يتناول مقال «التراث الروحي للإشراق» لهنري كوربان تبيان مكانة الحكمة الإشراقية عند السهروردي بوصفها صلةً بين الفلسفة والعرفان والتراث الروحي لإيران القديمة. ويُظهر كوربان أن طريق الإشراق هو سبيلٌ جامعٌ بين الفكر الفلسفي والتحقق الروحي للإنسان؛ سبيلٌ تتلاقى فيه الشهود والعقل والسلوك الباطني.

إن "الفكرة العظيمة" للشيخ الإشراق هي تأسيس ثقافة معنوية تامة وكاملة تجمع كُلية المعرفة الفلسفية، وفي الوقت ذاته تجعل التحقق المعنوي الكامل للشخص نفسه غايتها. طريق الإشراق، طريق الحكمة "الإشراقية" المُحيَاة من [صميم حكمة] إيران القديمة، لا ينحرف يمينًا ولا يسارًا. السالك الذي يخطو في هذا المسار، ليست رسالته أن يصبح مُنظِّرًا لفلسفة غافلة عن الغاية الحقيقية للفلسفة، ولا أن يكون مغامرًا في وادي العرفان غافلًا عن الأخطار التي تتربص بأولئك الذين لم تبلغ بهم الفلسفة بعدُ إلى الوعي الذاتي، ولم تُحصِّنهم بعدُ في مواجهة شتى أنواع السراب.
ولهذا السبب يمكن تسمية هذا الطريق بـ"الطريق الملوكي". هذا المصطلح مُستعار من الحكمة العرفانية لفيلون الإسكندري۱ الذي يمكن مقارنة أعماله من وجوه مختلفة بأعمال حكماء "الإشراق"، وإن كانت أعماله مجهولة لديهم. هذه المقارنات لن تكون إلا امتدادًا لمقارنات أجراها آخرون من قبل بين فكرة "القوى" الإلهية في فكر فيلون والأمشاسْبَندان أو الملائكة العظام في الأبستاق.
اسم الطريق الملوكي مأخوذ من سفر العدد (التوراة): "في الطريق الملوكي نسير، لا نميل يمينًا ولا يسارًا حتى نجتاز تخومك" (۲۰:۱۷ و ۲۱:۲۲). هذا الطريق الملوكي هو طريق الغنوص. يُوصل السالك إلى المعرفة عن طريق المشاهدة المباشرة؛ لأن هذا الطريق الملوكي هو طريق "أهل البصيرة".
أهل البصيرة بسيرهم في هذا الطريق يتقدمون حتى المرتبة العليا التي يعبّر عنها السهروردي بـ"التألّه". هذا هو نفس الطريق الذي أوصل "الغريب" [في قصة الغربة الغربية] إلى قمة طور سيناء، إلى حيث انفتح له الطريق من هناك إلى "الإقليم الثامن". علاوة على ذلك، هذا الطريق الملوكي هو نفسه ما عبّر عنه الغنوصيون المسلمون بـ"الصراط المستقيم": الطريق الذي لا ينحرف يمينًا ولا يسارًا، طريق ذروة الجبل حيث تبلغ آثار النامية على كلا منحدريه الذروة وتجتمع.
لقد تركت الفكرة العظيمة للسهروردي أثرًا عميقًا في الثقافة المعنوية لأرض إيران. من المؤكد أنه وُجد في هذه الديار فلاسفة نظريون، ووُجد أيضًا صوفية كانوا ينظرون إلى الفلسفة بعين الازدراء؛ لكن لا أحد من هؤلاء يُمثّل هذه الثقافة في حالتها التامة الكاملة. وقد شهد على هذا المعنى من قبلُ الملا صدرا الشيرازي: "اللائق بالسالك إلى الحق أن يجمع بين المشربين، فلا تكون تصفيته الباطنية خالية من التفكر، ولا تفكره خاليًا من التصفية الباطنية، بل يكون مشربه كمشرب الحكماء الإشراقيين (أفلاطونيي فارس) برزخًا جامعًا بين المشربين".
