اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد فرهاد شفتي آرش نراقي متحدياً نزعة الاحتكار، ويدافع عن التعددية برفضه فرضية تناقض القضايا المختلفة. فحين يتعذر فهم المتعالي، لا تكون التصورات المتنوعة متناقضة بالضرورة.

هذه الكتابة نقدٌ لمقالة الدكتور آرش نراقي الأخيرة، الباحث المحترم في الدين والفلسفة، حول موضوع التفردية في الدين.[1] يطرح نراقي في مقالته ويشرح أولاً نسخةً من التفردية الدينية التي يراها قابلة للدفاع، ثم يتناول نقد التعددية الدينية. في القسم الأول من هذه الكتابة، أتحدى الفرضيات والاستدلالات التي يبني عليها نراقي شرحه للتفردية. وفي القسم الثاني، أتولى الدفاع عن التعددية في مواجهة انتقادات نراقي الثمانية. لهذا النقاش تتمة سأقدمها في كتابة أخرى. أتناول في تلك الكتابة سؤال: هل القرآن أقرب إلى التفردية الدينية أم إلى التعددية الدينية.
لقد استعملت هنا كلمة «الدين» بمعناها الأعم الذي يشمل كل مشرب روحاني، من أتباع الأديان الرسمية الإبراهيمية وغير الإبراهيمية ممن يعتقدون بإله مشخص، إلى أتباع أديان رسمية تعتقد بإله غير مشخص، وكذلك أتباع كل مسلك روحاني لا ينتمون إلى جماعة رسمية معروفة. كما استعملت عبارة «الأمر المتعالي» بمعنى ذلك الأمر فوق البشري وفوق المادي الذي يؤمن به المتدينون، ويشمل هذا الإله المتشخص أو غير المتشخص والمفاهيم المرتبطة به كالعالم بعد الموت وعالم الملكوت وما وراء المادة.
القسم الأول: نقد فرضيات واستدلالات التفردية
قبل نقد وجهة نظر نراقي، ينبغي أن أقر بأن النقطة التي يطرحها نراقي حول الفرق بين التفردية المحقَّقة والتفردية الجزمية والتقليدية يمكن أن تكون قيّمة جداً وحلّالة للمشكلات في الواقع العملي. يشرح نراقي بوضوح أن التفردية الدينية لا تؤدي بالضرورة إلى إنكار خلاص الآخر وإنكار حقوقه. نراقي نفسه مثال واضح على النموذج الذي يدافع عنه، وقد أظهر بوضوح في كتاباته كيف يمكن للمرء أن يكون تفردياً وفي الوقت نفسه مهتماً بحقوق الآخر. بصرف النظر عن كوننا متفقين مع التفردية أم لا، أرى أنه يمكن أن نأمل في أن يؤدي طرح هذه الوجهة العلمية على المدى الطويل إلى تحول في الخلق الجاهل لدى بعض أتباع التفردية الجزمية والتقليدية.
يقدم نراقي في القسم الأول من كتابته نسخته المفضلة من التفردية بناءً على فرضيات لا يراها صاحب هذا القلم صحيحة أو دقيقة. حصيلة تنقيبي بين سطور جمل نراقي هي أنه يرى التفردية مبررة بل وضرورية بناءً على فرضيتين غير مصرح بهما:
الفرضية الأولى: كل قضيتين دينيتين مختلفتين هما بالضرورة متناقضتان.
الفرضية الثانية: المعتقدات الدينية ترتبط ارتباطاً مباشراً بإمكانية الخلاص.
الفرضية الأولى، أي اعتبار كل قضيتين دينيتين مختلفتين متناقضتين، تؤدي في كلام نراقي إلى أن فهماً واحداً فقط للأمر المتعالي هو الصادق وسائر الأفهام كاذبة. يكتب:
"يمكن للفرد التفردي المحقِّق أن يعتبر المعتقدات المحورية لدينه صادقة بشكل مبرر عقلاً، والمعتقدات المناقضة في الأديان والمدارس المنافسة كاذبة."
رواية الصادق والكاذب هي السائدة على مقالة نراقي، والكثير من شروحاته في الدفاع عن التفردية ونقد التعددية تستقر على أرضية هذه الرواية.
أظن أن نراقي يتفق مع كثير من المفكرين الدينيين، المجددين والتقليديين، على أن الإدراك الكامل للأمر المتعالي ليس ميسورًا للإنسان المحدود بعالم الناسوت. وعلى هذا الأساس، كيف يمكن الاستدلال على أن الإدراكات المختلفة للأمر المتعالي متناقضة بالضرورة، وأن واحدًا فقط من هذه الإدراكات صادق في أفضل الأحوال؟ كيف يمكن إنكار إمكانية كون هذه الإدراكات المختلفة "من منظورٍ ما"، واعتبار "اختلاف المؤمن والگبر والجهود" ناشئًا بالضرورة عن إدراك متناقض؟ سأحاول، مثل نراقي، أن أستخدم مثالًا بسيطًا لتوضيح المطلب. طفل صغير يتصور الشمس مصباحًا في السماء، وطفل آخر يرى الشمس نفسها صورة أم. ألا يتطابق هذان التعبيران المختلفان في الجوهر والباطن؟ أليس كلاهما وصفًا مختلفًا للحقيقة، لكنه منسجم مع الحقيقة وناشئ عن إدراك نور الشمس ودفئها اللطيف؟ إذا قبلنا بأن أيًا من هذين الوصفين ليس عين الحقيقة، بل مجرد انطباع عنها، فإننا لا نرى تناقضًا حينئذ.
