، إذن:
توجد واقعية بالضرورة.
النقطة المهمة في الاستدلال أعلاه هي الانتقال من البند (3) إلى (4). كما مر في مقالة «تأمل في برهان الصديقين بتقرير العلامة الطباطبائي» وسيأتي أيضاً في الإشكال الثاني، هذا الانتقال ليس صحيحاً، ما لم تضف إلى مقدمات الاستدلال نظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود. لكننا لا نريد هنا أن نناقش في اعتبار الاستدلال أعلاه. نحن نفترض حالياً أن هذا الاستدلال معتبر، سواء بذاته أو بإضافة مفترضات أخرى. النقطة التي نؤكد عليها الآن (في الإشكال الأول) هي أن الاستدلال أعلاه، حتى في حال تماميته، لا يثبت سوى (أ*2). يمكن أن نرى بسهولة أنه لا يمكن استخدام نظير هذا الاستدلال لإثبات (أ*3). إن فرض نقيض (أ*3)، بمساعدة التقنيات المستخدمة في الاستدلال أعلاه (مثل استنتاج وجود واقعية من قيد «فعلاً»)، لا يؤدي إلى تناقض.
به این ترتیب، هر دو مدعای اشکال نخست اثبات میگردد. چنان که دیدیم، نکته اصلی در این اشکال تفکیک میان (الف*2) و الف*3)، یعنی تفکیک میان ضرورت جمله و ضرورت شیئ است. از آن جا که علامه طباطبایی و شارحان او به این تفکیک توجهی نداشتهاند، پاسخی نیز برای آن فراهم نیاوردهاند. اما چنان که در مقاله پیشین گذشت، به نظر میرسد با توجه به مبانی فلسفه صدرایی، راهی برای برطرف کردن این اشکال وجود دارد. اگر نظریه تعمیم یافته وحدت شخصی وجود پذیرفته شود، می توان از (الف*2) به (الف*3) رسید. توضیح این که نظریه تعمیم یافته وحدت شخصی وجود (وحدت شخصی وجود در طول جهان های ممکن) بیان میدارد که همه موجودات، در هر جهان ممکنی که باشند تجلیات حقیقتی یگانه هستند. از سوی دیگر، مطابق (الف*2) در هر جهان ممکنی موجودی وجود دارد. بنابراین میتوان نتیجه گرفت در همه جهان های ممکن، آن حقیقت یگانه وجود دارد، و به این ترتیب اثبات می شود که در هر جهان ممکن، واقعیت یکسانی موجود است و این یعنی (الف*3). به این ترتیب خلا میان ضرورت جمله و ضرورت شیئ پر میشود، ولی دیگر برهان علامه بدون مفروضات فلسفی نخواهد بود.
پاسخ ناقد محترم به اشکال نخست و بررسی آن
ناقد محترم بر این باور است که اشکال یاد شده در اساس متوجه برهان علامه نمیشود تا برای برطرف کردن آن به نظریه وحدت شخصی وجود نیازی باشد. او چنین مینویسد:
به نظر میرسد که این مشکل از عدم توجه به قید «لذاتها» در عبارت علامه ناشی شده باشد، عبارت علامه این است که «هی [الواقعیه] لا تقبل البطلان و الرفع لذاتها». آن چیزی که بالذات عدم را نمیپذیرد واقعیتی است که در هر جهان ممکن موجود است و چیزی که در هر جهان ممکن موجود باشد واجب الوجود است و از همین رو، واقعیتی را که نمیتوان نفی کرد، واجب الوجود بالذات است. اما ممکنات از جهت امکانشان قابل نفی هستند. از همین رو علامه در پایان نتیجه میگیرد که واقعیت امکانی آن واقعیتی نیست که با نفی سفسطه آن را اثبات میکنیم.[19]
ناقد محترم، چند سطر بعد پاسخ خود را به صورتی آشکارتر بیان میکند:
پاسخ این اشکال از مطالب پیش گفته به دست میآید. برهان علامه نشان داد که در هر جهان ممکنی باید واقعیت حضور داشته باشد. حال، این واقعیت اگر امکانی باشد، در کنار آن میتوان جهانی را تصور کرد که در آن واقعیت امکانی معدوم باشد، در این جهان ممکن مفروض که خالی از واقعیت های امکانی است، برهان علامه الزام میکند که واقعیتی هست، بنابراین چنین واقعیتی حتماً واجب الوجود است، زیرا فرض این است که به جهان ممکنی نظر داریم که از هستیهای امکانی خالی است. و اگر این جهان مفروض مشتمل بر واجب الوجود باشد، در هر جهان فرضی دیگری هم واجب الوجود حضور دارد. بنابراین برهان علامه در نفی سفسطه بر این حکم ضروری عقل استوار شده است که سفسطه به هیچ وجه قابل قبول نیست و واقعیت ضروری الوجود است و طبیعت این واقعیت نمیتواند طبیعت ممکن الوجود باشد، چرا که نفی موجود امکانی به خودی خود هیچ تناقض و سفسطه ای به بار نمی آورد».[20]
چنان که میبینیم، پاسخ ناقد محترم در دو پاراگراف بیان شده است، اما آشکار نیست که آیا او در صدد بوده است دو پاسخ مجزا به اشکال ارائه کند، یا هر دو پاراگراف بیانگر یک مطلباند. در هر حال، در ادامه به بررسی هر دو پاراگراف میپردازیم.
ناقد محترم در پاراگراف نخست میگوید که حل اشکال در توجه به قید «لذاتها» نهفته است، ولی او به هیچ روی نشان نمیدهد که با به میان آوردن این قید چگونه خلا میان ضرورت جمله و ضرورت شیئ پر میشود. از ناقد محترم میپذیریم که باید قید «لذاتها» را در عبارت «هی [الواقعیه] لاتقبل البطلان و الرفع لذاتها» جدی گرفت. اما حتی در این صورت نیز عبارت یاد شده ابهام دارد؛ زیرا مشخص نیست که دامنه عملگر بطلان ناپذیری بالذات (= ضرورت بالذات) موسع است یا مضیق. به دیگر سخن، دربارۀ مضمون این عبارت دو احتمال وجود دارد:
این که واقعیتی وجود دارد ذاتاً بطلان ناپذیر است (به ضرورت بالذات واقعیتی وجود دارد).
واقعیتی هست که آن واقعیت ذاتاً بطلان ناپذیر است (واقعیتی هست که به ضرورت بالذات وجود دارد).
لإثبات واجب الوجود بالذات، نحتاج إلى (B)، لكن برهان العلامة يثبت لـ (ألف)، على الأكثر (A). فكيف يمكن الانتقال من (A) إلى (B)؟ إذن، فإن إدراج قيد «بالذات» لا يساعد في حل الإشكال ولا يرتبط به من الأساس. سنتحدث أكثر عن دور هذا القيد في برهان العلامة عند فحص التقرير (1).
والآن نأخذ الفقرة الثانية بعين الاعتبار. النقاط التي يطرحها الناقد المحترم في هذه الفقرة، على خلاف الفقرة الأولى، ترتبط بالإشكال الأول، لكنها مع ذلك لا تقدم جواباً عليه. للوهلة الأولى، يمكن شرح فكرة الناقد المحترم في هذه الفقرة على النحو التالي:
نختار عالماً ممكناً اعتباطياً مثل W. بناءً على استدلال العلامة لـ (ألف)، لا يوجد عالم ممكن خالٍ من كل الوقائع. إذن، توجد في W أيضاً واقعة واحدة أو عدة وقائع. نسمي هذه الوقائع a1 حتى an. المسألة لا تخلو من حالتين: إما أن تكون واحدة من هذه الوقائع على الأقل واجبة الوجود، وإما أن تكون جميعها ممكنة الوجود. إذا تحققت الحالة الأولى، أي يوجد على الأقل واجب وجود واحد في W، فحينئذٍ وطبقاً لتعريف «واجب الوجود» ستكون تلك الواقعة موجودة في جميع العوالم الممكنة، بما فيها العالم بالفعل. وبهذا يثبت وجود واجب وجود واحد على الأقل. أما إذا تحققت الحالة الثانية، أي أن a1 حتى an جميعها ممكنة الوجود، فحينئذٍ وطبقاً لتعريف «ممكن الوجود»، يكون عدم كل واحد منها ممكناً، وعليه يمكن افتراض عالم ممكن آخر مثل W' لا يوجد فيه أي من a1 حتى an. في هذه الحال، سيكون W' خالياً من الوقائع الممكنة. لكن طبقاً لاستدلال العلامة لـ (ألف)، لا يمكن لـ W' أيضاً أن يكون خالياً من كل واقعة، إذن يجب أن يوجد في W' واجب وجود واحد أو عدة واجبات وجود، وفي هذه الحال أيضاً يثبت وجود واجب وجود واحد أو عدة واجبات وجود.
يعاني هذا الاستدلال من إشكال واضح، وهو أنه في الحالة الثانية لا يمكن إثبات وجود واجب وجود واحد على الأقل. في هذه الحالة، a1 حتى an جميعها ممكنة الوجود و(نقبل حالياً أنه) لهذا السبب، يمكن افتراض عالم ممكن مثل W' لا يوجد فيه أي من a1 حتى an[21]. لكن من كون a1 حتى an غير موجودة في W'، لا يمكن استنتاج أنه لا توجد في W' أية واقعة أخرى غير a1 حتى an.
بالنظر إلى هذا الإشكال، ربما يستطيع الناقد المحترم التعبير عن جوابه بطريقة أخرى لا يقع بها في الإشكال المذكور:
افترض أن المجموعة M، هي مجموعة جميع الوقائع الإمكانية في جميع العوالم الممكنة. الآن نختار العالم الممكن W. بناءً على استدلال العلامة لـ (ألف)، يشتمل W على واقعة واحدة أو عدة وقائع (a1 حتى an). الآن إذا كانت واحدة منها على الأقل واجبة الوجود، فالمطلوب ثابت. لكن إذا كانت a1 حتى an جميعها ممكنة الوجود، فهناك عالم ممكن آخر مثل W' لا يوجد فيه ليس فقط a1 حتى an بل ولا أي من أعضاء M أيضاً. لكن لماذا يمكن افتراض عالم ممكن كهذا؟ لأن جميع أعضاء M ممكنة الوجود، وممكن الوجود يعني ما يكون عدمه ممكناً، إذن فعدم جميع أعضاء M معاً ممكن أيضاً، وهذا يعني افتراض عالم ممكن مثل W' لا توجد فيه أي من أعضاء M. لكن بناءً على استدلال العلامة لـ (ألف)، لا يمكن لـ W' أيضاً أن يكون خالياً من جميع الوقائع. إذن فبالضرورة يشتمل W' على واجب وجود واحد أو عدة واجبات وجود، وبهذا يثبت المدعى.