الخسروانيون
وهكذا، فإن الترتيب المعنوي الذي كان ينشده السهروردي قد استمر قرنًا بعد قرن، واسم "الطريق الملوكي" (أو الطريق الخسرواني) هو عنوان مناسب جدًا لهذا المشرب. لأن هذا العنوان مأخوذ من اسم كيخسرو؛۲ ذلك الحاكم الحكيم والعارف الذي بلغ بسيره في هذا الطريق ملحمة إيران البطولية إلى ختامها وكمالها في الملحمة العرفانية. هذا العنوان مأخوذ من اسم كيخسرو؛ لأن جميع حكماء إيران القديمة أيضًا الذين ساروا في هذا الطريق الخسرواني واضعين أقدامهم موضع قدمه، قد سُمُّوا باسمه أي "الخسروانيون"، وهذا اصطلاح مرادف في فكر السهروردي لاصطلاح "الإشراقيون".
هنا يتضح مدى الأهمية البالغة التي يوليها السهروردي لهذا الاسم ولدور كيخسرو. إن أهمية أسوة كيخسرو وأهمية وصف الخسروانيين في نظر السهروردي، هما تأكيد على تصريحاته الأكثر وضوحًا بخصوص مقاصده القائمة على إحياء الحكمة العرفانية لحكماء إيران القديمة. إذا كان هؤلاء الحكماء "إشراقيين"، فالسبب في ذلك أنهم كانوا خسروانيين. هذا هو معنى ومضمون ما يمكن التعبير عنه بـ"الإيرانية" لدى السهروردي. إن الطبيعة الروحانية والمتألّهة تمامًا لهذه الإيرانية واضحة كل الوضوح.
هذه هي المرة الأولى التي أستخدم فيها مصطلح «الإيرانية» (Iran-modārī). وأتصور أنه لو كانت أعمال السهروردي معروفة [في الغرب]، لكانت إيرانيته قادرة على الظهور والبروز في نوع من نظام عظيم لـ«فلسفة التاريخ» تشكل في الغرب. في الواقع، يوجد نظام لفلسفة التاريخ [في الغرب] استُخدم فيه هذا المصطلح وارتقى إلى مرتبة مبدأ ميتافيزيقي، غير أن هذا النظام الفلسفي الذي استُخدم فيه مثل هذا المصطلح هو نتاج مدرسة أقل شهرة في أوروبا الغربية نفسها لغير أهل الاختصاص. أعني بذلك حلقة عُرفت بـ«محبي السلاف»۳ في روسيا القديمة، في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وإذا كان مبدأ الإيرانية قد أثمر في هذه الديار، في حقل الفلسفة، فلعل ذلك ليس محض صدفة جغرافية.۴
ومع الأسف الشديد، فمن غير المرجح أن يكون فلاسفة إيران في ذلك العصر قد تمكنوا من الحصول على معلومات عنها، ومنذ ذلك الحين لم تكن الظروف مواتية بما يكفي لتتجه أنظارهم إلى هذه المدرسة التي، على الرغم من إيرانيتها، يمكن أن تكون موضع اهتمام مباشر لنا. كنت قد أشرت في موضع آخر من قبل إلى أوجه الاشتراك والاختلاف بين إيرانية أمثال ألكسي خومايكوف۵ وإيرانية أمثال السهروردي. ويجب أن أقر بأنه يلزم في هذا الشأن تأليف كتاب وافٍ؛ لأن هذا الموضوع من جملة المجالات للبحث المقارن التي لم يُجرَ عنها أي تنقيب حتى الآن. وسأشير هنا بإيجاز فقط إلى نقاط تكميلية بخصوص الاقتراحات الأولية التي عبرت عنها في مكان آخر.
