اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُعد فضل الرحمن من أهم المفكرين الإسلاميين في مواجهة الإشكالية الكبرى 'التراث والحداثة'. يتحدث مترجمه مهرداد عباسي عن علاقة أفكار فضل الرحمن بالحداثة وتجربة باكستان وإيران.

فضل الرحمن هو أحد أهم مفكري العالم الإسلامي. وُلد عام 1919 في هزارة بباكستان (في حقبة لم تكن فيها هذه البلاد قد انفصلت بعد عن الهند). بدأ مقدمات العلوم الإسلامية على يد والده مولانا شهاب الدين، الذي كان من كبار فقهاء أهل السنة في باكستان. ثم تابع دراسته في جامعة أكسفورد حيث حصل على درجة الدكتوراه. درّس لاحقاً في جامعات مختلفة مثل مكغيل ودورهام وغيرهما، وأتقن اللغات اليونانية واللاتينية والألمانية والفرنسية.
بعد فترة من انفصال باكستان عن الهند وتشكيل هذه الدولة، استقر فيها بدعوة من المسؤولين وتولى رئاسة معهد البحوث الإسلامية، لكنه لم يستطع أن يقيم علاقة طيبة مع أتباع الفكر الإسلامي التقليدي في باكستان، فاضطر للعودة إلى النظام الأكاديمي الغربي. توفي عام 1988. صدر له كتابان بعنواني "المضامين الرئيسية للقرآن" و"الإسلام والحداثة: تحول تقليد فكري" بترجمة فاطمة علاقهبندي وزهرا إيرانبان على التوالي، وذلك في العام الماضي ضمن سلسلة دراسات إسلامية عن دار نشر كرگدن. يشرف على هذه السلسلة مهرداد عباسي. يحمل عباسي درجة الدكتوراه في علوم القرآن والحديث، ويعمل حالياً كعضو هيئة تدريس في جامعة آزاد الإسلامية، فرع العلوم والبحوث، وكذلك باحثاً في مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية. من بين أهم الكتب المنشورة بترجمته وتحريره يمكن الإشارة إلى "نظرات إلى الإسلام في دراسات الأديان"، و"مقاربات لتاريخ تفسير القرآن"، و"مداخل إلى القرآن". بمناسبة طرح أفكار فضل الرحمن مجدداً في إيران، أجرينا حواراً مع مهرداد عباسي.
تعد إشكالية التقليد والحداثة من أهم إشكاليات العالم الإسلامي والمفكرين المسلمين في العصر الحديث. تشمل هذه الإشكالية زوايا مهمة، وتندرج تحتها قضايا جوهرية مثل أسباب تخلف المسلمين عن الحضارة العالمية. لنبدأ حديثنا حول أهمية نظرة فضل الرحمن الخاصة لإشكالية التجديد والحداثة. ما هي نظرة فضل الرحمن لمقولة التجديد؟
يُعد فضل الرحمن من الشخصيات في العالم الإسلامي التي تصارعت مع الإشكالية الكبرى «التراث والحداثة» أو بعبارة أخرى «الإسلام والحداثة». وينبغي اعتبار إجاباته عن هذه الإشكالية الكبرى جزءاً من أكثر الإجابات جدية ومنهجية بين الباحثين والفاعلين في هذا المجال في القرن العشرين الميلادي. ويمكن وصف فضل الرحمن بعبارة ما بأنه «متكلم حديث»؛ متكلم من حيث إنه سعى، شأنه شأن أي متكلم كلاسيكي، إلى تقديم نسق اعتقادي متماسك لأتباع دين معين والدفاع عن معتقداتهم وآرائهم، وحديث من حيث إنه صمم هذا النسق مع الأخذ بعين الاعتبار حضور المنجزات الحديثة ووفقاً للمقتضيات الجديدة، وقدم في الواقع نوعاً من «علم الكلام الجديد». ولعل محمد عبده المصري يُعتبر رائد هذا التيار، إذ كان يسعى إلى مثل هذا المثل الأعلى بتأليفه كتاب «رسالة التوحيد». لقد كان مشروع فضل الرحمن وعبده وكثيرين غيرهم هو وضع إطار نظري وتثبيت قوانين عملية للعيش كمسلم في العالم الحديث. كان هذا المشروع قيد الإنجاز تقريباً في جميع البلدان الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، ولم يقتصر على بلد أو منطقة معينة. في العصر الحديث، برزت في المجتمعات الإسلامية أسئلة جدية من قبيل: ما مكانة ووزن القرآن والتفسير، والحديث والتاريخ، والفقه والأصول، والفلسفة والكلام، والتصوف والعرفان في العصر الحديث؟ بأيدي من وبأي آلية ينبغي أن تُدار المجتمعات المسلمة والبلدان الإسلامية؟ ما الموقف الذي ينبغي اتخاذه إزاء قضايا حقوق المرأة وحقوق الأسرة وتحديد النسل؟ لم تكن هذه الأسئلة مجرد فضول نظري من نوع أسئلة البحث في المقالات أو الأطروحات الجامعية، بل كانت أسئلة ترتبط بالهوية الفردية لكل شخص مسلم والهوية الجمعية لكل مجتمع إسلامي في العصر الحاضر. وليس من العبث أن نرى أعماله قد لاقت رواجاً كبيراً في مناطق عديدة من العالم الإسلامي، من البلدان العربية إلى تركيا وكذلك ماليزيا وإندونيسيا، وتُرجمت إلى اللغات المحلية في العالم الإسلامي. ولا يمكن بالطبع استثناء إيران من العالم الإسلامي. وفي الحقيقة، فإن مما يثير الدهشة أن تبقى كتبه حتى يومنا هذا مجهولة أو قليلة المعرفة لدى كثير من الباحثين في الفكر الإسلامي وقضايا العالم الإسلامي المعاصر في بلدنا. كان أحد دوافعي لترجمة ونشر أهم أعمال فضل الرحمن إلى اللغة الفارسية هو تعويض هذا النقص وسد هذا الفراغ. وإن كان يمكن النظر إلى موضوع ضرورة معرفة أعمال فضل الرحمن من زاوية التشابهات الثقافية بين إيران والهند أيضاً.
هل ستؤثر أهمية طرح بحث فضل الرحمن في استجابة الإسلام للحداثة على نمو النقاشات حول العلاقة بين التراث والحداثة في إيران أيضاً؟
من حيث المبدأ، يمكن أن تكون مقارنة تجارب مختلف بلدان العالم الإسلامي في مواجهة العالم الحديث خلال المئة والخمسين عاماً الأخيرة من الأعمال الجديرة واللازمة في البحوث الإسلامية والاجتماعية. وبكلمة واحدة، يمكن القول إن هذه التجارب، على الرغم من اختلافاتها الكثيرة، تحمل أوجه تشابه لافتة للنظر. إن تجارب الهند وتركيا ومصر، باعتبارها بلداناً رائدة فكرياً في العالم الإسلامي، قيّمة جداً بالنسبة لنا، ودراستها يمكن أن تكون بالغة الاستبصار. عند مقارنة التجربة الإيرانية مع بلدان العالم الإسلامي المهمة، وإذا تجاوزنا مصر وتركيا لضيق المجال عن الحديث عنهما هنا، فإن الهند، بسبب الخلفية الثقافية والأدبية واللغوية المشتركة التي تربطنا بها، ينبغي أن تحظى باهتمام كبير. إن دراسة البرامج الفكرية والعملية للشخصيات الكبرى في تاريخ الهند، أمثال الشيخ أحمد السرهندي، وشاه ولي الله الدهلوي، والسيد أحمد خان، وأبي الأعلى المودودي، ومحمد إقبال اللاهوري، والذين يأتي فضل الرحمن امتداداً لهم، ستكون مثمرة للغاية من الناحيتين العلمية والعملية. لكل واحدة من هذه الشخصيات، من حيث سجلها الفكري والسياسي، يمكن أن نجد نظائر وبدائل في بلدنا. إن عملية انفصال باكستان عن الهند وتشكيل دولة على أساس دين الإسلام تستحضر في الذهن أوجه شبه كثيرة مع عملية حدوث الثورة الإيرانية وتشكيل الجمهورية الإسلامية. كان كل من إقبال اللاهوري وفضل الرحمن يحلمان بتشكيل دولة على أساس تعاليم الإسلام وبنوع من «الجمهورية الإسلامية»، وكانا يُعتبران مُنظّرَين وإيديولوجيَّين لهذا التيار. لم يمهله الأجل، فلم ير تشكيل دولة باكستان بعينيه. لكن فضل الرحمن واصل كفاحه الفكري لعدة عقود بعد تشكيل باكستان؛ وإن كان قد واجه عن كثب، في أوج نشاطه الفكري والعلمي، مشاكل ومصاعب الوجود في باكستان. إن آثار فضل الرحمن يمكن أن تكون، من هذه الناحية أيضاً، مفيدة ومثرية للمعرفة كتجربة معيشة لباحثينا.
