اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى علي رضا علويتبار أن الخطاب الحداثي والنظرة النقدية والمركزية الإنسانية والالتزام الاجتماعي هي السمات الأربع للمثقفين، ويتناول سجل التنوير الديني في إيران وتحدياته وموقعه الراهن منذ الحركة الدستورية وحتى اليوم.

مولود بهراميان: لقد شهد موضوع التنوير الديني في إيران، الذي بدأ منذ عهد المشروطية وما زال مستمراً حتى الآن، صعوداً وهبوطاً خلال هذه الفترة. وقد طُرحت آراء ووجهات نظر مختلفة حول مهام المثقفين المتدينين وكذلك سياق تنويرهم بالنظر إلى الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدينية للمجتمع، والتي كانت تارةً متوافقة وتارةً أخرى متعارضة. كما أن التعريفات المقدمة للتنوير الديني يُسند كل منها إليهم مسؤوليات والتزامات وواجبات خاصة. وبشكل عام، فإن ما تشترك فيه تعريفات التنوير الديني هو مسألة الاستنارة، التي ترى أن التزام وواجب هذه الشريحة من مثقفي المجتمع طوال حياتهم هو تنوير الأفكار العامة، وزيادة وعي ومعرفة الناس بأوضاع عصرهم، وسد الفجوة بين التقليد والحداثة. وفي هذا السياق، يُستفاد تعريف جديد للتنوير يقوم على ركيزتين: الأولى الوظيفة السياسية-الاجتماعية، والأخرى الوظيفة الفكرية. ونحن نعتزم مناقشة البُعد الديني للتنوير في حوار مع الدكتور علي رضا علوي تبار، الصحفي والمثقف الديني، حول ما شهده من صعود وهبوط منذ بداية طرح الموضوع وحتى الآن، وما هي العوامل التي أدت منذ بداية عصر التنوير في إيران إلى تشكّل هذا البُعد من التنوير؟ هل استطاع المثقفون الدينيون أداء واجباتهم؟ في أي مرحلة من تاريخها تقف التنويرية الدينية حالياً؟ هل تعاني التنويرية الدينية من مشاكل وعقبات؟ وإن كانت تعاني من مشاكل، ففي أي مبادئ يكمن سبيل الخروج منها؟ هل استطاعت التنويرية الدينية أن تؤدي دوراً خاصاً في سبيل قبول الآخر والتقارب بين الأقوام والمذاهب والأقليات الإيرانية؟ هذه الأسئلة وغيرها طُرحت في هذا الحوار الذي تقرؤونه أدناه.
عادةً ما جرت محاولات لتقديم تعريفات مختلفة للمثقف، وأنا أحاول أن أقدم تعريفاً استقرائياً للتنوير؛ وذلك بأن نفترض أننا اتفقنا على خمسين شخصاً كمثقفين. ثم نستخرج خصائصهم جميعاً ونطلق عليها اسم المثقف. لأن أي طريق آخر قد يوقعنا في مشكلة. التعريفات الأخرى تفترض نوعاً من "الجوهر" للمثقف، في حين أن المثقف لا جوهر له. أو أن تعريفاتهم هي نوع من التوجيه والتقييم، وتصف المثقف كما "ينبغي أن يكون" لا "كما هو كائن".
إذا استحضرنا في أذهاننا معنى محايداً للتنوير، أي معنى لا يحمل بالضرورة توجهاً إيجابياً. أعتقد أن المثقفين الذين نتفق في بلدنا على كونهم مثقفين، لديهم أساساً أربع خصائص مشتركة: الخاصية الأولى هي أن خطابهم هو خطاب حديث. بمعنى أنهم يستخدمون طريقة خاصة في الكلام، وهذه الطريقة الخاصة تستخدم شبكة من الكلمات والمعلومات، وهذه الشبكة تستند من جهة إلى نظام معيشي جديد، ومن جهة أخرى إلى نظام فكري جديد (النظام الذي تشكل بعد نشأة الحداثة في العالم). مصطلحاتهم وطريقة كلامهم تعود بشكل ما إلى نمط المعيشة الحديث والأنظمة الفكرية الحديثة، وجميعهم لديهم خطاب حديث.
السمة الثانية؛ هي أن تعاملهم مع الواقع القائم (السلوكيات، والعلاقات بين الأفراد، والمعتقدات والآراء، والبنى الاجتماعية) هو تعامل نقدي. أي أنهم يُخضعون كل هذه الأمور للتساؤل وفق معايير معينة، وينقدونها، وأحيانًا يوجهون النقد للوضع القائم لصالح وضع يعتبرونه مرغوبًا في أذهانهم. السمة الثالثة هي أنهم ينظرون إلى المسائل من "موقع الإنسان". أي أن نظرتهم تتجه نحو الإنسان وقضاياه التي يعاني منها. حتى عندما يناقشون الدين، فإنهم يبحثونه من هذه الزاوية: ما حاجة الإنسان إلى الدين، أو لأي مشكلة من مشكلات الإنسان جاء الدين ليحلها؛ أي أن كل المسائل تدور حول الإنسان ومحوره، ومن هذه الزاوية يبحثون حتى المسائل الإلهية والدينية. فالإنسان وقضاياه التي يعاني منها تحتل موقعًا محوريًا في مباحثهم، بشكل ما. السمة الرابعة هي الإحساس بـ"التزام اجتماعي". إنهم يشعرون أنهم في المجتمع الذي يعيشون فيه لا يمكنهم أن يكونوا غير مبالين بقضاياه ومشكلاته، وبعبارة أخرى، يرون في أنفسهم نوعًا من الرسالة تدفعهم إلى أن يفعلوا شيئًا للمجتمع، وأن يدفعوا به من الوضع القائم غير المرغوب نحو وضع غير قائم بعد ولكنه مرغوب، وذلك على عكس العلماء الذين يقتصر عملهم على العمل العلمي فحسب، والتزامهم هو فقط بالمعايير العلمية ولا يشعرون بالتزام اجتماعي. فالأكاديميون يشعرون بنوع من الرسالة الاجتماعية بدرجة أقل بكثير.
هذه السمات الأربع، في رأيي، هي ما يميز المثقفين: الخطاب الحديث، النظرة النقدية، النظر إلى المسائل من موقع الإنسان، والإحساس بالرسالة الاجتماعية.
يعتمد ذلك. في حالة الأنبياء، بعد التجربة الوحيانية التي تحصل للنبي، فإنها تغيره تغييرًا كليًا (في صميم جميع الأديان الرئيسية، ثمة واقعة حصل فيها للنبي، بشكل مباشر وبلا واسطة واستدلال، إدراكٌ لله أو لأمر منسوب إلى الله، وهذا ما نسميه التجربة الوحيانية). أي أنك تواجه شخصًا تغيرت معتقداته، وتبدلت عواطفه وأحاسيسه، ونشأت فيه إرادة جديدة، وتغير كلامه وسلوكه. أي أن واقعة عميقة التحويل تحدث للنبي، وهذا النبي يتحول في الواقع إلى نموذج ينبغي أن يتحقق لاحقًا في الأمة. كثير من المثقفين لم يختبروا هذا التحول بهذا العمق والغور، لكنهم على كل حال مختلفون عن الوضع القائم ولديهم مسافة نقدية منه. أريد أن أقول إن الأنبياء، صحيح أن لديهم مسافة نقدية من وضعهم القائم، لكن هذه المسافة تستند في الغالب إلى تحول وجودي عميق حدث في داخلهم. في كثير من المثقفين لم يحدث هذا التحول الوجودي العميق، أي لا يمكننا القول إنهم نسيج وحدهم في المجتمع. النبي في المجتمع الجاهلي بعد الوحي هو شيء آخر، أي أنه لا ينسجم مع ذلك البناء إطلاقًا. المثقفون حقًا ليسوا على تلك الدرجة من البعد الوجودي عن وضع المجتمع القائم، لكنهم يشعرون أن هذا الوضع ليس جيدًا ويجب أن يتغير. أي أن لديهم، كما تفضلتم، نوعًا من الحكم والنقد، وقد لا يكونون هم أنفسهم مختلفين كثيرًا عن المجتمع الذي ينقدونه. انظر مثلاً إلى النبي، حين يقول: لا تكذبوا، هو نفسه شخص لا يكذب حقًا، أو حين يقول: لا تفعلوا الفحشاء، لا ترى فيه هذه الصفة إطلاقًا. أما في المثقفين، فقد لا تكون المسافة عن الوضع القائم بهذا القدر. مع أن للمثقفين شبهًا بالأنبياء يتمثل في "نقد الوضع القائم" و"الدعوة إلى التوجه نحو وضع" آخر، لكن لأنهم وجوديًا ليسوا مثل الأنبياء، فإن الوضع يتغير كليًا. والحقيقة أن الأنبياء من طينة أخرى.