النقطة المهمة هنا هي معيار اعتبار قضية ما صادقة، وعلى أساسه معيار اعتبار قضيتين متناقضتين. القضية التي تتعلق بحقيقة قابلة للفهم تكون صادقة عندما تكون وصفًا دقيقًا لتلك الحقيقة. وعلى هذا الأساس، إذا اختلفت قضيتان في وصف حقيقة قابلة للفهم، فستكونان متناقضتين بالضرورة. "الأرض كروية" و"الأرض مسطحة" قضيتان مختلفتان حول حقيقة قابلة للفهم، وبالتالي فهما متناقضتان، بمعنى أنه لا يمكن أن تكونا صادقتين في آنٍ واحد، وأن واحدة منهما على الأقل كاذبة. أما عندما نواجه حقيقة غير قابلة للفهم، فالقصة مختلفة تمامًا. القضية التي تتعلق بحقيقة غير قابلة للفهم تكون صادقة عندما تكون انطباعًا منسجمًا مع تلك الحقيقة. وعلى هذا الأساس، فإن قضيتين مختلفتين في وصف تلك الحقيقة ليستا متناقضتين بالضرورة، إذ يمكن أن تكون كلتاهما انطباعًا منسجمًا مع تلك الحقيقة. في هذه الحالة، لا تكون القضيتان المختلفتان متضادتين إلا عندما تؤديان إلى تأويلين متضادين حول تلك الحقيقة. في مثال الأطفال الصغار الذين تكون ماهية الشمس غير قابلة للفهم بالنسبة لهم، إذا اعتبر طفل الشمس إلهة الظلام ورآها آخر مصباحًا في السماء، فإننا نواجه قضيتين متناقضتين؛ ليس لأن هاتين القضيتين مختلفتان، بل لأن تأويلي هاتين القضيتين غير قابلين للتطابق. إذا اعتبرنا عالم ما بعد الموت عالمًا يعذب فيه الأخيار ويسعد فيه الأشرار، فهذا أيضًا لا يتطابق مع تصور الجنة والنار أو مع فلسفة التناسخ، ويكون في تناقض.
خلاصة البحث أنه ما دمنا نبني على عدم إمكانية فهم الأمر المتعالي، فيجب أن نكون حذرين في اعتبار فهمين مختلفين متناقضين. إذا قبلنا بأن فهم الحقيقة ليس عين الحقيقة، بل انطباع عنها، فإننا لا نرى عندئذ كل اختلاف في الانطباع تناقضًا، وخلافًا لما يكتبه نراقي، لا نرى القضايا النقيضة في دين آخر بالضرورة دليلًا على كذب ذلك الدين. يمكن للمرء أن يستمتع بقوته الديني وأن يغذي به الروح والجان. يمكن ألا يستحسن القوت الديني لأمة أخرى، بل قد يضطرب حتى من تصوره. لكن لا يجوز اعتبار القوت الديني لأمة أخرى، الذي هو لذيذ ومغذٍ لها، ملوثًا وغير مغذٍ، لمجرد أن لونه ورائحته يختلفان عن لون ورائحة قوتنا الديني.
الفرض الثاني يفترض علاقة مباشرة لكنها معقدة بين المعتقدات الدينية والخلاص. هنا يقر نراقي بأن الاعتقاد الديني الصادق، من وجهة نظره، ليس شرطًا للخلاص، لكنه شرط للمراتب العليا من الخلاص:
"الصدق في مقام السلوك الفكري والروحي والسيرة الأخلاقية شرط كافٍ للخلاص الديني والروحي. ... المعتقدات الدينية الصادقة شرط لازم للمراتب العليا من الخلاص."
يعبر نراقي عن الفائدة النظرية لهذا "النموذج التركيبي" على النحو التالي:
"يسعى هذا النموذج من جهة إلى الحفاظ على العلاقة بين صدق المعتقدات وإمكانية الخلاص، ومن جهة أخرى، أن يبقى بمنأى عن الإقصائية ضيقة الأفق ..."
ألخص نقدي لهذا النموذج وأساسه، أي الفرض الثاني، في خمس نقاط:
1- نقد نظري: نقدي الأول على هذا الفرض والنموذج التركيبي المنبثق عنه، هو حصيلة النقاش السابق حول الفرض الأول. يبدو أن الدافع لصياغة هذا «النموذج التركيبي» هو ذاته الانشغال بالصدق والكذب. بناءً على النقاش السابق، إذا كان الصادق هنا بمعنى عين الحقيقة، فعندئذٍ، على الأقل في هذا العالم الناسوتي، لا يوجد أي اعتقاد صادق حول الأمر المتعالي، إلا إذا كان المقصود هو أعمق الاعتقادات الدينية (وحتى هذه فقط بشكل إجمالي) مثل وجود حقيقة وراء العالم المادي والاعتقاد بنوع من الحياة بعد الموت. من ناحية أخرى، إذا كان المقصود بالصادق هو المطابق للحقيقة، فعندئذٍ، كما طرحت أعلاه، يمكن للعديد من الاعتقادات التي تبدو مختلفة أن تكون صادقة في آنٍ واحد. على هذا الأساس، سيكون الفرض الثاني الذي وجدته في مقالة نراقي بلا فائدة عملية.
2- نقد منهجي: أدرك تمامًا أن نراقي يسعى إلى تعريف نموذج تركيبي ليتمكن من مد جسر بين الحصرية والخلاص غير الحصري. يتحدث نراقي عن فوائد نموذجه التركيبي لكنه لا يقدم استدلالاً لإثباته. إثبات فوائد نظرية ما ليس بمثابة إثبات لتلك النظرية. مثل هذا النموذج لا يكون ذا فائدة إلا عندما نسعى أولاً لإثباته نظريًا بطريقة ما (تجريبية، منطقية/فلسفية أو حتى بناءً على نص ديني داخلي يمكن الاستناد إليه مثل القرآن[2]). فقط بعد الدفاع النظري عن نموذج ما، يأتي دور الدفاع عن مخرجاته.[3] في كتابة نراقي نرى دفاعًا من النوع الثاني، لكن مكان الدفاع من النوع الأول خالٍ.
3- نقد مخرجات النموذج: لكنني حتى دفاع نراقي عن مخرجات هذا النموذج التركيبي لا أجده محكمًا ومدعومًا بالأدلة. إنه في مجال الحصرية، ينتقد نماذج الخلاص الأخرى ويكتب أن من يلتزم بتلك النماذج «لزامًا عليه أن يقبل بأن البشر الأتقياء، المتحررين، ذوي السجايا الحميدة، والروحانيين الذين تربوا في تقاليد دينية أخرى، وأضفوا على عالم المعنى دفئًا ونورًا، محرومون من الخلاص الديني والروحي. هذا الحكم لا يبدو منصفًا ولا مقبولاً.»
