اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
«سُنَّة الاختلاف» من ثوابت التاريخ البشري، والتسامح ليس محاكاةً للآخر. قبول الآخر ينبغي أن يقوم على الإنسانية، لا عن اضطرار أو عجز عن إزالة الفوارق؛ محمد شوقي زين.

إشارة: محمد شوقي زين أستاذ جامعي ومحلل جزائري حاصل على دكتوراه في الدراسات العربية الإسلامية ومتخصص في الفلسفة والتصوف من جامعة بروفانس. حصل على الدكتوراه الثانية حول "ميشيل دو سارتو" المفكر الفرنسي من جامعة إيكس مرسيليا. من مؤلفاته "تأويلات وتفكيكات"، و"سياسة العقل"، و"الثقاف في الأزمنة العجاف". و"فلسفة التأويل" لغادامير و"ابتكار الحياة اليومية" لميشيل دو سارتو من أهم الكتب التي ترجمها حتى الآن.
1- من سمات العالم الذي نعيش فيه التنوع والاختلافات الكثيرة، وهو ما يُعبَّر عنه في اللغة الدينية بـ"سنة الاختلاف". ما هو تصوركم لسنة الاختلاف؟
سنة الاختلاف من ثوابت التاريخ البشري، أي أن البشر متفقون دائمًا على وجود الاختلاف فيما بينهم؛ إنهم يفكرون في وحدة العقل البشري بمعنى الميل إلى الفضاء الطبيعي والعقلي المتنوع. وقد أطلقت عليه في بعض المناسبات "الأحادية". البشر مشتركون في الأشكال الأنثروبولوجية رغم اختلافهم في الصفات والألوان واللغات. 2- يطرح البعض إشكالًا مفاده أنه لا يمكن استخلاص سلوك عملي من السنن الإلهية. فمثلًا، من السنن الإلهية أن تكون الدنيا دار امتحان، وأن يعاني البشر من أنواع المرض والفقر والموت. لكن من هذا الوضع الذي هو إرادة الله التكوينية، لا يمكن استخلاص نتيجة تشريعية. أي لا يمكن أن نستنتج أنه ما دام الله قد أراد للعالم أن يكون محل امتحان وابتلاء وفيه الفقر والمرض، فلا ينبغي لنا أن نسعى لإزالة الفقر والمرض. هل من كون الله أراد للبشر أن يكونوا مختلفين، يمكن أن نستنتج أنه لا ينبغي لنا أن نسعى إلى جعل البشر نمطًا واحدًا؟
أحيانًا نرى تفاسير خاطئة عند إبراز النص الذي ينبغي تفسيره؛ إن وجود السنن والنواميس الكونية لا ينفي حرية الفعل في التأثير على الأشياء؛ ففي الواقع العملي يوجد المرض والفقر والبلاء، لكن يمكن التغلب على هذه الأضرار ببحث علمي، كأن نجد دواءً لبعض الأمراض، أو أن نمنع الفقر بالتقسيم العادل للثروة والحد من الطبقات الاجتماعية. قد تؤدي الثنائية والاستبداد في قالب الإرادة الإلهية والعجز البشري إلى الاحتقار والتعصب. ورد في النصوص الدينية أن الله خلق الإنسان على صورته، وتقتضي الحكمة أن يتشبه الإنسان بمعبوده في أفعاله بما ينسجم مع غايات الوجود؛ بمعنى أن يكون مؤثرًا في العالم الذي يعيش فيه، ينتج أشياءً، ويبني شخصيات، ويتواصل مع سائر أبناء جنسه.