المثقفون، بصرف النظر عن أحقيتهم بذلك أم لا، هم في الواقع يصفون. كل نوع من النقد يحتاج إلى نوع من المعايير. حين ترفض الوضع القائم، لا بد أن يكون لديك معيار محدد، ففي الواقع كل نوع من النقد هو نوع من الوصف أيضًا. لكن الفرق هو أن التجربة التنويرية لا تحدث ذلك التحول النبوي.
انظر، من سمات جميع المثقفين، دينيين كانوا أم غير دينيين، أن خطابهم حديث؛ أي أنهم يستخدمون للحديث مجموعة من المصطلحات والكلمات والشبكة الدلالية التي ترتبط بشكل ما بالحياة والفكر الحديثين؛ لكننا لا نرى نمطاً واحداً في تعامل المثقفين مع الحداثة، فقسم من مثقفينا التاريخيين وصل في الواقع إلى مونولوج الحداثة، أي أنهم يستمعون فقط لما يقوله العالم الحديث ويحاولون تكييف أنفسهم وإخضاعها لهذا الحوار الحداثي. كان المرحوم علي شريعتي يسمي ذلك "فهم الإسلام التطبيقي"؛ أي أن هذا النوع من المثقفين، يتقبلون بشكل سلبي ما تعلموه من عالم الحداثة فحسب، ويدخلون به في حوار. وهناك رؤية أخرى نراها عادة في التنوير الديني، وهي الدخول في حوار نقدي مع الحداثة. أي أننا نرى أشخاصاً، إلى جانب حوارهم النقدي مع التراث، لديهم حوار نقدي مع الحداثة أيضاً ولا يتقبلون الحداثة بسلبية، إن ممارستهم التنويرية ليست مونولوج للحداثة، بل هي حوار مع الحداثة.
برأيي، لتطبيق الحداثة بشكل داخلي المنشأ، لا يكون مونولوج الحداثة مجدياً. أي أننا إذا تعاملنا مع الحداثة ثقافياً بشكل سلبي تماماً، فلن تصبح الحداثة داخلية المنشأ أبداً، أي أننا لن نتحدّث من الداخل؛ ما لم ندخل في حوار نقدي مع الحداثة. إن تنويرنا الديني قائم من حيث المبدأ على الحوار النقدي مع الحداثة؛ أي ذاك الشيء الذي كان شريعتي يسميه "فهم الإسلام المقارن/التطبيقي". أي أنك هنا كمثقف، لست سلبياً محضاً، بل أنت مؤثر، تتقبل أشياء. التنوير الديني، كلما اتجه من الحوار النقدي مع الحداثة نحو مونولوج الحداثة، أُفرغ من هويته وانتُقض، وكلما كان وفياً للحوار النقدي مع الحداثة، كان أكثر نجاحاً في تحويل المجتمع وفي إنتاج خطاب جديد في المجتمع. برأيي، كان التنوير الديني ناجحاً في المجمل في توفير أرضية لحداثة داخلية المنشأ في إيران، وذلك بقدر التزامه بالحوار النقدي مع الحداثة. التعامل السلبي ومونولوج الحداثة ليس في صالح أحد، لا الحداثيين ولا التقليديين؛ خصوصاً اليوم ونحن في موقع باتت فيه الحجية المطلقة للحداثة موضع تساؤل، وأظهرت الحداثة جوانبها السيئة. في المجمل، أعتقد أن تنويرنا الديني لو كان قد استطاع اجتماعياً توفير القوة الاجتماعية اللازمة لدفع رؤيته، لكان بإمكانه أن يكون ممهداً لحداثة داخلية المنشأ في الداخل.
للتنوير الديني وجهان مختلفان ينبغي لنا أن نميز بينهما. فقد كان له وجه اجتماعي-سياسي، ووجه فكري. وعادةً ما سعى التنوير الديني إلى العمل بوصفه قيادةً لحركة اجتماعية. وقد اتخذت هذه الحركة في مراحلَ شكلَ حركةٍ إصلاحيةٍ تطلّعية، وفي مراحلَ أخرى شكلَ حركةٍ ثوريةٍ راديكالية. أما وجهه الآخر فيمكن تسميته بـ«التجديد الديني». في الواقع، كان للتنوير الديني دور اجتماعي-سياسي انصبّ في معظمه على دور الحركات السياسية أو الثقافية في زمنه. وللتنوير وجه فكري أيضاً، وأفضل قالب يمكن شرحه فيه هو برنامج لوكاتوش البحثي (Research Program). وهو برنامج بحثي يمتلك، شأنه شأن أي برنامج بحثي، نواةً صلبة وحزاماً واقياً من الموجهات الإيجابية والسلبية. إن وجه «التجديد الديني» هو برنامج بحثي. وإذا ما دققتم النظر، فستجدون في هذا البرنامج البحثي أركاناً متميزة. أحدها هو التفسير الأصيل للدين؛ أي كيف لنا أن نفهم الدين بما يتناسب مع المعارف المعتبرة والقيم المقبولة في العصر الحديث، وكيف نفهمه بحيث يتجه نحو حل مسائل ومشكلات العالم الحديث. هذا هو في الواقع التفسير الأصيل للدين. لكن هناك نقطة كثيراً ما تُنسى وهي الركن الثاني في التنوير الديني، ألا وهي أن التنوير الديني، وإن كان صحيحاً أنه ينظر إلى الحداثة والمعارف الحديثة وقيمها المقبولة، ويدخل معها في حوار نقدي ويستفيد منها في فهمه للدين، إلا أن التنويريين الدينيين كانوا في الواقع يسعون أيضاً إلى «تيسير التدين في العالم الحديث»؛ أي أنهم لم يريدوا فقط تقديم تفسير أصيل للدين، بل سعوا أيضاً إلى معرفة كيف يمكن العيش متديناً في العصر الحديث. وبالطبع، فقد تباينت تحليلاتهم. فالدكتور شريعتي، على سبيل المثال، يعتقد أن «الأخوة» هي إحدى أهم سمات المجتمع الديني. فالمؤمنون تربطهم ببعضهم علاقة أخوية، وفي تحليله، إذا لم تتحقق «المساواة» في مكان ما، فلا يمكن لـ«الأخوة» أن تتحقق. لذلك فهو يعتقد أن خلق «المساواة» شرط لازم لبناء مجتمع ديني في العالم الحديث؛ لأن الأخوة لا تتحقق بدون المساواة. أو على سبيل المثال، هناك وجهات نظر أمثال الدكتور سروش التي ترى أن المجتمع الديني هو مجتمع يؤمن فيه الناس بحرية. وبالتالي، فإن كل ما يعيق حرية بواطن الإنسان، ومنها الاستبداد السياسي، يجب التصدي له. أي أن التنويريين ليسوا منصرفين فقط إلى الحوار النقدي، بل لديهم نوع من الهمّ الديني أيضاً حول كيف يمكن للناس في العالم الحديث أن يعيشوا متدينين، وإن تيسير التدين في العالم الحديث هو من أركان التنوير الديني. أما الركن الثالث المطروح فهو أن التنوير الديني، بالنظر إلى النظرة الحديثة والتفسير الحديث الذي يقدمونه للدين من جهة، وسعيهم لتيسير الحياة المتدينة في العالم الحديث من جهة أخرى، يتجهون إلى نقد الوضع القائم، أي أن قسماً كبيراً من أعمالهم هو «النقد».
