اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
التسامح هو التحمل الواعي لعقيدة مختلفة، لا الإقرار بصحتها ولا اللامبالاة تجاه الحقيقة. يوضح الدكتور حسن فرشتيان مفهوم التسامح والتعايش دون التعددية المعرفية، والعوامل المؤدية إلى قراءات للدين تنبذ الآخر.

إشارة: يُعدّ قبول الآخر والتسامح من المفاهيم التي تبدو ضرورةً لا مفرّ منها في العالم المعاصر. لقد حظي السلام والتسامح والحلم بمكانةٍ خاصة في الثقافة والحضارة الإسلامية. كما يمكن دراسة السلام والتسامح في النصوص الأدبية الفارسية. في ثقافة أرض إيران، عاشت جماهير الناس جنباً إلى جنب بروح من التساهل والتسامح. إن قبول الآخر والتسامح ثقافةٌ مناهضة للعنف والحرب، وعليه فإن العالم الإسلامي الذي تحوّل، مع انتشار القراءات الدوغمائية للإسلام، إلى مكانٍ غير آمن، وأصبح التعايش السلمي في الشرق الأوسط يواجه خطراً جسيماً، يستوجب ضرورة البحث والتنقيب في هذا المجال من الثقافة والحضارة الإسلامية. لدراسة حدود ونطاق قبول الآخر وممارسة التسامح، طرحنا أسئلةً على الدكتور حسن فرشتيان (مواليد ١٣٤٢ هـ.ش)، رجل الدين والباحث الديني المقيم في باريس، وتأتي حصيلة هذا الحوار المكتوب فيما يلي. نأمل أن يحظى برضا القرّاء الكرام.
التسامح والكلمة اللاتينية المكافئة له «توليرانس»، تعني تحمّل وقبول أمرٍ لا نتفق معه. كلمة توليرانس Tolerance مشتقة من الأصل اللاتيني Tolerare الذي يعني التحمل والصبر. يقترن التسامح والتوليرانس دوماً بخلفية ومقدمة غير سارّة. ومن الناحية التاريخية أيضاً، يواجه الإنسان في البداية ظاهرة غير سارّة فيسعى إلى مكافحتها، ثم يأتي دور التسامح فيتحملها ويبدي الصبر والتسامح.
من وجهة نظر الأخلاقيين، يُطرح التوليرانس عندما نقف أمام ثنائية الخير والشر. والمقصود بالشر هنا، بطبيعة الحال، ليس الشر المطلق، بل مفهوم الشر النسبي الذي يشمل «الخير الأقل» أيضاً. عندما ننوي مكافحة الشر وندرك أن مكافحتنا هذه للشر ستؤدي إلى شرٍ أسوأ، نلجأ إلى التوليرانس. شريطة أن تكون لدينا الإرادة والقدرة على مكافحة ذلك الشر، ولكننا نتسامح معه عن عمد ووعي.
في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حين كانت نيران الحروب الدينية تجتاح أوروبا، رأى فلاسفة عصر التنوير أن حلّ إنهاء تلك الحروب الدينية يكمن في إقامة هدنة تحت ظلّ نشر ثقافة التسامح.
كان جون لوك، أحد أبرز علماء عصر التنوير، يعتقد من جهة أن الحكم الدنيوي عاجز عن إثبات أحقية دينٍ ما مقابل سائر الأديان، ومن جهة أخرى كان يرى أن إجبار المجتمع على التوحيد الديني سيؤدي إلى أعمال عنف واضطرابات لا يمكن تعويضها. وهو يقدم في كتابه المعنون «رسائل في التسامح»(1) أحد التعريفات الوصفية الأولى للتوليرانس على النحو التالي: «التوقف عن مكافحة ما لا يمكننا تغييره»، أي أننا كنا نستقبحه في البداية وننوي تغييره، ولكن لأننا لا نستطيع تغييره بسبب العواقب الوخيمة لمكافحته، فإننا لا نكافحه ونتحمله.»
على الرغم من أن مفهوم التسامح يتشابه مع مفاهيم اللامبالاة، والخضوع، والسلبية، إلا أنها مختلفة تماماً. في حالة «اللامبالاة»، لا يملك الفرد دافعاً أو إحساساً بالعمل، أما في التوليرانس فلديه دافع، إما أن يستقبحه أو يستحسنه، لكنه يتسامح لسبب آخر. في حالة «الخضوع»، يستسلم الفرد للإكراهات، أما في التوليرانس فالفرد يمتلك القدرة على المقاومة لكنه يلجأ إلى قبول الآخر. في التوليرانس، ينبع أصل قبول الآخر، أو احترام الآخر، إما من «النزعة الإنسانية» أو من احترام فكرةٍ وفكرٍ جوهري، وبالتالي فهو ناتج عن «الليبرالية السياسية». وبالطبع، منذ حوالي منتصف القرن العشرين الميلادي، يُستخدم التوليرانس والتسامح بمعنى الروح المنفتحة وقبول الآخر.
