اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى محمد حسيني أن جوهر الدين هو التسامح والسلام، ويعتبر خلاص أتباع الديانات السماوية الأخرى أمراً ممكناً. ويرى ضرورة الانتقال من فقه الحكم إلى فلسفة الحكم؛ فالدين الذي ينبذ القضاء والاحتكار لا يحمل رسالة سوى الأمل والسلام.

جوهر الدين هو السلام والصلح
صديق قطبي: محمد حسيني خريج الحوزة والجامعة. حصل على درجة الماجستير في علوم القرآن والحديث بأطروحة عنوانها «الحرية من منظور القرآن والسنة». لقد صنعت منه سنوات الممارسة والتأمل في الفكر الديني، إلى جانب نوع من الجرأة الذهنية والتأمل الذاتي وعدم المبالاة في إبداء ما توصل إليه من نتائج ومواقف، شخصيةً مثيرةً للتحدي ومحاطةً بالجدل. في هذا الحوار، سعينا إلى النفاذ إلى ذهنه وعالمه الفكري، وتعريف رؤيته الدينية بقدر المستطاع والمجال.
يسعى محمد حسيني، مستشهداً بآيات قرآنية وشواهد من السنة والسيرة النبوية، إلى أن يُظهر أنه من منظور القرآن، يمكن لأتباع سائر الأديان السماوية أن ينالوا الخلاص حتى بعد عصر رسالة محمد (ص)، ما داموا يصدقون بحقانية القرآن والرسالة المحمدية، ويسعون بإيمان في طريق الخير والعمل الصالح. وهو يعتقد أن دعوة النبي (ص) لم تتضمن نفيَ الأديان الأخرى وطردَها، بل نفيَ الاحتكارية والاستئثارية الدينية، ودعوةً إلى الصلح والسِّلم.
النص التالي هو حصيلة حوار دام أربع ساعات، أجريته مع السيد حسيني في شهر آذر (ديسمبر) عام 93. مضت أسئلتي دون ترتيب مسبق، وبطريقة حميمية وعفوية، ولم أشأ في النص التالي أن يطالَ طابعه الارتجالي ونظامه المشتت بتغيير متكلف. ومن جهة أخرى، وبسبب بعض ضروب الحذر ومراعاة المصالح (اقرأ: الاحتياطات)، لم تُدرج فقرات كثيرة من الحوار في هذا النص. ومع ذلك، فقد حظي النص الحالي بموافقة السيد حسيني واطلاعه، وأظن أنه، لمن كان من أهل الإشارة، يمكن بلوغ الخطوط الرئيسية لرؤيته الدينية ومقارباته الأساسية.
==
+ سيد حسيني، يعتقد البعض أن أفكاركم قد تجاوزت حدود التدين المسلّم بها، فهل ما زلتم تعرّفون منظومتكم الفكرية ضمن نطاق الدين؟
حسيني:
برأيي نعم. كان سهراب يقول: «يجب أن نغسل العيون / ينبغي أن نرى بطريقة أخرى.» لقد حررت نفسي من مسألة إصدار الأحكام، وأعتقد أن الأحكام لا تثمر ثماراً طيبة. كان حافظ يقول:
أبكلمةٍ صوفيةٍ أتحدث، هل من إذن؟
يا نور العين، الصلح خير من الحرب والقضاء
حيثما يوجد القضاء، توجد الحرب، وحيثما توجد الحرب يوجد القضاء. «تعالَ لنلقي بهذه الأحكام أمام الحَكَم». برأيي، لا يليق بالإنسان إصدار الأحكام، إلا إذا اقتضت ضرورة اجتماعية أن تقوم مؤسسة كالقضاء بإصدار الأحكام من أجل استيفاء الحقوق.
أنا أرى مشروع الدين في سياق نفي إصدار الأحكام. وأظن أن جوهر الدين هو: «وما أدراك ما هو الخير وما هو القبيح؟». حين لا يكون هناك حكم، لن يكون هناك حرب أو نزاع، وسنسير نحو السلم والصلح. كما ورد في القرآن: «وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا...» (الأنفال: 61)؛ أي وإن مالوا إلى السلم فمل إليها.
وكما أن الحرب توأم الحكم وقرينه، فإن التحليل توأم الصلح. فأنت في التحليل تواجه الظاهرة، ولا يعود لديك حب أو بغض لشخص بعينه. فترى أنك لو كنت في موقف ذلك الفرد، وكانت لديك طريقته في التربية ونمطه النفسي، لكنت قد أصبحت تماماً كما أصبح هو.
+ ما هو تصوركم الآن للطريقة المعقولة في التدين؟
حسيني:
برأيي، ينبغي توجيه التدين نحو مسار آخر. لقد واجهنا في عصر النبي (ص) عصر «حُكم النبوة»، وبعد النبي (ص) صرنا إلى «حُكم الفقاهة»، ومنذ عصر النهضة اتجهنا نحو التخصصات. في المجالات التخصصية، لم نعد نلجأ إلى الفقيه. اليوم، إذا ما أسر تنظيم داعش الإيزيديين، فإنه يستطيع الاستناد إلى نفس الأدلة الفقهية الموجودة في كتب الفقه: «نساءُ الكفار وصِبيانُهم اذا أَسَروا رقّوا» (نهاية المحتاج)، أي أن نساء الكفار وأطفالهم إذا أُسروا يصبحون أرقّاء. لقد ورد في كتب الفقه أن إمام المسلمين مُخيَّر في اختيار الخيار الأنفع من بين أربعة خيارات: القتل، والمَنّ (المنّ عليهم وإطلاق سراحهم)، والفداء (الإفراج مقابل أخذ الفدية)، والاسترقاق (استعبادهم). هذه مصادرنا الفقهية التي تحتوي على هذا النوع من العنف، وقد تشكلت غالباً من الحركات والتيارات السياسية في أدوار التاريخ الإسلامي.