سؤالي هو: هل حقًا بمجرد استبدال «الخلاص الديني والروحي» بـ «المراتب العليا من الخلاص الديني والروحي» في العبارة أعلاه سيصبح حكمنا منصفًا ومقبولاً؟ لننتبه أن الكلام هنا ليس عن الحرمان من المراتب العليا للخلاص الديني لفترة أو حتى لعمر كامل. بناءً على رؤية نراقي، هذا الحرمان أبدي. دافع نراقي في تبيين نموذجه التركيبي هو تجنب الحكم غير المنصف حول خلاص أتباع الأديان الأخرى. لا يبدو أن هذا النموذج التركيبي بريء من الحكم غير المنصف.
4- نقد كلامي: يعاني نموذج نراقي التركيبي من نفس المشكلة التي تعاني منها النماذج الحصرية الأخرى:
في عالم الأديان المؤمنة بإله مشخصن (والذي أتصور أنه دين نراقي المختار وكثير من الحصريين الدينيين الآخرين) كيف يمكن التوفيق بين العدل والحكمة الإلهيين وحصر المراتب العليا للخلاص بناءً على الاعتقادات الصادقة (كما يعرّفها نراقي)؟
يقبل نراقي أن الاعتقاد الديني يعتمد بشدة على الخلفية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الذي ولد فيه الفرد ونشأ. حاصل جمع ذلك الاعتقاد (النموذج التركيبي) وهذا القبول (تأثير محل النشأة) هو أن المراتب العليا لخلاص الإنسان مرهونة بشدة بمحل ولادته ونشأته. ومع ذلك، كيف يمكن الإصرار على أن الإله المشخصن حكيم وعادل وله لطف ورحمة على جميع العباد؟ لماذا لم ينزل الإله الحكيم العادل (والقادر والعليم) لجميع الأقوام البشرية دينًا باعتقادات متطابقة وأنبياء متسقين وبلغات تلك الأقوام نفسها، ولا يزال لا ينزل، حتى يمتلكوا جميعًا، بمقتضى عدله، إمكانية الوصول إلى المراتب العليا للخلاص بشكل متساوٍ؟
في نقاش شارك فيه نراقي مؤخرًا، سمعت منه إجابة حول هذا الأمر، أراها إما غير مرتبطة بالموضوع أو مصادرة على المطلوب. لقد استدل بأن الاختلاف موجود في هذا العالم على أي حال:
”فعلى سبيل المثال، كان الناس في عصر اليونان القديمة محرومين من كثير من الحقائق التي انكشفت لنا اليوم، ونحن محرومون من كثير من الحقائق التي ستنكشف حتى بعد ١٠٠ عام أخرى ... لذا فالعدالة أو الظلم لا ينحصران في الإقصائية الدينية. “[4]
إذا كان مراد نراقي من الحقائق هنا الحقائق المتعلقة بالعلوم التجريبية، فإن هذا التبرير يبدو غير ذي صلة بالنقاش حول الأمر المتعالي والخلاص. أما إذا كان مراده من الحقائق المعارف المتعلقة بالأمر المتعالي، فإن هذا الجواب أو التبرير لا يمكن طرحه في هذا النقاش إلا بعد أن نعتقد أولاً، بفضل رؤية إقصائية، أن تلك الحقائق قابلة للإحصاء ومؤثرة في الخلاص.
5- نقد تجريبي: ما هذه الآلية التي تمنح الفرد، بناءً على معتقده، إمكانية الخلاص ولكنها لا تمنحه إمكانية الخلاص في المراتب العليا؟ في ظني أن هذه النظرية لا يمكن أن تحمل إلا أحد هذين المعنيين:
الاعتقاد الديني كاعتقاد يرتبط بمراتب الخلاص العليا.
أو
الاعتقاد الديني كعامل مؤدٍ إلى العمل يرتبط بمراتب الخلاص العليا.
المعنى الأول غير ثابت، وانطباعي هو أن نراقي نفسه لا يقر المعنى الأول:
”إذا كان لدى الفرد معتقدات دينية صادقة، ولكنه لم يكن صادقاً في سلوكه الفكري والروحي وكانت حياته بعيدة بشكل كبير عن المعايير والقيم الأخلاقية، فإن هذا الفرد ليس أهلاً للخلاص “.
أما بخصوص المعنى الثاني، فإن النقطة التي أشرت إليها سابقاً تفيد هنا أيضاً ولا مناص لي من تكرارها: بشرط أن يكون المراد أكثر المعتقدات الدينية أساسية (مثل وجود حقيقة وراء العالم المادي والإيمان بنوع من الحياة بعد الموت)، نعم يمكن القبول بأن الاعتقاد بأن الموت هو نهاية قصة الوجود قد يقلل، لدى البعض (وليس الكل)، من الاهتمام بالسلوك الروحي أو يخنقه في مهده. ولكن من بين التصورات المختلفة للحياة بعد الموت، كيف يمكن حقاً الاستدلال على أن أحدها أكثر تأثيراً في السلوك العملي من الآخرين؟ السلوك العملي له بالتأكيد تجلٍّ واضح وجذاب ومشهود في الفرد. لقد شهد البشر عبر التاريخ نماذج سامية لأفراد روحانيين في أديان مختلفة، ولكن بصرف النظر عن التعصبات والأحقاد داخل الأديان وفيما بينها، فإن التجربة البشرية إجمالاً لم تجد التربية الروحية لأي دين أكثر تأثيراً بشكل مطلق من جميع الأديان الأخرى.
بناءً على النقد الذي طرحته والنقاط الخمسة أعلاه، لا أرى نظرية الإقصائية المحققة ونموذج الخلاص التركيبي ثابتين أو قابلين للدفاع عنهما، لا من الناحية الأخلاقية ولا من الناحية المعرفية، وإن كنت لا أزال أعتبر طرح مثل هذه الصياغة المنزوعة التعصب للإقصائية مفيداً ومباركاً في العمل.
القسم الثاني: نقد لنقد نظرية التعددية
ينتقد نراقي في الجزء الثاني من مقالته نظرية التعددية عبر طرح ثماني نقاط. سأطرح هنا هذه النقاط الثماني بالترتيب وأفحصها باختصار. لبيان رأي نراقي وتذكيره، سأبدأ كل نقطة من هذه النقاط الثماني بجملة أو جمل مفتاحية له:
النقطة الأولى: "الإقصائية المحققة، كما أسلفت، يمكنها (وينبغي لها في نظري) أن تقبل ظاهرة تعدد الأديان وترحب بها، دون أن تلزم نفسها بنظرية التعددية الدينية."