للتسامح، لسنا ملزمين بقبول التعددية المعرفية. لا يوجد أي إكراه لأن نعتبر نسبة الأديان إلى الحقيقة متساوية حتى نصل بالتالي إلى التسامح. يحق لأتباع الأديان أن يعتبروا دينهم أقرب إلى الحقيقة مقارنة بالأديان الأخرى، وإلا كان ترجيح معتقد ديني على معتقد ديني آخر بلا معنى. ما يقربنا من التسامح ليس قبول الحقانية المتساوية للأديان، بل قبول حق الآخرين في التعبير عن آرائهم بحرية. من جهة، ينبغي أن يتمكن الجميع من قول كلمتهم وطرح أنفسهم، لكن هذا لا يتطلب بالضرورة هذه المقدمة القائلة بأن كل هذه الأقوال حق، أو أن كل هذه الأقوال لها نصيب متساوٍ من الحقيقة.
إذا كان شخص ما يعتقد أن جميع الأديان لها نصيب متساوٍ من الحقيقة، فإن الأمر لا يصل أصلاً إلى التسامح، أي لا تنشأ الحاجة إلى التسامح. كما أشير سابقاً، يُطرح التسامح حيث لا تقبل ذلك المعتقد، وبالمقارنة مع معتقدك الذي تعتبره خيراً، ترى ذلك المعتقد الآخر شراً، أو على الأقل ترى نصيبه من الحقيقة أقل من نصيبك منها، في هذه الحالة ستحاول تغيير ذلك الأمر بل ومحاربته. هنا يأتي دور التسامح والتوليرانس. أي أنك توقف المحاربة والسعي لتدمير ذلك المعتقد الآخر.
ينبغي أولاً أن نرى ما هي الوظيفة الأولية والأساسية للدين والمذهب؟ هل جاء الدين ليجمع مجموعة من «الأنا» ويخلق «نحن»؟ أم على العكس، سعى إلى إحداث الفرقة بين «نحن» وجعلنا طوائف متفرقة؟
الكلمة العربية «مذهب» تعني الطريق. كان المذهب في البداية بمنزلة طريق لإيصال المتدينين إلى مكان ما، ولا شك أن ذلك المكان الذي وُعدوا به كان مقام الخلاص والسعادة، لا النزاع والشقاوة. بدأ الإشكال من هنا، إذ ما كان بمنزلة «الطريق» صار يُظن أنه «الهدف»، ولأن كل سالك كان يرى طريقه أسمى وأفضل ويتصوره هو الهدف، انخرط في النزاع حول أصالة طريقه وانحراف السبل الأخرى.
الكلمة اللاتينية للمذهب «Religion» تأتي من الجذر اللاتيني «Religio- Relegere»، الذي يعني «Relier» أي الارتباط ببعضه والاتحاد معاً. ورغم أن أصوله الاصطلاحية كانت موضع بحث وجدال منذ القدم، حيث اعتقد البعض أن المذهب للصلة بين الإنسان والله، واعتبره آخرون عامل ارتباط بين المتدينين، فإن السمة البارزة للمذهب كانت عامل الوصل فيه. في حيز الممارسة وفي العالم الموضوعي، يكتسب المذهب وظيفتين، فقد أحدث «انفصالاً» و«اتصالاً». «وصل» و«فصل» في آن. جمع أفراداً حول بعضهم، وميّز أفراداً عن بعضهم وفصلهم. «جمع» جماعة من الناس معاً، و«فصل» جماعة أخرى عن بعضها. الآن ينبغي أن نرى أي وظيفة من وظائف المذهب كانت هدفه الأساسي؟ وأي وظيفة كانت حادثة لا مفر منها في مسير الطريق؟
في منظور المؤمنين بالله، تبدأ حكاية الإنسان والمذهب من «أنا أعلى». تلك الأنا الأعلى كانت بمنزلة كنز مخفي خلق الإنسان ليُعرف، قال هو نفسه: «كنت كنزاً مخفياً، فأحببت أن أُعرف، فخلقت الخلق لكي أُعرف.»(2)
الإنسان «الأنا الصغير»، حين هبط صار خليفة ونائباً لتلك «الأنا الكبير» على الأرض. حينئذ حان دور استعراض «الأنا» الأرضية. في هذا الهبوط، وفي عملية الأخذ والعطاء والتفاعل، ظهرت اشتراكاته وافتراقاته مع «الأنا» الأخرى. حينما صارت «الأنا» في هذا المسار مع «أنا» متآلفة ومتجانسة، تحولت إلى «نحن». تصير «نحن» معاً مجموعة مشتركة وتتحول إلى طائفة وجماعة ذات مشتركات ثقافية أو عقائدية مع تقاليد مشتركة «Communauté(3)». في الثقافة الإسلامية، على المستوى الكلي، تتحول «نحن» إلى «أمة». في مقابل «نحن»، يجد «هم» و«الآخرون» أيضاً وجوداً عينياً ومحدداً.(4)
عندما تتحول «الأنا» في هذا المسار الإيماني للمؤمنين إلى «نحن»، يتوجب على «نحن» أن تقدم تعريفاً لنفسها يجمع كل أفراد «نحن» تحت مظلة واحدة، ومن جهة أخرى ترسم حدوداً مع الآخرين وتُعرّفهم، لأنه بناءً على هذه التعريفات، يصبح الآخرون «هم» و«هم» ليسوا من «نحن». وبعد رسم هذه الحدود، تتحدد كيفية تعامل «نحن» مع «هم».