في نظرتي إلى الدين، فإن عصر حُكم النبوة وحُكم الفقاهة قد ولى، ونحن الآن بحاجة إلى العبور نحو «حُكم الفلسفة». نحن اليوم نواجه عالماً آخر له مقتضيات أخرى. قال شاعر: «ما ز قرآن مغز را برداشتيم...» (أخذنا من القرآن اللباب...)؛ نحن اليوم بحاجة إلى الالتفات إلى جوهر الديانة.
+ أشرتم حتى الآن بشكل رئيسي إلى الأبعاد التي لم تعدوها ديناً، وتقولون إن تخصصات قد نشأت وتولت الوظيفة التي كان يضطلع بها الفقه سابقاً. برأيكم، ما هي الوظيفة الخاصة للدين في أيامنا هذه؟ ما الذي يمكن للدين أن يفعله وتعجز سائر المؤسسات والتخصصات عن القيام به؟
حسيني:
برأيي، ما دامت هذه الأسئلة الثلاثة قائمة، فإن رسالة الدين ستبقى قائمة: «از کجا آمدهام؟ آمدنم بهر چه بود؟ به کجا میروم آخر؟...» (من أين أتيت؟ ولِمَ كان مجيئي؟ وإلى أين أمضي أخيراً؟...). وكما قال بعض المتنورين، ينبغي لنا أن نعرّف للدين ذاتاً وعرضاً، وجوهراً وصَدَفاً. جوهر الدين في رأيي هو أن يقول لنا: «أنت موجود ولن تفنى أبداً». إن وجودكم في الأديان الإبراهيمية مرتبط بإله مشخصن وإنساني الصورة، لكنه يصبح غير مشخصن في منظور العرفاء (بتعبير مولانا: ما بَري از پاك و ناپاكي همه / نحن براء من كل طهر ونجاسة). إله هو بتعبير مولانا «هر چه در انديشه نايد آن خداست» (كل ما لا يخطر بالبال فذلك هو الله). إن أساس الدين يدفعنا نحو أن «أنتم موجودون»، لم يأتِ يومٌ لم تكونوا فيه موجودين، ولن يأتي يومٌ لا تكونون فيه موجودين. إن حركة الإنسان هي من الشرك إلى التوحيد، ومن التوحيد إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى الوحدة، ومن بلغ هذه المرتبة صار في سلام مع جميع خلق الله. هذه المسألة، كما تتجلى في الحركة الفكرية والروحية للفرد، تصدق أيضاً في الحركة الجمعية للمجتمعات الإنسانية، كما تُرى في مسار حركة الأديان الإلهية، وخصوصاً الأديان الإبراهيمية.
الرسالة الأساسية للدين هي ألا تقنطوا أبداً. «وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ» (يوسف: 87)، ولا تيأسوا من رحمة الله، فإنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون.
لذا، برأيي، فإن إحدى الرسائل الجوهرية للدين هي أن يشعر الإنسان بأنه مع الله وأن الله معه، والأخرى أن الإنسان لا يفنى أبداً. هذان الأمران يملآن الفرد بالأمل. إن انعدام الأمل يصل بالإنسان إلى ظلمات القسوة والجفاء والطغيان على نفسه وعلى الآخر، وهو أمر ينطوي فيه وجه من مفهوم «الكفر».
+ هاتان الخاصيتان موجودتان في الأديان السماوية الأخرى أيضاً، فكيف يمكن استخلاص لزوم الالتزام بدين الإسلام منهما؟
حسيني:
لقد جاء النبي (ص) ليصنع الصلح بين الأديان. كان يقول: «...تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ...» (آل عمران: 64)؛ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله.
يقول القرآن عن أتباع الديانات السماوية الأخرى: «وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ»(آل عمران:115)؛ وأي عمل خير يقومون به فلن يضيع سدى دون أجر أو شكر، والله عليم بالمتقين. كما قال: «وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ...»(البقرة:148)؛ ولكلٍّ وجهةٌ [قبلةٌ] هو موليها، فاستبقوا الخيرات.
ولهذا السبب، عندما ذهب عمر الفاروق (رضي الله عنه) إلى بيت المقدس، قام بتطويق كنيسة القيامة. كان المسيحيون قد حولوا المنطقة الواقعة بين الصخرة ومحراب داود، التي كانت قبلة لليهود، إلى مزبلة. فقام عمر (رضي الله عنه) مع شرحبيل وأبي عبيدة الجراح ويزيد بن أبي سفيان وعبد الله بن عمر بتطهير تلك المنطقة بأكملها. ورد في تاريخ ابن خلدون أن عمر الفاروق (رضي الله عنه) قال معتذراً عن عدم صلاته في كنيسة القيامة: «لو صليتُ داخل الكنيسة أخذها المسلمون بعدي وقالوا هنا صلَّى عمر»؛ أي لو صليت داخل الكنيسة لاستولى عليها المسلمون من بعدي وقالوا هنا صلى عمر. هذا التصرف يدل على بُعد نظر عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) من أجل إحقاق حق العبادة لأتباع الديانات الأخرى.