إذا كان الناقد المحترم يضع هذا الجواب في ذهنه، فيمكننا التعبير عنه بصورة أبسط، لكن دون أن نتحدث في الاستدلال عن افتراض عالمين ممكنين (W و W'):
افترض أن M هي مجموعة جميع الوقائع الإمكانية في جميع العوالم الممكنة.
كل فرد من أفراد M ممكن الوجود. (من تعريف مجموعة M)
إذن أي فرد من أفراد M نأخذه بعين الاعتبار، فمن الممكن ألا يكون ذلك الفرد موجوداً. (من (1) بالنظر إلى تعريف «ممكن الوجود»)
إذن من الممكن ألا يكون أي من أفراد M موجوداً. (من (2))
إذن هناك عالم ممكن مثل W لا يوجد فيه أي من أفراد M. (من (3) بالنظر إلى دلالات الموجهات)
لا يمكن لـ W أن يكون خالياً من كل واقعة. (بالنظر إلى استدلال العلامة لـ (ألف))
إذن، يوجد في W واجب وجود واحد على الأقل. (من (4) و (5) مع الانتباه إلى أن M تشمل جميع الحقائق الإمكانية)
إذن، يوجد واجب وجود واحد على الأقل، في جميع العوالم الممكنة ومنها العالم الفعلي.
إعادة البناء هذه هي للفكرة التي كان يدور في خلد الناقد المحترم على الأرجح في الفقرة الثانية. لكن هذا الاستدلال ليس منتجاً أيضاً؛ لأنه لا يمكن الانتقال من البند (2) إلى البند (3). لتوضيح الأمر، نعيد كتابة (2) و (3) بدقة أكبر:
’(2) بالنسبة لكل x عضو في M، من الممكن ألا يوجد x.
’(3) من الممكن ألا يوجد، بالنسبة لكل x عضو في M، أي x.
هنا أيضاً، يعود الفرق بين ’(2) و ’(3) إلى الفرق بين نطاق المؤثرات. هاتان الجملتان تعبران على التوالي عن إمكان الشيء[22] و إمكان الجملة[23]. ’(3) ليست مرادفة لـ ’(2) ولا تُستنتج منها. العلاقة بينهما هي تماماً كالعلاقة بين الجملتين (3) و (4) اللتين تم بيانهما في القسم الأول من المقال. في الحقيقة، إن الناقد المحترم، لسد الفجوة بين ضرورة الشيء وضرورة الجملة، وقع في الخلط بين إمكان الشيء وإمكان الجملة.
باستخدام لغة العوالم الممكنة، يمكن التعبير عن (2) و (3) كالتالي:
"(2) بالنسبة لكل x عضو في M، يوجد عالم ممكن مثل W حيث لا يوجد x فيه.
"(3) يوجد عالم ممكن مثل W بحيث لا يوجد، بالنسبة لكل x عضو في M، أي x في W.
من الواضح أن "(2) لا ينتج عنها "(3). العلاقة بين "(2) و "(3) هي نفس العلاقة بين الجملتين (1) و (2) في القسم الأول من المقال. بالنظر إلى هذه المطالب، قد يسلك الناقد المحترم مساراً آخر لإثبات البند (3)، وبدلاً من استنتاجه من البند (2)، يستحصله من المقدمتين التاليتين:
قضية «لا يوجد أي من أعضاء M» (= لا توجد أي حقيقة إمكانية) ليست متناقضة بذاتها ولا تستلزم تناقضاً من الناحية المنطقية.
بالنسبة لكل قضية p، إذا لم تكن p متناقضة بذاتها ولا تستلزم تناقضاً من الناحية المنطقية، فإن p تكون قضية إمكانية.
النتيجة: قضية «لا يوجد أي من أعضاء M» هي قضية إمكانية.
هذه النتيجة هي تعبير آخر عن البند (3) في الاستدلال أعلاه. لكن بهذه الطريقة أيضاً لا يمكن إثبات البند (3)؛ لأن (B) خاطئة. يمكن ضرب أمثلة كثيرة على قضايا ليست متناقضة بذاتها ولا تؤدي منطقياً إلى تناقض، ومع ذلك فهي قضايا ممتنعة وليست إمكانية (أي ليست صادقة في أي عالم ممكن). نقيض الجمل الضرورية اللاحقة[24]، كلها من هذا القبيل. على سبيل المثال، جملة «هسبروس ليس هو نفسه فسفروس»، ليست متناقضة ولا تؤدي منطقياً إلى تناقض؛ لكن هذه الجملة ليست صادقة في أي عالم ممكن («هسبروس» و «فسفروس» كانتا كلمتين استخدمهما البابليون لتسمية نجمة الصباح ونجمة المساء، دون أن يعلموا أن نجمة الصباح هي في الحقيقة نفس نجمة المساء). بناءً على هذا، فإن الطريقة المذكورة غير فعالة أيضاً لإثبات البند (3).[25]
خلاصة القول إن ملاحظات الناقد المحترم لا توفر جواباً على الإشكال الأول.
في الإشكال الأول كنا قد افترضنا أن برهان العلامة تام لصالح (أ)، وكان الإشكال هو أن هذا الاستدلال يثبت فقط (أ*2)، بينما نحتاج لإتمام برهان العلامة إلى (أ*3). هنا نغض الطرف عن الإشكال الأول، أي نفترض أنه يمكن الوصول من (أ*2) إلى (أ*3)، ونفحص مسألة ما هو الدليل أساساً لقبول (أ*2).
لقد طرح الناقد المحترم، تبعًا للعلامة وآية الله الجوادي، ادعاءين بشأن (أ). أولهما أن (أ) بديهي، والآخر أن ثمة استدلالًا يصب في صالح (أ) أيضًا.[26] وبما أننا نأخذ بعين الاعتبار حاليًا التقرير المُضعَف للبرهان، فإننا نحصر بحثنا في (أ*). من الواضح أن (أ*) أضعف من (أ)، ومن ثم فإن الادعاءين المذكورين ينبغي، في حال صحتهما، أن يكونا معتبرين بشأن (أ*) أيضًا. وكما مر، فإن (أ*) ذاتها تنطوي على غموض، ومضمونها هو إما (أ2*) أو (أ*3). و(أ*2) أضعف من (أ*3)، لكننا، كما قيل، افترضنا في الإشكال الثاني أنه يمكن الانتقال من (أ*2) إلى (أ*3). وعليه، فإن مدار البحث في الإشكال الثاني هو ما إذا كان الادعاءان المذكوران معتبرين بالنسبة إلى (أ*2) أم لا.
لندرس أولًا ادعاء البداهة. هل يمكن القول إن (أ*2) بديهي؟ بعبارة أخرى، هل يمكن، استنادًا إلى بداهة العقل، الحكم بوجود وقائع في كل عالم ممكن؟ يبدو أن الجواب هو النفي. نحن ندرك، ببداهة العقل، أن ثمة وقائع (كالنفس وأحوالها النفسية وربما المحسوسات) موجودة في العالم بالفعل[27]، غير أن يد البداهة العقلية تقصر عن الحكم بوجود وقائع في جميع العوالم الممكنة. بتعبير آخر، إن نفي السفسطة بديهي، أما نفي إمكان السفسطة فليس بديهيًا ويحتاج إلى استدلال.[28]
غير أن الناقد المحترم يتخذ وجهة نظر أخرى. فهو يعتقد أن العقل البديهي لا ينفي السفسطة فحسب، بل يرى أن إمكانها منتفٍ أيضًا، وكأن لكلمة «سفسطة» رنينًا سلبيًا إلى حد ينبغي معه اعتبار حتى إمكانها باطلًا بالبداهة. هنا، لا تتطابق حَدْسياتي مع حَدْسيات الناقد المحترم، وفي مثل هذه الحالات لا يوجد عادة سبيل سوى الرجوع إلى الاستدلال.
قبل أن نتناول استدلال العلامة على (أ*2)، يجدر التذكير بنقطة. يكتب الناقد المحترم: «برهان العلامة التنبيهي هو علاج لذهن أولئك الذين يعتبرون احتمال السفسطة معقولًا»[29]. يبدو أنه قد حصل في هذه العبارة خلط بين احتمال السفسطة وإمكان السفسطة. إن ما يهم برهان الصديقين للعلامة، وما أقام العلامة عليه الاستدلال، هو نفي إمكان السفسطة. أما نفي احتمال السفسطة (وهو من أبدى البديهيات)، فلا يساعد وحده برهان الصديقين للعلامة. أؤكد مرة أخرى أنني لا أعتبر احتمال السفسطة معقولًا، لكنني أعتقد أنه بغض النظر عن الاستدلالات العقلية، لا يمكن نفي إمكانها.
ننتقل الآن إلى الادعاء الثاني. هل يمكن لاستدلال العلامة على (أ) أن يثبت (أ*2)؟ كما قيل، يمكن إعادة بناء هذا الاستدلال على النحو التالي:
الفرض: ليس الأمر أنه توجد بالضرورة واقعة. (نقيض (أ*2))
إذن، هناك عالم ممكن مثل W لا توجد فيه أية واقعة. (من (1) بالنظر إلى دلالات الموجهات).
في هذه الحال، لا توجد في W واقعًا أية واقعة. (من (2))
إذن، توجد في W واقعة. (من (3) بالنظر إلى «واقعًا»)
لكن (4) تناقض (2)، وعليه يكون فرض الاستدلال خاطئًا، إذن:
توجد واقعة بالضرورة.[30]
تكمن مشكلة هذا الاستدلال في الانتقال من البند (3) إلى (4). لا يمكن، من استخدام كلمة «واقعًا» في الجمل الوجودية السالبة (الهليات البسيطة السالبة)، استنتاج وجود واقعة. مثلًا، عندما نقول: «العنقاء غير موجودة واقعًا»، فإننا لا نُقر بهذه الجملة بوجود واقعة، بل ننفي، على العكس، وجود شيء (أي العنقاء). وعلى هذا المنوال، فإن قضية «لا توجد في W واقعًا أية واقعة» لا تستنتج وجود واقعة. وبناءً على ذلك، لا يمكن الانتقال من (3) إلى (4).