عندما تتحول «الأنا» في هذه العملية إلى «نحن»، تصبح «نحن» بمثابة «وحدة»(5) تُبيّن وتُعرّف هويتها(6) وآدابها ومناسباتها في داخلها. هذه الآداب والمناسبات تظهر في منظومة الهويات السياسية-الاجتماعية على شكل «معيار وشذوذ»، وفي منظومة الهويات الثقافية على شكل «أخلاق وآداب»(7). وفي التجمعات النقابية، تُسمى هذه الآداب بالنظام الداخلي أو أدب المهنة(8)، وفي منظومة الهويات الدينية، تُبيّن على شكل «شريعة» أو «فقه». «الشريعة» لغةً هي المورد الذي يُستقى منه بلا حبل، أو الطريق الذي يوصل الإنسان إلى مكان يشرب منه دون حاجة إلى حبل: «مورد الماء الذي يُستقى منه بلا رشاء». و«المذهب» هو الطريق أيضاً ويدل على «السبيل».
بدأت هذه التصنيفات في البداية من المباحث العقائدية، ويتولى المتكلمون والمتألهون في علم الكلام مهمة تبيين هذه الحدود العقائدية. ثم يأتي دور الفقهاء وحراس الشريعة ليقوموا، بناءً على الحدود المعرّفة في علم الكلام، بتبيين الآداب والمقررات، والواجبات والمحظورات الفقهية، والحرام والحلال الشرعي من منظور «الفقه» لجماهير المقلدين.
تقوم «نحن» لتعزيز ذاتها بتبيين حدودها الكلامية والفقهية. ولتبيين هذه الحدود، تُعرّف حدوداً جديدة داخل الحد الكلي. تنقسم «نحن» في داخلها إلى أجزاء أصغر، وتتشكل «نحن المصغرة». تحتاج هذه «النحن المصغرة» إلى إعادة تعريف ذاتها. تتحول «النحن المصغرة» في الهويات الثقافية إلى «ثقافات فرعية» تصبح دائرتها وحلقتها أصغر كلما أصبحت تعريفاتها أدق وأدق وأكثر تفصيلاً وتحديداً.
في سياق رسم هذه الحدود العقائدية، كما هو الحال في سياق رسم الحدود الجغرافية، نشبت صراعات دامية ونزاعات عنيفة. قام الكاثوليك بقتل البروتستانت، وكفّر المسلمون بعضهم بعضاً واتهموهم بالردة. وفي بعض الفترات، أدت هذه الاحتكاكات إلى إباحة قتل بعضهم بعضاً، وصدرت فتاوى، وطاحت رؤوس. لم يكن علم الكلام والفقه وحدهما من خلق هذه الحدود، بل لعبت «التيارات السياسية» أيضاً دوراً مهماً في هذه الاصطفافات. فعلى سبيل المثال، منذ بدايات الإسلام، في نشأة تياري الجبرية والمعتزلة، كانت بصمات السلطة السياسية واضحة، من الدعم والموافقة لتيار، إلى القمع والمعارضة لتيار آخر.
في خلق وبسط الروح المتسامحة دينياً، وكذلك في النقطة المقابلة لها، أي في خلق وبسط النزعة العدائية للآخر دينياً، يمكن لثلاث ظواهر أن يكون لها تأثير مباشر: «النص المقدس»، و«تفسير النص المقدس»، و«سلوك المؤمنين بالأمر المقدس». فرغم أن الأول، أي «النص»، له حياته المستقلة عن إرادتنا، إلا أننا في «تفسيره وإعادة قراءته» فاعلون ونشطاء، و«سلوكنا» ناتج عن قراءاتنا وإعادة قراءاتنا هذه.
من الناحية الثقافية، تؤدي إعادة قراءة تلك المفاهيم التي أشير إليها في إجابة السؤال السابق دوراً كبيراً في نشر ثقافة التسامح. في الإجابة السابقة، تمت الإشارة إلى مسار هذه الانفصالات وسيرورتها، وفي هذا المسار، سعى «نحن» عبر إبراز خصائصه إلى إظهار تمایزاته عن «هم»، وربما كان هذا ضرورياً في البداية كي يجد «نحن» هويةً ويحظى بكيان مستقل، لكن التوقف عند هذه المرحلة وتحويل «الطريق» إلى «هدف» عزز ثقافة «التمایز»، وكانت نتيجته «رهاب الآخر». سلوك «رهاب الآخر» ومن ثم «عداء الآخر» كان وليد هذه النزعات التمایزية. يبدو أن أهم ما ينبغي القيام به هو إعادة قراءة التعريفات. في إعادة القراءة هذه، يجب تحديث تعريفات «نحن» وتعريفات «هم» من جديد. عندما تتغير التعريفات، ستُعاد قراءة «العلاقات» أيضاً، وبناءً على التعريفات الجديدة، تنشأ مواضع جديدة. في هذه المواضع، ستختلف الأفعال وردود الأفعال أيضاً، ولن نقف بالضرورة، «نحن» و«هم»، في مواجهة بعضنا البعض لنخوض صراعاً لا نهاية له. يمكن لكل منا أن يعرّف لـ«ذاته» ولـ«الآخر» موضعاً جديداً، كي لا نصل إلى القبول المتبادل والتعايش فحسب، بل نتمكن من السير معاً نحو المقصد.
في إعادة قراءة هذه التعريفات، سنلاحظ أن الطرق الموصلة إلى الله وإلى حقيقة الكون متعددة. لسنا «نحن» وحدنا حملة الحقيقة المطلقة، وليس معلوماً أن جميع «الآخرين» حملة ضلال مطلق، فسبل النجاة مختلفة أيضاً، فربما يصل كل فرد إلى الله من طريقه ومساره الخاص. «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق».