3- ما هي مقتضيات ولوازم قبول الآخر؟ بعبارة أخرى، كيف نتعامل مع الآخرين حتى نكون قد قبلناهم؟ مقتضيات قبول الآخر هي أن يشعر الإنسان أنه في العالم الذي يعيش فيه، يوجد إلى جواره أبناء جنسه يشاركونه في بعض الصفات، وإن خالفوه في التصورات والتوجهات. وهنا يمكن الإشارة إلى بعض النصوص البديهية التي تقول إن على الإنسان أن يعامل الآخر كما يتوقع أن يعامله الآخر. من اللائق أن يرى نفسه في مرآة الآخر، وأن يلاحظ الآخر في مجموع سلوكياته وتصوراته. أولًا، يشعر الإنسان بالغيرية تجاه نفسه، أي أنه في جميع الأحوال التي تمر به يصبح غير ما هو كائن. ثم يشعر بهذه الغيرية تجاه الآخر، أي يراه شبيهًا به وفي الوقت نفسه مخالفًا له.
4- ما الفرق بين تعابير الاحتمال والمداراة والتسامح وأيضًا قبول الآخر؟ هل تدل جميعها على معنى واحد؟ هذه المفاهيم مترابطة، وغالبًا لا يدل أحدها على موضوع خاص لا تشير إليه المفاهيم الأخرى، لكنها تشترك من جهة العلاقة التي لا بد من إقامتها مع الآخر، علاقة تظهر العمق الإنساني من حيث الإدراك والتواصل والتفاعل.
5- ضرورة الالتزام بالتسامح وقبول الآخر، من أين تنشأ؟ هل تنبع من عجزنا؟ أي أننا لعجزنا عن جعل الآخرين شبیهین بنا، نضطر إلى تحملهم؟ هل قبول الآخر نابع من الاضطرار؟ لم يكن التسامح أبدًا بمعنى جعل الآخر شبیهًا، ولا يدل الجعل المماثل أبدًا على أننا أهل تسامح. التسامح يعني علاقة ينبغي أن تنشأ في مجال التواصل الإنساني، علاقة تقوم على مجموعة من القبولات (قبول الآخر)، وكما يقول الفيلسوف إيمانويل كانط، يكون الإنسان في رأسها غاية لا وسيلة. ينبغي التعامل مع الآخر بوصفه ذاتًا يمكنها أن تنخرط في الإنسانية الجامعة والمشتركة.
6- في تعابير مثل قبول الآخر والتسامح، يُتحدث دائمًا عن نوع من التعامل مع «الآخر». السؤال هنا هو: هل ثمة حد ومرز لـ «الآخر» الذي ينبغي أن نتعامل معه بقبول وتسامح؟ مثلًا، هل يمكن أن نكون متقبلین ومتسامحین مع الذين يروجون لعدم قبول الآخر واللاتسامح؟ لا ينبغي أن نبادل اللاتسامح بالمثل؛ إذا تم التعدي على جزء من الواجبات أو الالتزامات الأخلاقية، فالقانون هو الذي ينبغي أن يحل هذه المشكلة. التسامح في مجال فكر الآخرين كيان إنساني مستقل وغير قابل للتجزئة أو التمييز، أي أننا لا نستطيع أن نُجيز عليه العنف والكراهية أو أن نفصله عن حقوقه ووحدته الإنسانية.
7- تعبير «قبول» الآخر يحتاج إلى مزيد من التبيين. خصوصًا عندما نستخدم تعابير أخرى مثل التحمل والتسامح، قد يكتسب قبول الآخر جانبًا سلبيًا أكثر. بمعنى أننا لا نمنعه ولا نسعى إلى رفضه وحذفه. لكن يمكن أن نستخلص من تعبير «القبول» معنى أكثر إيجابية. وهو أن الآخر ينبغي أن تكون له فرصة متساوية معنا. الآخر أيضًا له الحق في أن يبشر بدینه ومرامه. الآخر متساوٍ معي في التمتع بالحقوق والمزايا الاجتماعية والسياسية. في تلقیكم، قبول الآخر والتسامح، أيهما يحمل هذين المعنيين؟ التسامح ليس مجرد قيمة أخلاقية تخلو من اعتبارات مثل القوانين أو التكاليف؛ على سبيل المثال، يتدخل القانون في مواجهة اللاتسامح. عندما نمنع الآخر من حرية التعبير واختيار المعتقد المناسب له، يتحرك القانون لحماية الحرية والتحرر من التعصب والعنف. أحيانًا ينطبق التسامح على الأفراد بناءً على سعة صدرهم، لكنه في بعض المجتمعات البشرية أو في بعض الاتجاهات العقائدية أو الدينية، يواجه التسامح صعوبة لأن طبيعة المجتمعات هكذا أو لأنها تشمل جميع الأفراد وتريد أن تفرض نهجًا أو سلوكًا محددًا.