ما الذي استقاه فضل الرحمن من أفكار إقبال اللاهوري، وما هي نسبة نظامه الفكري إلى نظام إقبال الفكري؟
كما تعلمون، لا تبلغ شهرة أي من مفكري وشعراء شبه القارة في العصر الحديث، بل ولا شعبيتهم، في إيران ما بلغه إقبال اللاهوري. لذلك، ربما يكون بيان نسبة أفكار فضل الرحمن إلى منظومة إقبال الفكرية جذاباً للمتلقي الإيراني. كان فضل الرحمن في العشرين من عمره عند وفاة إقبال، وكان يعيش أوج حماس الشباب وفتوته. كان عمل إقبال المهم، شأنه شأن السيد جمال وعبده، نقد الوضع الراهن للمسلمين المعاصرين ودعوتهم إلى بناء المستقبل. لقد تركت منظومة «أسرار خودي» وأشعار إقبال الأخرى أثراً بالغاً على جيل فضل الرحمن. ليس من غير الوجيه أن نقول إن فضل الرحمن كان طيلة حياته في صراع فكري مع إقبال، وفي الوقت نفسه يمكن اعتبار مشروعه امتداداً لبرنامج إقبال وفكره؛ وإن كانت هناك بلا شك اختلافات وتباينات في نظرتهما إلى بعض الأمور المتعلقة بالإسلام والمسلمين. تشير السيدة شيلا ماكدونو، الأستاذة في جامعة كونكورديا في مونتريال، والتي كانت على اتصال وثيق بفضل الرحمن لفترة في جامعة مكغيل، إلى نقطة مثيرة للاهتمام حول شعور فضل الرحمن العام تجاه إقبال. فهي التي قرأت أشعار إقبال على فضل الرحمن في فترة بهدف تعلم اللغة الأردية، تقول إن فضل الرحمن كان يكن لإقبال شعوراً ممتزجاً بالحيرة والتردد. ويبدو أن شعور فضل الرحمن هذا كان يعود في المقام الأول إلى تربيته الدينية التي كانت تنظر إلى الشعر نظرة سلبية وتعتبره طيشاً وانحطاطاً.
هذه النظرة الخاصة لفضل الرحمن إلى الشعر مثيرة للاهتمام أيضاً. وبالطبع، ربما يمكن النظر إلى نظرته هذه إلى الشعر على أنها استمرار لتقليد ضرورة الوظيفة التربوية للشعر لدى بعض المفكرين المسلمين.
كان فضل الرحمن، وإن كان مهتمًا بالشعر نفسه، إلا أنه كان يعتبره مرادفًا للابتعاد عن الأخلاق واللامبالاة، وكان قلقًا من أن يكون مضرًا بمجتمعه. بعبارة أخرى، كان يخشى أن يُنظر إلى شعر إقبال من قبل الناس بوصفه وحيًا، فيفتتنوا به ويسكروا بهذه الأشعار ويكفوا عن التفكير. فالتعاليم القرآنية لم تكن تُروَّج بالقدر الكافي في شعر إقبال، وكان احتمال أن يحل هذا الشعر محل القرآن والشريعة أمرًا مقلقًا له. وبين قوسين، أود أن أشير إلى أن النظرة السلبية للقرآن تجاه جل الشعراء وخلق نوع من التقابل بين القرآن والشعر ينبغي النظر إليها من هذا المنظور أيضًا. وبمعنى ما، يمكن القول إن فضل الرحمن ألّف كتاب «المضامين الرئيسية للقرآن» لتعويض أوجه القصور في شعر إقبال من حيث اشتماله على التعاليم القرآنية، وكذلك كتاب «المنهجية الإسلامية في التاريخ» لتبيان أساس الشريعة الإسلامية والدفاع عن حضور الدين في حياة الناس وثقافتهم. وكان لعدم ثقة فضل الرحمن بشعر إقبال سبب آخر، وهو انتقادات أشخاص مثل هاملتون جِب وويلفريد كانتويل سميث الذين كانوا يحذرون من الفردية الرومانسية في شعر إقبال ويعتبرون تأثير مفهوم «الإنسان الأعلى» عند نيتشه على فكره ضارًا. ومع ذلك، كان فضل الرحمن يُعجب بفكر إقبال من نواحٍ عديدة، ورغم معارضة علماء الاجتماع، كان متعاطفًا مع فكرة تأسيس دولة إسلامية مستقلة التي طرحها إقبال. كما كان متوافقًا مع نظرته إلى التاريخ وإلى العلم والطبيعة. وإجمالاً، ينبغي البحث عن حكم فضل الرحمن النهائي بشأن إقبال في مدخل «محمد إقبال» في دائرة معارف الدين لميرتشا إلياده، حيث كتب فضل الرحمن في أواخر عمره في هذا المقال أن إقبال تمكن من اكتشاف الإسلام الحقيقي، أي الإسلام الديناميكي وليس الساكن، ودعا من خلال كتاباته الناس المسلمين وغير المسلمين في جميع أنحاء العالم إلى هذا الإسلام «المنعش والأخلاقي المحور».