في جميع أعمال التنويريين الدينيين، نلحظ هذه الأركان الثلاثة: السعي إلى قراءة حديثة للدين، والسعي إلى تيسير التدين في العالم الحديث (فالتدين في العالم الحديث تواجهه عوائق، بعضها ذهني، ومنها الشبهات التي تُثار حول الدين وتؤدي إلى الشك في المعتقدات الدينية، ونمط الحياة الحديث الذي يمكن أن يسلبنا الحياة المؤمنة.) - والنقد والوضع القائم في ضوء نوع النظرة إلى الدين والسعي لتيسير التدين في العالم الحديث.
في الواقع، نحن نواجه في الوجه الفكري للتنوير الديني مشروعاً فكرياً. ونظراً لأن هذه الأركان الثلاثة تخلق تنوعاً، فإنهم يتصرفون هم أيضاً بطرق شديدة التنوع. أي أنك تراهم في موضع يصارعون النص الديني، وفي موضع آخر يكون نقدهم نقداً اجتماعياً لما في المجتمع من أسباب تحول دون أن نعيش متدينين. وفي موضع آخر يتصدون للمذاهب الإلحادية ويقولون إنها تثير شبهات تبعد أذهاننا عن التدين، ولهذا السبب يوجد تنوع في أعمالهم، فضلاً عن أننا نرى نطاقاً واسعاً لا يمكن وضعه تحت مشروع واحد. أريد أن أقول إن التنوير الديني لا يعني فقط الاعتقاد الديني، بل جزء منه هو مشروع اجتماعي-سياسي، وله جزء فكري أيضاً يمكن تسميته بـ«التجديد».
علينا أن نرى بأي معنى نستخدم هذه المصطلحات؟ فالإصلاح مثلاً يعني أن تحافظ على كليّة ما وتزيل مواضع الخلل فيها، أي أنك تقوم بنوع من تشخيص العلل في الفكر والسلوك الديني ثم تحذف الوجوه المتضررة وتستبدلها بأشياء أخرى. أو مثلاً الإحياء الديني إذا ما اعتُبر بمعنى "إعادة الأسلمة" أو "إعادة التديّن" للمجتمع أو الفرد، فله دلالة معينة.
التنوير الديني في مشروع التجديد الديني هو وجه من وجوه تسهيل التديّن في العالم الحديث؛ ولهذا السبب إذا ما نجح، فإنه يحقق نوعاً من إحياء الدين؛ أي أنه يسعى لإزالة جميع العوائق التي تقف في طريق إيماننا وتديّننا. جزء من هذه العوائق من طبيعة فكرية، أي الشبهات الموجودة، وجزء منها من طبيعة النظم الاجتماعية، وكما تعلمون فإن جهود المتنورين دينياً تتجه بشكل ما نحو الإصلاح الاجتماعي أيضاً. إذا نجح التنوير الديني وسهّل التديّن في العالم الحديث، بمعنى أنه أزال جميع العوائق الفكرية والاجتماعية التي تقف في طريق الإيمان والتديّن، فسيؤدي ذلك إلى نوع من إحياء الدين وسنشهد مجدداً نوعاً من الإقبال على الدين؛ إذا قبلنا الإحياء الديني بمعنى "الإقبال المتجدد" و"إعادة الأسلمة" و"العودة إلى التديّن". في الواقع، يسعى التنوير الديني، من خلال المشروع الذي يتابعه، إلى أن يجد الدين مكانته اللائقة في إطار الحياة الحديثة وألا يتجه المجتمع نحو مجتمع خالٍ من الدين وغير مكترث به، وباختصار، يرى التنوير الديني أن الدين شرط ضروري لسعادة البشر، قد لا يكون شرطاً كافياً، فنحن لكي نكون سعداء نحتاج بالإضافة إلى الدين إلى أشياء كثيرة، نحتاج إلى الرفاه والعلم والتكنولوجيا؛ لكن لا يمكننا أن نكون سعداء بدون الدين أيضاً؛ أي لا شيء يمكنه أن يملأ مكان الدين في حياة البشر، لا الفن ولا الفلسفة ولا الميتافيزيقا ولا أي شيء آخر، ولا حتى تقنيات التركيز والتأملات الجديدة، هذه تقنيات، التنوير الديني هو في الواقع إحياء لهذا المعنى بأنك تحتاج فعلاً إلى الدين، وأن الشرط الضروري ولكن غير الكافي لسعادتك هو الدين؛ بينما في النظرة التقليدية فإن الشرط الضروري والكافي للسعادة هو "الدين".
في الواقع، أنظر إلى الدين في علاقته بالتجربة الوحيانية للنبي، أي ربما يكون هذا التعبير مزيجاً من تجربة النبي الوحيانية وتعبير هذه التجربة في قالب مجموعة من التعاليم النظرية والعملية، أي أن "التجربة الوحيانية" (أستخدم عمداً التجربة الوحيانية بدلاً من التجربة الدينية) للنبي، هي النواة المركزية للدين. أريد أن أقول إن للدين نواة ممتزجة بتعبير يُقدّم في قالب جملة من التعاليم النظرية والعملية، لكن يجب أن تُحفظ فيها نسبة التجربة الوحيانية. الدين بدون التجربة الوحيانية ليس ذا معنى. في جميع الأديان الرئيسية في العالم، توجد تجربة وحيانية؛ لكن هذه التجربة هي تجربة معبَّر عنها. دعوني أقولها هكذا، هذا نموذج في فهم الدين حيث تقع واقعة التجربة الوحيانية للنبي، لكن هذه التجربة التي يمتلكها النبي شخصية وعابرة ولا يدركها إلا هو؛ حتى أن المحيطين بالنبي لم يكونوا ينالون شيئاً من الوحي وكان الوحي له وحده، فإذا توفي النبي، كان سيأخذ الوحي معه. النبي لكي يحوّل هذه التجربة الشخصية إلى رسالة خالدة وجمعية، يصوغها في قالب "لسان/لغة قومه"، لا يهم أن تقول إن النبي يفعل ذلك أو أن الله يأمره به. لا أدخل في هذا الخلاف، أياً كان ما نقبله، فإن "النص الوحياني" يولد في النهاية. النص الوحياني يولد حين يعرض النبي تجربته الوحيانية في قالب "لغة قومه". بمجرد حدوث ذلك، يحدث "تنزّل" في الوحي؛ أي أن أول تعبير عن الوحي يحدث عندما يُصَب في قالب اللغة، ولا مفر من ذلك ولا مهرب، ولا يمكن الفرار من هذا الحد من التعبير، فإما أن نترك الوحي داخلياً وفي قالب النبي، أو ما دام في قالب اللغة، فعلينا أن نقبل المحدوديات التي تفرضها لغة القوم عليه، وهنا يولد الدين. مزيج من تجربة النبي الوحيانية وتعبير هذه التجربة في قالب التعاليم النظرية والعملية.