+ إذن أنت تؤمن بخلاص جميع الأديان؟
حسيني:
نعم بالضبط. انظر باختصار إلى سيرة النجاشي. النجاشي لم يصلِّ ركعة واحدة مثل النبي (صلى الله عليه وسلم). كان النبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة عندما آمن النجاشي. في السنة التاسعة للهجرة، توفي النجاشي فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): مات اليوم رجل صالح من إخوانكم، فصلوا عليه. (في صحيح البخاري: ماتَ اليومَ رجلُ صالحُ فقوموا فَصَلُّوا على أخيكُم). ورد في أسباب النزول أنه لما اعترض البعض على فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا، نزلت الآية: «لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ»(آل عمران:113 و 114)؛ ليسوا سواءً، من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين.
على أية حال، هذا الوصف لأهل الخير والفعل الحسن من أهل الكتاب بتعبير «أمة»، آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ومسارعين في الخيرات، هو عين وصف «كنتم خير أمة» الذي أشير إليه في الآية 109 من نفس السورة، ويضع بعضاً من أهل الكتاب في زمرة المؤمنين، ويأمر بعدم النظر إلى جميع أهل الكتاب بعين واحدة، بل إن بينهم رجالاً صالحين مؤمنين مسارعين في الخيرات، فعظّموهم.
+ إذا كان الأمر كذلك، وأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يرفض أو ينكر دين أهل الكتاب، فلماذا نرى كل هذا القلق والعداء من جانب أهل الكتاب في ذلك الزمان؟
حسيني:
يقول القرآن: «فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ»(البقرة:137)؛ أي: «فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق». نوع الإيمان الذي يعتبره الله هداية هو ما ورد في الآية السابقة لهذه الآية: «آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ...»(البقرة:136)؛ آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم.
ما أثار الموقف العدائي لدى العديد من أتباع الديانات السماوية الأخرى في زمن النبي (ص) هو حساسية القرآن الفائقة تجاه مسألة الشرك.
لا إله إلا الله، تنفي السلطة عن الساحة الإنسانية أصالةً وتركيزاً. تقول إن السلطة ليست للإنسان أصالةً، ولا ينبغي أن تنحصر تركيزاً في إنسان واحد أو جماعة واحدة، فالله للبشر جميعاً على قدم المساواة. ما كان يصعب على أهل الكتاب هضمه هو قبول فكرة أن الآخر يمكنه أيضاً أن يكون على سبيل النجاة. كما ورد عليهم العتاب في القرآن: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» (البقرة: 113)؛ قالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء، وهم يتلون الكتاب، كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
لقد جاء النبي (ص) لنفي النزعة الشمولية الدينية والمذهبية، ولم يكن هذا مما يروق لهم.
+ أشرتم إلى الحضور الدائم لله وبقاء الإنسان وديمومته بوصفها أهم المقاربات الدينية التي تضمن الأمل، ما علاقة الشعائر الدينية بهذه الرؤى؟
حسيني:
انظروا، الأحكام هي عَرَض. والعرض هنا لا يعني أنه لا ينبغي أن تكون موجودة. عندما نقول إن الإنسان ليس لباسه، فهذا يعني أن اللباس ليس جوهر الإنسان، ولا يعني أن اللباس لم يعد ذا فائدة. فالإنسان بلا لباس معرض للأذى. الأحكام، أو بتعبير آخر قشرة الدين، نوعان: إما ناشئة من داخل الإنسان وإما ناشئة من العالم الخارجي للإنسان. القسم الناشئ من داخل الإنسان هو العبادات. وأنا، خلافاً لرأي من يقولون إن الاجتهاد لا يجوز في الأحكام التعبدية، أعتقد أن المجال الوحيد الذي لا يزال الاجتهاد ممكناً فيه هو مجال العبادات. أما بخصوص ضرورة العبادات في الحياة المؤمنة، فينبغي أن أقول كمقدمة إن الإنسان يواجه في الحياة صحراوين كبيرتين، وعليه أن يسعى إلى توسعة الحياة وتخضيرها وقابليتها للامتداد عبر إزالة التصحر. إحداهما صحراء الجهل والأخرى صحراء الغفلة. في مواجهة الجهل، لدينا العلم. نقطة مقابل الجهل هي العلم، وبالعلم نعمر صحراء الجهل. لكن هناك مقولة كبيرة جداً لا تقل عن الجهل شيئاً، وهي الغفلة. غير أن نقطة مقابل الغفلة ليست العلم، بل «الذكر». حصيلة المفكرين والعلماء هي العلم والمعرفة، أما حصيلة الأنبياء (عليهم الصلاة) فلم تكن العلم. لم تكن فيزياء وكيمياء. وإن كانوا في عصرهم، حيث كانت تسود أساليب المشيخية ولم تكن مجالات الحياة الاجتماعية منفصلة بشكل جيد، يضطرون أحياناً إلى الاهتمام بأعمال أخرى. ولكن، وبتصريح القرآن، فإن رسالة الأنبياء هي الذكر. الطبيب الذي يدخن بنفسه يكون قد أصيب بالغفلة. لديه علم لكن ليس لديه ذكر. لو كان يستعرض أضرار التدخين ويذكر بها نفسه، لانصرف عن التدخين. الغفلة ليست عدم المعرفة، بل هي التأجيل والتسويف. بفعل الغفلة، تبتعد الحقائق عن ذهن الإنسان إلى حد أنها تزحف رويداً رويداً إلى زاوية النسيان، حتى أنها قد تؤدي في النهاية إلى الجهل. أساس الكفر هو الغفلة. وقد ورد تعبير النسيان أيضاً في القرآن، وهو ما يعتري الإنسان في امتداد الغفلة.