كما مر فضل الرحمن بمراحل فكرية متنوعة وجذابة. ففي مرحلة ما، كان مهتمًا بالفلسفة وله تأملات فلسفية. وفي مراحل أخرى، ورغم أنه لا يمكن فصل أفكاره عن الفلسفة، إلا أنه بدا وكأنه انقطع عن الفلسفة واتجه إلى القرآن.
كما كتبتُ سابقًا في موضع آخر، ينبغي اعتبار فضل الرحمن، بمعنى ما، مفكرًا «أصيلًا»؛ أي أنه عاش طوال حياته أفكاره وأبحاثه، ولم يكن مجرد باحث أكاديمي أو ناشط سياسي. عاش نحو 70 عامًا، وفي مرحلة ما اهتم بالفلسفة الإيرانية والإسلامية، وألّف كتبًا ومقالات عن فلاسفة مثل ابن سينا، وملا صدرا، وميرداماد. وفي مرحلة أخرى، شغلت ذهنه مسألة الوحي وماهيته، وتناولها بجدية ودفع ثمنًا باهظًا. وفي مرحلة أخرى، توجه ذهنه نحو القضايا الاجتماعية، واتجه نحو الحداثة الإسلامية، وتناول مسألة الاجتهاد المهمة أو موضوعات مثل حقوق المرأة وحقوق الأسرة. وفي مرحلة أخرى أيضًا، جعل من إحدى أهم قضايا العالم الإسلامي المعاصرة، ألا وهي الأصولية أو الأصولية الجديدة، محط أنظاره. وبناءً على ذلك، قُسّمت حياة فضل الرحمن في بعض الأعمال البحثية إلى خمس مراحل: 1) من البداية حتى سن الثلاثين، وهي مرحلة الفضول الفكري والاقتداء بشخصية إقبال. في هذه المرحلة، تلقى الدروس الحوزوية الإسلامية على يد والده، والمثنوي لمولانا جلال الدين الرومي على يد خاله، وحفظ القرآن. وفي حوالي سن الخامسة عشرة، افتتن بفكر وفلسفة وشعر إقبال. يُقال إن فضل الرحمن، بعد حصوله على درجة الماجستير، تعلم اللغة الألمانية، بل وترجم كتاب «إجناتس جولدتسيهر» الشهير حول اتجاهات تفسير القرآن إلى الإنجليزية، لكن مخطوطاته ضاعت أثناء استقلال باكستان. 2) من سن الثلاثين إلى الأربعين، وهي مرحلة وجوده في جامعة أكسفورد وتعرفه على المستشرق هاملتون جِب الذي ترك أثرًا كبيرًا في فكره. سعى في هذه المرحلة إلى أن يُظهر للغربيين أن الفلسفة الإسلامية لم تنتهِ بنقد الغزالي، وفي هذا السياق، عرّف الغربيين بمفكرين مثل الشيخ أحمد السرهندي وشاه ولي الله الدهلوي. 3) مرحلة وجوده في جامعة مكغيل، حيث تعرف على ويلفريد كانتويل سميث وأسس معهد الدراسات الإسلامية في هذه الجامعة. في هذه المرحلة، تحولت اهتمامات فضل الرحمن من الإسلام الكلاسيكي إلى الإسلام المعاصر. 4) مرحلة العودة إلى باكستان، حيث عاد إلى بلده بدعوة من الرئيس أيوب خان وتولى رئاسة معهد البحوث الإسلامية في كراتشي. في هذا المعهد، تعرف فضل الرحمن، بعيدًا عن الدرس والجامعة، على حقائق المجتمع الإسلامي. تصدت له ولمعهده جماعات دينية مختلفة بقيادة المودودي وآخرين، ووصفته بأنه فتنة ضد الإسلام وتعاليمه. أظهرته الجماعات المعارضة، بنشر مراسلاته مع كانتويل سميث، شخصًا مرتبطًا بالغربيين، ولم تدخر أي جهد في تشويه سمعته العقائدية. امتدت الخلافات إلى وسائل الإعلام، واضطر فضل الرحمن إلى الاستقالة من عمله. 5) السنوات العشرون الأخيرة من عمر فضل الرحمن، حيث هاجر مع زوجته وأبنائه الخمسة إلى أمريكا، واستسلم لعزلة أو منفى اختياري. أمضى السنة الأولى في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، ثم ذهب إلى جامعة شيكاغو وبقي هناك لنحو عشرين عامًا حتى نهاية عمره. في أواخر هذه المرحلة، مُنح فضل الرحمن وسام ليفي ديلا فيدا. كانت هذه الجائزة المرموقة قد مُنحت قبله لمستشرقين بارزين مثل يوزف شاخت، وفون غرونباوم، وفرانتس روزنتال، ووليام مونتغمري وات.