بعض الرؤى داخل الدين، مثل النظرة العرفانية إلى الكون، يمكن أن تدفعنا إلى فهم مختلف عن فهم «عداء الآخر» السائد. يبدو أن هذه الفهوم المتعاطفة يمكن أن تكون أقرب إلى المفهوم الأولي لمحتوى الرسالة.(9)
يشبه مولانا جلال الدين الرومي في المثنوي حقيقة النجاة بنور الشمس، فكما أن كل شخص، من داخل أي بيت، إذا نظر إلى الشمس، فإنه يرى الشمس بلا شك بشكل خاص ومن زاوية رؤيته، وربما تختلف تعريفاتنا للشمس باختلاف زاوية رؤيتنا. لكن إذا أزيلت جدران هذه البيوت وهذه الحجب يوماً، فسيرى الجميع أنه لا توجد إلا شمس واحدة فريدة. الشمس واحدة لكن زاوية رؤية كل فرد مختلفة، وفي تلك الحال، سيواجه الجميع شمساً واحدة:
همچو آن یک نور خورشید سما
صد بود نسبت به صحن خانهها
لیک یک باشد همه انوارشان
چونک برگیری تو دیوار از میان
چون نماند خانهها را قاعده
مؤمنان مانند نفس واحده
زان همه جنگند این اصحاب ما
جنگ کس نشنید اندر انبیا
زانک نور انبیا خورشید بود
نور حس ما چراغ و شمع و دود(10)
وكما يقول حافظ، الجميع طالبون للحبيب، وجميع المعابد بيت للحب، فأي فرق إن كانت تلك المعابد مسجداً أم كنيسة أم معبداً يهودياً.
عیب رندان مکن ای زاهد پاکیزه سرشت
که گناه دگران بر تو نخواهند نوشت
من اگر نیکم و گر بد، تو برو خود را باش
هر کسی آن درود عاقبت کار که کشت
همه کس طالب یارند چه هشیار و چه مست
همه جا خانه عشق است، چه مسجد چه کنشت
به این نگرش، نگاه «ما» به بسیاری از «آنها» تغییر پیدا خواهد کرد. بسیاری از «آنها» اگرچه هم مسلک ما نیستند ولی در مقصد نهایی به جستجوی حقیقتی میاندیشند که ما نیز بدان امیدواریم.
به این نگرش، نگاه «ما» به بسیاری از «آنها» تغییر پیدا خواهد کرد. بسیاری از «آنها» اگرچه هم مسلک ما نیستند ولی در مقصد نهایی به جستجوی حقیقتی میاندیشند که ما نیز بدان امیدواریم.
إن تتبّع جذور هذه التمظهرات الهوياتية يلعب دوراً بالغ الأهمية في إعادة قراءة تعريفات «نحن» و«الآخرين»، وبالتالي في تشكّل البنى الجديدة للعلاقات. وباستعارة المصطلحات الفيزيائية، يمكن اعتبار حركة «نحن» على امتدادها التاريخي حركة مزدوجة، كانت ولا تزال نابذة عن المركز (Centrifug) لتحديد حدودها؛ لكنها في نهاية التاريخ ستكون حركة جاذبة نحو المركز (Centripète).
إن موعود آخر الزمان، «سوشيانت»(11) عند الزرادشتيين، و«الماشيح»(12) عند اليهود، و«المسيح» عند المسيحيين، و«المهدي» عند الشيعة، سيأتي. لقد أرسل الإله الواحد أنبياء متعددين ومكثرين. في مسيرة الهبوط، كان تكثر حملة رسالات الإله الواحد، وبالتالي تكثر المخلّصين، أمراً حتمياً وضرورةً لتكثر الظروف المناخية-الثقافية والتاريخية المختلفة للبشرية التي كانت قد هبطت. لكن الإيمانيات المتعددة، وحملة الرسالات المتعددين، والمخلّصين المتعددين، كانوا جميعاً يتبعون إلهاً واحداً. وفي مسيرة الصعود، سيكون لعقل الإنسان الكامل عودة إلى وحدانية «التوحيد» تلك.
من الناحية السياسية، يلعب وجود الحرية والديمقراطية دوراً بالغ الأهمية في بسط ثقافة التسامح. ففي الحكومات المستبدة، سواء أكانت علمانية أم دينية، تُطوى ثقافة التسامح في طيّ النسيان. في الحكومات العلمانية الديكتاتورية، وبسبب غياب الحريات السياسية والثقافية الأساسية، تختفي إمكانية التبادل والحوار بين الأديان والمذاهب، أو يُسمح في بعض الحالات بطرح القراءة الأقل خطورة على الحكومة العلمانية، فيما تُخنق سائر القراءات. وفي الحكومات الدينية الديكتاتورية تحدث الحكاية ذاتها، فتصبح القراءة الرسمية هي القراءة الحاكمة، وتُسلب إمكانية الحوار والديالوج. أما عند وجود الديمقراطية، فتُتاح إمكانية الحوار. وهذه الحوارات بالذات هي ما يتسبب في انهيار جدران انعدام الثقة و«رهاب الآخر» و«عداء الآخر».