لقد أورد الناقد المحترم إشكالًا على استدلال العلامة يشبه هذه النقطة التي بُيّنت أعلاه، ثم شرع في الإجابة عنه:
في الرد يمكن القول إن المهم هو الالتفات إلى مفاد «ليس واقعاً». مفاده أن شيئاً منفياً في العالم الواقعي هو منفي وغير موجود. فعلى سبيل المثال، حينما يقال «ليس للباري شريك» أو «حفيدي غير موجود الآن» فهذا يعني أن هناك عالماً واقعياً توجد فيه واقعيات، لكن شريك الباري ليس فيه، وحفيدي ليس فيه الآن، أي إن شريك الباري وحفيدي الآن ليسا من أعضائه. أما إذا كان ما يُنفى هو نفس العالم الواقعي، وكان هذا النفي واقعياً بحسب الفرض، فهذا يعني أننا نُسلِّم بأن «هناك عالماً واقعياً لا شيء فيه»، أي «لدينا عالم واقعي تكون الواقعية أو الواقعيات أعضاء فيه، وتكون واقعية أو واقعيات ليست من أعضائه»، وهذا تحديداً تسليم بالواقعية في ظرف نفي الواقعية. إذن، إذا توجّه النفي الواقعي إلى نفس الواقعية لا إلى واقعيات خاصة، فإنه يستلزم مسبقاً التسليم بنفس الواقعية... إذن فـ«واقعاً» عبارة عن الواقعية أو الواقعيات. ونتيجة لذلك، حيثما تُستعمل كلمة «واقعاً»، يمكن القول إن هناك واقعية[31] (التأكيدات مني).
لقد طرح الناقد المحترم هنا رؤية خاصة حول القضايا البسيطة السالبة (الجمل الوجودية المنفية) يمكن التعبير عنها على النحو التالي:
(ت) كل جملة على شاكلة «أ ليس موجوداً» هي بمعنى ومرادفة لـ «يوجد عالم واقعي، توجد فيه واقعية، و أ ليس موجوداً في ذلك العالم».
في هذه الأطروحة، يمكن لـ أ أن يكون اسماً خاصاً أو اسماً عاماً. وعلى سبيل المثال، ووفقاً للرؤية المذكورة، فإن جملة «لا يوجد أي حصان وحيد القرن» ترادف «يوجد عالم واقعي، وتوجد فيه واقعية، ولا يوجد في ذلك العالم أي حصان وحيد القرن». والآن، إذا كانت الأطروحة (ت) صحيحة، فإن جملة «لا توجد أي واقعية» ستكون متناقضة؛ لأن الجملة المذكورة، في هذه الحالة، ترادف «يوجد عالم واقعي، وتوجد فيه واقعية، ولا توجد فيه أي واقعية»، وبهذا يمكن الرد على الإشكال الثاني.
لكن الأطروحة (ت) خاطئة تماماً. فوفقاً لهذه الأطروحة، فإن جملة «أ ليس موجوداً»، إضافة إلى نفيها لوجود أ، تُثبت وجود أشياء أخرى. في حين أن مضمون هذه الجملة هو فقط نفي وجود أ، وهي ساكتة إزاء وجود أو عدم وجود الأشياء الأخرى ولا حكم لها في ذلك.[32] فجملة «أ ليس موجوداً» هي نقيض جملة «أ موجود»، وكما أن الجملة الثانية لا تتحدث إلا عن أ (وتُثبت وجوده)، فإن الجملة الأولى أيضاً لا تنظر إلا إلى أ (وتنفي وجوده).
يمكن التعبير عن هذا المطلب بصورة أكثر تقنية أيضاً: وفقاً للأطروحة (ت)، فإن الجملتين التاليتين مترادفتان:
أ ليس موجوداً.
يوجد عالم واقعي، وتوجد فيه واقعية، و أ ليس موجوداً في ذلك العالم.
لكن إذا كانت هاتان الجملتان مترادفتين، فيجب أن يكون نقيضهما متطابقاً في المعنى أيضاً (مع الانتباه إلى أن نقيض جملة عطفية مثل (ب) هو جملة فصلية):
(~أ) أ موجود.
(~ب) العالم الواقعي غير موجود، أو لا توجد في العالم الواقعي أي واقعية، أو أ موجود في العالم الواقعي.
والآن، هل (~أ) و(~ب) مترادفتان؟ كلا، لأن (~ب) جملة فصلية جزؤها الثالث هو نفس (~أ)، ومن هنا لا يمكن أن تكون (~أ) و(~ب) مترادفتين[33]. وبهذا يتضح أن حل الناقد المحترم لا يزيل مشكلة الانتقال من البند (3) إلى البند (4) – في الاستدلال المذكور لـ(أ*2). لكن، وكما مرّ في المقال السابق، ربما يمكن التغلب على هذه المشكلة بطريقة أخرى، وذلك بالاستعانة ببعض صور نظرية المطابقة.[34]
نحتاج هنا إلى نظرية تتوفر فيها صفتان: الأولى أن تكون قصوى؛ أي أن صدق جميع القضايا، حتى القضايا الوجودية المنفية، يكون بمعنى المطابقة وفقاً لها. والأخرى أن تنظر إلى الصدق بمعنى المطابقة مع عالم الوجود (أي مع بعض الموجودات)، لا المطابقة مع نفس الأمر (بالمعنى الأعم من الوجود).
وبقبول نظرية كهذه، يمكن إعادة كتابة استدلال العلامة لـ(أ*2) على النحو التالي:
الفرض: ليس الأمر أنه توجد واقعية بالضرورة. (نقيض (أ*2))
إذن، هناك عالم ممكن مثل W لا توجد فيه أي حقيقة واقعة. (من (1) بالنظر إلى دلالات الجهات)
إذن، قضية «لا توجد أي حقيقة واقعة» صادقة في W.
صدق أي قضية في أي عالم ممكن، إنما هو بمطابقتها لبعض الحقائق الواقعة الموجودة في ذلك العالم الممكن. (نظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود)
وبالتالي، توجد حقيقة واقعة في W. (من (3) و (4))
لكن (5) تناقض (2)؛ إذن ففرض الاستدلال خاطئ، وعليه:
توجد حقيقة واقعة بالضرورة.
وجدير بالذكر أن نظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود هي نفسها محل بحث ونقاش، ولا تتوافق معها إلا بعض تقريرات نظرية المطابقة في الصدق. وقد بُيِّن هذا الأمر بالتفصيل في مقالة «تأمل في برهان الصديقين بتقرير العلامة الطباطبائي».
حتى هنا، نكون قد فحصنا التقرير (1*). في هذا التقرير، كان المطلوب إثبات واجب الوجود بالقول المطلق (الأعم من أن يكون بالذات أو بالغير)، لا واجب الوجود بالذات. ومع ذلك، رأينا أن هذه النتيجة نفسها لا تُستحصَل دون الاستعانة بمسألتين فلسفيتين، هما نظرية الوحدة الشخصية المعممة للوجود ونظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود. نصل الآن إلى التقرير الأصلي لبرهان الصديقين للعلامة، أي التقرير (1). وكما قيل، فإن فحص التقرير (1*) كان مقصوداً فقط بوصفه أداة مساعدة وتمهيدية لتقييم التقرير (1).
صُمم هذا التقرير على الشكل التالي:
(أ) الحقيقة الواقعة (في مقابل السفسطة) لا تقبل البطلان والعدم بالذات. (بديهي أولي).
(ب) كل ما لا يقبل البطلان والعدم بالذات فهو واجب الوجود بالذات. (بديهي أولي).
(ج) إذن، الحقيقة الواقعة (في مقابل السفسطة) واجبة الوجود بالذات.
يكمن الفرق بين هذا التقرير والتقرير (1*) في إضافة لفظتي «بالذات» في جميع بنوده الثلاثة. ومن الواضح أن هاتين اللفظتين قد استُعملتا بهدف إثبات وجود واجب الوجود بالذات (في مقابل واجب الوجود بالغير) في نهاية المطاف. لدى فحص هذا التقرير، تجري كثير من المباحث المذكورة في تقييم (1*) بشكل متماثل، ومن ثم نتناول تحليل المقدمتين (أ) و (ب) بإيجاز أكبر. (أ) ترادف أو تلازم (أ1):
(أ1) الحقيقة الواقعة لها ضرورة بالذات.
هذه الجملة، هي قضية حملية بسيطة استُعمل فيها عامل الضرورة بالذات، وموضوعها (أي «الحقيقة الواقعة») لفظ عام. ومن ثم، فإننا نواجه مرة أخرى سؤال: هل نطاق هذا العامل موسَّع أم مضَيَّق؟ للوهلة الأولى، (أ1) مبهمة من هذه الجهة، ومضمونها هو أحد الأمرين التاليين:
(أ2) بالضرورة بالذات، توجد حقيقة واقعة.
(أ3) هناك حقيقة واقعة موجودة بالضرورة بالذات.
تعبر هاتان الجملتان عن ضرورة القضية بالذات وضرورة الشيء بالذات على الترتيب. النقطة المهمة هنا هي تحليل لفظة «بالذات». هذه اللفظة هي قيد لعامل الضرورة، وتبين كيفيته. جرت العادة في تقليد الفلسفة الإسلامية على تقسيم الضرورة إلى بالذات وبالغير، ولكن يتبين تقريباً من كلمات الفلاسفة المسلمين أن مقسم هذا التقسيم هو ضرورة الشيء فقط. على سبيل المثال، يكتب العلامة الطباطبائي في نهاية الحكمة:
المراد من [الضرورة] بالذات، أن يكون وضع الذات بقطع النظر عن سائر الأشياء كافياً في اتصافها بالضرورة، والمراد من [الضرورة] بالغير، أن لا يكون وضع الذات بقطع النظر عن سائر الأشياء كافياً في اتصافها بالضرورة، بل يكون اتصاف الذات بالضرورة متوقفاً على إعطاء شيء آخر واقتضائه[35]
وفقًا لهذه العبارة، فإن ما يمتلك ضرورة بالذات أو بالغير هو ذات (شيء)، لا صدق جملة أو قضية. ويبدو أنه نظرًا لأن الفصل بين ضرورة الشيء وضرورة الجملة لم يكن شائعًا في تقليد الفلسفة الإسلامية، فإن تقسيم الضرورة إلى بالذات وبالغير لم يُطرح أيضًا بشكل واضح وصريح بالنسبة لضرورة الجملة. على أي حال، ثمة مسألة قائمة حول ما إذا كان بالإمكان تقديم تصور معقول ودقيق لضرورة الجملة بالذات (أي الضرورة ذاتها المستخدمة في (أ2)) أم لا. يبدو أن تقديم هكذا تصور أمر ممكن، لكن متابعة هذه المسألة تتطلب فرصة أخرى، وسنغض الطرف عنها مراعاة للاختصار. على أية حال، إذا كانت لضرورة الجملة بالذات دلالة محصّلة، فهناك احتمالان بخصوص مضمون (أ1): (أ2) و (أ3). وإلا، فإن القراءة الوحيدة الممكنة لـ (أ1) ستكون (أ3).
والآن نضع المقدمة (ب) نصب أعيننا. يمكن كتابة هذه المقدمة على النحو التالي:
(ب1) لكل x، إذا كان x لا يقبل البطلان والعدم ذاتًا، فإن x واجب الوجود بالذات.