في القسم الأول من هذه الكتابة أوضحت أنه، على الأقل في نطاق الأديان المؤمنة بإله مشخص، تواجه الإقصائية المحققة، مثلها مثل الإقصائية الدوغمائية، مشكلة تبرير العدل والحكمة الإلهيين. علاوة على ذلك، فإن نموذج الخلاص التركيبي لنراقي ليس من تطبيق له سوى تحويل قضية "أتباع ديني وحدهم يخلصون" إلى قضية "أتباع ديني وحدهم يبلغون مراتب الخلاص العليا". ظني هو أن ترحيب الإقصائية المحققة بظاهرة تعدد الأديان سيكون ترحيباً شكلياً وسطحياً فحسب.
النقطة الثانية: "تقوم نظرية التعددية على ركنين أساسيين: الركن الأول هو الإيمان بوجود موجود متعالٍ يقع في بؤرة الأديان المختلفة. والركن الثاني هو الإيمان بأن الأديان المختلفة، كل منها، لها نصيب متساوٍ تقريباً من تلك الحقيقة الواحدة المتعالية المركزية. وبالتالي، ووفقاً لهذه النظرية، فإن جميع الأديان صادقة (أو كاذبة، بتعبير آخر) بالقدر نفسه تقريباً."
يكتب نراقي في الهامش: "تستند هذه القراءة لنظرية التعددية بشكل رئيسي إلى تقرير جون هيك."
على الرغم من أن نراقي يستخدم عبارة "تستند بشكل رئيسي" إلا أنه لا يبدو أن صياغته لنظرية التعددية تشترك في أساس يُذكر مع صياغة جون هيك لهذه النظرية. يؤكد جون هيك أنه في شرحه لنظريته في التعددية لا يستخدم تعبير «الأمر الغائي» (the ultimate) بل كلمة «الحق» (the real) لكي تشمل نظريته التعددية الأديانَ المؤمنة بإله غير مشخصن.[5] وهو وإن كان يعتقد بأن الأديان الكبرى لها نصيب متساوٍ تقريباً من تلك الحقيقة، إلا أنه يرى هذا النصيب رهناً بالتجربة الدينية وتأثيرها في الفرد. وعلى هذا الأساس، لا يرى هيك جميع الأديان متساوية في هذا النصيب تقريباً، ولا يعتبرها جميعاً صادقة بالقدر نفسه.[6]
لكنني، في هذه المقالة، لست بصدد الدفاع عن صياغة جون هيك الخاصة لنظرية التعددية. وبما أن نقد نراقي موجه إلى التعددية بشكل عام، فإنني أفضل أن أدافع عن تلك النسخة من التعددية التي أنا شغوف بها وأراها قابلة للدفاع. يستند هذا التصور للتعددية إلى قراءة للقرآن آمل أن أتناولها في مقالة أخرى.
وعلى هذا الأساس، فإن تصوري البديل للتعددية الدينية يقوم على هذين الركنين على الأقل:
الركن الأول هو الإيمان بوجود أمر متعالٍ يقع في بؤرة الأديان[7] المختلفة.
والركن الثاني هو الإيمان بأن الأديان المختلفة، كل منها، لها نصيب من حقيقة ذلك الأمر المتعالي.
وأرى من الضروري أن أضيف ركناً ثالثاً إلى هذه الصياغة:
الركن الثالث هو الإيمان بأن الأمر المتعالي يتفاعل مع المخاطَب على النحو الذي يتسع له إدراكه وإطاره الذهني والثقافي.[8]
إن قراءة التعددية التي سأدافع عنها في تتمة هذا النقاش تستند إلى هذه الأركان الثلاثة.
النقطة الثالثة: "وكأن نظرية التعددية تتخذ موقفاً إقصائياً حصرياً من نظرية الإقصائية. لكن إذا كانت الإقصائية ... غير قابلة للدفاع عنها من منظور معرفي وفاضحة أخلاقياً، فيتعين علينا حينئذ أن نعتبر إيمان التعدديين بالصدق الحصري لنظرية التعددية مصاباً بنفس العيوب المعرفية والأخلاقية."
يبدو أن في هذا النقد الذي ينقله نراقي عن بلانتينغا ما يشبه مغالطة رجل القش[9] (strawman fallacy)؛ وكأن التعددية الدينية تعني قبول جميع الآراء حول ماهية الدين. مراد هذا النقد هو أننا إن كنا تعدديين فيجب علينا أن نقبل الإقصائية أيضاً وندخلها في نطاق تعدديتنا. أرى أن هذا خلط للموضوع.
أولاً، إن موضوع التعددية الدينية هو المعتقدات الدينية، لا وجهات النظر الإبستيمولوجية الدينية. نظرية الإقصائية ليست معتقداً دينياً يُتوقع من التعددي، بحكم كونه تعدديّاً، أن يقبلها، بل هي وجهة نظر إبستيمولوجية. هذه النظرية تقع في مرتبة موازية للتعددية الدينية. وبالتالي، لا تقع التعددية في تناقض بنفيها للإقصائية. ومن جهة أخرى، إذا استدل فرد بأن الإقصائية ليست نظرية إبستيمولوجية وخارج-دينية بالنسبة له، بل هي من معتقداته الدينية، فعندئذ يصبح من الممكن تضمين هذا المعتقد في التعددية، لأن هذا المعتقد سيُعتبر أيضاً تصوراً عن الأمر المتعالي. وهذا مرهون بالطبع بأن نكون متفقين مع قراءة الفرد المعني لدينه والتي أدت به إلى الإيمان بالإقصائية.