إن الحكومات الإيديولوجية، حتى لو تأسست على إيديولوجيا غير دينية، كما هو الحال في الكتلة الشرقية السابقة، غالباً ما تكون هي نفسها عائقاً أمام بسط ثقافة التسامح والتعايش. وفي البلدان الإسلامية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، كان هذا العائق نفسه قائماً من قبل الحكومات. فقد كانت مفاهيم مثل الخلافة والأمة أو العروبة وغيرها... تُعرف بوصفها رموزاً لتضامن المجتمع المسلم. وبالاعتماد على الإيمان بـ«عابرة الإسلام للأوطان»، لم تكن دولة الإسلام تقيّد نفسها بالحدود الترابية الإقليمية. وكان القادة الدينيون أيضاً يقدمون أنفسهم بوصفهم قادة عابرين للأوطان. وعلى الرغم من أن نطاق سيادة كل واحد من هؤلاء القادة والسلاطين كان يقتصر على الأراضي الخاصة بهم فقط، إلا أن دعواهم للقيادة والزعامة كانت تمتد في نطاق عابر للأوطان، وكان كل واحد منهم يسعى، عبر شعارات، إلى اعتبار مناطق نفوذه متجاوزة لحدود بلادهم الترابية.
مع هكذا مقاربة، كان يبدو طبيعياً جداً أن يُنظر إلى مفهوم المواطنة أيضاً في إطار العضوية في جماعة اعتقادية معينة، مثل الأمة العربية أو الأمة الإسلامية. ومع أن مقتضيات القواعد الدولية والأنظمة القانونية الترابية كانت تجعل تطبيق هذه المفاهيم يواجه صعوبات، وكانت هذه المجتمعات مضطرة، رغماً عنها، إلى مراعاة القواعد الترابية، إلا أنه لم يطرأ تغيير في أعماق معتقداتها.
إن فكرة وحلم إحياء الخلافة الإسلامية في إطار عابر للأوطان يُعد من الأماني العريقة للمجتمعات المسلمة، والتي ما إن تسنح فرصة مناسبة حتى تحيا هذه الأماني من جديد. وقد تجلت النموذج الأخير لهذه النزعات في نشوء شبكة داعش. فمسلمون يحملون جنسيات وجوازات سفر لبلدان مختلفة يسعون، تحت لواء داعش، إلى إحياء الخلافة الإسلامية من جديد. وفي هذه الخلافة الإسلامية الموعودة، تُكسر الحدود الترابية بين العراق وسوريا وسائر المناطق، بل ويمكن لشبكات داعش في مناطق الشرق الأوسط هذه، بالارتباط مع تيارات مثل بوكو حرام والشباب في القارة الأفريقية، أن تفكر في حلم الخلافة الإسلامية العالمية، خارج الحدود الترابية المتعارف عليها.
هذه الأرضية النظرية تؤدي إلى أن تُفسر وتُشرح مفاهيم «المواطنة» أيضاً بالارتباط مع العضوية في هذه الأمة ذاتها. فأعضاء الأمة الإسلامية يُعتبرون مواطني الأمة الإسلامية العالمية، وسواهم يُعتبرون غرباء، غرباء في الدين أو في المذهب.
بالنظر إلى الأسس الفكرية المذكورة أعلاه، يبدو طبيعياً جداً أن يُرجَع، من أجل تصنيف المواطنين، إلى التصنيفات الفقهية الرائجة ذاتها. ففي التصنيفات الفقهية المشهورة، كان البشر إما مسلمين أو غير مسلمين، وكان غير المسلمين إما أهل كتاب أو غير أهل كتاب. وكان المسلمون يُعتبرون أعضاء في الأمة الإسلامية؛ أما غير المسلمين فكانوا يُصنفون، باعتبارهم كفاراً، تحت عناوين أخرى. لقد سُمِّي غير المسلمين كفاراً ووُضعوا خارج الأمة الإسلامية. طبعاً، وُضع المسيحيون واليهود والزرادشتيون، باعتبارهم «أهل كتاب»، في وضعية وسطى. وصُنِّف الكفار إلى كافر حربي وكافر ذمي.
هذه الأسس والتعريفات الفقهية، وهذه التصنيفات الفقهية والكلامية الرائجة، دخلت بهذا الشكل نفسه إلى القانون العام والقانون الدستوري. لقد اختُزل مفهوم المواطنة إلى مفهوم العضوية في الأمة الإسلامية. ونتيجة لذلك، اعتُبر أعضاء الأمة الإسلامية فقط هم المواطنون الأصليون للمجتمع الإسلامي. أما الآخرون (غير المسلمين) فقد وُضعوا، وفقاً لسائر التصنيفات الفقهية، في إطار المجموعات الأخرى. وبضم هذه الأسس بعضها إلى بعض، فإن مثل هذه الدول تهيئ بنفسها أرضية عدم التسامح.
من أجل تعزيز التسامح والتعايش، إذا التزمت الدول في الأراضي الإسلامية بمقررات «الدولة-الأمة» واعتبرت نفسها خادمة لجميع المواطنين، فإنها تهيئ عملياً أرضيات التعايش بين الأديان، كي لا يعتبر البعض أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة. وفي هذه الحال، حتى من المنظور الفقهي، يمكن توسيع أفق الرؤية إلى ما وراء «الفقه السياسي» والتفكير في «الفقه المدني». إن الفقه المدني يقرّب المتدينين والمؤمنين في أرضٍ ما من مفهوم المواطنة، كما أن قبول أسس المواطنة يمهد الطريق للتعايش.