هناك مسألتان مطروحتان هنا. حين نقول إن في جميع الأديان نواة أساسية تُدعى التجربة الوحيانية، أي لا يوجد دين بدون هذه التجربة، لكن ما هو عطاء هذه التجربة الوحيانية للبشر؟ يمكننا أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا بصيغة سلبية؛ أي أن نسأل: ما هو الشيء الذي يمنحنا إياه الدين ولا يمكن لشيء آخر أن يمنحنا إياه؟ يبدو لي أن الأديان، عبر تاريخها، حملت أعباءً لم تكن متعلقة بالدين، وقامت بأعمال أخرى، نظّمت الحضارة، أخرجت البشر من التوحش، جعلتهم ملتزمين بالقانون، أي أن لها إرثاً تاريخياً ليس من الضروري أن يكون بحاجة إلى الدين اليوم. النواة الأساسية للدين هي "رسالة الله العابرة للزمان والمكان إلى الإنسان"، لقد وجه الله إلى جميع البشر في كل زمان ومكان رسالةً جزءٌ منها يتعلق بالعالم، وهي نظرة خاصة نسميها "النظرة الدينية للعالم" تخلق فينا نوعاً خاصاً من النظرة؛ بالإضافة إلى جملة من الإرشادات للعمل. أي أن رسالة الله ليست مجرد وصف وتبيين للعالم من منظور الله، بل هي أيضاً إرشادات للسلوك؛ أريد أن أقول إن الدين يجب أن يتضمن تعاليم نظرية، أي يجب أن يمنحنا نوعاً من النظرة للعالم وتبييناً إلهياً للكون. بالإضافة إلى جملة من التعاليم النظرية التي تُستخدم عادة إما لتنظيم ظاهر سلوكنا وهي "الفقه"، أو لتنظيم مضمون السلوك وهي "الأخلاق"، أي يمكن تلخيص التعاليم الدينية في ثلاثة أقسام: "النظرة الدينية للعالم"، و"التعاليم الفقهية"، و"التعاليم الأخلاقية". لكن هذه التعاليم صِيغت في قالب لغة القوم، حيث إن لتعاليمنا الدينية أصولاً عابرة للزمان والمكان، ثم جملة من التعبيرات في قالب ظروف الزمان والمكان، ومهمة المجتهد هي فصل تلك النواة العابرة للزمان والمكان للتعاليم الدينية عن ذلك اللباس المرتبط بالزمان والمكان.
انظر، أولئك الذين يقولون إن هذه الأمور لا يمكن الجمع بينها إنما ينسبون معنىً «ذاتياً» للتنوير. فكلمة مثقف لا معنى لها إلا من خلال استخداماتنا لها؛ أي ليس لها معنى ذاتي يجعلنا نقول إن المثقف هو من لا يمتلك هذه الخصائص. كم مثقفاً تعرف في العالم الواقعي لا يملك توجهاً فكرياً؟ أعني، انظر إلى المثقف الموجود تاريخياً بالفعل، إذا فكرنا بهذه الطريقة فعلينا أن نستبعد كل المثقفين الماركسيين الذين يُعرفون كمثقفين، ونستبعد الوجوديين، والليبراليين، فمن يبقى إذاً؟ أي ذاك المثقف الذي لا خط فكري له، اللامبالي بكل شيء، والذي لا موقف فكرياً ثابتاً له، هل لدينا مثل هذا المثقف في العالم؟ هذا في نظري توصية للمثقفين بأن يسعوا إلى عدم التزمت والتفكير بحرية، وهي توصية حسنة جداً، لكنها ليست تعريفاً للمثقف الموجود فعلاً. المثقفون الموجودون في عالمنا هم مثقفون لديهم مواقف ووجهات نظر، قد تقول إنهم يدخلون في حوار، نعم يدخلون من منطلق وجهة نظرهم؛ لكن أليس في العلم – حيث لا تُطرح مسألة الإيمان والاعتقاد – إذا كنت مؤمناً بنظرية علمية، فهل تتخلى عنها بسهولة؟ الصورة الموجودة عن القبول والرفض فيها شيء من الخطأ برأيي، ففي العلم أيضاً لا يوجد تخَلٍّ بسهولة. فلاسفة مثل إيمري لاكاتوش وبوبر يعتقدون أن الأمر ليس كذلك إطلاقاً، فحتى علماء العلوم التجريبية لا ينظرون إلى العالم بذهن حر تماماً، بل توجد خلف أذهانهم نظريات ونماذج مهيمنة. ما لم يعد أحد يتوقعه الآن حتى من علماء العلوم التجريبية، يتوقعونه من المثقفين. لا أحد ذهنه صافٍ وحر تماماً، كلنا موجّهون بنظرياتنا. هذه حقيقة. المثقف ليس له معنى ذاتي، وكلنا نفكر في إطار نماذج فكرية. الفلاسفة الذين يقولون إنك حين تناقش في قالب لغة ما فإنك تتقيد بأطر، أي أن فكرنا ليس حراً بشكل مطلق؛ بل هو محصور في الموقف وحتى في اللغة. هؤلاء يقدمون تعريفاً للمثقف على أنه وجود لااقتضائي لا قيد عليه من أي نوع، ويمكنه تغيير آرائه ونظرياته بحرية تامة، وهذا بالطبع أمر جيد، لكنه لا يتوافق مع المثقف الواقعي.
يمكنك أن توصيني بأن أكون حر الفكر! لكن هل تعرف مثقفاً لا توجه له؟ اذكرهم، هل أولئك الذين يتحدثون بهذا الكلام هم مثقفون بلا توجه أم لديهم توجه؟ كل واحد منهم يتابع مشروعاً، لديه برنامج بحثي. الذين يقولون إن التنوير يعني أن تكون تابعاً تماماً للنظريات، كيف يمكنهم الادعاء بأننا نتابع مشروعاً فكرياً؟ مثلاً أن نريد الجمع بين «العقلانية» و«المعنوية». حسناً! أنت قبلت مسبقاً بأصالة العقلانية، ومشروع العقلانية قد يصل إلى ضد العقلانية أيضاً، فمن صميم هذه الحوارات الحديثة خرجت مشاريع ما بعد الحداثة والمشاريع المضادة للعقلانية. من جهة نقبل مشروعاً بمحاور مثل المعنوية والعقلانية ونعلن الولاء له مسبقاً، ومن جهة أخرى نوصي الآخرين بألا يفعلوا ذلك. أريد أن أقول إن المثقف بلا توجه ليس مرغوباً ولا ممكناً. ليس ممكناً بسبب الواقع الذي نراه في العالم الخارجي، فآلية الذهن أصلاً ليست بهذا الشكل بحيث يدخل العالم بلا مشروع وبذهن خاوٍ تماماً، ولو انتزعنا من الإنسان مجموعة من المعتقدات الأساسية وأردنا أن نمضي بهذا المشروع إلى نهايته لاستحالت الحياة؛ كوني أمشي الآن على أرضية هذه الغرفة يعني أن أرضية هذه الغرفة ليست من بخار، وأنها صلبة بما يكفي لنمشي عليها. إذا أردت أن تشكك في كل معتقداتك إلى النهاية وأن تكون حراً، فلن تستطيع أن تخطو خطوة. إن عيش المثقفين لحياتهم يعني أنهم قبلوا عملياً مجموعة من القواعد الكلية في العالم. إن إشعالهم للنار وعدم إلقائها على السجادة يعني أنهم قبلوا المبادئ الكلية، لكن مشروع عدم التزمت بأي شيء لا نهاية له، ولا يتوقف عند الدين، بل يقضي على العلم بالكلية أيضاً. أعني أن خطاب ما بعد الحداثة ليس بحيث لا يتضرر فيه إلا الدين، فلا يبقى فيه شيء سالماً، حتى العقلانية، لا يبقي على شيء من العقلانية نفسها، وهذا ما يجعلك لا مبالياً تماماً بكل شيء.