هل كان فضل الرحمن يكتب بالأردية أكثر أم بالإنجليزية؟ وبأي لغة كتب أهم مؤلفاته؟
ألّف فضل الرحمن، على مدى نحو 35 عاماً، قرابة 10 كتب وعشرات المقالات باللغة الإنجليزية، كما كتب مقالات باللغة الأردية أثناء وجوده في باكستان. لا يتسع المجال هنا بالطبع لتناول جميع هذه المؤلفات، لكن اسمحوا لي أن أقدم لكم عرضاً موجزاً لأهم كتبه الإنجليزية. كان أول مؤلف لفضل الرحمن في فترة وجوده الأولى في الغرب، حيث ألّف كتاب «علم النفس عند ابن سينا». وكان ينظر في تلك الفترة إلى مسألة الوحي والنبوة بوصفها نقطة انطلاق لمباحث فلسفة الدين. وعلى الرغم من أنه كان يعدّ ابن سينا في تلك السنوات أول مفكر منهجي في تاريخ الفكر الإسلامي، إلا أنه كان يوجه إليه بعض الانتقادات. وفي كتابه «النبوة في الإسلام»، تناول فلسفة النبوة وسيكولوجية النبي، وكان مدركاً تماماً لحقيقة أنه لا يمكن ولا ينبغي، في أي برنامج نهضوي للمسلمين، استبعاد مفهوم النبوة. ثم تطرق في كتاب بعنوان «رسائل مختارة لأحمد السرهندي» إلى انتقادات هذا الصوفي النقشبندي لابن عربي. وقد اهتم فضل الرحمن في هذا الكتاب - الذي يتمحور أيضاً حول شخصية النبي وخصائص مفهوم النبوة - بالدور الاجتماعي للنبي، وسعى إلى تبيان مكانة السنة النبوية. ثم انتقل فضل الرحمن في كتابه «المنهجية الإسلامية في التاريخ»، الذي يعتبره أفضل كتبه، من المباحث المتعلقة بالفلسفة وعلم الكلام والتصوف إلى المباحث المرتبطة بأصول الفقه. وتتمثل رؤيته في هذا الكتاب في أن الحديث أيضاً أسير التاريخ وظروف الزمان والمكان، وهدفه هو تشكيل مفهوم «السنة المعتبرة» على أساس القرآن والتعريف به. وقد ألّف فضل الرحمن كتاب «الإسلام» خلال فترة رئاسته لمعهد البحوث الإسلامية في باكستان، وفيه ينظر إلى الدين الإسلامي نظرة كلية ومن الخارج بأسلوب الباحثين في تاريخ الأديان. وانقطع عن نشر الكتب زهاء 7 سنوات، ثم ألّف كتاب «فلسفة الملا صدرا». ولعل من المثير للاهتمام بالنسبة لكم أن أحد دوافع فضل الرحمن لنشر هذا الكتاب كان ظهور وهيمنة أبحاث أناس مثل هنري كوربان التي كانت تركز على التصوف والجوانب الباطنية للإسلام. وبعد فترة، ألّف كتاب «المضامين الرئيسية للقرآن» الذي يُعد من أهم كتبه. ثم ألّف بعد ذلك كتاب «الإسلام والحداثة» الذي كان في الأصل جزءاً من مشروع بحثي في جامعة شيكاغو تحت عنوان عام هو «الإسلام والتغيرات الاجتماعية». ومن المثير للاهتمام أن آخر كتاب نُشر لفضل الرحمن في حياته هو كتاب بعنوان «الصحة والطب في التراث الإسلامي»، يلفت فيه المؤلف الانتباه إلى المسائل المتعلقة بالصحة التي تتعارض مع التعاليم القرآنية، ويتناول بشكل خاص موضوعاً حساساً هو تنظيم الأسرة وتحديد النسل في المجتمعات الإسلامية. أما آخر كتبه الذي طُبع بعد وفاته فهو كتاب تحت عنوان «الإحياء والإصلاح في الإسلام» صدر بجهود إبراهيم موسى.
