اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
خلافاً للتصور الشائع عن الزهد والتقشف، رأت الديانة المانوية في الجمال تجلياً للنور وأداةً للخلاص. يوضح هنري كوربان الصلة بين العرفان الجمالي ونظرية التجلي في المرآة، رابطاً بذلك ديانة الجمال المانوية بالتصوف العاشق الإيراني.

المانوية هي ديانة ماني، النبي الإيراني. ظهرت هذه الديانة في بلاد ما بين النهرين في القرن الثالث الميلادي. وقد تجلّى الجمال والنظريات المتعلقة به في هذه الديانة في قوالب مختلفة كالرسم والخط والموسيقى وفن الكتاب والشعر والأناشيد. تُعدّ الجماليات في الفن المانوي أداةً لخلاص الروح وبلوغ فردوس النور. هذه الكتابة هي ترجمة وتلخيص لمقال هنري كوربان المعنون «الديانة المانوية ومذهب الجمال»، والذي نُشر لأول مرة في كتاب Herne، العدد الخاص بهنري كوربان، ثم أُعيد طبعه لاحقًا في كتاب «الإمام الغائب» بجهد كريستيان جامبيه ومع مقدمة له.
كيف يمكن الجمع والتوفيق بين الوجد الصوفي العاشق والنشوات العرفانية وعبادة الجمال الإنساني، وبين العزلة وترك الدنيا والآداب الصارمة الشاقة في طريق العرفان؟ فعلى سبيل المثال، تساوي الأكثرية الساحقة من الناس بين الديانة المانوية وترك الدنيا وتحمل الأعمال الشاقة المضنية. لا يستطيع عامة الناس أبدًا أن يصدقوا أن الواقع في تناقض تام مع معتقداتهم وتصوراتهم. كما أن هذه المعتقدات والتصورات الخاطئة والسطحية تزيح الستار عن مستوى معلوماتهم ومعارفهم وتظهر لنا إلى أي درجة من الابتذال انحدروا وإلى أي مدى تعرضوا للتحريف وابتعدوا عن الحقيقة. هذا في الوقت الذي نمتلك فيه نصوصًا عربية وفارسية من القرون الإسلامية الأولى. تُظهر هذه النصوص بوضوح أن الديانة المانوية كانت لا تزال حية في آسيا الوسطى في تلك الفترة، وكيف كان أتباع ماني يبشرون بـ «مذهب الجمال». وكانت تُوجّه إلى هذه النصوص أيضًا نفس الاعتراضات السطحية والعقيمة. وفي الرد على هذه الاعتراضات، يمكن بل ويجب الاستناد إلى الأجوبة والاستدلالات الموجودة في العرفان الجمالي والتصوف العاشق أو تبريرات صوفية مدرسة روزبهان الشيرازي (القرن الثاني عشر).
ذكر عبد القاهر البغدادي وجود مدرسة بعنوان «الحلمانية»1. وقد أُخذ اسم هذه المدرسة من اسم مؤسسها أبو حلمان، وهو إيراني (شيعي) من منطقة فارس (340/951). كانت مدرسة «الحلمانية» تروج لعقيدة أن الله قد حلّ في الموجودات الجميلة. قيل إن أتباع هذه المدرسة كانوا إذا ما بلغوا الوجد والهيام والانخطاف، ينحنون إجلالًا أمام كل وجه إنساني جميل.
كذلك لدينا أبو شاكر السليمي الذي عاش في القرن الخامس الهجري (القرن الحادي عشر الميلادي). يذكر أبو شاكر السليمي مانويي الصين الذين سكنوا في منطقة خوتان2 والتبت. وبحسب قول السليمي، فإن كل ما كان يبدو جميلًا في أعين أهل هذه النواحي كان موضع عبادتهم؛ مثل النور، والمياه الجارية، والأشجار، والحيوانات. كان مانويو هذه النواحي يرون أن رب النور قد حلّ في كل موجود جميل. حتى أن أبا شاكر استخدم مصطلحًا خاصًا بالتصوف فكتب أن «الله موجود في كل «شاهد» أو سالك طريق الحق».
يشير أبو شاكر السليمي إلى علاقة مانويي منطقة الصين بمدرسة «الحلمانية»، مما يعزز النظرية القائلة بأن للشيعة أيضًا دورًا وتأثيرًا في تشكل مذهب الجمال.