بالنظر إلى أن فهم سلوكٍ ما أو قبوله غير ممكن دون معرفة جذوره وأسبابه، فلا شك أن «التعليم» يؤدي دوراً بالغ الأهمية في فهم سلوك الآخرين أو قبوله. وكما تقول هيلين كيلر Helen Keller (1880-1968)، فإن أهم نتيجة للتعليم والتربية هي التسامح والتوليرانس.
كانت الأمم المتحدة قد سمَّت العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الميلادي «عقد اللاعنف والسلام». وفي باريس، وبهذه المناسبة، بادرت مجموعة من البوذيين واليهود والمسيحيين والمسلمين إلى حوارات رباعية. وقد كنت حاضراً في هذه المجموعة بوصفي ثيولوجياً إسلامياً. كنا، كل عام، نأخذ موضوعاً بهذا الشأن بعين الاعتبار، وبعد مناقشات مفصلة فيما بيننا، كنا نعقد مؤتمراً عاماً، وكانت نتائجه تُنشر على شكل كتاب. ومن بين الأمور التي شعرنا بضرورة مناقشتها، كانت مسألة «التعليم» وخصوصاً «تعليم التسامح»، وقد نُشرت نتيجة ذلك المؤتمر لاحقاً على شكل كتاب باللغة الفرنسية بعنوان «نحو تعليم السلام»(13).(14) في هذا المؤتمر، وبالتركيز على أهمية تعليم الأطفال في الإسلام ودور التعليم في سني الطفولة المبكرة في تشكيل الثقافة والآداب، أُعيد سرد اهتمام الإسلام بهذا الأمر المهم، كما استخرجت الأديان الأخرى آراءً مماثلة من نصوصها. وكانت خلاصة هذا المؤتمر هي أهمية دور التعليم في نشر السلام والتسامح لدى الأديان والثقافات المختلفة.
من جهة «السبق» إلى التحولات الاجتماعية أو «الاتباع» لهذه الحوادث، يُعتبر «الحقوق» و«القانون» من «المعارف المتأخرة». في البداية، يقع تحول وحادث تاريخي، أو تنشأ حاجة إلى ظاهرة ما، ثم يدخل علم الحقوق ويقدم القانون حكم ذلك الحادث وطريق حله. لا بد أولاً من أن يُحس في المجتمع بعطش وحاجة وضرورة، حتى يسن القانون مقررات لرفع تلك الحاجة. في البداية، يقع اختراع السيارة ووجودها في الشوارع، ثم تُدوَّن قوانين السير لتنظيم القيادة. قبل تدخل مؤسسة الحقوق والقانون، لا بد من أن تُهيأ أرضياتها.
في البلدان ذات السيادة الدينية، تسري هذه المسألة على القوانين الدينية أيضاً. فالمؤسسات التقليدية، من المؤسسات الدينية إلى المؤسسات القانونية، تقاوم في جوهرها كل أمر جديد ومستحدث. فالتفسير الشائع للدين، والقانون القائم، يُعتبران من الأمور الراسخة والمتجذرة، وكلما ازدادت رسوخاً، كانت التغييرات أبطأ. في علم القانون وفي التصورات عن الدين على حد سواء، تُعامل الوقائع القائمة، والعادات الدينية، وسنن الأسلاف، والقوانين المصادق عليها، وكأنها حقائق لا تتغير. كما هو الحال في التفاسير التقليدية والمحافظة للدين، حيث يُعتبر كل أمر جديد بدعة وحراماً وسبباً للضلالة، استناداً إلى روايات مثل «كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ»، «كُلُّ جَدِيدٍ بِدْعَةٌ»(15)، وتُقاوَم هذه الأمور. لدى بعض الحقوقيين الكلاسيكيين أيضاً، يكون للقوانين المصادق عليها والاجتهادات القضائية القائمة الحكم نفسه.
لكن الحقوقيين المبتكرين، في الشأن القانوني، شأنهم شأن المفكرين الجدد والإصلاحيين الدينيين في مقولات الشأن الديني، يمكنهم مواكبة هذه الابتكارات في مراحل متعددة. الخطوة الأولى هي طرح هذه الحاجة وهذا العطش، حاجتنا إلى التعايش، والفهم المتبادل لبعضنا البعض، والتسامح مع بعضنا. الخطوة الثانية هي تحديث قراءات للقوانين العرفية أو الشرعية تكون متوافقة ومتزامنة مع هذه الحاجات. الخطوة الثالثة هي إحداث تغييرات في القوانين تهيئ الأرضيات العملية لهذا التعايش. أي أن يتمتع المواطنون، من جهة، بحقوق مواطنة متساوية، وتُهيأ، من جهة أخرى، أرضيات القبول المتبادل من المنظور الحقوقي والقانوني.