وهي بدورها مرادفة أو مكافئة لـ (ب2):
(ب2) لكل x، إذا كان x موجودًا بضرورة بالذات، فإن x واجب الوجود بالذات.
هذه الجملة نتيجة مباشرة لتعريف «واجب الوجود بالذات»، والضرورة المستخدمة في مقدمها هي ضرورة الشيء بالذات. والآن، بالنظر إلى هذه المقدمات، نبدأ في بيان مشكلات التقرير (1). مشكلات هذا التقرير تناظر الإشكالات ذاتها التي واجهها التقرير (1*). الإشكال الثاني للتقرير (1*) يسري هنا دون أي تغيير، ومن ثم فلن نكرره. أما الإشكال الأول فيمكن طرحه هنا مع تغيير طفيف. في بيان هذا الإشكال ضد التقرير (1)، نفترض أن الإشكال الثاني غير وارد، أي أنه يمكن من «لا توجد أي حقيقة واقعًا» استنتاج وجود حقيقة. يتألف الإشكال الأول من مدعيين:
المدعى الأول: بالنسبة لبرهان الصديقين للعلامة، يجب أن تؤخذ (أ3) كمقدمة أولى للبرهان لا (أ2).
المدعى الثاني: استدلال العلامة لـ (أ)، حتى لو صرفنا النظر عن الإشكال الثاني، لا يثبت (أ3).
دليل المدعى الأول واضح. في كل من (أ3) ومقدم (ب2)، استُخدمت ضرورة الشيء بالذات، وبقاعدة وضع المقدم يمكن الحصول على النتيجة المطلوبة منهما:
(أ3) هناك حقيقة موجودة بضرورة بالذات.
(ب2) لكل x، إذا كان x موجودًا بضرورة بالذات، فإن x واجب الوجود بالذات.
النتيجة: هناك حقيقة واجبة الوجود بالذات.
لكن من (أ2) و (ب2) لا يمكن الوصول إلى هذه النتيجة.
صحة المدعى الثاني تتضح أيضًا من المباحث السابقة. استدلال العلامة لـ (أ)، بافتراض قبول نظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود، يثبت (أ*2):
(أ*2) توجد حقيقة بالضرورة.
هذه القضية هي أقوى نتيجة يمكن الحصول عليها من استدلال العلامة للمقدمة (أ)؛ لكن (أ*2) أضعف من (أ3) من جهتین. الأولى أن في (أ3) استُخدمت ضرورة الشيء، بينما في (أ*2) ضرورة الجملة، والأخرى أن (أ3) تعبّر عن الضرورة بالذات، بينما (أ*2) صامتة إزاء كون الضرورة بالذات. للوصول من (أ*2) إلى (أ3) يجب سد هاتين الفجوتين بطريقة ما. فيما يلي ندرس طرقًا يمكن طرحها للحصول على (أ3):
1ـ كما نتذكر، في دراسة التقرير (1*) أوردنا نقاطًا من الناقد المحترم ردًا على الإشكال الأول على ذلك التقرير. هناك بيّنا أن هذه النقاط عاجزة عن إثبات (أ*3) «هناك حقيقة موجودة بالضرورة». وبنفس الدليل تحديدًا، لا تستطيع النقاط المذكورة إثبات (أ3)؛ لأن (أ3) أقوى من (أ*3).
2ـ سبق في أثناء فحص التقرير (1*) أنه يمكن، لرفع الإشكال الأول الوارد على ذلك التقرير، الاستعانة بالنظرية المعممة لوحدة الوجود الشخصية. فهل هذه النظرية ناجعة هنا أيضاً، وهل يمكن بمساعدتها إثبات (أ3)؟ في مقالي «تأمل في برهان الصديقين بتقرير العلامة الطباطبائي» كان جوابي عن هذا السؤال سلبياً. وكان دليلي هو أن استدلال العلامة على (أ) ـ بافتراض قبول النظرية القصوى للمطابقة مع عالم الوجود ـ لا يثبت سوى (أ*2)، بل إنه يعجز حتى عن إثبات (أ2) «توجد واقعية بالضرورة الذاتية». ومن جهة أخرى، فإننا بتركيب (أ*2) والنظرية المعممة لوحدة الوجود الشخصية، نخلص إلى أن حقيقة الوجود الواحدة موجودة بالضرورة، وبهذا يثبت (أ*3) «هناك واقعية موجودة بالضرورة». إن مضمون (أ*3) هو وجود واجب وجود بالمعنى المطلق (أي الأعم من الواجب بالذات والواجب بالغير)، غير أن المطلوب هو وجود واجب وجود بالذات، أي (أ3)، ولم نبلغ هذا المطلوب بعد[36]. بعبارة أخرى، كنت أظن في المقال السابق أن النظرية المعممة لوحدة الوجود الشخصية لا تسد سوى الفجوة الأولى بين (أ*2) و(أ3)، لا الفجوة الثانية.
لكن بمزيد من التأمل، يمكن أن نرى بسهولة أن نظرية وحدة الوجود الشخصية قادرة على سد كلتا الفجوتين. وبيان الأمر على النحو التالي: بعد أن نخلص، بتركيب نظرية وحدة الوجود الشخصية و(أ*2)، إلى أن حقيقة الوجود الواحدة موجودة بالضرورة، نحصل فوراً أيضاً على نتيجة أن حقيقة الوجود الواحدة موجودة بالضرورة الذاتية؛ أي أنها لم تكتسب ضرورة وجودها من شيء آخر؛ إذ إنه بناءً على نظرية وحدة الوجود الشخصية، لا يوجد في العالم شيء سوى حقيقة الوجود الواحدة حتى تكتسب هذه الحقيقة ضرورتها منه.
وعلى هذا الأساس ينبغي القول إن حقيقة الوجود الواحدة موجودة بالضرورة الذاتية، وبهذا يثبت (أ3). وعليه، وخلافاً لما ورد في المقال السابق، لا حاجة، لكي يكون برهان الصديقين للعلامة تاماً، إلى قاعدة الاستلزام. لكننا مع ذلك سنتناول فيما يلي طرح قاعدة الاستلزام وفحصها (وكذلك قاعدة الاستلزام الذاتي). وسبب ذلك هو أنه قد يُظن أن قاعدة الاستلزام (أو قاعدة الاستلزام الذاتي) قادرة، بمفردها ودون حاجة إلى نظرية وحدة الوجود الشخصية، على إثبات (أ3). فإذا صح هذا الظن، فلن يكون برهان الصديقين للعلامة قائماً على نظرية وحدة الوجود الشخصية.
3ـ ثمة طريق آخر لإثبات (أ3)، وهو استخدام قاعدة وردت في عبارة لآية الله الجوادي الآملي: «الشيء الذي يلزم من فرض زواله ثبوته، يكون زواله قهراً مستحيلاً بالذات، وإذا كان زواله مستحيلاً بالذات، فسيكون ثبوته وتحققُه ضرورياً بالذات».[37] يمكن تسمية هذه القاعدة «قاعدة الاستلزام» وصياغتها على النحو التالي:
إذا كان عدم شيء ما مستلزماً لوجوده، فإن ذلك الشيء موجود بالضرورة الذاتية.[38]
تثور حول هذه القاعدة ثلاثة أسئلة. الأول: هل يمكن، بمساعدة هذه القاعدة ودون الاستفادة من نظرية وحدة الوجود الشخصية، إثبات (أ3)؟ والآخر: هل قاعدة الاستلزام مقبولة أم لا؟ والسؤال الثالث: هل استفاد العلامة في برهانه من هذه القاعدة أم لا.
جواب السؤال الأول سلبي. وبيان ذلك أننا لا نستطيع تطبيق قاعدة الاستلزام لإثبات (أ3) إلا إذا أثبتنا أولاً القضية التالية:
يوجد شيء (واقعية) يكون عدمه مستلزماً لوجوده.
ففي هذه الحال، وبتركيب (أ) وقاعدة الاستلزام، نحصل على (أ3). ولكن ما الدليل الذي نملكه لقبول (أ)؟ إن استدلال العلامة على المقدمة (أ) لا يثبت (أ)، بل يثبت بدلاً منها (ب):
(ب) إن عدم وجود أية واقعية يستلزم وجود واقعية ما.
ويمكن التعبير عن (ب) أيضاً على النحو التالي:
(ب1) كذب قضية «توجد واقعية» يستلزم صدقها.
الفارق بين (B) و(1B) من جهة، و(A) من جهة أخرى واضح. فصحة (B) و(1B) لا تستلزم صحة (A). وبيت القصيد هنا هو أن موضوع قضية «لا توجد واقعية» هو اسم عام لا يدل على شيء بعينه. فلو استُخدم بدل «واقعية» اسم خاص، كـ«ج» مثلاً، في موضوع هذه القضية، وكان كذب «ج موجود» مستلزماً لصدقه، لاستطعنا بسهولة أن نستنتج أن هناك شيئاً (أي ج نفسه) يستلزم عدمُه وجودَه.[39]
وبالطبع يمكن كتابة (B) بصيغ أخرى:
(2B) عدمُ أصل الواقعية يستلزم وجودَه.
(3B) كذبُ قضية «أصل الواقعية غير موجود» يستلزم صدقَها.
إن الصيغة الظاهرية لهاتين الجملتين تمهد الطريق لهذا الظن الخاطئ القائل بإمكان استنتاج (A) من (2B) أو (3B): فحينما يكون عدم أصل الواقعية مستلزماً لوجوده بناءً على (2B)، إذن فهناك شيء (أي أصل الواقعية نفسه) يستلزم عدمُه وجودَه. ولكن كما أُشير سابقاً، ينبغي الانتباه إلى أن لفظ «أصل الواقعية» في هذه الموارد لا يعمل عمل الاسم. فعندما نقول في (2B) «عدم أصل الواقعية يستلزم وجودَه» فليس المقصود أن هناك شيئاً معيناً لدينا بعنوان أصل الواقعية يستلزم عدمُه وجودَه. بل المراد من (2B) هو عين ما يُعبَّر عنه في (B) تماماً.
لقد اتضح حتى الآن أن قاعدة الاستلزام وحدها لا تثبت (ألف3). أما إذا أُضيفت إلى هذه القاعدة نظريةُ وحدة الوجود الشخصية وقُبلت، فإن (ألف3) تثبت. وتفصيل المطلب كما يلي: إن استدلال العلامة على (ألف) ـ بمساعدة النظرية القصوى للمطابقة مع عالم الوجود ـ يُثبت (1B):
(1B) كذبُ قضية «توجد واقعية» يستلزم صدقَها.