من صميم هذا النقد، لا يخرج أي استقرار إلى ما لا نهاية. إنه تنبيه جيد، لكن التنوير الديني أولاً ليس له معنى جوهري، يمكنكم تقديم تعريف وصفي له يكون منسجماً مع التدين، تماماً كما يمكن أن يكون منسجماً مع الماركسية، لدينا مثقف ماركسي وليبرالي أيضاً، إذا قدمنا تعريفاً للمثقف لا ينطبق عليه أي مثقف في العالم، فإننا لم نساعد في توضيح مفهوم التنوير.
النقطة التالية هي أن كون التدين قائماً على التعبد ليس عيباً، لكن التعبد تجاه ماذا؟ التعبد الديني كما أفهمه، بمجرد أن تدخل "الفهم" في المعادلة، يبرز فوراً هذا النقاش: ما معنى التعبد هنا؟ يقبل المتدين أن النبي هو نموذج للسلوك، لكن ألا ينبغي عليه أن يفهم النبي وسلوك النبي؟ هل يمكن الجمع بين السعي للفهم والتعبد؟ بمعنى، هل التدين ممكن دون السعي لفهم الدين أم لا؟ بالنسبة للنبي كان ممكناً. أي سعي للفهم، الفهم هو "عملية اكتشاف المعنى وإزاحة الستار عن المعنى والتقاط المعنى". بمجرد أن تبدأ هذه العملية، لا يعود "للتعبد" معنى. أريد أن أقول إننا بسبب المسافة التي تفصلنا عن النبي، نحن لسنا أنبياء، نحن في الواقع نواجه النص الوحياني المتبقي من النبي، ونضع السنة المعتبرة في نفس السياق. السنة المعتبرة هي أيضاً نوع من "النص الوحياني" الذي نقله إلينا الآخرون، والحديث أيضاً، إذا كان معتبراً من حيث الصدور، هو نوع من "النص الوحياني"، أنتم مضطرون لفهم الدين لكي تتدينوا في العالم الجديد. عندما يُطرح الفهم، أي السعي لإزاحة الستار عن المعنى، لأنكم دخلتم في النقاش، حتى أولئك الذين لديهم تفسير موضوعي للمعنى يقولون إن المعنى هو اكتشاف مقصود ذلك الكاتب والمؤلف، إنهم ينسبون مقصداً إلى المؤلف/الكاتب، أنتم تقومون بهذا العمل. أنا أقول إن الله أنزل هذا الكتاب على نبيه لكي ينقل هذا المعنى. بمجرد أن أفعل ذلك، أكون قد خرجت من ذلك الفضاء.
لا، أخشى إن نقلناه إلى الموقف الكانطي أن نُصعّبه، انظر، لكي تكون متديناً أنت مضطر لفهم الدين، إذا دخلت في الفهم وإذا تبينت وجهات نظر التفاعل بين المؤلف والقارئ، فأنت قد دخلت في طور آخر. أنا أقول حتى وجهات النظر هذه التي تقول لا، فهم المطلب يجب أن يكون إدراك مقصود المؤلف، أولئك الذين يُسمون بالقصدية في تفسير النص، مقصود المؤلف لا يمكنك أن تقول إني أسأل المؤلف نفسه، في النهاية هو كتب كتابه وأنت الذي يجب أن تكتشفه، أي نوع من السعي للاكتشاف، إزاحة الستار التي هي شرط الفهم، تبتعد عن التعبد؛ أي أن التدين في عالمنا ليس تعبدياً بالمعنى الحقيقي في أي نوع منه، حتى في منظوره التقليدي، كل هؤلاء لديهم اكتشاف للمعنى، واكتشاف المعنى عملية استدلالية، قد أقبلها الآن أو أرفضها. أريد أن أقول إنه في العالم الواقعي، لا التدين تعبدي جداً ولا التنوير متحرر جداً من التعبد.
ينبغي الفصل بين مسألتين. يمكننا أن نخوض نقاشًا تاريخيًا حول أصالة النص الوحياني. أي هل تعرض النص الوحياني الذي بين أيدينا للتحريف أم لا؟ هل هذا المصحف الموجود هو نفس النص الوحياني الذي شكّله النبي بنفسه؟ لنفترض أنه جُمع في عهد الخلفاء الراشدين واتخذ ترتيبًا معينًا، أم أنه كان شيئًا آخر تمامًا وفُقدت أجزاء منه؟ هذا نقاش «تاريخي نصّي». لقد اطلعت على الأدلة التي وردت بشأن التحريف؛ لكني أعتقد إجمالاً أنه بالقدر الذي يمكن بلوغ اليقين فيه في بحث تاريخي – انتبهوا إلى أن بلوغ اليقين في البحث التاريخي قد يختلف كثيرًا عن التجارب المختبرية ويجب الحكم فيه بناءً على المصادر والنقل – يمكننا أن نطمئن إلى أننا أمام كتاب يتمتع «بوثاقة تاريخية»، وأنا شخصيًا لم أرَ أي دليل مقنع على تحريف القرآن وعدم أصالته، ويمكن قبول قطعية صدور الوحي إلى حد مقبول. أنا أنظر إلى هذه المقولة من منظور تقليدي نقدي في الغالب. لماذا عليّ أن أتخلى عن هذا الاعتقاد؟ إذا لم تكن الأدلة المقدمة مقنعة، فلا داعي لأن أتخلى عن معتقداتي بشأن أصالة النص الوحياني.
أما بخصوص حجية هذه التجربة، بافتراض قبول الأصالة التاريخية للنص، فهل قبول هذا النص يكون حجة على الأشخاص الآخرين، غير النبي، أم لا؟ طبعًا هذا النقاش مطروح حول التجربة الدينية في الغرب، حول ما إذا كانت للتجربة الدينية حجية معرفية أم لا؟ يرتبط هذا الموضوع إلى حد ما بنظرة الإنسان إلى مسألة «التبرير». ورد في تعريف المعرفة أنها «اعتقاد صادق مبرر». توجد نظريات مختلفة حول التبرير بتصنيفات متنوعة. لدينا وجهات نظر من جنس الفكر أو من غير جنسه، ووجهات نظر داخلية وخارجية. يمكن مع بعض هذه الوجهات الدفاع عن الحجية المعرفية للوحي للآخرين – غير النبي – والعكس صحيح. على سبيل المثال، طرح معرفي مثل ألفين بلانتينغا وجهات نظر حول الحجية المعرفية للنص الوحياني، يدافع فيها عن الحجية المعرفية للوحي بنفس الوثاقية التاريخية. يبدو لي أن هذا النقاش يتوقف على قبول أي وجهة نظر معرفية سنتبناها. ففي إطار بعض هذه الوجهات تكون الأصالة قابلة للدفاع، وفي بعضها الآخر لا.
