اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينتقد علي رضا علوي تبار التعريف الجوهري الذي يقدمه موسى غني نجاد للمثقف، ويرى في نسبة التحليل إلى الوصف خطأً في القراءة. ويصف دفاع غني نجاد عن المحافظة بأنه غطاء للنزعة التحررية، ويؤكد على تنوع منابع الإصلاحية.

حاول السيد موسى غنينژاد في مقالة بعنوان «خردگریزی روشنفکر دینی» أن يقدّم ردّاً على نقدي الذي كنت قد كتبته بعنوان «آزادیخواهی در مسلخ برابریستیزی» لمقالته المعنونة «اصلاحطلبی در مسلخ سوسیالیسم» (فصلية سياسةنامه). وأغتنم الفرصة التي أتاحها هذا الردّ لأقدم مزيداً من التوضيح لبعض المواقف المطروحة في كتابتي، وأشير إلى بعض النقاط.
أولاً) من بين الادعاءات المطروحة في مقالته، اخترت خمسة فقط وناقشتها. كان هذا الاختيار بهدف تضييق نطاق النقاش، وهو أمر ينبغي فعله في أي كتابة تقدّر وقت القارئ. وإذا رغب، فسأكتب نقدي لبقية ادعاءاته في تلك المقالة وفي مواضع أخرى. في نقدي، نُسبت إليه خمسة ادعاءات فقط، على هيئة قضايا محددة. وقد لخّصت كل ادعاء في جملة واحدة. ويبدو أنه قد قبل صحة نسبة الادعاءات إليه، لكنه اعتبر جزءاً من شرحي وتحليلي لادعائه الأول «وصفاً» لوجهة نظره، وهو خطأ لم يقع فيه أي قارئ آخر! يُحتمل أن يكون تركيزه وانتباهه على المصادر والنصوص الأصلية للفكر قد ألهياه عن المقالة التي يقرؤها ويريد نقدها. أحمد الله أن جريدة سازندگي لم تنشر المقالة في صفحة «الحوادث»، وإلا لكان من المحتمل أن يعتبر، دون انتباه، أخبار الحوادث جزءاً من وصفي لوجهات نظره وينزعج لأنني نسبت إليه القتل والجريمة! ولأنه اعتبر تحليلي للموضوع «وصفاً» لوجهة نظره، فقد اعتبر التناقض بين ادعائه وتحليلي «تناقضاً» داخلياً في تحليلي! إذا نظر إلى النص مرة أخرى، فستُحل هذه المشكلة؛ مشكلة فلسفية تُحل بقراءتين!
إن استخدام مصطلحات مثل حكم القلة (ترجمة مناسبة لـ أوليغارشية) وحكم الفرد (ترجمة مناسبة لـ مونارشية والحكم الفردي)، شائع ومتعارف عليه بين المشتغلين بتبيين وتفسير التحولات السياسية في إيران. بطبيعة الحال، يحتاج استخدام المصطلحات إلى إلمام ومعرفة كافيين في كل مجال، وإلا فإنها تثير الخوف وتؤدي إلى النفور. وينبغي التذكير بشكل خاص بأن أحد انتقادات الإصلاحيين للوضع السياسي في البلاد هو طابعه القائم على «حكم القلة» وخطر الميل نحو «حكم الفرد» فيه. بالطبع، أدرك حقيقة أنه من وجهة نظره، إذا كان حكم القلة وحكم الفرد السياسيان في خدمة التحرير الاقتصادي وتوسيع العلاقات الرأسمالية، فسيكونان قابلين للدفاع عنهما، على الأقل في المدى المتوسط. وكونه يدافع في مقالته الأصلية، بشكل ضمني، عن مواقف «المحافظين اليمينيين» في العقد الأول بعد الثورة، ولا يشكك إلا في قدرتهم على الدفاع النظري عن مواقفهم، أمر يمكن فهمه وإدراكه في هذا الإطار.
لفهم تنوع وتعدد المصادر الفكرية لحركة الإصلاح في إيران، لا حاجة إلى إحاطة «استخباراتية». يكفي مراجعة محتوى مقالات بضع دوريات: – دورية «حوزه» من إصدارات مكتب التبليغ الإسلامي في الحوزة العلمية بقم. – فصلية «راهبرد» التابعة لمركز الأبحاث الاستراتيجية. – دورية «كيان» لسان حال حلقة المفكرين الدينيين الجدد. – دورية «عصر ما» لسان حال منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية الإيرانية. إلى جانب هذه الدوريات المركزية، سيكون من المفيد أيضاً الالتفات إلى فصلية «نقد ونظر» من إصدارات مكتب التبليغ الإسلامي في الحوزة العلمية بقم. كل واحدة من هذه الدوريات هي انعكاس خارجي لحلقات فكرية-سياسية أدت إلى تغذية الحركة الإصلاحية الشاملة والتمهيد لها. وبالطبع، يمكن الحديث أيضاً عن الحلقة الفكرية-السياسية المرتبطة بدورية «آيين» التي كانت حتى ما قبل الثاني من خرداد منشغلة بالحوار الداخلي أكثر، ولم تفضِ إلى إصدار دورية «آيين» الحاصلة على ترخيص. ليس من الصعب على أي مراقب واعٍ إدراك اختلاف الخطاب السياسي لهذه المصادر، وهو يُظهر بوضوح تعدد مصادر الخطاب السياسي للإصلاح في إيران. فقط ينبغي صرف بعض الوقت والدراسة، لا أكثر!