نمطان من الحضارة
بمقتضى فلسفة التاريخ العظيمة تلك التي أسسها خومايكوف والتي لا تدين بشيء لجدل هيغل، يقف مبدآن في تقابل مع بعضهما. لقد وُلد نمطان من الحضارة منذ دخول البشر في التاريخ: أحدهما «مبدأ الحرية» الذي يتجلى من خلال الإبداع، والآخر «مبدأ الضرورة» الذي يتجلى من خلال التناسل. وقد تجسد هذان المبدآن من خلال الأسماء التي أطلقها عليهما خومايكوف: الإيرانية هي المبدأ الروحي الخلاق، دين الحرية الأخلاقية؛ والكوشية (كوش هو اسم الحبشة في الكتاب المقدس) هي دين الضرورة الطبيعية وكذلك دين الضرورة المنطقية. الكوشية رهينة فقط بالتتابع الضروري للاستدلال المنطقي. وبهذا المعنى، فإن نظام هيغل هو أتم مظاهرها. أما الإيرانية، فالفكر الإيراني «يقوم على التقليد وليس قائماً أبداً على الاستنتاج المنطقي المحض؛ لأن مفهوم الحرية الإبداعية لا يتقيد بالقواعد ولا يمكن استنتاجه منها. هذا المفهوم لا يمكن تمييزه إلا عن طريق حدس أسمى، وهذا الحدس يتجاوز بكثير الدائرة الضيقة للاستدلال التي جربت فيها، في بوتقة امتحان العصور، جميع مراتب النفي والإنكار حظها.» ألا يمكن القول إن الكوشية لدى السهروردي قد تجلت في فلسفة المشائين، في حريم المنطق، ضرورة قوانين الفهم الاستدلالي؟ إن ما يعتبره خومايكوف مظهراً لهيغل، يعتبره السهروردي مؤشراً للمدرسة المشائية ـ باستثناء أرسطو نفسه.
ألا يمكن القول إن الكوشية لدى السهروردي قد تجلت في فلسفة المشائين، في حريم المنطق، ضرورة قوانين الفهم الاستدلالي؟ إن ما يعتبره خومايكوف مظهراً لهيغل، يعتبره السهروردي مؤشراً للمدرسة المشائية ـ باستثناء أرسطو نفسه ـ والحكمة الشهودية لخسروانيي أرض إيران، بمعونة التحليق الحر للحدس الخلاق، هذا «الحدس الأسمى» الذي ينفذ إلى حرم العوالم الروحية بعيداً عن متناول جدل هيغل، تحطم هذا [الحريم و] سيطرة الضرورة المنطقية وكذلك الطبيعية. وعليه، فإن القول بعالم المثال هو نوع من «خرق العادة» (بارادوكس) يمكنه أن يتخلص من قبضة محدوديات التجريبية وبديهيات المنطق الاستدلالي ويتغلب على تعارضها. وكما يقول خومايكوف: «[في هذا المقام] جربت جميع مراتب النفي والإنكار حظها».
السهروردي أيضًا، وهو شديد المعارضة للمدرسة المشّائية، يشترط في الوقت نفسه أن يكون تلميذه قد اجتاز أولاً جميع مراحل الفلسفة المشّائية، ومراحل علم المنطق (وهو نفسه يفعل ذلك في الجزء الأول بأكمله من كتاب «حكمة الإشراق»، لكنه بالطبع يستلهم في ذلك من المدرسة الرواقية حيث تسود الهرمنيوطيقا (التأويل) على الديالكتيك (الجدل والاحتجاج والاستدلال)، بحيث يُترك المنطق مبسّطًا ومقموعًا، ويُختتم الكتاب بما بعد الطبيعة الشهودية). لا يمكن التغلب على الأصل الكوشي [أو الحبشي] بتجاهله أو بنفيه ورفضه. لعل حدس خومايكوف الذكي، إذا ما قورن بمنظور السهروردي، «مُحيي» حكمة فارس القديمة، يجد شرحًا وبسطًا غير مقصودين.