8- يبدو أنه لقبول الآخر، ليس من الضروري أن نعتقد أن عقائده أيضًا على حق وأن الآخر متساوٍ معي في التمتع بالحقيقة المعرفية. يكفي أن نقبل أنه ينبغي أن يتمتع بحقوق وفرص متساوية معي. لكن السؤال الآخر هو: هل قبول الآخر بهذا المعنى يعني أن نتعامل مع الجميع بشكل متساوٍ من الناحية العاطفية والتواصلية أيضًا؟ قبول الآخر غير قابل للتجزئة والتفكيك لأنه ينطبق على ذات إنسانية لها حقوق وواجبات في إقامة التواصل مع الآخر.
9- سؤال آخر يُطرح هنا: هل التيارات والأطياف التي تقف في موقع الأقلية والضعف والمحرومية من السلطة السياسية، تتحدث عن قبول الآخر بسبب كونها أقلية فحسب، أم أن قبول الآخر يمثل استراتيجية دائمة لديها، بحيث لو كانت في موقع السلطة وكرسي الإدارة لالتزمت بلوازمه؟ بعبارة أخرى، هل التأكيد على قبول الآخر نابع من ظروفهم الخاصة، أم أنه ناتج عن رؤية توصّلوا إليها عن قناعة فكرية واستراتيجية؟ إن قبول الآخر ليس تابعاً لتكتيكات أو حسابات ومناورات معينة؛ لأن الإنسان في وحدته الجسدية والروحية غير قابل للتجزئة. ينبغي أن تكون له حقوق في التعبير عن آرائه وتفكيره ومعتقده، وينبغي أن تكون عليه واجبات يكون بموجبها خاضعاً للقانون ومحترماً للآخرين، وهذا هو جوهر المسألة. 10- برأيكم، ما هي العوامل التي تؤدي إلى تعزيز قبول الآخر على مستوى المجتمع؟ وما هي تبعاته وأضراره؟ وما هي مخرجات رفض الآخر في العلاقات الاجتماعية إن وُجدت؟ إن تعزيز ثقافة قبول الآخر يتوقف غالباً على انتقال الإنسان من كونه وسيلة إلى كونه غاية، وغايته كامنة في ذاته. عندما نضع هذه القاعدة كسلوك منتظم وفلسفة لحياتنا الاجتماعية، يتحول السؤال عن قبول الآخر إلى إحدى ضرورات المجتمع الإنساني والتواصل بين الأفراد. تظهر بعض الاختلافات بالتزامن مع الانضمام إلى حزب أو فريق أو الميل إلى عقيدة أو ثقافة ما، لكن حدود هذه الاختلافات هي التي تحدد درجة العلاقة الناعمة أو الصلبة بين الأفراد والجماعات. في المجتمعات الديمقراطية، يحتل قبول الآخر رأس الثقافة السياسية والاجتماعية، أما في المجتمعات المنغلقة ذات النزعات الطائفية أو العقائدية، فإن قبول الآخر أخلاقياً وقانونياً يتحقق بصعوبة بالغة. 11- لو تأملنا في المصادر الدينية، لعلمنا أن قراءات مناهضة للآخر ومتطرفة قد تشكلت وما زالت تتشكل من الدين. إن الغفلة عن أية أمور وعدم الالتفات إليها يتسبب في مثل هذه القراءات؟ وبأي أسلوب يمكن نقد القراءات المناهضة للآخر من النصوص الدينية نقداً فعالاً؟ كما أشرت، تكمن المشكلة في التعامل مع المصادر الدينية في تأليه النص وعدم وضعه في سياقه ومعقوله الزمني. أي في الأزمنة التي تتحول فيها الحرب والعداوة بقصد الهيمنة واحتلال أرض ما إلى أنماط سياسية وعسكرية. في أزمنة السلام، تزدهر ثقافة قبول الآخر لأن التواصل يكون أكثر مرونة، والتعايش بين الثقافات والطوائف يفتح الطريق لمزيد من التسامح بين الأفراد. 12- أي من التعاليم والإشارات يمكن أن يكون قاعدة نظرية لقبول الآخر؟ وبالنظر إلى مقاصد الدين وفلسفة الأحكام، كيف يمكن تبرير قبول الآخر؟