ومن جهة أخرى، ووفقاً لنظرية وحدة الوجود الشخصية، يتحقق الاستلزامان التاليان:
(a) كذبُ قضية «حقيقة الوجود الواحدة موجودة» يستلزم كذبَ قضية «توجد واقعية».
(b) صدقُ قضية «توجد واقعية» يستلزم صدقَ قضية «حقيقة الوجود الواحدة موجودة».
وبالنظر إلى تعدّي علاقة الاستلزام، نستنتج بسهولة من (a) و(1B) و(b) النتيجةَ التالية:
(c) كذبُ قضية «حقيقة الوجود الواحدة موجودة» يستلزم صدقَها.
وعبارة «حقيقة الوجود الواحدة» في (c) تعمل عمل الاسم الخاص، وتدل ـ بناءً على نظرية وحدة الوجود الشخصية ـ على أمر واحد معين.[40]وعليه يمكن استنتاج (A) من (c):
(A) هناك شيء (أي حقيقة الوجود الواحدة نفسها) يستلزم عدمُه وجودَه.
ومن (A) وقاعدة الاستلزام تُستنتج (ألف3) أيضاً[41]. لكن النقطة المهمة هي أنه إذا كانت قاعدة الاستلزام لا تستطيع إثبات (ألف3) دون مساعدة نظرية وحدة الوجود الشخصية، فلماذا لا نستخدم منذ البداية نظرية الوجود الشخصية وحدها؟ فكما قيل آنفاً، هذه النظرية بنفسها (دون استخدام قاعدة الاستلزام) قادرة على سدّ الثغرتين بين (ألف*2) و(ألف3). وخلاصة القول إن قاعدة الاستلزام بدون نظرية وحدة الوجود الشخصية عديمة الأثر، ومع تلك النظرية تكون لغواً.
والآن ننتقل إلى السؤال الثاني، وهو: هل قاعدة الاستلزام صحيحة أم لا؟ وكما مرّ في المقالة السابقة، فإن لهذه القاعدة مثالاً ناقضاً؛ فوفقاً لمفروضات العلامة الطباطبائي، يمكن أن نُظهر أن عدم الصادر الأول مستلزم لوجوده، مع أن الصادر الأول ليس واجب الوجود بالذات. وعلى هذا الأساس، فقاعدة الاستلزام غير صحيحة.
أما السؤال الثالث: فلم يصرح العلامة بقاعدة الاستلزام، لكنه ربما استخدمها تلميحاً. فهو يقول: «وهي لا تقبل البطلان والرفع لذاتها، حتى إن فرض بطلانها ورفعها مستلزم لثبوتها ووضعها». يعبّر العلامة في هذه العبارة عن أمرين: (1) الواقعية لا تقبل البطلان بذاتها. (2) فرض بطلان الواقعية يستلزم ثبوتها. فهل يُفهم من كلام العلامة أنه اتخذ (2) دليلاً على (1)؟ ولكن كيف يمكن أن يكون (2) دليلاً على (1)؟ لا يكون ذلك إلا إذا كان العلامة قد سلم مسبقاً بأنه «إذا كان فرض بطلان شيء يستلزم ثبوته، فإن ذلك الشيء لا يقبل البطلان بذاته»، وهذه هي قاعدة الاستلزام بعينها. (لاحظ أن «عدم قابلية البطلان الذاتي» تعادل «الضرورة بالذات»).
على كل حال، ليس الهدف الرئيسي من هذه المقالة بحثاً تفسيرياً حول عبارة العلامة. بل الهدف هو بحث مسألة ما هو الدور الذي يمكن أن تؤديه قاعدة الاستلزام (التي طرحها البعض كآية الله الجوادي) في برهان الصديقين للعلامة. وكما رأينا، فإن هذه القاعدة ليست كافية وحدها، وهي فضلاً عن ذلك تعاني من مثال نقض.
4ـ الطريق الآخر الذي ربما يُقترح لإثبات (أ3)، هو الاستفادة من قاعدة يطرحها الناقد المحترم، وينسبها إلى العلامة الطباطبائي بدلاً من قاعدة الاستلزام: إذا كان عدم شيء بالذات مستلزماً لوجوده، فإن ذلك الشيء واجب الوجود بالذات.[42]
يمكن تسمية هذه القاعدة «قاعدة الاستلزام الذاتي»، والفارق بينها وبين قاعدة الاستلزام هو إضافة كلمة «بالذات» في مقدمتها. وهدف الناقد المحترم من إضافة هذا القيد هو تجنب مثال النقض الذي طُرح في المقالة السابقة. فبحسب قوله، إن عدم الصادر الأول بالذات لا يستلزم وجوده، ومن ثم لا يُعد نقضاً للقاعدة أعلاه.
النقطة الأساسية في بحث هذه القاعدة هي تحليل مفهوم «الاستلزام بالذات». مع الأسف، لم يوضح الناقد المحترم البتة ما الذي يريده من «الاستلزام بالذات». وما لم يُحلل هذا المفهوم بدقة، لا يمكن الحكم فيما إذا كانت قاعدة الاستلزام الذاتي تعاني من مثال نقض أم لا، ولو فرضنا أنها لا تعاني من مثال نقض، فهل هي بديهية أم لا، ولو فرضنا أنها ليست بديهية، فهل يمكن إقامة برهان عليها أم لا.[43]
والآن لنفترض أنه يمكن تقديم تحليل لـ «الاستلزام بالذات» لا تعاني معه قاعدة الاستلزام الذاتي من مثال نقض، بل وأكثر من ذلك تكون بديهية (من الطبيعي أن تقديم مثل هذا التحليل يقع على عاتق الناقد المحترم)؛ حتى في هذه الحالة، فإن قاعدة الاستلزام الذاتي، دون أن تقترن بنظرية وحدة الوجود الشخصية، لا تستطيع إثبات (أ3). ومما قيل حول قاعدة الاستلزام، يتضح أنه أياً كان تفسيرنا لـ «الاستلزام الذاتي»، فإن استدلال العلامة على (أ) يُظهر في أقصى حدوده أن كون جميع الواقعيات معدومة «يستلزم بالذات» وجود واقعية ما، لكنه لا يثبت أن لدينا شيئاً معيناً يكون عدمه «مستلزماً بالذات» لوجوده. وبناءً على ذلك، فإن محاولة الناقد المحترم لإثمار برهان الصديقين للعلامة دون الاستفادة من نظرية وحدة الوجود الشخصية تبوء بالفشل. ولكن كما مر، إذا ما استُحضرت هذه النظرية، فلن نعود بحاجة إلى قاعدة الاستلزام الذاتي.
لتقييم برهان الصديقين للعلامة، يجب التفريق بدقة بين القضايا التالية:
توجد واقعية.
توجد واقعية بالضرورة. (ضرورة القضية).
واقعية توجد بالضرورة. (ضرورة الشيء).
بالضرورة بالذات توجد واقعية. (الضرورة بالذات للقضية).
واقعية توجد بالضرورة بالذات. (الضرورة بالذات للشيء).
القضية (1) بديهية. ويعتبر آية الله الجوادي الآملي والناقد المحترم القضية (2) بديهية، ولكنني أعتقد أن هذه القضية ليست بديهية، ولإثباتها بالطريقة التي طرحها العلامة، نحتاج إلى النظرية القصوى للمطابقة مع عالم الوجود. ولإثبات القضية (3)، نضطر، إضافة إلى هذه النظرية، إلى قبول النظرية المعممة لوحدة الوجود الشخصية. كما أن إثبات القضية (5) متوقف على كلتا النظريتين المذكورتين. ولم نناقش القضية (4) لأن بحثها يتطلب تحليل الضرورة بالذات للقضية.
لبرهان الصديقين للعلامة، يلزم إثبات القضية (5). غير أن كلاً من نظريتي المطابقة القصوى لعالم الوجود، والوحدة الشخصية للوجود تُعدان من المسائل النظرية والفلسفية الخلافية. وعلى هذا الأساس، لا يمكن اعتبار برهان الصديقين للعلامة مستغنياً عن المسائل والمفروضات الفلسفية.
.
.
جوادي آملي، عبد الله، تبيين براهين اثبات خدا، قم، انتشارات إسراء، 1378.
جوادي آملي، عبد الله، شرح حكمت متعاليه، القسم الأول من المجلد السادس، طهران، انتشارات الزهراء، 1368.
طباطبائي، سيد محمد حسين، تعليقات على الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1410 هـ. ق.
طباطبائي، سيد محمد حسين، نهاية الحكمة، مركز انتشارات دار التبليغ الإسلامي، قم، بلا تاريخ.
عسكري سليماني أميري، «پيراستگي برهان صديقين علامه طباطبايي»، نقد ونظر، السنة الثانية عشرة، العددان الثالث والرابع، ربيع وصيف 1386.
مرواريد، محمود، «تأملي در برهان صديقين به روايت علامه طباطبايي»، نقد ونظر، السنة الثانية عشرة، العددان الأول والثاني، ربيع وصيف 1386.
معلمي، حسن، «تأملي در يك برهان»، معارف عقلي، العدد 4، صيف 1386.
.
.
Kripke, S., Naming and Necessity, Oxford: Basil Blackwell Ltd, 1980.
McGinn, C., Logical Properties, Oxord: Clarendon Press, 2000.
Oppenheimer, P. and Zalta, E., "On the Logic of Ontological Argument", Philosophical Perspectives, 5, Philosophy of Religion, 1991.
Plantinga, A., "De Re et De Dicto", Nous, Vol.3, No.3, 1969.
Plantinga, A., The Nature of Necessity, Oxford: Oxford University Press, 1974.
.
.
[1] - للاطلاع على برهان العلامة، انظر: الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية، ج6، ص14.
[2] ـ scope
[3] ـ de re necessity
[4] ـ de dicto necessity
[5] ـ operator
[6] ـ wide scope
[7] ـ narrow scope
[8] ـ في هذا المقال، عندما يُقال إن p أقوى من q (أو q أضعف من p)، فالمقصود هو أنه من الناحية المنطقية، p تستلزم q ولكنها لا تُستنتج منها، سواء أكانت هاتان القضيتان صادقتين في الواقع أم كاذبتين.
[9] ـ من الأمثلة الأخرى على ضرورة الشيء وضرورة الجملة، يمكن ذكر الجملتين التاليتين:
(A) ضرورةً، يوجد شيء مادي داخل الحجرة أ.
(B) يوجد شيء مادي، ضرورةً، داخل الحجرة أ.
(A) لها ضرورة الجملة و(B) لها ضرورة الشيء. إذا كانت نظرية استحالة الخلاء صحيحة، فإن (A) ستكون صادقة؛ لأنه بناءً على هذه النظرية، لا يمكن للحجرة أ أن تخلو من الأشياء المادية. ولكن أي شيء يكون داخل أ، يكون داخل أ على نحو إمكاني لا ضروري؛ إذ كان من الممكن أن تمتلئ أ بشيء آخر. لذلك فالجملة (B) كاذبة.