من المؤكد أن ما يهم خومايكوف ليس الأمر التاريخي ولا الجغرافي، ولا حتى القومي، بل المهم بالنسبة له هو الأصل الديني، أو بالأحرى، الصراع بين أصلين يصنعان مغامرة التاريخ الروحي للبشر. ومع ذلك، ثمة في فلسفته هاجس الارتقاء بالسجيّة الكامنة في صميم حياة قوم، وفي هذه الحالة السجيّة الروسية، إلى مرتبة قيمة كونية. وإن كان هو، وكذلك محبو «السلاف»، ينظرون إلى رسالة القوم الروس بوصفهم نموذجًا لقوم أرثوذكس مكتملي المذهب، فلعل انشغالاً خفيًا بمثال دنيوي، شيء يمكن التعبير عنه بـ«العوامية» الذاتية، كان موجودًا في منظورهم. ومثل هذا الهاجس بعيد كل البعد عن ساحة التمركز حول فارس لدى السهروردي.
يُظهر السهروردي أن القوم الإيراني، باعتبارهم إيرانيين، ليسوا أهلاً لوصف «الإشراقيين المشرقيين» بالمعنى الذي يقصده من هذه الكلمة. فمعرفة الحكماء القدماء لا تُعتبر معرفة مشرقية إشراقية لمجرد سكناهم في المشرق الجغرافي. بل على العكس، فبفضل المعرفة «المشرقية الإشراقية» صار هؤلاء الإيرانيون «مشرقيين إشراقيين» مكتملين. نور هذا المشرق هو نور الجلال (خَوَرنه) الذي يُفاض على موجود تارة، وقد يرتحل عنه تارة أخرى. النسب «المشرقي الإشراقي» الذي يعتبره السهروردي لنفسه ولأتباعه لا يتجذر في أصل عرقي، بل ينبعث من نسب قدسي. هذا النسب لا يتسع له دائرة العلاقات السببية بين الأمم والدول. وثائقه ومستنداته تنتمي إلى تاريخ يحطم ما نسميه عادة بالتاريخ.
لهذا السبب ينبغي اختيار طرف آخر للمقارنة مع السهروردي. البديل الذي يخطر ببالي هو أبحاث قسطنطين ليونتيف6 الذي لا يؤمن بروسيا والقوم الروس، بل بالمثال القدسي والمتأله للعالم البيزنطي. ليس هاجسه البتة هو توفير أساس عرفاني لحكومة ثيوقراطية أرضية. بقدر ما اقتبس المتألهون البيزنطيون ميراث الحكمة القدسية للأفلاطونيين المحدثين، بنفس المقدار تكون آراء السهروردي قابلة للمقارنة مع آراء ليونتيف ذات الماهية الروحية والزهدية.
في رأي كليهما، المهم ليس قومًا بحد ذاته، بل الفكرة المقدسة المقيمة في ذلك القوم والمسيطرة عليه. مكانة الفكرة المقدسة البيزنطية لدى ليونتيف هي عين مكانة فكرة حكمة فارس القديمة لدى السهروردي. علاوة على ذلك، فإن أصل الحرية الذي يكون التمركز حول فارس مظهرًا له في المسرحة القائمة على التاريخ المقدس لدى خومايكوف، يمكن أن نجده حيًا حاضرًا لدى السهروردي أيضًا؛ لأنه لا يوجد من هو أكثر ثورية وتقليدية في آن واحد من السهروردي؛ لأنه وإن كان يدّعي أنه لم يكن له سلف، فالواقع أنه من خلاله وبالتزامن معه يخطو تقليد «الإشراق»، الذي هو مادة الصلة بين روحانية فارس القديمة وروحانية فارس الإسلامية، إلى ساحة الوجود.