كمثال على ذلك، يمكن النظر إلى دور القانون والتشريع في فرنسا. فبعد المعارك الدامية مع البروتستانت وأصحاب الفكر المخالف، خُطيت أخيراً في مرسوم فرساي لعام 1787، الذي وقعه لويس السادس عشر، أولى خطوات التسامح القانوني في فرنسا، واستناداً إلى الوثيقة أعلاه، سُمح لغير الكاثوليك أيضاً باستلام وثائق الأحوال الشخصية دون أن يُجبروا على اعتناق المذهب الكاثوليكي. قبل ذلك، كانت أسماء الكاثوليك فقط تُسجل في سجل الأحوال الشخصية. في هذا المرسوم، سُمح للبروتستانت ببناء معابدهم الخاصة، شريطة أن يكون برج ناقوس معبدهم أقصر من برج ناقوس الكنيسة الكاثوليكية. ثم اكتسبت هذه المفاهيم ذاتها صفة رسمية أساسية في وثيقة الثورة الفرنسية، أي في «إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789»(16)، ولاحقاً أصبحت هذه الوثيقة، كمقدمة للدستور الفرنسي، جزءاً من الحقوق الأساسية والجوهرية لهذا البلد. هذه المفاهيم عينها أُدرجت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، في إطار مفاهيم مثل حق حرية العقيدة، وحق حرية التعبير عن الرأي، وإقامة الشعائر. وبالتدريج، تَبِعت سائر اللوائح والقوانين هذه القوانين الأساسية.
في الإجابات السابقة، تمت الإشارة إلى دور التعليم والتربية. لا شك أن نواة الأسرة هي المؤسسة الأولى المعنية، حيث يصبح الوالدان، من خلال النمذجة العملية، قدوة سلوكية للأبناء. إن قبول اختلافات الأبناء وقبول وجهات نظرهم المخالفة، يمنحهم من جهة جرأة التعبير عن الرأي، والقدرة على إبداء المخالفة، والثقة بالنفس، ويعلمهم من جهة أخرى، في الميدان العملي، التسامح بشكل تطبيقي ومصداقي. إن دور التعليم العملي في تشكيل شخصية الأطفال أشد وضوحاً وتأثيراً بكثير من التعليم النظري، لأنه «دوصد گفته چون نیم کردار نیست.»
لفحص درجة «قبول الآخر» يجب أن نرى لماذا أعتبر أنا ذلك «الآخر» «آخراً»؟ من أي جهة هو «آخر»؟ من جهة الإيمان، أو المذهب، أو القومية، أو اللغة، أو الاهتمامات و...؟
كمثال على ذلك، لمعرفة درجة تسامح مواطن مؤمن دينياً، يجب النظر إلى نظرته لدينه. هل دينه بالنسبة له بمثابة «طريق» للوصول إلى الخلاص والسعادة؟ أم لا، هل أصبح دينه نفسه «هدفاً»؟ إذا قبلنا أن الدين «طريق»، ففي هذه الحالة، لا ينبغي أن يُضحى بـ«الهدف» في سبيل «الطريق». إذا ضُحي بالهدف في سبيل الطريق، يأتي دور سيطرة التعصبات الدينية وتظهر علاماتها على شكل تعصب ديني، وفي النهاية على شكل احتكاكي.(17)
من زوايا مختلفة، يمكن إبراز قواعد متباينة. أشهرها، ما لا ترضاه لنفسك فلا ترضه لغيرك. وإذا ما تعمقنا أكثر وبدقة أكبر، في رأيي، فإن أساس التسامح وجوهره يتشكل من الإيمان والاعتقاد بـ«الكرامة الذاتية للإنسان».
نعلم أن كرامة الإنسان على نوعين: كرامة تكوينية وكرامة اكتسابية. الكرامة التكوينية، هي الكرامة التي مُنحت للإنسان عند خلقه. هذه الكرامة ذاتية وتكوينية للإنسان وجزء من جوهره، ولا يمكن فصلها عنه. جميع البشر تمتعوا ويتمتعون بهذه الكرامة، وهذه الكرامة هي سبب فخر الإنسان على سائر الموجودات لأنه يتمتع بشموليات وكمالات لا تتمتع بها سائر الموجودات، ولهذا السبب يشير الله إلى كرامة الإنسان هذه بأن سائر الموجودات والطبيعة تُسخَّر له «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»(18) ولكن هذه الكرامة لا تسبب فخر إنسان على إنسان آخر، لأن جميع البشر منذ بدء الخلق وبمجرد أن يُخلقوا، تمتعوا ويتمتعون بهذه الكرامة الذاتية.(19)
الكرامة الاكتسابية للإنسان، هي كرامة ينالها الإنسان بجهده الخاص. هذه الكرامة، هي استمرار لتلك الكرامة الذاتية الأولى. تلك الكرامة الأولية، هي المادة الخام والإمكانية الكامنة لهذه الكرامة الاكتسابية. تلك الكرامة التكوينية تحمل في داخلها الإمكانية الكامنة لهذه الكرامة الاكتسابية. يستطيع الإنسان بالجهد أن ينال هذه الكرامة الاكتسابية. البشر الذين سعوا للوصول إلى تلك التقوى وبناء الذات، وبقدر ما بلغوا مقام الآدمية واكتسبوا الجدارة اللازمة، يُكرَّمون عند خالق الكون. لذا صُرِّح في القرآن بأن أكرمكم وأكثركم كرامة عند الله، أتقاكم: «...إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...»(الحجرات:13)؛«...إن أكرمكم عند الله أتقاكم...»(20)