ثانيًا، ثمّة حدّ فاصل واضح بين الحصرية والتعددية. إذا قلنا إن دينًا واحدًا فقط يمكنه أن يوصل الإنسان إلى الخلاص أو إلى الدرجات العليا من الخلاص، فنحن حينئذٍ حصريون، وإذا قلنا إن دينين أو أكثر يمكنهما أن يفعلا ذلك، نكون قد دخلنا وادي التعددية. وفي الوقت نفسه، ورغم هذا الحد الفاصل، ليست أي من النظريتين ملزمة بأن تكون مطلقة. قد يكون للتعددية المطلقة أنصار في وادي النسبوية، أما في وادي المعرفة، فالتعددية ليست مطلقة عادة. في رأيي، من المقبول تمامًا أن يكون أي تعددي تعدديًا داخل حدوده وحصريًا خارج تلك الحدود. فعلى سبيل المثال، لا يقبل الكثير من التعدديين الدينيين ضمن دائرة تعدديتهم طقسًا يقوم على عبادة الشيطان ومناهضة الأخلاق. هذا ليس تناقضًا، بل هو من لوازم مفهوم التعددية غير المطلقة[10]. يمكن أن يكون للتعددية سقف، تمامًا كما يمكن أن يكون للحصرية أرضية. إذا كان الفرد الحصري الذي يرى دينه ومعتقده الديني وحده صادقًا تمامًا، يقول بإمكانية صدق فهمين مختلفين لأحد معتقداته الدينية، فإني لا أزال أعده حصريًا ولا أرى تناقضًا في آرائه، لأني لا أرى من الناحية المنطقية ضرورة أن يكون كل حصري حصريًا مطلقًا.
النقطة الرابعة: " يمكن فهم العلاقة بين ذلك الأمر المتعالي المحوري وإله الأديان وفق نموذجين مختلفين: نموذج الصنم المتلون، ونموذج المشهد الملهم."
ينقل هذا النراقي عن جورج مافروودس وفي معرض نقده لتعددية جون هيك. لكن هيك لم يترك نقد مافروودس بلا جواب، وأزاء هذين النموذجين، ومع إقراره بأنه لا يوجد أي نموذج رمزي يفي بالمطلوب في هذا المبحث من حيث المبدأ، قدم نموذج سطح الطاولة الخشبي (Wooden Table Top).[11]
لكني هنا لا أنوي بحث مناقشات هيك ومافرودس، وأود، استنادًا إلى أسس التعددية التي أشرت إليها أعلاه، أن أتناول مباشرة نقد النراقي للتعددية بناءً على النموذجين المزدوجين اللذين ينقلهما عن مافروودس؛ النموذجان اللذان ترجمهما النراقي ببراعة وذوق يحمدان إلى نموذج الصنم المتلون (disguise model) ونموذج المشهد الملهم (construct model).
من وجهة نظري، ليست انتقادات مافروودس والنراقي لكل من هذين النموذجين صادقة بالكامل، ولا يوجد من حيث المبدأ ضرورة أو مبرر لفرض أحد هذين النموذجين على نظرية التعددية. سأتناول هنا شرح النقطة الثانية لأستغني عن شرح النقطة الأولى ولا أطيل الكلام أكثر من ذلك:
في نموذج الصنم المتلون، كما صُوِّر، يبدو الأمر المتعالي وكأنه يتخذ "في كل لحظة شكلًا" للتسلية وطيب الخاطر. وفي هذا التشكل الآخر، يبدو وكأن لا تناسب بين ذلك الشكل والناظر إليه. أما في نموذج المشهد الملهم، فيوجد مثل هذا التناسب ولكن يبدو (على خلاف الصنم المتلون) أن الأمر المتعالي في هذا النموذج صامت تمامًا وغير فاعل. وبتعبير مترجم عن الخواجة عبد الله الأنصاري، الصنم المتلون عارٍ من المعرفة والمشهد الملهم عارٍ من الألفة: "المعرفة والألفة كلاهما معًا ينبغي حتى يصير المرء علامة لهذا العمل وأهلًا لهذه الخلعة".[12]
أكرر الركن الثالث الذي طرحته للتعددية: الأمر المتعالي يتفاعل مع المخاطب على النحو الذي يتناسب مع تحمّله وإطاره الذهني والثقافي.
في هذه القراءة للتعددية، لا يتخذ الصنم المتلون شكلًا آخر لطيب الخاطر، بل بناءً على تحمّل المخاطب وذائقته ومنظوره. كما أن ذلك المشهد الملهم ليس فاقدًا للوعي ومحايدًا، بل هو ذكي وفاعل، يعرض ألوانه وجمالياته بناءً على الأثر الذي يأخذه كل رسام عنه، وبهذا يتفاعل مع الرسام. هكذا وبهذا التغيير، يقترب الصنم المتلون والمشهد الملهم من بعضهما، ويتحدان مع قليل من التسامح. هذا الصنم المتلون الملهم، الناتج عن هذا الدمج، لا يؤدي إلى تعدد الآلهة بمعناه الشركي، ولا ينتهي إلى نفي الأمر المتعالي.
النقطة الخامسة: "تلتزم نظرية التعددية بافتراضات تُخرج قسماً من الأديان من دائرة الأديان المشروعة وصاحبة الحق. على سبيل المثال، لا تؤمن البوذية التبتية أساساً بأي أمر متعالٍ في هذا العالم."
في معرض تناولي للنقطة الأولى، أوضحت أن هذا القول غير صحيح. يبدو أن نراقي، في شرحه للتعددية، ينظر في المقام الأول إلى كتابات جون هيك. وقد أوضحت أن جون هيك يرى صراحةً أن سبب استخدامه لكلمة الحق (real) بدلاً من كلمة الله هو إدماج تقاليد كالبوذية في تعددية التي يدعو إليها.[13]
وكما أشرت، فإن قراءة التعددية التي أدافع عنها هنا تؤكد على الإيمان بالأمر المتعالي، لا بالموجود المتعالي.
النقطة السادسة: "تعجز نظرية التعددية عن تفسير بعض الأفكار الدينية المهمة والمحورية."