أشرت سابقاً إلى القاعدة الكانطية، وهي أن الإنسان غاية في ذاته؛ وبالنظر إلى هذه القاعدة أو المبدأ، سيكون لقبول الآخر معنى ومفهوم آخران. فالعداوة والبغضاء تنشآن من فكرة أن الآخر عبارة عن وسيلة لا غاية؛ أي الاحتقار للآخر وتنامي الأنا. غالباً ما تؤدي هذه الإدراكات إلى أحكام خاطئة وتمثلات منحرفة، مما يشوّه بدوره العلاقة السليمة مع الآخر.
13- لو تأملنا في المصادر الدينية، لعلمنا أن قراءات مناهضة للآخر ومتطرفة قد تشكلت وما زالت تتشكل من الدين؛ إن الغفلة عن أية أمور وعدم الالتفات إليها يتسبب في مثل هذه القراءات؟ وبأي أسلوب يمكن نقد القراءات المناهضة للآخر من النصوص الدينية نقداً فعالاً؟
هناك بعض التعاليم الدينية التي تحولت إلى دافع للعداوة مع الآخرين؛ كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، والرسالة الإلهية لإصلاح العالم، وإزالة الفساد، وضلالة أكثر الناس، ونزعاتهم الشهوانية، ووصية الدين بعدم اتباع أكثر الناس... كيف يمكننا التوفيق بين هذه التعاليم ومبدأ التسامح؟
تكمن المفارقة في أن أولئك الذين ينادون بإصلاح العالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستخدمون وسائل غير أخلاقية كالعنف والإرهاب لتحقيق هذه الغايات. فطالما ظل فهم الآخر خاضعًا لثنائيات عميقة مثل الكافر والمسلم، والمؤمن والضال... إلخ، لا يمكن تأسيس قاعدة للتسامح في هذه النظرة القائمة على التحقير. يحتاج التسامح إلى نوع من التماثل، أي أن جميع المعتقدات تنبع من حقيقة واحدة ولكن بأشكال متنوعة؛ وبالتالي فهي تشترك في الأصل والأساس، أي في التوحيد. وهنا يبرز المبدأ الرواقي المهم القائل: توجد دائمًا حقيقة واحدة وحق واحد، الحقيقة واحدة وللحق وجوه متعددة. إن مجموع المعتقدات والأديان هي حقوق انبثقت من حقيقة واحدة. وعندما تتصارع هذه الحقوق لاحتكار الحقيقة، يبطل التسامح.
14- إذا أردنا الحديث عن مواطن متسامح، فما هي الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها؟ نحن بحاجة إلى مواطن يلتزم بالقانون الذي يحدد مسؤوليته تجاه الآخر؛ كما أن ضرورة التفاعل بين الأفراد في مجال التعايش المشترك مهمة، ويضمنها السلوك النابع من أخلاق مشتركة تضع الإنسان في بؤرة الاهتمام، بغض النظر عن ميوله واختياراته. المجال المشترك هو المجال الذي تُتقاسم فيه قيم الحياة المشتركة والسلوك المعقول الخالي من التعصب والكراهية.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
العلوم السياسية
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.