من هنا، فإن رسالة الأنبياء هي التذكير. بأي أسلوب؟ بالاتصال بالله. وفي نطاق هذه الأحكام، تقع الصلاة والصيام والحج، أو أمكنة وأزمنة خاصة تذكر الإنسان بالله أكثر. لقد وُضعت العبادات لتخرج الإنسان من الغفلة وتمنح البشر الأمل على الدوام.
يُروى أن المولوي الكردي ذهب، قبل ساعة من السحر، فجأة إلى تكية أحد مشايخ الطريقة. سمع صوت بكاء في إحدى الزوايا. دقق النظر فرأى الشيخ منهمكاً في الراز والنياز. فارتجل المولوي الكردي بيتاً معناه:
«إنه ليل وخلوة لا أحد فيها سوى الله. العالم كله نيام والحبيب وحده يقظان». فيجيب الشيخ فوراً وقد أسدل على رأسه جلد ماعز بري: «إنها حال روحانية أنا في أمسّ الحاجة إليها. بهذا الجلد الذي على رأسي، تكون المناجاة الليلية مع الحبيب لذيذة مبهجة». في هذا التماس اللذة، تجري رقة القلب والمودة والعشق، وينال الإنسان من صفتي الرحمانية والرحيمية الإلهيتين معاً (الرحمانية: الامتلاء والاكتناز بالرحمة، والرحيمية: جريان الرحمة وسريانها). والآيات: «تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ» (الزمر: 23) و«الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (الرعد: 28) وكذلك «يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ... إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا» (المزمل: 1-6) وآية «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ» (الحديد: 16) تشير إلى هذه الحقيقة النامية ذاتها.
«إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ» (ق: 37)؛ لا ريب أن في ذلك لتذكرةً لمن كان ذا قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
أجل، كل من يعشق الله، فإن الصوم والمناجاة والدعاء مع الله يزيل الغفلة عن روحه.
أما الأحكام الناشئة عن العالم الخارجي فهي متغيرة وزائلة، وكما يقول السيد المسيح: «لا يجعلون خمراً جديدة في زقاق عتيقة، وإلا تنشق الزقاق وتسيل الخمر وتتلف الزقاق. بل يجعلون خمراً جديدة في زقاق جديدة فتحفظ كلتاهما» (إنجيل متى: 9: 14-17). والحال أن الأحكام المنبثقة من العالم الخارجي، وهي الأحكام السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تقع في مدار الحركة والتغير والزوال، وفلسفتها هي الحاجة في قلب الزمان، التي تستتبع عادة أدوات وحوادث جديدة، والأدوات والحوادث الجديدة تستتبع عملية جديدة، والعملية الجديدة تستتبع اتخاذ موقف إزاء تلك العملية، واتخاذ الموقف يقتضي حكماً. ومن ثم فإن هذه السلسلة كانت ولا تزال جارية وسارية في حياة الإنسان، وتشمل جميع الأحكام السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فلسفة النسخ في الأديان هي هذه لا غير، ولا تشمل شيئاً من ذاتي الدين. وبتعبير آخر، الزمان هو ناسخ بعض الأحكام السياسية والاجتماعية والاقتصادية في النصوص الدينية، والعقل الجمعي للمجتمع، بناءً على تخصص المتخصصين في مجالات متعددة وعلى أساس الوقائع العلمية الراهنة والبحوث الميدانية، يقدم الأحكام المحدَّثة في شكل قانون عبر المشرعين إلى المجتمع. ومن هنا، فبرحيل النبي الأكرم (ص) وإعلان ختم النبوة وانتهاء زمن الفقاهة، يُسند استنباط الحكم إلى المتخصصين، ولعل مفهوم الشوروية (أَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) هو هذا أيضاً. وعلى أية حال، غالباً ما يكون الحرب بين أتباع الأديان المختلفة كامناً في أحكامها المنزلة، حيث يدّعي كل منهم أحقيته وبطلان الآخر من هذا المنظار. ولو أُوليَ القليل من الاهتمام لفلسفة الحكم، والتُفت إلى النصوص الدينية في هذا المجال، لزال ما هو عرضي في الدين وبقي ما هو ذاتي فيه، باقٍ خالد؛ لأن ختم النبوة وضع خط النهاية على هذه الجلبات، وقصّر يد البشر في هذا المضمار عن السماء إلى يوم القيامة وأعادها إلى حجره، حتى يخرج هو سجادته من الماء بنفسه ولا يحدق بصره في السماء، وينتقل عبر الخطأ والاختبار من مرحلة إلى أخرى.