يتناول نراقي في هذا الجزء اختلاف رؤى الأديان حول جملة من المسائل الاعتقادية والتاريخية. وهو يرى أن هذه الاختلافات في الرأي لا يمكن تفسيرها في إطار نظرية التعددية. يبدو أن موضوعين مختلفين تماماً قد اختلطا هنا. ولتوضيح وجهة نظري حول النقطة السادسة، لا بد لي من الفصل بين هذين الموضوعين:
يطرح نراقي هنا مجدداً هاجس صدق أو كذب معتقد ديني ما. وكما أوضحت، فإن هذه الحجة هي مصادرة على المطلوب. إن الأساس الكامل للتعددية التي أدافع عنها هو أن حقيقة الأمر المتعالي لا يمكن للبشر في هذا العالم إدراكها. وبالتالي، فإن التلقيّات المختلفة لتلك الحقيقة ليست كاذبة بالضرورة. وكما كتبت، إذا كانت هناك قضيتان حول موضوع غير قابل للفهم كالأمر المتعالي، فإن أساس تناقضهما هو عدم قابلية التأويل الناتج عنهما للانطباق. في هذا العالم الفاني نفسه، يعبر الأفراد عن ظواهر بسيطة ومادية تماماً (كمشهد طبيعي) بطرق مختلفة. ونحن عادة لا نتقبل التعبيرات المختلفة عن أمر مادي فحسب، بل نجدها جذابة وقيمة. فكيف لا نحتمل اختلاف التصورات في التعبير عن الأمر المتعالي، ونسعى إلى حصرها في ثنائية الصادق والكاذب؟
نعم، المعاد الجسماني والمعاد الروحاني والتناسخ والالتحاق بوجود أسمى غير شخصي هي تصورات مختلفة. لكن أليس جوهرها جميعاً هو الاعتقاد بأن الموت ليس نهاية، والإحساس بأن ليومنا هذا أثراً على غدنا؟ لا يتعارض أي من هذه التصورات مع جوهر الاعتقاد بالآخرة.[14]
وفي الوقت نفسه، إذا صادف شخص تعددي، عن طريق البحث أو بناءً على معتقده الديني، لا اختلافاً بل تناقضاً في أحد معتقدات الأديان الأخرى وأنكر ذلك المعتقد الخاص، فإنه لا يكون بذلك قد خرج عن التعددية. وكما أوضحت سابقاً، فإن معظم التعدديين الدينيين ليسوا تعدديين مطلقين. لذلك، على سبيل المثال، إذا خلص مسلم تعددي، بناءً على ما يتعلمه من القرآن أو بناءً على بحثه، إلى أن عقيدة التثليث لم تكن عقيدة أصيلة في الدين المسيحي وأضيفت إليه لاحقاً، وبناءً على ذلك، بدلاً من معتقد غالبية المسيحيين هذا، أدرج معتقد المسيحيين التوحيديين (unitarianism) الذين ينكرون التثليث ضمن تعدديته، فإنه لا يكون بذلك قد خرج عن التعددية.
أرى من الضروري أن أشير إلى أن موضوع التعددية في التعددية الدينية (على الأقل في النسخة التي أدافع عنها) ليس المعتقدات الطائفية أو الفردية للمتدينين، بل المعتقدات الدينية الكلية. فأتباع أي دين يختلفون عادةً في فهمهم لبعض معتقدات ذلك الدين، ومن ثم يتفرعون إلى طوائف وجماعات متعددة. والتعددي ليس ملزماً بقبول جميع هذه المعتقدات بوصفها معتقدات صحيحة. فعلى سبيل المثال، الهندوسي التعددي ليس ملزماً بقبول جميع معتقدات المسلمين، سواء أكانوا شيعة إمامية أم إسماعيلية أم فرقاً سنية وصوفية أم جميع الفرق المشبهة والمجسمة. يكفي لبقائه تعدديًا أن يقبل بأن الديانة الهندوسية ليست السبيل الوحيد للوصول إلى مراتب الخلاص العليا، وأن دين الإسلام قد وفر للمسلمين سبيلاً إلى المقصد ذاته. إن دعوى التعددي ليست أن الجميع على حق، بل دعواه أنه ليس هو وحده على حق.
الاختلاف في الفهم التاريخي موضوع مختلف. ففي هذا المجال، لا يُطرح اختلاف الفهم قطعاً، أو يُطرح على نحو أقل، وبطبيعة الحال يكون للصادق والكاذب معنى هنا. لكن السؤال الأساسي هو: هل جاء الدين لتعليم التاريخ؟ وهل خلاصنا رهن بمعرفة التاريخ؟ بعبارة أخرى، إن اختلاف الفهم في المسائل التاريخية ليس من موضوعات التعددية الدينية. ولا يبدو وصف مثل هذه الموضوعات بأنها مهمة ومحورية توصيفاً صحيحاً، حتى لو تحولت هذه الموضوعات تدريجياً من معرفة تاريخية إلى عقيدة دينية.
النقطة السابعة: "هل تقتصر نظرية التعددية الدينية على المجال بين الأديان، أم يمكن تعميمها لتشمل العلاقة بين الدين واللادين؟"
كما أوضحت في شرح النقطة الثالثة، يمكن للمرء أن يكون تعدديًا دون أن يُدخل كل اعتقاد في إطار التعددية. وفي اعتقادي أيضاً أن نظرية التعددية تقتصر على المجال بين الأديان، لكني لا أرى إشكالاً منطقياً في هذا الموقف. بيد أنه من المفيد الانتباه إلى أن الدين قد عُرّف في بداية هذه المقالة بأنه أي مشرب روحاني. وعليه، فإن ذلك الجزء من السيرة والمنهج الروحي الفردي الكافر بالكلية يدخل أيضاً في نطاق التعددية الدينية.[15]
ويتساءل نراقي لاحقاً: "على أي أساس يمكن للمرء أن يكون تعدديًا على نحو متسق في مجال التنوع داخل الدين، لكنه يتخذ موقفاً حصرياً في مواجهة التنوع والتعدد خارج الدين؟"
في نظري أن الجواب واضح. فالتعددية ليست ملزمة بأن تكون مطلقة. واستناداً إلى تعددية غير مطلقة، يمكن للمرء أن يكون حصرياً إزاء بعض المعتقدات أو حالات الكفر.
النقطة الثامنة: “يبدو أن نظرية التعددية الدينية تجعل أمر الالتزام والإيمان الديني صعباً. فالمسلم الذي يعتقد أن الإسلام صادق بالقدر نفسه الذي تكون عليه الهندوسية، لا بد أن يستنتج أن العلاقة بين التعاليم الإسلامية الخالصة والصدق علاقة ضعيفة للغاية."