كانت مسألة الإصلاح في العالم الإسلامي وإحياء الحضارة الماضية المتألقة من بين الاهتمامات الأخرى لفضل الرحمن، غير أن هذا الجانب من فكره كان يختلف اختلافاً كبيراً عن غيره من المفكرين المسلمين في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أن مواطنه أبو الأعلى المودودي كان مهتماً بالمجال نفسه، إلا أن ثمة مسافات شاسعة بين فكر هذا المفكر والأفكار الإصلاحية لفضل الرحمن. وتتلخص مسألة العودة إلى القرآن عند فضل الرحمن في هذه النقطة بالذات. وهذا الاختلاف يدل أيضاً على أصالة فكر فضل الرحمن. وتحليلكم لهذا الاختلاف يمهد لنا الطريق لمعرفة فضل الرحمن على نحو أعمق.
لا شك أن الإحياء والإصلاح في فكر المسلمين وممارستهم كانا من أهم هواجس فضل الرحمن ومن أهم المحاور في برنامجه الفكري. ففضل الرحمن، بالإضافة إلى كونه يُعتبر أحد المصلحين المسلمين في الساحتين الفكرية والعملية للعالم الإسلامي في القرن العشرين الميلادي، قد تأمل في تاريخ هذه القضية ورواد الإصلاح وحدوده وثغوره، وله فيها مؤلفات. فقد كتب في عام 1970 مقالاً تنظيرياً حول حدود ومناهج الحداثة الإسلامية، أوضح في مطلعه رؤيته للإصلاح الإسلامي. ووفقاً له، كان الحداثيون الكلاسيكيون في القرن التاسع عشر ينظرون إلى الإصلاحات الإسلامية كمشروع شامل يضم القانون والمجتمع والسياسة والشؤون الفكرية والأخلاقية والروحية، ويرتبط بقضايا مثل أحكام الشهادة، ومكانة المرأة، والتعليم الحديث، وإصلاح المؤسسات والهيئات، وحق المسلمين في التفكير في أنفسهم، وفي الله، وفي طبيعة العالم والإنسان. وفي عام 1977 أيضاً، كتب مقالاً تحت عنوان «الإحياء والإصلاح في الإسلام» ضمن موسوعة تاريخ الإسلام الصادرة عن كامبريدج الشهيرة - والتي تُرجمت إلى الفارسية أيضاً - وبيّن فيه بشكل جيد تاريخ الإحيائية والإصلاحية الدينية في الفكر الإسلامي. ولا بد من القول إن فضل الرحمن كان يرى أن إصلاح المجتمعات الإسلامية رهن بإصلاح التعليم ونظامها التعليمي. كان همه الأساسي خلق أرضية لإعادة التفكير في الإسلام، وهو أمر ممكن عبر التعليم، وكان ينتقد في هذا السبيل العلماء الذين يقاومون التغيرات والتحولات الناجمة عن الحداثة. ومع أنه كان يثني على الإرث الفكري والتقليد متعدد الأوجه الذي خلفه العلماء ويجله، إلا أنه كان يأخذ عليهم نسيانهم للجوانب النقدية والإبداعية لهذا التقليد، وتخليهم عن الإصلاحات والمواجهة الفاعلة مع القضايا الجديدة. وبالطبع، ينبغي الانتباه إلى هذه النقطة المحورية أيضاً، وهي أنه كان يريد الإصلاح قائماً على الأخلاق، وكان ينتقد أشخاصاً مثل أبو الأعلى المودودي الذي كان برنامجه الإصلاحي مقروناً بالغضب والعنف. لكن برنامج أشخاص مثل شاه ولي الله الدهلوي كان مرضياً بالنسبة له، وكان يعتقد أن برنامج الإصلاح ينبغي أن يكون له جانب فكري وأخلاقي وروحي. وبرأي فضل الرحمن، فإن الإشكال الأساسي في تاريخ الفكر الإسلامي هو أن الصلة بين الفلسفة السياسية الإسلامية والأخلاق القرآنية قد انقطعت في العديد من المنعطفات التاريخية.