+ لنعد إلى مبحثنا السابق، الاعتقاد الغالب هو أنه بعد بعثة نبي الإسلام (ص)، لا يُقبل أي دين آخر عند الله، ويُكلَّف جميع أتباع الأديان السماوية الأخرى أن يؤمنوا بالدين الجديد. هذه النظرة الغالبة والراسخة تقدم شواهد عديدة نسبياً من القرآن:
«وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» (آل عمران: 85)؛ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
«إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» (آل عمران: 19)؛ إن الدين عند الله الإسلام.
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا»(نساء:47)؛ يا أهل الكتاب، آمِنوا بما أنزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، و كان أمر الله مفعولاً.
في الآية أعلاه، يتم تهديد أتباع الديانات الأخرى بأنهم إن لم يؤمنوا بالدين الجديد فسوف تلحقهم اللعنة و الإدبار. ورد في صحيح البخاري أن فتى يهودياً كان يخدم النبي (ص) كان يحتضر، فزاره رسول الله (ص) و دعاه إلى الإسلام و النطق بالشهادتين، و بعد أن استجاب الفتى اليهودي و أسلم، قال النبي (ص) مبتهجاً: «الحمدُ لله الذي أنقذهُ من النار»، أحمد الله الذي أنقذ هذا الفتى من النار. و كأن شرط النجاة و حُسن العاقبة في الآخرة كان محصوراً في اعتناق الدين الجديد فقط. هناك رواية، رغم أنها ليست قوية السند، إلا أنها تحظى باهتمام كبير من قبل القائلين بهذا الرأي، و بناءً عليها عندما أحضر عمر بن الخطاب (رض) كتاباً من أهل الكتاب و بدأ بقراءته عند النبي (ص) قابله النبي (ص) بالعتاب: «أفی شکٍ أنت يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني»، يا ابن الخطاب، أفي شك أنت؟ و الله لقد جئتكم بدين أبيض نقي، لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فقد يخبرونكم بحق فتكذبونهم، أو بباطل فتصدقونهم. و الله لو كان موسى حياً الآن لما وسعه إلا أن يتبعني.
حسيني:
أساس الدين هو السلام. جوهر الدين هو أن تكون مُحسناً. في الإحسان يكمن السلام. «بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»(بقرة:112)؛ الحق أن كل من أسلم وجهه لله و هو محسن فله أجره عند ربه و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون.
كلمة «مَن» في الآية أعلاه تدل على العموم. في هذه الآية يُقال إن كل من يُدخل نفسه في دائرة السِلم و الصلح فهو محسن و ناجٍ. هناك نهجان و روحان: العدل و الإحسان. العدل هو مقابلة الحسنة بالحسنة و السيئة بالسيئة، و مكافأة الجرم بالعقوبة. أما الإحسان فهو مقابلة الحسنة بأحسن منها، و مقابلة السيئة بالصمت على الأقل و بالإحسان على الأكثر. من يصل إلى هذه المرتبة فهو محسن. برأيي كان نيلسون مانديلا مُحسناً، و قد صليت عليه صلاة الغائب و سميت صلاتي عليه صلاة السلام.
أعتقد أن النجاشي (أصحمة بن أبجر) لم يكن يصلي و يصوم مثل محمد (ص)، لكنه بمجرد أن صدق برسالة النبي (ص) و بعد أن سمع آيات القرآن من لسان جعفر بن أبي طالب اعترف قائلاً: «إن هذا الكلام ليخرجُ مِنَ المِشكاةِ التي جاء بها موسى»، أي أن هذا الكلام يخرج من المشكاة نفسها التي جاءت برسالة موسى (ع)؛ صلى عليه النبي (ص) صلاة الغائب و سماه الأخ الصالح.
الإسلام و كون المرء مسلماً، كما ورد في الآيات التي استشهدتم بها، لهما دائرة واسعة. كان إبراهيم و إسحاق و يعقوب مسلمين أيضاً. الإسلام هو قبول السِلم و الصلح. هذا الشعور بالصواب المطلق و الشمولية الدينية، بأن نعتبر أنفسنا وحدنا ناجين، هو نوع من الشرك. ألفت نظركم إلى هذه الآيات من سورة الشورى:
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴿١٣﴾ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴿١٤﴾ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿١٥﴾ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴿١٦﴾ اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴿١٧﴾
كما نرى في هذه الآيات من سورة الشورى، كان لب رسالة الدين هو: «أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ»، أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه. متى يقع التفرق؟ حين تقول: أنا موجود، وأنت لا ينبغي أن تكون. ولهذا نقرأ في تتمة الآية: «كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ»، يشق على المشركين ما تدعوهم إليه. لماذا؟ لأنه يستلزم التخلي عن الشمولية الدينية وادعاء احتكار الحقيقة. انظروا ماذا كان معتقد ونظرة أهل الكتاب في زمن النبي (ص): «وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ...» (البقرة: 113)؛ قالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء، وهم يتلون الكتاب السماوي.
ما لا يرتضيه القرآن من أهل الكتاب ويوبخهم عليه هو إثبات الذات ونفي الآخر. أن يعتبروا أنفسهم وحدهم على حق، وينفوا ويطردوا سائر الشرائع السماوية. القرآن يضع ختم التصديق على التنوع والكثرة، ويطلب منا بدلاً من السعي لإثبات الذات ونفي الآخر، أن نسارع في الخيرات:
«وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ...» (البقرة: 148)؛ ولكل وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات.