إذا نظرنا إلى المسألة بطريقة أخرى، فلدينا في الواقع نص وحياني، نستخرج منه نوعًا من الرؤى ونتوصل من خلالها إلى اعتقاد ما، فأي داعٍ للتخلي عنه؟ هذه هي التقليدية النقدية ذاتها. على سبيل المثال، لنفترض أنك توصلت من خلال النصوص الوحيانية إلى اعتقاد مفاده «وجود إله قادر مطلق خيّر على الإطلاق». لا يوجد أي داعٍ للتخلي عن هذا الاعتقاد ما لم ترد عليه شبهات قوية كشبهة الشر. فإذا ما تم الرد على شبهة الشر، يبقى هناك دليل وجيه للتمسك بهذا الاعتقاد. في اعتقادي، وضمن هذه الرؤية، ينبغي أن يتحلى المتدينون بالثقة بالنفس تجاه معتقداتهم الدينية؛ بعبارة أخرى، أنا أدافع إلى حد ما عن التقليدية النقدية، والأصل أن وجهات نظرنا الدينية صحيحة ولا داعي لأن نتخلى عنها، ما لم يثبت خلافها. حيثما يقدمون أدلة ونتمكن من دحضها، يكون من المعقول والمبرر أن نحافظ على اعتقاداتنا. على سبيل المثال، «شبهة الإله الغائب» التي تسعى إلى التشكيك في وجود الله، إذا استطعنا دحضها بأدلة راسخة، فمن المعقول أن نحافظ على معتقداتنا السابقة. يكفي لمعقولية معتقدات المتدينين ألا تكون لديهم معتقدات منافية للعقل، لكن ليس من الضروري أن تكون جميع معتقداتهم مقبولة عقلاً. حيثما لا يوجد دليل على دحض المعتقدات والاعتقادات الدينية، فالأصل هو الحفاظ على المعتقدات السابقة، وعند انعدام الدليل، نشك هناك، مما قد يؤدي إلى تغيير الاعتقاد الديني ورفضه.
أود أن أقول إن هذا الجو الانفعالي الذي كان سائدًا حول التدين، حيث نشعر كمتديّنين بالخجل والحرج من تديننا، قد تجاوزه العالم الحديث، وليس على المتدينين أن يشعروا بالحرج من تدينهم.
ذكرت أن للتنوير الديني وجهين، وجه اجتماعي-ثقافي كان حاضرًا في الحركات بشكل أكبر، ووجه فكري. يمكننا في كليهما إجراء تحليل للاختلالات. انظروا، لقد مررنا في البعد الفكري بفترة من الإفراط في المونولوج الحداثي. أي أن التنوير الديني بدأ من الحوار النقدي مع الغرب، ثم أصيب بنوع من السلبية وابتعد عن الحوار النقدي. سعى إلى التكيف مع الحداثة. أعتقد أننا بدأنا في السنوات الأخيرة نخرج من هذه الحالة. أي أنه ظهرت تدريجيًا براعم من هذا الجيل من التنوير الديني تسعى إلى تجاوز المونولوج الحداثي ودخلت في حوار نقدي مع الحداثة. كان هذا نوعًا من الاختلال.
الاختلال الآخر للتنوير الديني هو أن هذا التيار كان يعاني من مشكلة في حواراته. يبدو لي أننا لم ندخل في حوار جاد مع العالم الإسلامي. على سبيل المثال، كنا نستمع بشكل هامشي إلى أقوال محمد أركون أو نصر حامد أبو زيد؛ لكن الحقيقة هي أن التنوير لم يستطع أن يتحول إلى تيار يتحدث مع نظرائه في العالم الإسلامي كله ويتحاورون معًا ويتجاوزون المذاهب التاريخية الشيعية والسنية؛ لأن هذه المذاهب تشكلت تاريخيًا. حتى في الفترة التي كان بإمكاننا ذلك، لم نرد أو لم نستطع أن نتواصل مع هؤلاء المثقفين في العالم الإسلامي ونستقدمهم إلى إيران ونتبادل معهم فكريًا ونتيح لهم التعبير عن مواقفهم وآرائهم.
إذا أراد التنوير الديني أن يستمر، فعليه أن يتجاوز هذه القولبة المذهبية. بمعنى أنه قبل أن يكون لدينا نقاش مذهبي، فإن القرآن نفسه -الذي لا خلاف بيننا عليه ظاهرًا- هو المشكلة بالنسبة لنا ويجب أن نتوصل إلى اتفاق بشأنه، والبدء من القرآن، كحوارات سابقة على المذاهب، هو مبحث فوق مذهبي. يبدو لي أن التنوير الديني لم يكن موفقًا في هذا الأمر.
الاختلال الآخر للتنوير الديني هو أنه لم ينجح في بناء المؤسسات. نظرًا لنمو التقنية والتكنولوجيا الجديدة سهلة المنال، كان بإمكاننا أن تكون لدينا موسوعة حول التنوير الديني يرجع إليها كل من يريد الدراسة حول موضوعات الفكر الديني الجديد، لكننا لم نستطع تحقيق ذلك. لم نستطع إنتاج مجلات مستمرة ودائمة، وكان الأمر في الغالب مقطعيًا. بالطبع يمكن إلقاء جزء من هذا الإخفاق على عاتق الوضع والأيام المعوجة؛ لكن يبدو لي أن هذا نوع من الاختلاق للأعذار والتبرير الذاتي. ألم يكن بإمكاننا في هذا العالم الافتراضي أن تكون لدينا مجلة إلكترونية نكتب فيها بشكل مستمر؟ أو لنفترض مثلًا بخصوص عدم بناء المؤسسات، ليس لدينا في شهري رمضان ومحرم أي مكان نلقي فيه كلماتنا. لا أحد يعرف ما هي علاقتنا بالدعاء؟ بينما كان بإمكاننا أن تكون لدينا مراكز نقيم فيها مراسم الدعاء ونقول إن علاقتنا بالدعاء ليست نفيًا. قد نعترض على الأدعية المحرفة والأدعية التي فيها إهانة لزوجات النبي (ص) أو صحابته، لكننا لا نعترض على أصل الدعاء الذي له مكانة جدية في الدين. لم نستطع أن يكون لنا مسجدنا الخاص. لدينا أعذار لكل هذه الأمور لنلقي باللوم على الآخرين، لكن الحقيقة هي أننا لم نستثمر فيها بشكل جاد.
يبدو لي أنه كان ينبغي لنا حتماً أن نمتلك تياراً فكرياً تجديدياً لأهل السنة داخل البلاد، وأن ندعمه ونتواصل معه وندخل معه في حوار، لكننا لم نستثمر في هذا الأمر أيضاً. فعلى سبيل المثال، قد يوجد خطر الأصولية في مناطق أهل السنة، ويبدو أن هذه التيارات تجذب الشباب أفضل منا. أؤكد مرة أخرى أن تيارنا التجديدي لم يستطع أن يصبح عابراً للمذاهب، وكان ينبغي أن يكون هناك تجديد ديني إسلامي يشارك فيه الشيعة وأهل السنة بجدية، ويتجاوز هذه المذاهب التاريخية ليكون الإسلام نفسه موضوعه الرئيسي.
لقد هزمنا الطرف المقابل أيديولوجياً تقريباً في المركز والمدن الكبرى وانتصرنا عليه. لكننا في الهوامش والمناطق الريفية لم نستطع إيصال الأفكار إليها، وكثير من الأحاديث التي طرحناها لم نستطع الدخول في تفاصيلها ونماذجها السلوكية، على سبيل المثال: كيف يتعبد المؤمن التجديدي وكيف يقيم علاقته مع الله؟ لقد تحدثنا كثيراً نظرياً في هذه الأمور، لكننا لم ننجح عملياً، في حين كان وجود مسجد ليسد هذا الفراغ. أحد أهم الأخطار التي تهدد التنوير الديني هو السير وراء العوام. مثقفونا ينتقدون الحكومة بسهولة أكبر مما ينتقدون العوام، ويخافون من الناس، ولهذا السبب يمدحون الناس دائماً؛ في حين أن الناس ليسوا بهذه الدرجة من الاستحقاق للمديح. وينبغي في مواضع انتقادهم –أكثر من الحكومة- بأن يقال: أيها الناس، أنتم تهيئون الأرضية لكثير من الأعمال، والحكومات تقوم بها.