لذلك لا يخلو من سخرية أنني صادفت مؤخراً اعتراضات وُجّهت إلى أحد زملائي لأنه اعتبر السهروردي صوفياً؛ في حين أن السهروردي، حسب تعبير الناقد، كان فيلسوفاً يوناني النزعة ولا تربطه أية صلة بأي طريقة في «التصوف الرسمي»؛ غير أن اسم «الفلاسفة اليونانيي النزعة» يُطلق عموماً على أولئك الفلاسفة الذين يعتبرهم السهروردي، لكونهم فلاسفة محضاً، خارج «الجادة» [أو «الصراط المستقيم»]. لذا لا يمكن أن يكون هو نفسه في عداد هؤلاء «الفلاسفة اليونانيي النزعة»! أما فيما يتعلق بالقول إن الانتماء إلى التصوف مرهون بأن يتلقى الشخص شهادة أو سنداً في هذا الشأن أو أن يتسلم الخرقة من يد شيخ، فينبغي أن أقول إن هذا التصور عرف وعادة غربية غريبة، وهو بعيد كل البعد عن ساحة «الإشراقيين» الذين يقصدهم السهروردي؛ ولكن فيما يخص التقليد «المنهجي» الذي يرى السهروردي نفسه منتمياً إليه، ينبغي القول إن السهروردي لا يكتفي بمجرد إثبات انتمائه إلى ذلك التقليد، بل يحييه. السلسلة الروحية تشهد على هذا المدعى؛ لأن هذه السلسلة لا تُثبت بناءً على الوثائق والسجلات، بل على أساس ذلك النمط من الوجود، ونمط السلوك والفكر، الذي يُتخذ أسوة للإنسان.
في إيران، وُجد ولا يزال يوجد نوع من التصوف خارج التنظيمات الصوفية، لا يُعرف باسم التصوف بل يأنف حتى من أن يُسمى بهذا الاسم، ويفضل مصطلحي «العرفان» و«العرفاء». [إضافة إلى الطرق الصوفية السنية] توجد طرق صوفية شيعية «بصورة منظمة» أيضاً؛ ولكن هناك طرقاً لم تترك ولن تترك أي أثر لها في أي أرشيف تاريخي قط؛ غير أن هذا لا يمنع أبداً من أن يكون «أعضاؤها» صوفيين بالمعنى الحقيقي للكلمة. لقد تلقى السهروردي ذلك التراث الروحي الذي تركه لأتباعه من مقام أرفع بلا حدود، حيث لا أهمية [للانتماء] إلى طريقة «رسمية» في ساحته. طريقة الإشراقيين تفتقر أيضاً إلى الأرشيف. لقد أوجب السهروردي على أتباعه اكتشاف تراثه الروحي بالسير على «الصراط المستقيم»، وهذا هو الشرط الوحيد الذي وضعه لهم، ووضع القدم في هذا الطريق ليس مرهوناً بمراسم ظاهرية، بل هو مرهون برسالة باطنية يصرح بها السهروردي بوضوح في نهاية كتاب «حكمة الإشراق»، في قالب «وصية» موجهة إلى مكملي طريقه.
الصفحات الأخيرة من الكتاب هي تمهيد لهذه الوصية. هذه الصفحات تأكيد على أن «حكمة الإشراق» لم تُؤلف بصفتها رسالة نظرية، بل هي في الواقع رسالة في ميدان معرفة الملائكة. للكتاب أهداف عملية ويجب أن يُستخدم كأداة للتأمل والتحقق الروحي. فمقابل «القضايا والقواعد» الكلامية والحكمية، توجد قوى نفسية روحانية يمكنها أن تعين على هذا التحقق الروحي وأن تتلقى موهبة هذا التحقق. بين التجليات الملكوتية (أي ظهورات الملائكة) ودرجة الاستكمال الروحي للعارف، يوجد نوع من التضامن هو مناط تفرد تجربته. الفصل الذي يسبق «وصية المصنف» هو تمهيد لتأكيد وتحقيق المقالات السابقة في ساحة تجربة [العارف].
في بداية الفصل ورد دعاءان7 يحذر المؤلف من أنه لفهم سر هذين الذكرين يجب تلقيهما في محضر شخص يعبر عنه بـ«حافظ الكتاب». صداهما يتطابق مع الصبغة المانوية نفسها التي تتجلى في مناجيات السهروردي الأخرى: «يا إله كل المعبودات، ارفع ذكر النور، وانصر أهل النور. واهد النور إلى النور».
مطلع الذكر الأول من الذكرين أو «الواردين القلبيين» اللذين وردا في نهاية كتاب «حكمة الإشراق» هو: «السالكون الذين يقرعون أبواب غرف النور بالإخلاص والصبر، تجذبهم الملائكة نحو مشرق الأنوار، وتنثر عليهم تهاني الملكوت، وتصب على رؤوسهم الماء المتفجر من ينبوع الخير ليتطهروا». وعندما تخبو هذه الفورة الوجدانية، يُستأنف البحث بوصف لتجارب أهل المعنى (الفقرة ٢٧٢).