[10] ـ للاطلاع على بحث كامل حول ضرورة الشيء وضرورة الجملة، انظر:
Plantinga, A., "De Re et De Dicto".
Plantinga, A., The Nature of Necessity, ch. 2.
يشرح بلانتينغا في هذين المصدرين ضرورة الشيء انطلاقاً من ضرورة الجملة، وهذا بذاته شهادة واضحة على تماثلهما.
[11] ـ يبرز هنا سؤال، وهو: ما هي البنية المنطقية للجملة (7) «يوجد واقع/شيء ما»؟ هل هذه الجملة مسوّرة أم غير مسوّرة؟ وإن كانت مسوّرة، فما هو سورها؟ وما هو موضوعها ومحمولها؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أولاً تقديم شرح وافٍ لمحمول «الوجود»، وهو بذاته مسألة بالغة الأهمية والصعوبة. في هذه المقالة، ليس من الممكن ولا من الضروري الخوض في هذه المسألة. لكن يمكن، باختصار شديد، بيان بعض النقاط حول البنية المنطقية للجملة (7).
يبدو أن هذه الجملة ذات سور جزئي، أو على الأقل لها بنية مشابهة جداً لبنية الجمل ذات السور الجزئي. ثمة شاهدتان ارتكازيتان تؤيدان هذا المدعى. الأولى أن كلمة «واقع» أو «شيء» التي تُعتبر نحوياً موضوع الجملة (7)، قد استُعملت مع ياء التنكير، وهذا تركيب نلاحظه في الجمل ذات السور الجزئي (مثل «إنسان ما شاعر»). الشاهدة الثانية هي أن نقيض (7) هو جملة «لا يوجد أي شيء». كلمة «أي» تعبّر عن السور الكلي في الجمل السالبة، وعليه ينبغي أن يكون للجملة (7) سور جزئي، لأن نقيض الجمل ذات السور الجزئي له سور كلي، والعكس صحيح. على أية حال، فرغم أن الجملة (7) ذات سور جزئي أو ما يشبهه، إلا أنه من الواضح أنها تختلف اختلافاً جوهرياً عن الجمل الجزئية المتداولة، مثل «بعض البشر شعراء».
إذا كانت (7) ذات سور جزئي، فيمكن التعبير عن الفرق بين (8) و (9) بشكل أوضح: في (8) يقع السور الجزئي في نطاق مؤثر الضرورة، وفي (9) يقع مؤثر الضرورة في نطاق السور الجزئي. في هذه الحال، ستكون العلاقة بين الجملتين (8) و (9) تماماً كالعلاقة بين الجملتين (5) و (6).
في المنطق الحديث أيضاً، يُستخدم السور الوجودي ($) لصياغة الجملة (7). وبالطبع، في الأنظمة المنطقية المختلفة، تُعرض هذه الجملة بأشكال مختلفة. في منطق المحمولات الكلاسيكي، لا يُعتبر «الوجود» محمولاً، بل يندرج ضمناً في السور الوجودي. من هنا، في منطق المحمولات الكلاسيكي، تُعرض الجملة (7) عادة على هذا النحو:
(7)’ $x x=x
وعلى هذا الأساس، يمكن عرض الجملتين (8) و (9) على الترتيب على هذا النحو:
(8)’ □$x x=x
(9)’ $x □x=x
حول ما إذا كان يمكن عرض قضية «يوجد واقع ما» على شكل $x x=x، انظر:
McGinn, C., Logical Properties, p.27
في بعض الأنظمة المنطقية غير الكلاسيكية، يُعتبر «الوجود» بذاته محمولاً مستقلاً من المرتبة الأولى، يُرمز له أحياناً بالرمز E! (انظر على سبيل المثال Oppenheimer, P. and Zalta, E., "On the Logic of Ontological Argument",).
وعلى هذا الأساس يمكن كتابة الجمل (7) و (8) و (9) على الترتيب على النحو التالي:
(7)" $x E!x
(8)" □$x E!x
(9)" $x □E!x
في كلتا الصياغتين المذكورتين للجملتين (8) و (9)، يتضح جلياً اختلاف نطاقي "$" و "□".
[12] ـ بالطبع، في جمل مثل «يوجد إنسان» (أي الهليات البسيطة التي يكون موضوعها اسماً عاماً غير «واقع» أو «شيء») يمكن لمؤثر الضرورة أن يُستعمل في الجملة بأكثر من طريقتين. وإذا كان موضوع الجملة وصفاً معيناً (definite description) فالأمر في معظم الحالات على هذا المنوال. مراعاة للاختصار، نغض الطرف عن طرح تفاصيل المسألة.
[13] ـ rigid designator. حول الدوال الثابتة وبعض المباحث المرتبطة بها، انظر:
Kripke, S., Naming and Necessity, p.3-15, 48-49.
[14] -referential term
[15] ـ لماذا اعتبرنا جملة «عدم x ليس ممكناً» مرادفة أو متلازمة مع «x ضروري الوجود»؟ ثمة ثلاثة احتمالات بشأن العلاقة بين مفهومي «الإمكان (العام)» و«الضرورة». الاحتمال الأول هو أن يُعرَّف الإمكان بالضرورة:
x ممكن = عدم x ليس ضرورياً.
الاحتمال الثاني هو أن الضرورة قابلة للتعريف بالإمكان:
x ضروري = عدم x ليس ممكناً.
الاحتمال الثالث هو ألا يُعرَّف أي من الإمكان والضرورة بالآخر، لكن توجد بينهما علاقة قبلية وضرورية، بحيث إذا كان الشيء ممكناً، فلن يكون عدمه ضرورياً. بناءً على هذه الاحتمالات الثلاثة، تختلف العلاقة بين جملتي «عدم x ليس ممكناً» و«x ضروري الوجود». فبحسب الاحتمالين الأولين، تكون الجملتان مترادفتين، أما بحسب الاحتمال الثالث، فتكون الجملتان المذكورتان متلازمتين في الصدق والكذب، دون أن تكونا مترادفتين. وعلى أي حال، فمن الواضح أنه سواء أكانت هاتان الجملتان مترادفتين أم متلازمتين، فإن المباحث المذكورة في المتن تجري على نحو واحد.
[16] ـ لا يمكننا أن نعتبر كلمة «الواقعية» أو «أصل الواقعية» في (أ*) اسماً علماً إلا في صورة واحدة، وهي أن نقبل أولاً نظرية وحدة الوجود الشخصية، ثم نعتبر الألفاظ المذكورة أسماءً للحقيقة الواحدة للوجود. لكن من الواضح أن العلامة وأتباعه لا يريدون أن يؤسسوا برهانهم على نظرية وحدة الوجود الشخصية.
[17] ـ إذا أردنا الحفاظ على الشكل الظاهري لـ (أ*)، أي أن نستعمل بدل كلمة «الضرورة» عبارة «استحالة البطلان» نفسها، فيمكننا التعبير عن (أ*2) و(أ*3) على النحو التالي:
(1) أن ثمة واقعية موجودة، أمر يستحيل بطلانه.
(2) ثمة واقعية موجودة تلك الواقعية يستحيل بطلانها.
في الجملة الأولى، «استحالة البطلان» عامل منطقي يشمل بمداه جملة «ثمة واقعية موجودة» كلها، بينما في الجملة الثانية يعمل هذا العامل على «تلك الواقعية». والمطالب التي وردت في المتن بشأن (أ*2) و(أ*3) يمكن تكرارها على نحو واحد بشأن (1) و(2) أيضاً.
[18] ـ ربما يُعترض على ما ورد في المتن على النحو التالي: نُسلِّم بأن كلمة «الواقعية» في (أ*1) ليست اسماً علماً، ومن ثمّ ـ شأنها شأن أي اسم عام آخر يقع موضوعاً للجملة ـ يجب أن يُعيَّن سورها. والآن، أحد الاحتمالات هو أن يكون سور الجملة سوراً جزئياً، وفي هذه الحالة (تبعاً لكون مدى عاملي الضرورة والسور موسعاً أو مضيقاً) نصل إلى إحدى الجملتين (أ*2) و(أ*3). لكن ثمة احتمالاً آخر، وهو أن يكون سور الجملة سوراً كلياً. وفي هذا الفرض (تبعاً لكون العاملين موسعين أو مضيقين أيضاً) نصل إلى الجملتين التاليتين:
(a) ضرورةً، كل واقعية موجودة (ضرورةً، لأي x، إذا كانت x واقعية، فإن x موجودة).
(b) كل واقعية ضرورية الوجود (لأي x، إذا كانت x واقعية، فإن x ضرورية الوجود).
وبناءً على هذا، ينبغي القول إن هناك أربعة احتمالات لمحتوى (أ*1)، لا احتمالين. هذا الاعتراض غير مقبول؛ إذ يبدو أن العلامة لم يقصد الجملتين (a) و(b) كمقدمة للبرهان. والشاهد على هذا هو الاستدلال الذي يسوقه العلامة للمقدمة (أ). وكما سنرى، فإن هذا الاستدلال هو بطريقة الخُلف ويبدأ بفرض صدق نقيض المدعى (أي نقيض المقدمة (أ)): «فلو فرضنا بطلان كل واقعية في وقت أو مطلقاً، كانت حينئذ كل واقعية باطلة واقعاً». فالعلامة في هذه العبارة يعتبر نقيض المدعى هو بطلان جميع الواقعيات. ومن الواضح أن «جميع» سور كلي، ومن ثمّ فإن نقيضه، أي المقدمة (أ)، يجب أن يكون سوره جزئياً.
علاوة على ذلك، لو اعتبر العلامة (أ) أو (ب) مقدمة أولى للبرهان، لواجه إشكالات واضحة. فالجملة (ب) خاطئة من الأساس؛ لأنها تنافي وجود الممكنات. والجملة (ب) وإن كانت صادقة بل تحليلية، إلا أنها لا يمكن أن تؤدي، بالتركيب مع مقدمة أخرى، إلى النتيجة المطلوبة.
[19] - عسكري سليماني، تنقيح برهان الصديقين للعلامة الطباطبائي، ص267.