لا! أنا أقول إن الدولة والحكومة مهمتان، لكن لا ينبغي الغفلة عن القوى الاجتماعية. مثقفونا يمدحون الناس فقط، في حين أن الناس يخطئون ويسيرون في طرق خاطئة في مواضع كثيرة، والحكومات السيئة تتغذى من هؤلاء الناس وتركب على جهلهم وطمعهم. لكننا كمثقفين لا ننتقد الناس. من الآفات الأخرى للتنوير الديني الشعور بالسلبية والخوف أمام العلمانيين. أحياناً يظن المثقفون الدينيون أنه ينبغي أن يفعلوا شيئاً يعجب العلمانيين؛ لا يوجد دليل على ذلك. من واجبنا أن ندافع عن حقوقهم الإنسانية، لكن لا يوجد دليل على أن نسير وراءهم ونؤيد كل ما يقولونه. أي يبدو لي أننا بتشويش حدود هويتنا لا نساعد الناس ولا أنفسنا. مع إصرارنا على حدود هويتنا، يجب أن ندافع عن الحقوق المدنية للجميع، علمانيين كانوا أم غير علمانيين. على سبيل المثال، حضوري في السياسة أمر أخلاقي، لماذا يسخرون بأن الأمر ليس كذلك وأن الحضور في السياسة موجه نحو الوصول إلى السلطة، أنا لا أريد السلطة السياسية لأن المنزلة والثروة والسلطة، في اعتقادي، ليست لها أصالة أولية للإنسان المتدين. ولو أمكن ترويج هذه الفكرة، لكان ذلك أمراً جيداً جداً في عالم السياسة. لكننا أحياناً نخاف من الاتهام، وهذا أحد العيوب التي كانت لدينا في السنوات الأخيرة. المثقفون العلمانيون أكدوا في مواضع ألا يكون الدين في المجال العام، ونحن أيضاً أيدنا ألا يكون حاضراً. يجب أن ندافع عن الحضور الديمقراطي للدين في السلطة وفي المجال العام، لأن هذا الأمر يتوافق مع كون المرء مثقفاً ومع كونه ديمقراطياً.
أما بخصوص نجاحات التنوير الديني فينبغي أن أقول:
- تأسيس وطرح التخصصات الجامعية مثل فلسفة العلم ونظرية المعرفة قام به المثقفون الدينيون في إيران.
- المساعدة في الدفاع عن الديمقراطية، والمساعدة في الدفاع عن النظرة العابرة للقوميات، والمساعدة في تشكيل مفهوم المواطنة فوق القوميات والأقوام.
يبدو لي أن التنوير الديني في الظروف الراهنة لديه سجل متضرر، لكنه مقبول نسبياً، وأهم إنجاز لهذا التيار هو نقل السؤال إلى مجالاتنا التقليدية، والآن تحولت أسئلة التنوير الديني إلى مشاريع لمراكزنا التقليدية. على سبيل المثال، ما قيل بصورة مختصرة عن التجربة الدينية، وبسط تجربة النبي، والتعددية الدينية وغيرها... أُلّفت عشرات الكتب في هذه الأبواب.
أؤكد على ضرورة أن نفرّق بين العلمانية (secularism) والعلمنة (secularization). أعتبر العلمانية (secularism) مرادفة لـ«العزوف عن الدين» والعلمنة (secularization) مرادفة لـ«فصل الدين». العلمنة هي اسم أو وصف أو تنظير لعملية، وحسب علمي فإن مصطلح فصل الدين (العلمنة) استُخدم في عام 1646 ميلادي من قبل دوق لونغفيل (Duc de Longueville) ممثل فرنسا، في مفاوضات إنهاء حروب الثلاثين عاماً (معاهدة وستفاليا)؛ بينما العلمانية هي نوع من النزعة والدعوة والأيديولوجيا بالمعنى الدقيق للكلمة، ويعود ظهورها إلى عام 1896 م حين استخدمها هولي أوك (George Jacob Holyoake) في كتاب «أصل وماهية العلمانية» في إنجلترا. كان للعلمنة ادعاء رئيسي، وهو أنه في المجتمع مع الحداثة، تتضاءل أهمية الدين ودوره في توجيه وتنظيم وهداية فكر وسلوك البشر. هذه العملية كانت تحظى بدفاع علماء اجتماع التنمية، ويبدو لي أنها فقدت مصداقيتها اليوم. الشخص الذي طرح هذه الفكرة لأول مرة، كتب بنفسه كتاباً بعنوان (disecularization) وأعلن أن النظرية التي قدمتها لم تتحقق في العالم. ففي أمريكا، التي كانت أكثر بلدان العالم تصنيعاً، عاد الدين للحياة من جديد.
العلمانية ليس لها معنى ذاتي، بل يتوقف على استخدام البشر لها، ويمكن العثور على جذرها التاريخي بسهولة. ونحن الإيرانيون نستخدمها استقرائياً بخمسة معانٍ: 1_ تنظيم الحياة الدنيوية بشكل مستقل عن الدين. أي أن تعيش في هذا العالم وكأنه لا إله، وإن وُجد، فلا شأن له بنا. هذا المعنى يتعارض كلياً مع التنوير الديني؛ لأن التنوير الديني يقول: عش بطريقة لا يزال فيها إله موجوداً، والله موجود ويجب التصرف بما يتناسب مع ذلك. 2_ خصخصة الدين القسرية: أي يجب إخراج الدين من المجالات العامة وحصره في باطن الأفراد، وسلوكيات الأفراد التي لا تؤثر على أحد، أو العلاقات المنتقاة والخاصة والفردية تماماً. وهو ما حاول أتاتورك فعله في تركيا ورضا شاه في إيران. المتنورون دينياً لا يتعاطفون مع هذا المعنى أيضاً، ويؤمنون بالحضور الديمقراطي للدين في المجال العام -بدون فرض أو إكراه أو إجبار، ومع الدخول في حوار مع الآخرين وإطلاق المؤسسات المدنية الدينية وغيرها-. المعاني الثلاثة الأخرى للعلمانية تعود إلى علاقة الدين بالسياسة: 3_ فصل الدين عن الدافع والخطاب والسلوك السياسي. على سبيل المثال، لا تقولوا عند الإضراب عن الطعام إننا صمنا صوماً سياسياً. لا تقولوا إننا نتدخل في السياسة من أجل الله وأوامره. بعبارة أخرى، هم يعارضون استخدام لغة الدين في مجال السياسة وطرح الدوافع الدينية، ويعتقدون أنها تضر بالسياسة. 4_ فصل الدين عن الحكم (State): أي أنه في ممارسة الحكم، لا ينبغي منح أي امتياز خاص للمتدينين أو علماء الدين أو العارفين بالأديان أو المذاهب المختلفة. أي أنه لا يحق لكم، كمسلم أو شيعي أو سني أو عالم دين، أي حق خاص في السياسة. بالإضافة إلى أن القوانين لا تكتسب شرعيتها لمجرد أن جذورها تعود إلى الأحكام الدينية؛ أي أن هناك فصلاً بين أحكام الشريعة والقوانين الوضعية، وللقوانين الوضعية إجراءاتها الخاصة التي تتغير بها، بينما لأحكام الشريعة أيضاً إجراءاتها الخاصة لاستنباطها وتغييرها. 5_ فصل الدين عن الحكومة (Government): أي أن الحكومة في رسم السياسات العامة والتنفيذ والتقييم يجب ألا تتأثر بالأحكام والمعتقدات والقيم الدينية. وهكذا، للعلمانية خمسة استخدامات مختلفة، واحد منها فقط، وهو فصل الدين عن الحكم (State)، ضروري للديمقراطية. بمعنى ألا نمنح المتدينين حقاً خاصاً، ونقبل مساواة المواطنين بصرف النظر عن دينهم ومقدار معرفتهم الدينية، وهو أمر ضروري للديمقراطية. أما المعاني الأربعة الأخرى فليست ضرورية في الديمقراطية.