إن كون "الإسلام صادقاً بالقدر نفسه الذي تكون عليه الهندوسية" استناداً إلى التعددية، مرهون بأن نحدد أولاً أي إسلام وأي هندوسية. وهذا بالطبع بحث آخر. لكنني سأتناول هنا جوهر نقد نراقي الثامن، وهو "العلاقة بين التعاليم الإسلامية الخالصة والصدق". وكما طرحت سابقاً، فإن استخدام الصادق والكاذب لتلك الحقيقة القابلة للفهم تماماً يختلف عن استخدام هذين اللفظين لتلك الحقيقة غير القابلة للفهم تماماً. ففي الحالة الثانية، الصادق هو ذلك الفهم الذي يتوافق مع الحقيقة بشكل من الأشكال، والكاذب هو ذلك الفهم الذي لا يتوافق مع الحقيقة على أي نحو. وبناءً على هذا، فإن قبول الاختلاف في التعاليم الدينية لا يؤدي بالضرورة إلى اعتبار علاقتها بالصدق ضعيفة. فكثير من عظماء الأديان المختلفة، ومنها الإسلام، لا يعتبرون فهمهم للأمر المتعالي عين الحقيقة. ففي الإسلام تحديداً، يُمنع التفكر في ذات الله. ووجود الآيات المتشابهات في القرآن قد سلب من أتباع هذا الكتاب دعوى الفهم الكامل للأمر المتعالي. وكثير من تفاسير آيات الجنة والنار تنظر إلى هذه الآيات نظرة تمثيلية. ليس الحديث عن اللاهوت الإيجابي أو السلبي، بل الحديث عن "وما أدراك" التي أخذت بطرف كلا المذهبين قليلاً أو كثيراً.
أؤكد مرة أخرى أن موضوع النقاش هنا هو المعتقدات الدينية حول الأمر المتعالي، وليس المعتقدات في المستويات الأدنى.
يشير نراقي في شرح نقده إلى مثال الإنسان التعددي لكن المؤمن بإله مشخص، ويعتقد أن مثل هذا الفرد، بناءً على التعددية، يجب أن يقبل في الوقت نفسه أن اعتقاده بإله سامع للدعاء، هو بمرتبة الاعتقاد بقوة غير مشخصّة قد لا تكون العلاقة الشخصية معها ممكنة أصلاً. وبتعبير نراقي فإن نتيجة ذلك هي أن أساس السلوك الديني لهذا الفرد "يصبح مهتزاً تماماً". سبق أن أوضحت الأركان الثلاثة للقراءة التعددية التي أدافع عنها. الركن الثالث كان: "الأمر المتعالي يتفاعل مع المخاطَب كما هو في تحمّله وإطاره الذهني والثقافي". يفترض نراقي أن تلك الحقيقة المتعالية التي يراها أمثالنا مشخصّة ويراها أمثال أتباع البوذية غير مشخصّة، لا يمكنها إلا أن تكون إما هذه وإما تلك. أعتقد أن هذا التقسيم هو نفسه نتاج العقل البشري المحدود، وأن تلك الحقيقة يمكنها ألا تكون هذه ولا تلك، وبالتالي، بتعبير ما، أن تكون هذه وتلك معاً، ومن ثم تروي مؤمني كلا المذهبين في سلوكهم الروحي. تصوري هو أن التجربة الدينية البشرية، إجمالاً، أكثر انسجاماً مع هذا التعبير.[16]
وكما أن طالب الجامعة، مع علمه بأساليب التدريس المختلفة في الجامعات الأخرى، يرى نفسه ملزماً بمراعاة قوانين جامعته والنجاح في امتحاناتها، فإن الإنسان المتدين أيضاً يمكنه، مع تعددّيته، أن يكون ملتزماً تماماً بتعاليم دينه وأساليبه. بل يمكن لمثل هذا الفرد أن يستفيد من تعاليم الأديان الأخرى في مجالي الاعتقاد والعمل. الاستفادة في مجال الاعتقاد تكون بأن يرى المعتقدات المختلفة (غير المتناقضة) حول الأمر المتعالي كصور ملتقطة من زوايا مختلفة. وهكذا فإن مجموع هذه المعتقدات سيمنحه فهماً للحقيقة أغنى من الفهم الناتج عن النظر من جهة واحدة فقط. أما الاستفادة في مجال العمل فتعني استخدام الأساليب المؤثرة للمعتقدات الأخرى التي يمكن أن تجعل الفرد أكثر نجاحاً في استخدام أساليب معتقده بشكل أفضل (مثل المسلم الذي يستخدم أساليب تركيز الفكر في البوذية فينجح في تحقيق تركيز أكبر في الصلاة).
يستخدم نراقي تعبير "مهتز" لوصف أساس السلوك الديني للفرد التعددي. أعتقد (وقد رأينا وسمعنا) أن النظرة الإقصائية أيضاً، وبخاصة من نوعها المحقَّق، يمكنها أحياناً أن تؤدي إلى اهتزاز أساس السلوك الديني. الفرد الإقصائي المحقِّق يواجه هاجساً دائماً لتحديد صدق وكذب القضايا الدينية. وهو في الوقت نفسه يشهد الروحانية الجلية لسالكي الطرق المختلفة، ويسعى للتوفيق بين هذه المشاهدة واعتقاده بإله حكيم وعادل (على الأقل في نطاق المؤمنين بإله مشخص). كما أن الإقصائية تحدّ من مجال تفكيره في الدفاع عن بعض معتقداته الدينية (وبخاصة تلك المعتقدات التي قد تُعتبر من وجهة نظر الآخرين غير علمية وأسطورية). هذه المعركة وهذا الهجوم المتواصل لا ينتهيان دائماً إلى خير، ويمكنهما بسهولة أن يوقعا الفرد الإقصائي المحقِّق في الحيرة والاضطراب. من هذا المنظور، قد تؤدي الإقصائية المحقَّقة، وربما أكثر من الإقصائية الدوغمائية، إلى اهتزاز أساس السلوك الديني للفرد. أما في التعددية الدينية، فإن كل هذه الحالات يمكن أن تؤدي إلى ترسيخ أساس السلوك الديني، لأن الفرد التعددي يرى الكثير منها ناتجاً عن استحالة الإدراك الكامل للحقيقة.
على إثر هذا النقاش، سأبحث في كتابة أخرى ما إذا كان القرآن أكثر انسجاماً مع النظرة الإقصائية المحقَّقة أم مع النظرة التعددية غير المطلقة.
.
.
[1] المقال الأصلي بعنوان "الإقصائية المحقَّقة في حقل الدين" متاح هنا أو هنا.
[2] سأحاجج في كتابة أخرى بأن مثل هذا النموذج مخالف لنص القرآن الصريح.
[3] هذا بالطبع نقد يرد أيضاً على بعض نظريات التعددية.