ثانيًا) في النقد الذي كنت قد كتبته لهم، كنت قد ادعيت أن تعريفهم للمثقف «جوهري». أغتنم هذه الفرصة لأقدم شيئًا من التوضيح حول الجوهرانية وانطباقها على تعريفهم.
يُطلق الجوهر على خصائص أي شيء والتي إذا ما فقدها، فلن يكون ذلك الشيء موجودًا بعد ذلك. وبالنظر إلى أن الجوهر قد يُطلق على فئات متنوعة من الأشياء، يمكن اعتبار أربعة تفسيرات مختلفة للجوهر على الأقل: أ) إسناد الجوهر إلى الأشياء العينية (الجوهرانية القوية): الجوهر هو مجموع السمات التي يتمتع بها الشيء، والتي لو لم تكن صادقة على ذلك الشيء، لما كان موجودًا. ب) إسناد الجوهر إلى المفاهيم: الجوهر هو ذلك الجزء أو المكون من المفاهيم الذي، بإغفاله، يصبح ذلك المفهوم بلا معنى. ج) إسناد الجوهر إلى صدق المفاهيم على الأشياء (الجوهرانية الضعيفة): الجوهر هو مجموعة السمات التي يتمتع بها الشيء، والتي لو لم تكن صادقة عليه، لما كان ذلك الشيء مصداقًا لمفهوم معين. د) مقاربة كريبكي: جوهر الشيء هو ببساطة ما «صُنع» و«تكوّن» منه ذلك الشيء.
يمكن الآن القول بدقة إن تعريف السيد غني نجاد لـ«المثقف» جوهري بأحد المعاني الأربعة المذكورة أعلاه. في أكثر الحالات تفاؤلًا، يمكن رؤية نوع من «الجوهرانية الضعيفة» في تعريفاته. إنه يعتبر المثقف بمعنى «إعطاء الأولوية للعقل والاستدلال المنطقي على الاحتجاجات الاعتقادية والنقلية في المباحث النظرية» ولا يراه قابلًا للجمع مع الصفة الدينية (إلا إذا كان للتناقض المعنوي معنى غير عدم قابلية الجمع!). إذا كان لمفهوم ما تناقض داخلي، فلن تكون له إمكانية تحقق خارج الذهن أيضًا، هذه من بديهيات المنطق! «المثقف» مفهوم «كلي» (أي يمكن أن تكون له مصاديق متعددة)
يمكن بحث ودراسة المفاهيم الكلية بناءً على مقاربتين: أنطولوجية وإبستمولوجية. من المنظور الأنطولوجي، يدور النقاش حول ماهية الكليات، ومن المنظور الإبستمولوجي، يدور النقاش حول كيفية وعينا بالمفاهيم الكلية وكيفية تشكلها في الذهن. يجب أن يؤخذ في الاعتبار بالطبع أن هناك فرقًا بين «الكل» و«الكلي». وجود «الكلي» خارج الذهن كان محل خلاف بين الإسميين وغيرهم، وهو أمر لا علاقة له بالطبع بوجود «الكل» خارج الذهن.
أشير إلى هذه النقطة لأن السيد غني نجاد، في بعض أعماله الأخرى، استنتج من عدم وجود المفاهيم «الكلية» في الخارج، عدم وجود «الكلّيات» في الخارج، وهو خطأ فادح، لكنني لن أتطرق إليه. لقد ظن، بسبب عدم الإلمام، أن مفهوم «التشابه العائلي» مفهوم ابتكرته أنا! ولكن لإحاطته علمًا، ينبغي أن أقدم درسًا فلسفيًا مفاده أن نظرية التشابه العائلي هي أكثر النظريات المعاصرة تأثيرًا في باب «التعريف»، أو بعبارة أدق، في مقابل التعريف. المواجهة الرئيسية لهذه النظرية هي مع «التعريفات الجوهرية» التي يُعرف أرسطو كرائد لها. طُرحت هذه النظرية لأول مرة في مجموعة «القواعد الفلسفية» من قبل لودفيغ فيتغنشتاين. صدر هذا الكتاب بالتصحيح والتحرير عام 1993 (على الرغم من أن تأليفه كان في عام 1931)، ولكن يمكن ملاحظة هذه النظرية، التي شكلت تحديًا للجوهرانية، في أعمال فيتغنشتاين الأخرى أيضًا. بخصوص «الإسمية»، يجب أن أضيف أيضًا أنه، خلافًا لما يظنه، لم يكن هذا المفهوم ممهدًا للنظرة الحديثة فقط في الأفكار الحديثة (أفكار أشخاص مثل وليم الأوكامي). وفقًا لرواية الدكتور ديناني، فإن أشخاصًا مثل ابن تيمية، الذي يتمثل صدى آرائه اليوم في «الوهابية»، كانوا أيضًا «إسميين». لكي لا أستمر في إعطاء درس في الفلسفة، خاصة لشخص لديه وصول إلى المصادر والنصوص الأصلية، سأكتفي بهذا القدر. في النهاية، أضيف أنه إذا كان يسعى لطرح آراء شبيهة بآراء بوبر، فإن الاسم المناسب لها، بتعبير بوبر، هو «العقلانية النقدية»، وبتعبير باربور هو «الواقعية المعقدة»، وليست الإسمية عنوانًا مناسبًا لها.