في رأيي، يتصادم التنوير الديني مع بعض هذه العلمانيات (على سبيل المثال المفهوم الأول للعلمانية). "عش كما لو أنه لا يوجد إله، أو إن وُجد، فلا شأن له بنا"، هذا لا يتوافق مع التدين أصلاً. يعارض التنوير الديني المعنى الثاني للعلمانية، أي "خصخصة الدين القسرية". لكن فصل الدين عن الحكم بمعنى إزالة التمييز وقبول المساواة بين المواطنين وقبول تشريع القوانين الوضعية يتوافق معه. ويمكن للحكومة أن تكون دينية أيضاً. يمكن أن تكون لدينا "حكومة وطنية" و"دولة دينية". أي حكم قائم على مساواة جميع الأقوام والملل والمذاهب والأديان، ولكن يمكن أن تكون لدينا دول، مثلما لدينا في الغرب دولة اشتراكية، يمكن أن تكون لدينا في بلدنا أيضاً دولة يسارية تجديدية ديمقراطية دينية. أعتقد أن بإمكان دولة ما أن تقدم تعهداً عاماً بأنني لا أجيز ولا أصف أي سلوك يكون في تعارض قطعي مع الأحكام القطعية للشريعة. لا إشكال في ذلك، إن لم تحصل على الأصوات في الدورة التالية لتذهب إلى حال سبيلها. وتأتي دولة تكون أحكامها التجويزية متعارضة، لكن لا يوجد لدينا داعٍ لأن نسير خلف الآخرين إرضاءً لهم.
العلمانية الفلسفية التي طُرحت، هي النوع الأول من العلمانية الذي أعنيه. والمقصود بالعلمانية السياسية هو فصل الدين عن الحكم (State). في الواقع، أعتقد أن تصنيفي أكثر تفصيلاً ودقة من هذا التقسيم؛ لأنني صففت الاستعمالات في أعمال التنويريين الإيرانيين، بمعنى أنه إذا اعتُبرت العلمانية السياسية بمعنى "نفي الحق الخاص"، ففي هذه الحالة أنا أيضاً أقبل تفكيكاً مماثلاً، لكن بالنسبة للأنواع الأربعة الأخرى من العلمانية، لا نملك دليلاً للدفاع عنها، ويمكننا أن نتخذ منها موقفاً، وكما قلت، فهي ليست ضرورية للديمقراطية أيضاً.
الحقيقة هي أن نوعاً من الأجواء العالمية، معاداة الأيديولوجيا ورواج النحل الليبرالية المختلفة، وأن اترك كل شيء للأنظمة التلقائية أو اسعَ وراء مصالحك الخاصة، وسيتم تأمين المصالح العامة. كان لهذا تأثير عميق على شبابنا الذين كانوا في عِداد التنويريين. ولعل أحد نقاط ضعف التنوير الديني في إيران هو "النقد بلا بديل". على سبيل المثال، نحن لا نقبل نمط العزاء التقليدي وكنا دائماً في صراع معه، ولدينا أدلة قوية جداً ومحكمة في نقده لا يستطيع الآخرون الرد عليها؛ لكن مجرد امتلاك أدلة ضد هذه الظاهرة ليس كافياً؛ يجب التفكير في الشور الديني للناس ليتمكنوا من التعبير عنه في مكان ما. قمنا، كجهد نظري، بنفي الأمر المذموم لكن لم يكن لدينا بديل له. أو مثلاً العبادة التي هي نوع من تجاوز الذات، كان التنوير الديني دائماً في صراع مع الطقوس التي كانت مصحوبة بالتعبد والغلو، لكنه لم يستبدلها بصلاة الجماعة التي يرتضيها. نحن غير راضين عن صلاة الجمعة المتعارَف عليها، لكن ليس لدينا صلاة جمعة خاصة بنا أيضاً، وهذا أننا لم نستطع أن نأتي بالمؤسسات البديلة.
الواقع أن التنوير الديني في إيران لا يعيش حالياً وضعاً مناسباً، لأنه فقد كل منابره، وللأسف أصيب بشلل كبير بسبب القضايا الهامشية، أي أنه لا يملك حتى فرصة الكتابة والقراءة. لكنني أعتقد أن الوضع المستقبلي، خاصة مع أعمال الجيل الرابع من التنوير الديني في إيران، يبعث على الأمل. فعلى سبيل المثال، الأعمال الأخيرة للسيد آرش نراقي أكثر نضجاً بكثير من أعماله الأولى والسابقة وهي في تقدم، وكذلك الأمر بالنسبة للسيد أبو القاسم فنائي. يبدو لي أن جيلاً جديداً من التنوير الديني آخذ في التشكل، ويوجد ما يشبهه في الحوزات العلمية أيضاً. من خلال الأعمال التي اطلعت عليها في مجال نظرية المعرفة من خريجي الحوزة، أرى أفقاً مشرقاً لها، وبمعنى ما فإن التنوير الديني يتعزز أكثر من ذي قبل.
بالطبع أرى من الضروري أن أقول، إنني قلق على الفكر الديني في مناطق أهل السنة أيضاً. في رحلاتي إلى كردستان وبلوشستان، لاحظت بروز نوع من المظاهر والأزياء غير المألوفة في هاتين المنطقتين لم تكن موجودة من قبل، أو على الأقل لم أكن قد رأيتها سابقاً، وأن الآراء السلفية قد تعززت كثيراً. الواقع أن السلف بمعنى العودة إلى الأسلاف الصالحين، هو أمر يحترم بالنسبة لنا؛ لكنني أعتقد أن هذه التيارات أصبحت أقوى من التيارات الإصلاحية المعتدلة في جذب الشباب - بالطبع ربما يوجد في هذا النوع من الشكلانية نوع من البحث عن الهوية أيضاً ولا ينبغي الحكم بتشدد - يبدو لي أن التيار الأصولي في المركز، رغم امتلاكه السلطة، قد فقد شرعيته وهُزم؛ لكنني قلق من اكتساب هذه التيارات المتطرفة للشرعية بين شباب أهل السنة. لدينا في مناطق أهل السنة سابقة إصلاحية تُحسب ضمن التنوير الديني، ويبدو لي أن هذا الجهد الإصلاحي قد ضعف في القاعدة؛ بينما أتصور أن التنوير الديني في المركز قد سلب شرعية التيار المقابل، وأن ذلك التيار لا يحافظ على نفسه إلا بممارسة الضغط.
يبدو لي أن السيد ملكيان قد خرج من مشروع التنوير الديني، ووفقاً لإقراره هو نفسه لم يعد لديه أي اهتمام في هذا المجال. هو حين يصل إلى تاريخ الدين، يتعامل بصرامة شديدة، وقد قلت له شخصياً مرة أو مرتين: هل هذه الصرامة التي تتعامل بها مع تاريخ الدين، تتعامل بها أيضاً مع تاريخ العلم؟ هل الصرامة التي تتعامل بها مع جمع القرآن في عهد الخليفة الثالث، تتعامل بها أيضاً مع قضية هزيمة نابليون التاريخية؟ لقد قلت له أيضاً: من أين أتت حجية العقلانية الغربية، ولماذا يجب علينا أن نقبل كل ما يقولونه؟ من أين أتى هذا المونولوغ الحداثي؟
أنا أيضاً أشكركم وجميع القائمين على مجلة انديشه إصلاح.
.
.
.
.
العلوم السياسية
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.