يُذكّر الشارحان (قطب الدين الشيرازي والشهرزوري) في حينه بأن المؤلف لم يقتصر على إثبات جميع المسائل النظرية المطروحة في هذا الكتاب شخصياً [في تجربته] فحسب، بل إن جميع الأحوال الإشراقية الحقيقية المذكورة هنا تشير إلى تجارب اختبرها بنفسه ووجدها في ذاته، وهي الأنوار والإشراقات الخمسة عشر التي تشرق على قلب العارف بعد أن يكون قد اجتاز مرحلة المبتدئين، ودخل في سلك المتوسطين، وتقدم حتى أولى مراتب الكاملين. أما الظواهر الثانوية المصاحبة لهذه الأنوار، وطبيعتها المتناقضة ظاهرياً، وتجسد الوجود الباطني الذي بلغ مرحلة الانصهار، وغير ذلك، فقد وُصفت جميعاً بإيجاز وبعبارات دقيقة للغاية. وينبغي مقارنة هذه الأحوال بالأحوال المماثلة (مشاهدات الأنوار) التي ذكرها نجم الدين الكبرى (المتوفى سنة 617هـ)، وعلاء الدولة السمناني (ت 737هـ)، والسيد محمد نوربخش.
«إذا فاضت الأنوار الإلهية على إنسان بغزارة، أُلبس ثوب العزة والهيبة، وانقادت له الأرواح بأمره» (الفقرة 277). لم ترد هنا كلمة «خورنه» (الفرّة)، ولكن هذه هي التعابير نفسها التي استخدمها السهروردي في موضع آخر بشأن خلعة الخورنه الملكية، وهذه الخلعة تُكسى في السلوك العرفاني لسالكٍ قد غاب عن نفسه تحت هجوم الأنوار القاهرة، ثم جلس على عرش الملكوت مرة أخرى. هذا التحول الوجودي الناتج عن إشراق الخورنه (نور الجلال) يطابق واقعةً اختبرها العارف شخصياً. وأخيراً، لدينا العبارات الفاخرة للوصية الروحية التي تذكرنا، قبل أن تختم بالصمت، بأن «حكمة الإشراق» ليس كتاباً يمكن تناوله بالدراسة كسائر الكتب؛ لأن غايته ليست مجرد نقل المعلومات، بل إثارة الواقعة الحقيقية للنفس؛ الواقعة ذاتها التي وصفها السهروردي في تمثيلاته العرفانية، وهذه الواقعة هي عبور جبل قاف، والوصول إلى طور سيناء، وبكلمة واحدة السلوك في «الشاهراه» أو «الصراط المستقيم»:
«يا إخواني، أوصيكم بالعمل بما أمر الله به، والكف عما نهى الله عنه. أوصيكم أن توجهوا همتكم جميعاً إلى الله، نور الأنوار، وأن تدعوا كل قول وعمل لا ينفعكم، وأن تقطعوا قلوبكم عن كل وسوسة أهرمنية. أوصيكم أن تصونوا هذا الكتاب، وتحتاطوا فيه، وتحفظوه من غير أهله، والله حكمي فيكم. في أواخر شهر جمادى الآخرة سنة 582، في يوم اجتمعت فيه الكواكب السبعة في برج الميزان، في آخر النهار، أتممت تأليف هذا الكتاب. لا تعطوا هذا الكتاب إلا لمن يستحقه، ومستحقه من أحسن دراسة طريقة المشائين، وكان محباً لنور الله، وقبل الشروع فيه يلتزم الرياضة أربعين يوماً، ويجتنب أكل اللحم، ويقلل طعامه، وينقطع عن كل شيء، ويقف نفسه على التدبر في نور الله العظيم العلي، والعمل بأوامر الكتاب. فإذا حان [بعد استيفاء هذه الشروط] موعد دراسة الكتاب، فليمعن النظر فيه» (الفقرات 278 ـ 280).