النظرة القرآنية لفضل الرحمن لمسألة السياسة هي أيضاً من الوجوه الخاصة الأخرى لفكره. كيف أثر تفسير فضل الرحمن للقرآن على نظرته السياسية؟
كان فضل الرحمن، بصفته مسلماً تجديدياً، يعتقد أن القرآن ينبغي تفسيره بناءً على ظروف وخصائص العصر الجديد، ومما لا شك فيه أن مثل هذا المنهج يستلزم فهماً واضحاً للروح العامة للقرآن وديناميكية المجتمع المعقد ومتعدد الأوجه اليوم. لذا، ينبغي على كل جيل أن يدرك الروح العامة الحاكمة على القرآن من خلال دراسة جديدة وجهد فكري وروحي في عصره. ولعل أهم عنصر في هيرمينوطيقا فضل الرحمن هو مفهوم «الاجتهاد» الذي بناءً عليه يجب تفسير رسالة القرآن في ضوء الظروف الراهنة بشكل يحقق هدف القرآن، أي إقامة النظام الأخلاقي والمساواة الاجتماعية، على أفضل وجه. ومن المتوقع أن تكون هذه النظرة لفضل الرحمن متعارضة مع منهج الأصوليين وقد أثارت تحديات. ومن جملتها، كان أحد تحديات فضل الرحمن مع الأصوليين حول مسألة الفائدة المصرفية. فلم يكن يرى أن نهي القرآن يشمل الفوائد القليلة السائدة في العصر الحديث. كما كان يعارض وجهة نظر مجموعة من العلماء حول مكانة المرأة. فمثلاً، في موضوع شهادة امرأتين بدل رجل واحد، كان يعتقد أن هذا الحكم كان متعلقاً بزمن لم تكن النساء تشاركن فيه أساساً في الشؤون المالية والاقتصادية، أما في العصر الحديث فالوضع مختلف. إن تأكيد فضل الرحمن على وجهات النظر الإسلامية التقليدية حول النساء هو أساساً من الموضوعات المتكررة في منهج فضل الرحمن التجديدي والإصلاحي.
كيف كان دخول فضل الرحمن العملي إلى السياسة؟
لقد خاض فضل الرحمن أيضًا في النقاشات المتعلقة بالحكم والسياسة وكيفية إدارة المجتمع استنادًا إلى التعاليم الدينية، وأبدى آراءه في هذه الأمور، ومن ذلك أنه كتب عن إصلاحات أتاتورك في تركيا وأولى اهتمامًا لآراء إقبال في هذا الشأن. في الواقع، كان هاجس إقبال وفضل الرحمن هو تأسيس دولة على أساس دين الإسلام، وهو ما أثمر في النهاية عن قيام باكستان، وكانت تركيا بالنسبة لهما نموذجًا يستحق التأمل. كان موقفهما من إصلاحات أتاتورك مزدوجًا؛ فمن جهة كانا يمتدحان شجاعة الثوار وأعمالهم الإيجابية، ومن جهة أخرى لم يكونا يعتبران أن شرط إقامة العدالة الاجتماعية هو نبذ الدين. في الواقع، كان إقبال وفضل الرحمن، انطلاقًا من مبدأ المساواة بين البشر في دين الإسلام، قلقين من أن يسعى الهندوس مثلًا في الهند إلى نبذ المسلمين. لا ينبغي للمسلمين أن يهتموا بالعقيدة الدينية فحسب، بل عليهم أن يؤسسوا مؤسسات قانونية واجتماعية أيضًا. لقد أراد كلاهما إصلاح الفكر الديني والقانوني وتوفير أساليب جديدة لتحقيق القيم الأخلاقية للقرآن، وأصرّا على أن الحكم لا ينبغي أن يقوم على المصالح الوطنية فحسب، بل يجب أن يفكر أيضًا في مسألة تحقيق العدالة الاجتماعية في البلاد والعالم. كما كتب فضل الرحمن عدة مقالات حول المفهوم الإسلامي للدولة، والشورى، والديمقراطية، وموضوعات من هذا القبيل. من البديهي أن نموذجه المنشود لحكم باكستان لم يكن النظام الشيوعي ولا النظام الرأسمالي، بل كان يفكر في نظام قائم على القيم القرآنية. كان يفضل، لبدء عمل الدولة الإسلامية، نظام الحزب الواحد مع الشورى على نظام التعددية الحزبية، ولم يكن يرى نظام التعددية الحزبية مناسبًا إلا بعد أن تصبح الدولة الإسلامية راسخة. إجمالًا، يمكن القول إن القرآن كان يلعب دورًا محوريًا في منظومته السياسية أيضًا، وكانت العدالة والأخلاق المؤسستان على القرآن هما المبادئ الأساسية التي لا يمكن تجاوزها، وإن كانت التفاصيل المتعلقة بكيفية ارتباط الدين بالسياسة في أفكار فضل الرحمن جديرة ببحث مستقل.