في الاعتقاد الإسلامي، الكرامة الذاتية للإنسان لا تقتصر على بشر مخصوصين. بل جميع البشر بغض النظر عن عرقهم وإيمانهم وعقيدتهم ومعتقداتهم يتمتعون بهذه الكرامة الذاتية، وينبغي على الآخرين أن يحترموا حرمة هذه الكرامة ويكرموا صاحب هذه الشرف. علي بن أبي طالب في عهده إلى واليه مالك الأشتر النخعي، حين أرسله لولاية مصر، يذكر تعليمات لتنظيم العلاقات بين الحاكم والرعية. يبدو أن علياً، نظراً لعلمه بأن مالكاً بسبب إيمانه ومعتقداته الدينية الخاصة، سيسلك سلوكاً مؤمناً وأخوياً مع المؤمنين، ليس قلقاً على سلوك مالك مع المؤمنين، بل هو قلق على سلوكه مع غير المؤمنين. وعلى هذا الأساس يسعى لتنظيم هذه السلوكيات ببيان منطقي. لذا، وهو يوصي مالكاً بحسن السلوك مع المواطنين، يشرح له: «اجعل الشعار في قلبك الرحمة والمحبة واللطف للرعية، ولا تكن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإن الرعية صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.»(21)
في هذا التوجيه، يشرح علي لمالك أن البشر على صنفين: إما إخوانك في الدين أو بشر مثلك. في ما يخص الإخوة في الدين، تبيِّن التعاليم الدينية السلوك المؤمن والأخوي لأهل الدين مع بعضهم البعض، ويشعر أهل الدين على أساس معتقدهم الديني بعلائق معنوية وروابط اعتقادية فيما بينهم. لكن في ما يخص غير المؤمنين، يسعى الإمام إلى تذكيرهم بجوانب الكرامة الذاتية للإنسان. جوانب الكرامة الذاتية للإنسان تلك، هي نفسها علائق وروابط مهمة تجعل الإنسان، بتذكره لسمة الكرامة الإنسانية، يطأطئ رأسه إجلالاً لحرمة الآخر ويصون حرمة الكرامة الذاتية للبشر. كان أبو الحسن الخرقاني قد كتب على باب خانقاهه: «كل من يدخل هذه الدار فأطعموه خبزاً ولا تسألوه عن إيمانه، فمن كانت له عند الله قيمة نفس، فله عند خوان أبي الحسن قيمة خبز.»
مدارا با مداراکنندگان امری سهل و آسان است. هنر مداراگری، مدارای با مخالفان مدارا است. این شیوه در قرآن نیز مورد توجه قرار داده شده است. خداوند در قرآن به پیامبرش دستور میدهد که در پاسخ تکذیبکنندگان رسالتش، سخن از رحمت فراگیر گوید: «اگر تو را تکذیب کردند پس بگو پروردگارتان صاحب رحمتی فراگیر است مجازات او از مجرمان رد شدنی نیست.»(22) نکته مورد استناد در این آیه این است که به پیامبر میگوید خطاب به تکذیبکنندگان بگوید «رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ...»«پروردگارتان صاحب رحمتی فراگیر است.» یعنی علیرغم تکذیب شما، باز او همچنان پروردگار شماست. همین واژه لطیف «رب» و پروردگار، نمایانگر مدارا با «دیگرانی» است که در ستیز با فرستاده خداوند بودند و رسالت او را تکذیب میکردند، اما او همچنان خویشتن را مهربانانه و لطیفانه «رب» آنان تلقی میکند. رحمت خدا فقط برای خداباوران نیست، بلکه توصیف او به رحمانیت، در برابر معاندان نیز پابرجا است. به قول حافظ«آسایش دو گیتی تفسیر این دو حرف است
با دوستان مروت، با دشمنان مدارا.»
فیلسوف شهیر آمریکایی در فلسفه سیاسی و فلسفه اخلاق، جان رولز John Rawls (2002-1921) در کتاب مشهورش «تئوری عدالت»(23) در پاسخ به این پرسش که آیا با امر غیرقابل تحمل نیز باید مدارا کرد؟ جواب میدهد که بله آن را نیز بایستی مدارا کرد زیرا عدم مدارا با آن سبب ستم و بیعدالتی میشود. البته توضیح میدهد که یک جامعه حق و وظایفی در مورد تلورانس دارد ولی حق ندارد با آنچه موجب نابودی و زوالش میشود مدارا کند.
برای بسط عدالت، چارهای جز مدارا با دگراندیشان و حتی با دگرستیزان نیست. البته شیوههای منتخب بر حسب مورد میتواند متفاوت باشد. اما هدف از این گفتمان، سرکوب و تحقیر و خوارنمودن دیگری نیست، بلکه هدف اقناع وی و دعوت به خیر و نیکی است.
در گفتمان قرآن برای دعوت دگراندیشان، سه توصیه کلیدی به عنوان راهنما طرح شده است: گفتگوی منطقی و حکیمانه «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ»، اندرز نیکو «وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» و جدال به احسن به نیکوترین شیوهها «وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»(24) این شیوهها میتواند بسان دستورالعملهایی برای گفتگوهای سازنده و اقناعی به کار آید.
.
.
Ferechtian Hassan (co-auteur), Dialogues interreligieux pours une éthique de l’environnement, L’Harmattan, 213 pages, Paris, 2006. Religion, paix, ET non–violence, L’Harmattan, 61 pages, Paris, 2004
http://www.mkamalian.com/?PId=129&MId=845#.VeSQIPntmko
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.