[4] برنامج پرگار بعنوان «إلى ما يؤدي قول "ديني وحده هو الحق"» بحضور الدكتور آرش نراقي والدكتور ياسر ميردامادي، 7 ديسمبر 2019. نص المناقشة متاح على هذا الموقع.
[5] وردت هذه النقطة في العديد من كتابات ومحاضرات جون هيك، منها:
Hick, John. Interpretation of Religion: Human Responses to the Transcendent. Palgrave Macmillan Limited. 2004. P. 236.
انظر أيضاً:
The Real and It's Personae and Impersonae, متاح على موقع أعمال جون هيك
[6] انظر:
Hick, John. An Interpretation of Religion: Human Responses to the Transcendent. 2nd ed. Yale University Press. 2004. p. 26.
وكذلك:
Hick, John. The Rainbow of Faiths: A Christian Theology of Religions. Westminster Knox Press. 1995. p.110.
[7] قدمت تعريفي للأمر المتعالي والدين في السطور الأولى من هذه المقالة.
[8] أرى التجربة الروحية للأديان المختلفة و(بصفتي مسلماً) قراءتي للقرآن حجر الزاوية لهذه الركيزة، وسأتناولها في مقالة لاحقة.
[9] أفضل هذه الترجمة على الترجمة الشائعة «مغالطة رجل القش».
[10] أتعمد عدم استخدام عبارة "التعددية النسبية" لأنني أعتبرها من قبيل تحصيل الحاصل، ولأنها قد تُفهم خطأً على أنها نزعة نسبوية.
[11] انظر:
John Hick. Dialogues in the Philosophy of Religion. Palgrave. 2001. pp. 34, 35.
لمراجعة نقد وردود هذين الفيلسوفين على بعضهما البعض، راجع:
William Hasker. “The many gods of Hick and Mavrodes” in Kelly James Clark & Raymond J. Van Arragon (eds.), Evidence and Religious Belief. Oxford University Press, 2011.
[12] أحمد ميبَدي، التفسير الأدبي والعرفاني للقرآن المجيد للخواجة عبد الله الأنصاري، منشورات إقبال (1369)، المجلد 1، 304.
[13] انظر المصادر المذكورة في الهامش رقم 5. قسم جون هيك البوذية إلى فرعين رئيسيين: طبيعي/إنساني وديني، ثم اعتبر البوذية الدينية مشمولة بالتعددية الدينية.
[14] من المثير للاهتمام أن القرآن لا يجعل الإيمان بالجنة والنار، بل الإيمان بالآخرة شرطاً للخلاص. سأشرح هذه النقطة في مقالة أخرى.
[15] بصفتي إنساناً مؤمناً بالله، أعتقد أن جميع البشر – حتى الملحدين الذين لا يؤمنون بإله غير مشخص – لديهم درجة من الروحانية (فطرة الله) في داخلهم.
[16] كنت قد كتبت في منشور على فيسبوك: "إذا قبلنا بأن إله الأديان الإبراهيمية وإله بعض أديان الشرق الأقصى، كالبوذية، واحد، فيجب أن نقبل أنه ليس كمثله شيء، وأنه لم يحصر ذاته في أي من الفرضيات المذكورة أعلاه. وكأنه يقول: أنا هو ما أنت متقبّل له، مشخص أو غير مشخص. والنتيجة أن إجابتي عن سؤال ما إذا كان الله مشخصاً أم غير مشخص هي إجابة ذكية ولكنها، في ظني، محسوبة: الله ليس مشخصاً ولا غير مشخص، بل هو غير مشخص. غير مشخص يذعن لأسوار أذهان البشر العقلية ليكون قابلاً للتشخيص."
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
موقعی انحصار گرایی دینی سبب تضییع ونادیده گرفتن حقوق دیگران میشود که عقاید دینی خود را حق مطلق بدانیم بحق دانستن گزاره ای در میان گزارههای متعددیک دین با اینکه تمام گزارههای یک دین وتمام پیشینه تاریخی یک دین را حق مطلق دانستن با هم تفاوت دارد اگر ما همه ی بایدها ونبایدها وهمه ی جهان بینی یک دین را حق مطلق بدانیم انگاه حتما در نادیده گرفتن حقوق پیروان دیگر ادیان خواهیم کوشید این انحصار گرایی همه جانبه ما را بطرف جزمیت خواهد کشانید اقای نراقی انحصار گرا نیستند فقط زست انحصار گرایی میگیرند یک انحصار گرا نمیتواند کافر را هم اهل نجات بداند از انطرف کثرت گرایی هم بدان معنی نیست که همه ی ادیان ومکاتب الهی ومادی به یک اندازه از حقیقت بهره برده اند کثرت گرایی همه ی ادیان ومکاتب را صاحب درجه ای ودرصدی از حق بنا به ظرفیت وجودیشان میداند همه ی مکاتب هم از حق بهره دارند وهم از باطل جایی جهان بینی و احکامی درست را بیان نموده اند ودر جای دیگری مطلبی باطل را طرح کرده اند همه از حق وباطل بهره دارند ولی نه به قدر مساوی بنابراین پیروان همه ی ادیان درموضعگیری فکریشان باید با احتیاط با دیگر پیروان ادیان ومکاتب برخورد نمایند زیرا ممکن است اتفاقا همان مسئله ای که برایشان بوجود امده واز ان طرفداری میکنند اتفاقا همان نقطه ی ضعف دینشان ومکتبشان باشد که درانجا به خطا رفته است بنابراین باید با احتیاط با دیگران که مخالف فکریشان هستند برخورد نمایند وخود را ودین خود را حق مطلق ندانند ودرصد اشتباه برای تفکر خود نیز قایل باشند
کاش امکان دانلود پیدیاف این متن رو قرار بدید. ممنون
آقای نراقی یکی از غیراوریجینال ترین "روشنفکران دینی" است. سخنانش مطلقا ترجمه است و (یک سری چیزهایی هم گفته در مورد همجنسگرایی و قرآن که حقیقتا باید گفت به غیر از داد و قال و توهین به شعور مخاطب دیندار و بی دین وجه دیگری ندارد). نقد بسیار برا و خوبی بود از آقای شفتی ممنون. امیدوارم آقای نراقی از تکبری که در پاسخ ندادن به حاج آقا سوزنچی نشون دادن مبرا شده باشن و اینجا پاسخ نقد را بدهند.