فاستبقوا الخيرات يعني أن «الوجهة» و«القبلة» ليستا أساس الدين وجوهره، بل إن أساس الدين وبنائه هو المسارعة نحو الخيرات، وكل من يسارع في هذا الطريق ويصنع الصلح والأمن فهو عند الله من المتقين.
لنعد إلى الآيات التي تلوتها من سورة الشورى. يقول القرآن: «وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُم»؛ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم [الوحي]، بغياً بينهم، أي بدافع الحسد والتنافس الشمولي الذي كان بينهم.
«البغي» هو الشمولية وعدم احتمال الآخر. من هنا يطلب القرآن من النبي (ص) أن يدعو إلى الصلح بين الأديان ويستقيم في هذا الطريق: «فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ» وألا يتبع الأنانية والاحتكارية لدى الآخرين: «وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ» وأن يذعن ويعترف بجميع الكتب السماوية: «وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ». كلمة «كتابٍ» هنا نكرة، وتدل على جميع الكتب السماوية التي يدعي أصحاب الأديان أنها إلهية. لسنا مكلفين بإنكارها، لأن الله قد أخبر محمداً (ص) عن بعض الأنبياء، ولم يذكر أسماء آخرين. وفي تتمة الآيات نقرأ أن يعامل ويحكم بميزان واحد وترازو، دون تفضيل نبي على آخر: «وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ»
كان النبي (ص) يقول: «من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» أي من قال إنني (شخص النبي-ص) أفضل من يونس بن متى فقد كذب. وفي الصحيحين نُقل عن النبي (ص) أنه قال: «لا تُخَيِّرُوا بَينَ الأنبياء» أو بلفظ: «لا تُفَضِّلُوا بينَ أنبياءِ الله» أي لا تضعوا درجات بين أنبياء الله ولا تعتبروا أحداً أفضل من آخر. ورُوي عن النبي (ص): «إن الله أوصى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» (صحيح مسلم)؛ أي أن الله أوصاني بأن تتحلوا بالتواضع حتى لا يتباهى أحد على أحد ولا يفخر عليه ولا يرى نفسه أفضل منه.
لنعد إلى تتمة آيات سورة الشورى. تقول: يا أيها النبي قل: «اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ»
قل إننا لسنا بحاجة لإثبات تفوق ديننا على دينكم، فلنا جميعاً إله واحد وإليه المرجع في النهاية. كل إنسان مرهون بأعماله. ثم تستمر: «وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ» أي أن الذين يعتبرون الله، بدافع من نزعة احتكارية، ملكاً لهم وحدهم، حججهم واهية وجوفاء.
يتحدث القرآن في مقابل التوحيد عن مقولتين. إحداهما الطاغوت والأخرى «الجِبت»: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ...» (النساء: 51)
الطاغوت هو الاستبداد الدنيوي الذي يظهر في مجالات الحكم والاقتصاد والسياسة، و«الجِبت» هو اعتبار الذات طاهرة دينياً أو تضخم الروحانية. أي تلك الذهنية التي تقول: «لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ... لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ»
نقرأ في تتمة آيات سورة الشورى: «اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ»، تقول: لماذا تشغلون أنفسكم بالاصطفاف وتفضيل أنفسكم على الآخرين، فكروا في القيامة، وتسابقوا في أمور الخير: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ»
أما بخصوص الحكاية التي نقلتموها عن سلوك النبي (ص) مع عمر بن الخطاب، فمن الضروري أن أقدم مقدمة أولاً. يلزم أن نرتب قطع أحجية الحديث إلى جانب بعضها البعض حتى نصل إلى مفهوم واضح. لقد واجهت نصوصنا الدينية وما زالت تواجه ثلاثة أنواع من «الغرابة». الأولى، غرابة السند. نطلق على السند صفة غريب إذا كان راويه في طبقة واحدة على الأقل فرداً واحداً. الثانية غرابة المتن، وفي هذا المجال أُلّفت كتب مثل «المفردات في غريب القرآن» للراغب الأصفهاني و«الفائق في غريب الحديث» للزمخشري و«غريب الحديث» لابن قتيبة. الأول في غرابة ألفاظ القرآن والآخران في غرابة ألفاظ الأحاديث.
منذ القرن السابع الهجري فصاعداً، توقفنا في مجال أصول الفقه وقواعد الحديث والمباني، ولم نشهد تقريباً أي إبداع جاد وملحوظ. في ظني أننا في ساحة فهم الدين نواجه «غرابة» ثالثة لم يُشر إليها في الماضي، وهي غرابة «المفهوم». غرابة المفهوم هي حيثما تنشأ الغرابة لا من لفظ ضمن مجموعة الألفاظ، بل بسبب عوامل منها فضاء الكلام الخطابي، وتاريخ ولادة الكلام، وأحياناً تغير المعنى للألفاظ التي كانت تحمل مفهوماً آخر في العصر النبوي. مفهوم الحديث غريب علينا لأننا نجهل الظروف والأحوال التي نُسج فيها الحديث على اللسان. عندما نضع الروايات المتعددة المتعلقة بموضوع ما إلى جانب بعضها، ونأخذ بنظر الاعتبار تاريخ ولادة الحديث، وفضاء الكلام الخطابي... إلخ، نرى أن مفهوماً آخر يظهر. أحياناً يكون النبي (ص) قد قال قولاً في خطبة وكلام، ولكننا نرى هذا الكلام المتشابك والمترابط في مجامع السنن بشكل مقَطَّع ومبتور يجعلنا نعاني من غرابة مفهومية. أحياناً لا تكون هذه الغرابة المفهومية ناتجة عن التقطيع، أي بتر الكلام عن سياقه الخطابي، بل تكون نتاج التجميع. في علوم الحديث أُشير إلى التقطيع ولكن لا كلام عن التجميع. المقصود من التجميع هو أن تُصف إلى جانب حديث واحد مجموعة أحاديث كل منها نتاج سياق وفضاء خطابي خاص، وهذه المجاورة تسبب الغرابة.