[20] ـ المصدر نفسه، ص267-268. الناقد المحترم، قبل قليل وفي معرض شرحه لصياغته لبرهان العلامة، يطرح ملاحظات مشابهة:
في أي عالم ممكن مفروض، إما أن يكون واجب ذلك العالم قد ملأه، وإما أن يكون الممكن قد ملأه؛ فإن كان الواجب قد ملأه، فالواجب موجود، وإن كانت الممكنات قد ملأت ذلك العالم المفروض، نسأل حينئذ: هل يمكن، بإزاء هذا العالم المفروض الذي توجد فيه الممكنات، فرض عالم ممكن آخر لا توجد فيه الممكنات؟ لأن الممكن هو ما لا يلزم من عدمه تناقض. فإذا كان الأمر كذلك، في هذا العالم المفروض الذي لا توجد فيه الممكنات، يجب أن يكون الواجب موجوداً. وبهذا يثبت وجود واجب الوجود. (المصدر نفسه، ص266)
[21] ـ بطبيعة الحال، وكما سيأتي بعد قليل، فإن هذا الادعاء ليس صحيحاً أيضاً. فمن كون a1 إلى an جميعاً ممكنة الوجود، لا يمكن استنتاج أن هناك عالماً ممكناً لا يوجد فيه أي من a1 إلى an.
[22] ـ الإمكان بحسب الشيء (de re possibility)
[23] ـ الإمكان بحسب القضية (de dicto possibility). وكون عامل «الإمكان» في جملة ما، إمكان شيء أو إمكان جملة، يتوقف على التوالي على ما إذا كان نطاق عامل «الإمكان» ضيقاً أم واسعاً؛ تماماً مثل ضرورة الشيء وضرورة الجملة.
[24] ـ القضايا الضرورية اللاحقة بالتجربة (necessary a posteriori sentences). حول هذه القضايا، انظر:
Kripke, S, Naming and Necessity, p.34-38, 100-110.
[25] ـ ربما يُظن أنه يمكن إثبات البند (3) بطريقة أخرى، أي بالاستفادة من العلاقة بين قابلية التصور (conceivability) والإمكان. وبالطبع، فإن العلاقة بين هذين المقولين هي من المباحث المعقدة والمثيرة للجدل في الفلسفة التحليلية. ويعود جزء من تعقيد المسألة إلى أن قابلية التصور فكرة غامضة وغير واضحة. والرأي الشائع نسبياً هو أن قابلية التصور لا تستلزم الإمكان، بل هي شاهد وقرينة (evidence) جيدة لكنها قابلة للإبطال (defeasable) على الإمكان. لذلك، إذا استطعنا تصور القضية p، فإن اعتقادنا بأن صدق القضية p ممكن سيكون مبرراً (وإن لم يكن صادقاً بالضرورة).
والآن، ربما يُقال إنه بالنظر إلى هذا الرأي، يمكن ترتيب استدلال لصالح البند (3): إن قضية «لا يوجد أي من أعضاء M» قابلة للتصور، وبالتالي نحن مبررون في الاعتقاد بقضية «من الممكن ألا يوجد أي من أعضاء M» (أي في الاعتقاد بالبند (3)). ثم تُستكمل مراحل الاستدلال الأخرى كما ورد في المتن، وفي النهاية يصل برهان الصديقين للعلامة إلى غايته.
حول هذا التقرير لبرهان العلامة، توجد عدة ملاحظات:
أولاً: في هذا التقرير، تم استخدام رأي فلسفي مثير للجدل (وهو أن قابلية التصور شاهد جيد على الإمكان). لذلك، لم يعد بالإمكان القول إن برهان العلامة مستغنٍ عن المفروضات والمسائل الفلسفية.
ثانياً: في التقرير المذكور، لا يتم إثبات صدق البند (3)، بل يتم فقط إثبات كون الاعتقاد به مبرراً. وبالتالي، فإن النتيجة النهائية للبرهان لن تكون وجود واجب الوجود، بل كون الاعتقاد بوجود واجب الوجود مبرراً، وهذا بعيد كل البعد عن الهدف النهائي لبرهان العلامة.
ثالثًا: كما قيل، فإن قابلية تصوّر p هي قرينة قابلة للإبطال على إمكان p. وعليه، فقد تتعارض قرينة أخرى مع هذه القرينة في بعض الحالات، فلا يصبح اعتقادنا بـ p مبررًا. ويبدو أن مثل هذا التعارض يحدث في النقاش الراهن. فكما أن قضية «لا توجد أي واقعة إمكانية» قابلة للتصور، فإن قضية «لا توجد سوى وقائع إمكانية» قابلة للتصور أيضًا. لكن إمكان هذه القضية يعني أن هناك عالمًا ممكنًا مثل W' لا توجد فيه سوى وقائع إمكانية. ومن جهة أخرى، إذا لم يكن في W' أي واجب وجود، فلن يوجد أي واجب وجود في أي عالم ممكن آخر أيضًا (لأن واجب الوجود هو الواقعة التي توجد في جميع العوالم الممكنة). وهذه النتيجة تتعارض تمامًا مع الاستدلال أعلاه لصالح وجود واجب الوجود. وبالنظر إلى هذا التعارض، ينبغي القول إن الاعتقاد بقضية «لا توجد أي واقعة إمكانية» (الفقرة (3)) يفقد تبريره، وكذلك الاعتقاد بقضية «لا توجد سوى وقائع إمكانية».
[26] ـ وفقًا للناقد المحترم، يرى العلامة أن (أ) بديهية، وفضلاً عن ذلك أقام دليلين على هذه المقدمة. وهو يعبّر عن برهان العلامة الأول على النحو التالي:
البرهان الأول: الواقعة موجودة بالضرورة بحكم طبيعة العقل الضرورية، وكل ذي شعور مضطر إلى قبولها، وبهذا تكون السفسطة باطلة، وهي بالضرورة غير قابلة للعدم. إذن، فعدم القابلية للعدم ناتج عن نفي السفسطة وقبول أصل الواقعة (عسكري سليماني، تنقيح برهان الصديقين للعلامة الطباطبائي، ص259).
يبدو أن ما اعتبره الناقد المحترم البرهان الأول للعلامة ليس سوى تكرار لادعاء البداهة.
[27] ـ العالم الفعلي
[28] ـ عادةً ما تُستخدم كلمة «سفسطة» للإشارة إلى موقف إبستمولوجي. لكن المقصود بها هنا موقف ميتافيزيقي، أي أنه لا توجد أية واقعة. وبناءً على ذلك يكون لدينا:
نفي السفسطة: ليس الأمر أنه لا توجد أية واقعة = توجد واقعة.
نفي إمكان السفسطة: ليس الأمر أنه من الممكن ألا توجد أية واقعة = توجد واقعة بالضرورة = (أ*2)
[29] - عسكري سليماني، تنقيح برهان الصديقين للعلامة الطباطبائي، ص258.
[30] ـ قام الناقد المحترم بصياغة استدلال العلامة لـ (أ) بثلاث طرق مختلفة، تختلف كلها عما ذكرناه في المتن. الطريقة الأولى هي كالتالي:
1) توجد واقعة؛ (المدعى)
2) الفرض: ليس واقعًا أنه توجد واقعة؛ (نقيض المدعى)
3) واقعًا لا توجد واقعة. (من 2)
4) توجد واقعة هي أنه لا توجد واقعة؛ (من 3 بالنظر إلى واقعًا)
5) إذن توجد واقعة. (من 4)
(المصدر نفسه، ص 261).
لنفترض أن الاستدلال أعلاه معتبر. فهل تثبت المقدمة (أ) في هذه الحالة؟ الجواب سلبي بوضوح. نتيجة الاستدلال المذكور ليست سوى أن هناك واقعيةً ما. والناقد المحترم في الفقرتين (1) و(2) يعتبر صراحةً قضية «توجد واقعية» هي المدّعى. لكن من الواضح أن المقدمة (أ) تنطوي على مضمون أقوى بكثير من «توجد واقعية». المقدمة (أ) تقول إن الواقعية غير قابلة للبطلان بالذات؛ أي إنها تفيد ضرورة (عدم قابلية البطلان) الواقعية، وكون هذه الضرورة ذاتية. علاوة على ذلك، فإن الاستدلال أعلاه لا يثبت أياً من القضايا (أ*) و(أ*1) و(أ*2) و(أ*3). ففي جميع هذه القضايا يتدخل مفهوم الضرورة بشكل ما، في حين أن نتيجة الاستدلال أعلاه خالية كلياً من مفهوم الضرورة. والصياغتان الأخريان للناقد المحترم تعانيان من نقطة الضعف نفسها. ففيهما أيضاً تُثبَت على التوالي «توجد واقعية» و«الموجود موجود». أما الصياغة التي قدمناها نحن، فإنها تُنتج (أ*2) أي «بالضرورة توجد واقعية»، ويبدو أنه إذا لم نرد الاستعانة بنظرية وحدة الوجود الشخصية أو قاعدة الاستلزام، فإن هذه النتيجة هي أقصى ما يمكن الحصول عليه من استدلال العلامة للمقدمة (أ).
[31] - المصدر نفسه، ص260ـ261.
[32] ـ يبدو أن الناقد المحترم قد تبنى أيضاً بخصوص الشك في الهليات البسيطة رأياً شبيهاً إلى حد كبير بأطروحة (ت) (انظر: المصدر نفسه، ص271). يمكن التعبير عن هذا الرأي على النحو التالي: لأي شخص مثل S، إذا كان وجود (ألف) في العالم الممكن W، مشكوكاً فيه واقعاً بالنسبة لـ S، فإنه توجد حينئذٍ واقعية في W.
هذه الأطروحة باطلة بوضوح هي الأخرى. كون وجود (ألف) في العالم W، مشكوكاً فيه واقعاً بالنسبة لي، لا معنى له سوى أنني واقعاً أشك في وجود (ألف) في العالم W. واقعية هذا الشك تستلزم وجود واقعية (أي شكي ذاك) في العالم الفعلي (actual world)، لكنها لا تستلزم بذاتها وجود واقعية في العالم الممكن W. عليّ أن أعترف بأنني واقعاً لا أفهم العلاقة بين نشوء الشك في العالم الفعلي ووجود واقعية في العالم W!
[33] - ربما يُقال رداً على ما ورد في المتن: إن (~A) ليست مرادفة للجزء الثالث (~B)؛ لأن عبارة «في العالم الواقع» قد استُعملت في الجزء الثالث (~B)، خلافاً لـ (~A)؛ وعليه فإن الإشكال الذي أُثير في المتن ضد أطروحة (ت) غير صحيح.
يتضح جواب هذا القول بقليل من التدقيق في معنى واستعمال عبارة «في العالم الواقع» في اللغة. العالم الواقع ليس سوى مجموع جميع الواقعيات. النسبة بين العالم الواقع والواقعيات ليست نسبة الظرف والمظروف (النسبة التي نلاحظها، على سبيل المثال، بين صندوق والأشياء التي بداخله). للصندوق وجود مستقل عن الأشياء، بحيث لو لم يكن بداخله أي شيء، لكان الصندوق موجوداً مع ذلك؛ أما إذا لم تكن هناك واقعية، فلن يكون هناك عالم واقع، ولو وُجدت واقعية واحدة فقط، فسيكون العالم الواقع موجوداً. وعليه فإن جملة «(ألف) موجود في العالم الواقع» تعني ببساطة أن «(ألف) موجود». إذن (~A) مرادفة للجزء الثالث (~B)، وعندئذٍ لا يمكن أن تكون (~A) مرادفة لـ (~B) نفسها.