وينبغي هنا أن نذكر المتكلم والعالم الإلهي الإمام محمد الغزالي الذي ينسب هذه العقائد نفسها إلى أتراك أقصى الشرق. في الواقع، نحن نعلم أن أتراك «الأويغور» كانوا قد اعتنقوا الديانة المانوية، وكانت دولة «الأويغور»، التي كان عمرها قصيرًا للأسف، هي الدولة الوحيدة التي تركت المانويين أحرارًا في التبشير بعقائدهم ولم تلاحقهم وتضطهدهم، وكان هذا بحد ذاته فخرًا كبيرًا لتلك الدولة. يتابع الغزالي قائلًا إن المانويين، الذين يفتقرون إلى الشريعة (بالمعنى الموجود في الإسلام)، كانوا يعبدون إلهًا واحدًا، وكان هذا الإله الواحد من أجمل الموجودات، ولهذا السبب كانوا ينحنون إجلالًا أمام كل موجود يمتلك جمالًا استثنائيًا فائقًا ويعلنون أن هذا (الموجود الجميل) هو إلهنا.
وفي الواقع، فإن الاستدلال أعلاه لا ينفي تمامًا إمكانية إدراك متزامن للعالم الحسي والعالم فوق الحسي. ومثل هذا الإدراك، وإن كان لا ينسجم مع المعرفة العقلية للعصر الحديث، إلا أنه الشرط الذي لا مناص منه للنفاذ إلى ظاهرة الجمال بالمعنى الذي ذكرناه. ويفترض هذا الاستدلال ضمنًا أن نظرية التجسد في الديانة المانوية تتطابق وتنطبق مع نظرية التجسد وعقيدة الحلول في المسيحية (الأولى).
في الواقع، تختلف الكريستولوجيا المانوية عن كريستولوجيا الكنيسة الرسمية. فالكريستولوجيا المانوية تتوافق وتتناغم مع أنثروبولوجيتها. تؤسس الأنثروبولوجيا المانوية بنيتها على البعد الثلاثي للإنسان، أي الجسد والنفس والروح.
إن علاقة «المسيح النوراني– السماوي» و«المسيح المتألم» المُقيَّد على الأرض ليست من نوع التركيب الذي يحدث بين الأجسام المادية، بل هي من نوع الامتزاج، لأن جوهر المسيح السماوي النوراني لا يمكنه أن يتخذ شكلاً مادياً. فحيثما وُجدت الإضاءة، أو شرارات النور، أو الألوان البهيجة، أو رائحة العطر الذكية، أو تغريد الطيور الممتع، حتى في النباتات وخصوصاً في الأزهار والفواكه، كان المانويون يجدون هناك المسيح (هذا القلب النوراني المسجون).
هنا نرى توافقاً لافتاً للنظر بين المعتقدات المانوية والمشاهدات المدونة لدى الكتّاب المسلمين؛ ففي الأدب العرفاني – الإسلامي توجد أمثلة متنوعة لتعريف «المظهرية». فمثلاً، يمكننا أن نُعجب بالمواد الحمراء المستخدمة في جسم أحمر، لأن هذا الجسم والمواد المكونة له من جوهر واحد.
أمّا عندما نُثني على صورة في المرآة، فإن إعجابنا وثناءنا على تلك الصورة لا علاقة له بالمواد التي تشكل المرآة، بل إن هذا الوجه القابل للمشاهدة في المرآة هو وحده ما يدفعنا إلى الإعجاب والثناء. لقد استخدم أرباب العرفان والأدب الصوفي منذ القدم مثال المرآة لشرح ظاهرة التجلي. تقف ظاهرة التجلي والمظهرية في مقابل نظرية الحلول (التي تعبر عنها الكنيسة بخصوص السيد المسيح). إن نظريتي الحلول والتجلي (المظهرية) هما عقيدتان مختلفتان حول ظهور الأمر المطلق في العالم المادي. إن مذهب الجمال أو العرفان الجمالي يتخذ من نظرية التجلي والمظهرية أساساً وقاعدة.
الجمال نور يغير شكل الموجودات والأشياء دون أن يدخل في جسمها أو يحل فيها. الجمال في الموجودات والأشياء كالصورة في المرآة. المرآة هي محل ظهور الصورة وتجليها دون أن يكون بينهما اشتراك جوهري. وفي الأصل، فإن عبادة الجمال هي عبادة النور الذي يظهر من حجاب الجسد الفاني دون أن يكون أبداً صفة ذاتية للمادة أو كيفية مشتركة معها.
للجمال جوهر روحاني وملكوتي.
الجمال يُعلن ظهور الأمر فوق الحسي.