طالت المقدمة بعض الشيء، قصدنا رواية تتحدث عن رد فعل النبي (ص) على سلوك عمر بن الخطاب. في اعتقادي، وبصرف النظر عن الأبعاد السندية لتلك الرواية التي هي محل أخذ ورد كثير، يلزم الانتباه إلى الظروف التي ترسمها هذه الآية القرآنية: «وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»(آلعمران:72)؛ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون.
في ظروف كان أهل الكتاب يسعون فيها بمثل هذه الحيل لزرع القلق والشك في نفوس أتباع النبي (ص) ويقولون إن النبي (ص) لا علم له بمحتوى التوراة والإنجيل ومضامينهما، يأتي رد فعل النبي (ص) هكذا قائلاً: أنا وموسى على صراط واحد، ولو جاء موسى في هذا المجال لصدقني. وبخصوص الرواية الأخرى التي نقلتموها، ينبغي القول إن النبي (ص) طلب من الشاب اليهودي أن ينضم إلى زمرة المصالحين ودعاة السلم والسلام. أن يتخلى عن اعتقاده بالحصرية المطلقة لحقانيته، وأن يقبل النبي (ص) ويصدقه. لا أن يتخلى بالضرورة عن دينه، وهو ما حدث فعلاً، إذ لم يتخلَّ عن دينه.
لقد صُرح في القرآن بأن لكل أمة طريقاً ومنهاجاً، وفي الأساس، تعلقت مشيئة الله بذلك، غير أن المطلوب هو المسارعة إلى الخيرات والصالحات، وهذا بحد ذاته دليل على اختلاف الثقافات والطبائع والأساليب لدى المجتمعات المختلفة. لكل مجتمع أسلوبه وطريقته في التدين، ينبغي أن تؤدي في النهاية إلى التصالح والمسارعة في الخيرات:
«لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ»(مائده:48)؛ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات.
أي أن لكل أمة مصالحها واستعداداتها الخاصة بها وبزمانها، وينبغي لها أن تؤدي دورها في حركة التطور الإنساني من خلال الخطأ والاختبار.
+ يقول معارضو وجهة نظركم إنه ورد في القرآن أن هناك طريقاً واحداً فقط، هو الطريق المستقيم والمنجي، وليس لدينا طرق مستقيمة ومنجية: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ»(انعام:153) وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.
حسيني:
النقطة الجديرة بالتذكير بخصوص الآية هي أن المعنى الصحيح لكلمة صراط هو الطريق الواسع (الشاهراه) وليس الطريق الضيق. طريق واسع يحتوي على مسارات وخطوط، وكل من يسير في أي من هذه المسارات والخطوط يكون قد وقع في هذا الطريق الواسع والصراط. في سورة الفاتحة حيث ورد ذكر الصراط، توضح الآية التالية لها أي صراط وأي طريق واسع هو المرضي والمطلوب عند الله: «صراط الذين أنعمت عليهم». النعمة تقابل النقمة. النقمة هي زوال النور الإلهي من وجود الإنسان: « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ»(بقره:18)؛ صم بكم عمي فهم لا يرجعون. أهل النقمة هم الذين يعانون من هذه الحالة. لا يتقبلون أي نمط من أنماط الاستدلال، ولهذا السبب يصف القرآن الكفر بالموت، بينما يصف النفاق بالمرض والداء. المرض والداء قابلان للتراجع والعلاج، أما الكفر بمعناه القرآني فليس كذلك. النفاق أرضية للكفر وليس أسوأ من الكفر، لأن الكفر هو انطفاء النور الإلهي في وجود الإنسان، ولهذا السبب أيضاً أعتقد أن الكفر أمر باطني لا يطلع عليه أحد إلا الله الخبير العليم.
الكفر هو حين ينطفئ نور التحليل ونور الحركة في الإنسان. يونس عليه السلام رأى بوادر كفر في قومه فوقع في حكم متسرع، فعاقبه الله.
للكفر صفتان بارزتان. إحداهما الضياع، والأخرى أن يكون موضع بغض، وهو ناتج عن طغيان الإنسان واستغنائه بنفسه.
«كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى»(علق:6-7)؛ كلا، إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى.