[34] ـ كما ذُكر في المقالة السابقة، فإن آية الله الجوادي الآملي أيضاً، في شرحه لبرهان العلامة، يستفيد ضمناً من نظرية المطابقة: «إذا كانت الواقعية بوصفها أمراً محدوداً فاقدة للضرورة الأزلية وكانت ضرورتها مقيدة بدوام ذاتها، ففي ظرف زوال الواقعية، تكون السفسطة صادقة. وصدق السفسطة واقعية تتمتع بنفس الأمر الخاص بها...». تبيين براهين إثبات خدا، ص219.
[35] - نهاية الحكمة، ص46.
[36] ـ نقل الناقد المحترم رأيي في المقالة السابقة على النحو التالي:
من وجهة نظر الناقد المحترم، لا يثبت الواجب بنظرية وحدة الوجود وحدها، بل يجب بالضرورة أن تُضم إليها قاعدة الاستلزام، لأنه باستخدام وحدة الوجود لا يثبت سوى واجب وجود واحد (بالإطلاق)، لا واجب الوجود بالذات.
إذا تحدثنا بلغة المناطقة المسلمين، فإن إشكال الناقد المحترم هو أن برهان العلامة لا يثبت سوى وجود واقعية ذات ضرورة ذاتية، وما لم يثبت أن هذه الضرورة من نوع الضرورة الأزلية، فإن واجب الوجود بالذات لا يثبت. الضرورة الأزلية هي تلك الضرورة التي تتحقق في كل فرض وتقرير ولا يطرأ عليها إمكان العدم بأي وجه، وبلغة المنطق التحليلي، فإن واجب الوجود بالذات وحده هو الموجود في كل عالم ممكن على نحو الإطلاق ودون أي شرط أو قيد. أما سائر الضرورات الذاتية فهي ضرورية في كل عالم ممكن، إذا كانت ذواتها موجودة. (عسكري سليماني، تنقيح برهان الصديقين للعلامة الطباطبائي، ص268)
هذا التقرير لا يتطابق مع مقصدي في المقالة السابقة. لم يكن مرادي من المقابلة بين «واجب الوجود على نحو الإطلاق» و«واجب الوجود بالذات» الإشارة إلى الفرق بين الضرورة الأزلية والضرورة الذاتية. بل كان مرادي من «واجب الوجود على نحو الإطلاق» هو «واجب الوجود، سواء أكان بالذات أم بالغير». أما مسألة ما هي علاقة ونسبة تقسيم الضرورة إلى بالذات وبالغير مع تقسيمها إلى أزلية وذاتية، وكيف يُعبَّر عن هذه التقسيمات في الفلسفة التحليلية، فهي تحتاج إلى بحث مفصل لا يتسع له المجال في هذه الكتابة.
[37] ـ شرح الحكمة المتعالية، القسم الأول من ج 6، ص179.
[38] ـ من الجدير بالذكر أن السيد حسن معلمي قد استخدم هذه القاعدة نفسها في تقرير برهان الصديقين للعلامة. فهو يصوغ القسم الأول من برهان العلامة على النحو التالي:
إنكار أصل الواقعية يستلزم إثباتها.
كل ما يستلزم إنكاره إثباته، لا يطرأ عليه العدم ذاتاً.
النتيجة: لا يطرأ العدم ذاتاً على أصل الواقعية. (معلمي، تأمل في برهان، ص87)
من الواضح أن المقدمة (2) هي تعبير آخر عن قاعدة الاستلزام.
[39] ـ الفرق بين (A) و (B) يناظر، بنحو من الأنحاء، الفرق بين ضرورة الشيء وضرورة القضية. فوفقاً لـ (A)، يتحقق الاستلزام بين عدم شيء ووجوده، بينما في (B) يتحقق الاستلزام بين كذب قضية وجودية (هلية بسيطة) وصدقها. ولا يتكافأ هذان النوعان من الاستلزام إلا إذا كان موضوع الهلية البسيطة اسماً علماً، أو شيئاً شبيهاً به.
[40] ـ لا أدعي أنه بناءً على نظرية الوحدة الشخصية للوجود، تكون عبارة «الحقيقة الواحدة للوجود» اسماً علماً، بل أدعي فقط أنها تعمل عمل الاسم العلم. فوفقاً لنظرية الوحدة الشخصية للوجود، تكون العبارة المذكورة وصفاً محدداً جامداً (rigid definite description)، وهذا المقدار كافٍ لاستنتاج (A) من (c).
[41] ـ الصياغة الكاملة لهذا المسير الاستدلالي هي كما يلي:
1) الفرض: الحقيقة الواحدة للوجود غير موجودة.
2) إذن فقضية «الحقيقة الواحدة للوجود غير موجودة» صادقة.
3) صدق كل قضية هو بواسطة مطابقتها للواقعيات الموجودة. (نظرية المطابقة القصوى مع عالم الوجود)
4) إذن فهناك واقعية تطابق القضية المذكورة. (من 2 و 3)
5) كل واقعية هي تجلٍّ للحقيقة الواحدة للوجود. (نظرية الوحدة الشخصية للوجود)
6) إذن فالحقيقة الواحدة للوجود موجودة. (من 4 و 5)
7) بناءً على ذلك، فإن عدم الحقيقة الواحدة للوجود يستلزم وجودها. (من 1 إلى 6)
8) إذا كان عدم شيء يستلزم وجوده، فإن ذلك الشيء موجود بالضرورة الذاتية. (قاعدة الاستلزام)
9) إذن فالحقيقة الواحدة للوجود موجودة بالضرورة الذاتية. (من 7 و 8)
النتيجة: إذن فهناك شيء موجود بالضرورة الذاتية.
هذه النتيجة هي نفسها (أ3).
[42] ـ يكتب الناقد المحترم في هذا الصدد:
[العلامة] يقول: «و اذا کانت اصل الواقعیه لا تقبل العدم و البطلان لذاتها فهی واجبه بالذات». ومفاد هذه العبارة، كما ذكرنا في بداية المقال بوصفها الكبرى في برهان العلامة، هو أن «كل شيء لا يقبل البطلان والعدم بذاته، فهو واجب الوجود بالذات».
هذه القضية بديهية، وبيان العلامة في هذا البرهان هو أن كل شيء يكون نفيه بالذات مستلزماً لوجوده، فهو واجب الوجود بالذات. الناقد المحترم، بدلاً من هذه القاعدة المستفادة صراحةً من عبارة العلامة، يذكر شيئاً آخر بوصفه قاعدة الاستلزام: «إذا كان عدم شيء مستلزماً لوجوده، كان ذلك الشيء واجب الوجود بالذات» وينقضها في مقام النقد بالصادر الأول... لكن النكتة هنا هي أن العلامة نفسه لا يقبل القاعدة التي نُسبت إليه بوصفها قاعدة. ما صرّح به العلامة بوصفه قاعدة، وهو صادق بداهةً أيضاً، هو أن «كل شيء لا يقبل البطلان والعدم بذاته، فهو واجب الوجود بالذات». هذه القاعدة لا تُنقض بأي موجود. (عسكري سليماني، تنقيح برهان الصديقين للعلامة الطباطبائي، ص270-269)
الناقد المحترم في هذه العبارة ينسب إلى العلامة مطلبين:
(1) كل شيء لا يقبل البطلان والعدم بذاته، فهو واجب الوجود بالذات.
(2) كل شيء يكون نفيه بالذات مستلزماً لوجوده، فهو واجب الوجود بالذات.
يبدو أن الناقد المحترم يعدّ هاتين الجملتين مترادفتين ويعتبرهما معبّرتين عن قاعدة واحدة. لكن هذا غير صحيح. كما قيل سابقاً، «قبول البطلان» يعني «كون الشيء قابلاً للبطلان» و«إمكان البطلان». وبناءً على هذا، فإن (1) تعادل:
’(1) كل شيء لا يكون ممكناً للعدم بذاته، فهو واجب الوجود بالذات.
’(1) قضية بديهية بل تحليلية، ينتج صدقها من معنى لفظي «الإمكان» و«الوجوب». أما (2) فلها مضمون مختلف عن ’(1). فمن حيث المفهوم، «نفي x بالذات مستلزم لوجود x» يختلف عن «x ليس ممكن العدم بذاته». لذلك لا ينبغي اعتبار (1) و(2) مترادفتين. قد يدّعي الناقد المحترم، إزاء هذا التفسير لـ (1)، أن عبارة «لاتقبل البطلان و الرفع لذاتها» لا معنى لها سوى أن «بطلان الواقعية، بالذات مستلزم لوجودها»، وبالتالي فإن (1) و(2) بمعنى واحد. هذا الادعاء، فضلاً عن كونه لا ينسجم مع معنى «قبول»، فهو لا يتوافق مع عبارة العلامة أيضاً. يقول العلامة: «و هی لا تقبل البطلان و الرفع لذاتها حتی ان فرض بطلانها و رفعها مستلزم لثبوتها و وضعها». وطبقاً للادعاء المذكور، ينبغي القول إن «حتى» قد استُعملت بين جملتين مترادفتين، وهذا غير مقبول (على سبيل المثال، هل يمكن القول «زيد مجرد، حتى إنه غير متزوج»؟!).
والآن، حيث إن (1) و(2) مطلبان مختلفان، فأيهما عبّر عنه العلامة؟ العلامة يصرح بـ (1): «و اذا کانت اصل الواقعیه لا تقبل البطلان و العدم لذاتها فهی واجبه بالذات». لكن الناقد المحترم لم يُبيّن من أين في عبارة العلامة استُخرجت (2). العلامة لم يقل في أي موضع من عبارته إن بطلان الواقعية بالذات مستلزم لثبوتها. نعم، يقول العلامة: «حتی فرض بطلانها و رفعها مستلزم لثبوتها و وضعها»، دون أن يستعمل كلمة «بالذات»، وأنا من هذه العبارة استنبطت قاعدة الاستلزام.
على أي حال، ليست للمباحث التفسيرية أهمية كبيرة، والمهم هو ما هو الأثر الذي يمكن أن تحدثه القضية (2) التي سميتها في المتن «قاعدة الاستلزام الذاتي» في برهان العلامة.
[43] ـ بشأن ما يمكن أن يعنيه «الاستلزام بالذات»، ترد إلى الذهن عدة احتمالات، نغض النظر عن طرحها وبحثها تجنباً للإطالة.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.