كان الشاغل الأساسي لشيخ الإشراق عند ختمه كتابه هو ألا يقع هذا الكتاب إلا في يد طالب «الصراط المستقيم»؛ أي في يد من يكون قد أتقن دورة الفلسفة المشائية كاملة، وفي الوقت نفسه يمتلك نفساً مفعمة بالعشق ليتمكن من تجاوز هذه المرحلة والتحرر من قيود الشواهد الظاهرية والنظرية. وباعتقاد شراح حكمة الإشراق، فإن الطلاب المشتاقين فقط إلى الدخول في الطريق الذي ينتهي إلى مشرق الأنوار هم أهل لهذا الكتاب.
يشرح الشارحون بالتفصيل برنامج الخلوة ذات الأربعين يومًا الذي أشار إليه الشيخ في بضع كلمات فقط، وهذه الخلوة ينبغي أن تكون تمهيدًا لدراسة كتاب حكمة الإشراق: «بعد تطهير البدن من الأدناس الظاهرة، ينبغي الإقامة في بيت صغير مظلم بعيدًا عن ضوضاء الناس وأشغالهم، والصيام، وبعد صلاة المغرب الإفطار على طعام قليل الكمّ كثير الكيف (خبز نظيف ومأكولات من الحبوب الجيدة، والبقول المناسبة، والأبازير اللائقة مع زيت اللوز أو الجوز أو الدبس ونحو ذلك). وينبغي أن يدلك الرأس والبدن دائمًا بالأدهان الطاهرة، وأن يستعمل الطيب في خلوته. وأن يشتغل ليلاً ونهارًا بالذكر القلبي واللساني…» وينبغي للسالك المعتزل أن يشتغل بهذا مدة مديدة بحيث يتصور نفسه كأنه قد فارق الجهات والزمان والمكان المحسوس واستعاد تجرد ذاته المحضة…
إن التلاقي بين الاصطلاحات الشيعية والإشراقية ليس أمرًا اتفاقيًا. ومن المؤكد أنه حتى التصوف غير الشيعي يؤمن بسلسلة «الأقطاب» الباطنية؛ فعلى سبيل المثال، يعتقد السمناني أن سلسلة الأنساب السابقة على النبي محمد (ص) تستمر فيه ثم في الأئمة حتى الإمام الثاني عشر ومن بعده في قطب الأقطاب. وهذه السلالة، وإن كانت صورة متحولة من الفكرة الشيعية لدائرة «الولاية»، إلا أنها تختلف عن هذه الفكرة من حيث الأساس؛ لأنها لا ترى الإمام الثاني عشر حيًا حاضرًا دائمًا في هذا العالم، ولا تعتبره «قطب الأقطاب» الدائم؛ وهي تختلف أيضًا عن السلالة التي يقصدها السهروردي. علاوة على ذلك، نعلم أن الجميع متفقون على أن نسبة حكمة الإشراق إلى الفلسفة هي كنسبة التصوف إلى علم الكلام. بين حكمة الإشراق والتصوف نسبة مماثلة لا نسبة هوية.
*الإسلام الإيراني (بتلخيص)
.
۱ـ فيلون الإسكندري (Philon d’Alexandrie) فيلسوف يهودي يوناني، ولد حوالي ۲۰ قبل الميلاد في الإسكندرية وتوفي حوالي ۵۰ بعد الميلاد.
۲ـ بطلها الذي تحمل اسمه هو كيخسرو.
۳ـ السلافوفيليون (Slavophiles) حركة أو حركات في روسيا القرن التاسع عشر كانت تدافع عن تفوق الثقافة السلافية على ثقافة وآثار أوروبا الغربية.
۴ـ من الممكن، نظرًا لقرب روسيا وإيران، أن تكون قد نشأت صلات بين المفكرين الإيرانيين والروس في فترات معينة.
۵- ألكسي خومياكوف (Alexis Khomiakov)
6- قسطنطين ليونتيف (Constantin Leontiev)
7ـ حكمة الإشراق، الفقرة ۲۶۲، ص ۲۴۶.
.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.