عندما يبلغ الإنسان مرحلة ادعاء الحق المطلق لنفسه أو تزكيتها (الجِبت) تنشأ لديه حالتان. الأولى أنه ينحدر في منحدر الانحراف إلى درجة قد لا يعود بعدها قابلاً للرجوع (لا يَرجِعُونَ)، والثانية أنه يصبح موضع بغض الجميع. فلا هو متوافق مع الله، ولا مع قوى الخير، ولا مع سائر البشر. يصبح منبوذاً وهذا هو مفهوم «اللعن» الذي ورد في الآية 161 من سورة البقرة حيث يقول تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»؛ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار، أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
من يكون موضع لعنة جميع الناس فهو ملعون. أي شخص لا تُرى فيه أي آثار للخير، بل على العكس، هو في صراع وحرب مع جميع الناس، وقوى الخير الإلهية، ومع كل خلق الله. كيف يمكن، مع هذه الشروحات والأوصاف التي جاء بها مفهوم الكُفر في القرآن، اعتبار نيلسون مانديلا كافراً؟ نيلسون مانديلا الذي كان مفعماً بالحب والاحترام ليس فقط تجاه محمد (ص) بل تجاه جميع الأنبياء. الكافر هو من يعمي نور الله في وجوده، فيكون على خصومة ونزاع مع الجميع، وهذا لا يعلمه إلا العليم الحكيم.
فقط عندما نؤمن على طريقة الأنبياء (ص) – الذين لم يكونوا في صدد نفي وإنكار بعضهم البعض – سنكون في سلام: «فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ...»(بقرة:137)؛ أي: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق.
دعونا نكمل هذا المبحث بمراجعة بضع آيات أخرى من القرآن. في سورة آل عمران نقرأ:
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿١١٠﴾ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ﴿١١١﴾ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿١١٢﴾ لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿١١٣﴾ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٤﴾ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿١١٥﴾
«خير أمة» هنا لا تعني أفضل أمة، بل تعني أنكم أمة خيّرة. صفاتكم أنكم «تأمرون بالمعروف» و«تنهون عن المنكر» و«تؤمنون بالله». ثم يتابع قائلاً: «وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ»، من أهل الكتاب هؤلاء أنفسهم من هم أهل صلح. أهل إيمان. الإيمان يعني وضع النفس في دائرة الطمأنينة والاعتراف بالآخرين. تقول الآية إن قسماً من أهل الكتاب هؤلاء مؤمنون وكثير منهم فاسقون. الفسق يعني الخروج عن دائرة الوئام. لماذا يعد أكثرهم أهل فسق وخروج عن دائرة السلام؟ لأنه، كما هو الحال اليوم بين أتباع الأديان المختلفة، ترى الأكثرية نفسها أهل نجاة وتظن الآخرين خارج دائرة النجاة، وهذا الأمر أدى إلى ادعاء الحق المطلق والنظرة الأحادية وتزكية النفس بين أتباع الأديان والمذاهب المختلفة، وترتب على ذلك بالتالي الحكم المسبق والحرب والصراع والضغينة والقتل والتمييز الناجم عن الشعور بالتفوق. القرآن الكريم هنا يعبّر عن واقع مجتمع أهل الكتاب في ذلك الزمان حيث كانت الأكثرية الساحقة تتكون من مدعي الحق المطلق وذوي النظرة الأحادية.
ثم يتابع قائلاً: «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ»؛ أينما وُجدوا أصابهم الذلّ، إلا إن لجأوا إلى أمان الله وذمّة الناس.
أي أننا كلما ابتعدنا عن هذه النظرة، أصابنا التفرّق والذلّ. والسبيل الوحيد للخروج والخلاص من الذلّ والتفرقة هو التمسّك بـ «حَبلُ مِن الله» و«حَبلُ مِن الناس»، أي التصالح مع الوجود والتصالح مع جميع الناس.
ثم يشير القرآن إشارة واضحة فيقول عن أهل الكتاب: «لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِين»
لا تحسبوا أهل الكتاب سواءً واحداً. فمنهم مؤمنون يتلون آيات الله (آيات التوراة والإنجيل) ساجدين. يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويسارعون في الخيرات ويحرصون عليها. هؤلاء لا يُضيّع أدنى عمل صالح لهم.
+ في الختام، أودّ أن أسألكم عن الصورة المكثّفة لرؤيتكم حول النمط الأمثل للتدين.
حسيني:
إن أكثر ما أركز عليه هو فلسفة الدين وفلسفة الحُكم. لقد تعامل العالم الإسلامي حتى الآن مع تراث النبي (ص) بثلاثة تلقيات مختلفة. التلقي الأول هو تلقي النصوصيين، أولئك الذين لا يتجاوزون حدود النصوص. والتلقي الثاني هو تلقي التبريريين الذين يسعون إلى إعادة قراءة النصوص الدينية بكثير من التأويل والتبرير. وأخيراً، التلقي الثالث هو طريقة الفلسفيين. إن الفلسفيين أمثال إقبال وفضل الرحمن هم الذين لا يتشبثون بالنصوص ولا يسعون إلى تأويلها وتبريرها، بل يولون اهتمامهم لفلسفة الدين والحُكم. وأنا على يقين بأن علينا اليوم، وبإلهام واقتداء بمهندس الحرم (نبي الإسلام)، أن ننهض لتعمير الحرم، وأن نخطو خطوة في ضوء فلسفة الدين وفلسفة الحُكم، والاهتمام بجوهر الدين وروحه.
الدين
الدين
علم الاجتماع
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.