كان فضل الرحمن «متكلمًا حديثًا»؛ لأن كل متكلم كلاسيكي كان يسعى إلى تقديم نسق اعتقادي متماسك لأتباع دين معين والدفاع عن معتقداتهم وآرائهم، وهو حديث من حيث إنه صمم هذا النسق مع الأخذ بعين الاعتبار حضور المنجزات الحديثة ووفقًا للمقتضيات الجديدة، وقدم في الواقع نوعًا من «علم الكلام الجديد».
كان فضل الرحمن يرى أن إصلاح المجتمعات الإسلامية رهن بإصلاح التعليم ونظامها التعليمي. كان هاجسه الأساسي هو خلق أرضية لإعادة التفكير في الإسلام، وهو أمر كان ممكنًا من خلال التعليم، وفي هذا السبيل كان ينتقد العلماء الذين يقاومون التغيرات والتحولات الناجمة عن الحداثة.
لقد حظيت أعمال فضل الرحمن بالعديد من المؤيدين في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي، من البلدان العربية إلى تركيا، وكذلك ماليزيا وإندونيسيا، وتُرجمت إلى اللغات المحلية في العالم الإسلامي.
لقد كان مشروع فضل الرحمن وعبده وكثيرين غيرهم هو وضع إطار نظري وتثبيت قوانين عملية للعيش كمسلمين في العالم الحديث. كان هذا المشروع قيد التنفيذ تقريبًا في جميع البلدان الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، ولم يكن مقتصرًا على بلد أو منطقة معينة.
كان كل من إقبال اللاهوري وفضل الرحمن يتطلعان إلى تأسيس دولة على أساس تعاليم الإسلام ونوع من «الجمهورية الإسلامية»، وكانا يُعتبران المنظّر والإيديولوجي لهذا التيار. لم يمهل الأجل إقبالًا، فلم يرَ قيام دولة باكستان بعينيه. أما فضل الرحمن فقد واصل كفاحه الفكري لعدة عقود بعد قيام باكستان؛ رغم أنه واجه عن كثب، في أوج نشاطه الفكري والعلمي، مشاكل ومآسي الوجود في باكستان.
كان لعدم ثقة فضل الرحمن بشعر إقبال سبب آخر، وهو انتقادات أشخاص مثل هاملتون جِب وولفرد كانتول سميث الذين كانوا يحذرون من الفردية الرومانسية في شعر إقبال، ويعتبرون تأثير مفهوم الإنسان الأعلى عند نيتشه على فكره ضارًا.
في نظر فضل الرحمن، تكمن المشكلة الأساسية في تاريخ الفكر الإسلامي في أن الصلة بين الفلسفة السياسية الإسلامية والأخلاق القرآنية قد انقطعت في العديد من المنعطفات التاريخية الحاسمة.
أهم عنصر في هرمنيوطيقا فضل الرحمن هو مفهوم «الاجتهاد» الذي ينبغي بناءً عليه تفسير رسالة القرآن في ضوء الظروف الراهنة على نحو يحقق هدف القرآن على أفضل وجه.
كان هاجس إقبال وفضل الرحمن هو تشكيل دولة على أساس دين الإسلام، وهو ما أثمر في النهاية عن تأسيس باكستان، وفي هذا السياق، كانت تركيا بالنسبة لهما نموذجًا يستحق التأمل. كان موقفهما من إصلاحات أتاتورك مزدوجًا؛ فمن جهة كانا يمتدحان شجاعة الثوار وأعمالهم الإيجابية، ومن جهة أخرى لم يكونا يعتبران التخلي عن الدين شرطًا لإقامة العدالة الاجتماعية.
.
.
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
مدرنیته اجازه حضور اندیشه دیگری را در کنار خود نمی دهد .
یعنی بیش از « سنت » به تنوع و تغییر میدان می دهد و روایی تنوع و تغییر از مشخصه های آن است ؟!
بله ؛ همه را دربرمی گیرد و به همه امکان ابراز وجود و نشو و نما می دهد ؛ و انحصارطلبان این را خوش نمی دارند .
متکلم مدرن و فراتر از نُرم جامعه ای که اکثریتش نامسلمان و حاکمانش سکولار بوده اند ، چنین بوده ؛ بقیه چیستند ؟! نخشب و بازرگان و شریعتی و پیمان بسی برتر جلوه می کنند .