من الجدير بالذكر أنه من بين متصوفة إيران، لعل أكثر من مثّل مذهب الجمال والعرفان الجمالي هو روزبهان الشيرازي (القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي). يشير روزبهان إلى أهل آسيا الوسطى الذين اشتُهر بعضهم بجمال أخّاذ وفائق للطبيعة. كتابه المهم «مونس العشّاق» الذي هو بمثابة سيرة ذاتية له في قالب حواري، يُعبّر عمّا أسماه المعنى النبوي للجمال. بمعنىً ما، الصوفي هو نبي الجمال المطلق. وبهذا الفهم يمكننا أن ندرك لماذا وكيف أن الحب البشري ليس فقط لا يتعارض مع الحب الإلهي ولا يقف في مواجهته، بل هو درجة ضرورية في السُلّم وشرط للوصول إلى الحب الإلهي. إذن، في منظور روزبهان الشيرازي، وفي العرفان الجمالي عموماً، لا يتقابل الحب الإلهي والحب البشري ولا ينفي أحدهما الآخر؛ ولسنا مضطرين، كما هو متعارف في الأديرة والمحافل المسيحية، إلى اختيار أحدهما ونفي الآخر. والأهم من ذلك، أننا لا نواجه هنا حبّين مختلفين لكل منهما معشوق مختلف. ذلك أن الألوهية (المبدأ الأول) لا تصبح أبداً موضوعاً (objet)، أي لا يمكن اختزالها أبداً إلى موضوع (شيء أو شخص أو حب). نحن هنا بإزاء شكلين أو درجتين من حب واحد. الانتقال من أحدهما إلى الآخر لا يعني الانتقال من معشوق (إنسان) إلى معشوق آخر (الله)، بل يعني هذا الانتقال تحوّلاً يحدث في العارف والصوفي (Sujet). ولهذا السبب، يضع روزبهان فارقاً واضحاً ويخط فاصلاً دقيقاً بين المتصوفة الذين يسميهم «المتشرعين العُبّاد» وسالكي طريق العشق والوله (مونس العشّاق). إذن، في العرفان الجمالي، يكمن التحوّل والتغيّر في مرتبة الإدراك ونوع التأويل وفي علاقتنا بالمعشوق، لا في المعشوق نفسه. وهكذا يكتسبون إمكانية تلقي جوهر النور (الجمال) الذي حلّ في كل مكان، وممارسته. ونتيجة لذلك، ندرك جيداً أن النور والجمال في العرفان الجمالي وفي العشق الصوفي هما مقولتان فوق حسيتان ومتعاليتان. ولا شك أن روحانية كهذه ترسم حدوداً جريئة مع قواعد وأصول التنوير الحديث. في هذه الكتابة القصيرة، حاولنا بإيجاز شديد أن نُذكّر بالجذور الروحية لظاهرة الجمال بنظرة عابرة إلى الديانة المانوية، وخصوصاً نظرية «مذهب الجمال» لديهم. من وجهة نظرنا، التفسير المانوي للنور لا يتعارض مع الجماليات الأرضية فحسب، بل هو افتراضها المسبق وشرطها الذي لا مناص منه. إن تذكّر هذه المطالب وإعادة قراءتها هي أيضاً دعوة إلى إعادة تفكير أوسع حول هذه المسائل. ينبغي أن تصدر إعادة التفكير هذه من جانب أولئك الذين لا يقبلون الحلول المعدّة سلفاً والتي صارت رائجة. لأن ضرورة زماننا وإلحاحه، بالنسبة للإنسان الروحي، هما كما كانا. هذه الإلحاحات لم تَبْلَ، ولم تجد بعد جواباً يليق بها ويستحقها.
.
.
1. في كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي، كُتب أن الحلمانية من الحلولية ومنسوبون إلى شخص يُدعى أبا حلمان الدمشقي، أصله من فارس ومنشؤه في حلب، وأظهر بدعته في دمشق. كان من الإباحية وكان قائلاً بحلول الله في الأشخاص الجميلين ويسجد لهم. وقد ناقش البغدادي نفسه أحدهم، وكُتب ذلك مختصراً في كتابه. يعتبر ماسينيون أبا حلمان من الصوفية وتلميذاً لسليم البصري. كما عده الكلاباذي في التعرف من الصوفية. بعض كتّاب الفرق لم يذكروا الحلمانية. وقد سماه أبو نصر السراج في اللمع في التصوف أبا حلمان الصوفي.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.