ثالثًا) أغرب جزء في ردّه هو الصورة والتصوّر الذي يقدّمه عن «الديمقراطية». فمن وجهة نظره، الديمقراطية هي «وسيلة للحلّ السلمي للخلافات السياسية ونقل السلطة السياسية، لكنها يمكن أن توضع في خدمة إيديولوجيات معادية للإنسان (الفاشية والنازية) وإنسانية (الليبرالية)». يبدو أنه اختزل الديمقراطية في الانتخابات وتجاهل لوازمها النظرية، لأننا لا نعرف أحدًا يقول بإمكانية الجمع بين الفاشية والنازية والديمقراطية الحديثة. فحسب ما نعلم، فإن الديمقراطية، بالنظر إلى التطور الذي شهدته في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، هي «أسلوب لاتخاذ القرار في الشؤون الجماعية»، لكن تحقّقها في الساحة السياسية يستلزم قبول ثلاثة محاور مهمة:
أ) حاكمية الشعب: قبول أن من حق الشعب تنصيب الحكومة ونقدها وعزلها، واتخاذ القرار في الشؤون العامة. ب) المساواة السياسية بين المواطنين: يتمتع المواطنون، بصرف النظر عن الدين والمذهب والإيديولوجية والعرق والموقع الاقتصادي والاجتماعي، بحقوق متساوية في مراقبة القرار الجماعي وممارسته. ج) حكم الأكثرية مع مراعاة حقوق الأقلية: أساس سلوك الحكومة هو رأي الأكثرية، لكن لا يحق للأكثرية انتهاك الحقوق الأساسية للأقلية وتجاهلها. الديمقراطية المعاصرة هي سعي دؤوب لتحقيق هذه الأركان الثلاثة في بنية الحكم والإدارة العامة. تعريفه للديمقراطية خاطئ وغير مقبول. الجمع بين الديمقراطية والفاشية!؟
رابعًا) اعتبر تعريفي لليبرالية السياسية خاطئًا، وأكّد على الصلة الضرورية بين الليبرالية والملكية الخاصة. قد يراه تعريفًا قاصرًا، لكني لا أدري أي تناقض يجده في داخله؟ لنقض تعريف أو وجهة نظر، ليس من الضروري أن نعتبرها حاويةً على تناقض. ثمة معايير أخرى مثل عدم كونها جامعة ومانعة يمكن أن تُستخدم. إلا إذا كان ثمّة تعلّق بمصطلح «التناقض». في اعتقادي أن حكمه خاطئ، لذا سأشير إلى بعض جذور هذا الحكم الخاطئ.
النقطة الأولى هي أنه يعتبر «الليبرالية» مرادفة لـ«الليبرتارية» (الاختيارية). ومن ثمّ، فإنه يُقصي من زمرة الليبراليين كل صاحب نظر لا يتفق مع آراء الاختياريين. وعلى هذا الأساس، فإن الأشخاص الذين لا يقبلون نظرية العدالة عند الاختياريين (آراء نوزيك وهايك) (مثل جون رولز)، أو الذين يعتبرون تأمين رفاه المجتمع عبر حكومة حدّ أدنى أمرًا مستحيلًا (مثل جون مينارد كينز)، لم يعودوا يُعتبرون ليبراليين. تدور نظرة الاختياريين إلى الليبرالية حول نوع من «الأنانية غير الاجتماعية» (asocial egoism) التي تختم بصحة «الفردانية التملّكية» والسعي وراء الأهداف الشخصية (لا سيما اكتساب الثروة)، وتضحّي في مقابل ذلك بالالتزامات الاجتماعية الأوسع. غير أن الفردانية غير الاجتماعية هي سمة الاختياريين أو المحافظين المؤيدين للاقتصاد الحرّ بالأحرى، الذين يرون المجتمع مجموعة من الأفراد المتنافسين، ربطتهم الرغبة في الأمن أكثر مما ربطتهم الوعي والإدراكات المواطنية. استناده إلى لوك ليس مصادفة. لعله تذكّر أن لوك كان يتحدث عن ضرورة الرضا الصريح من المالكين والرضا الضمني من الآخرين (Locke,1967:365-80). إن ما يُوضع موضع التساؤل ليس التمييز الليبرالي بين المجالين العام والخاص، بل الفصل بين مجال العلاقات الاقتصادية ومجال العلاقات السياسية، وبالتالي عزله عن عملية التحوّل الديمقراطي. وخلافًا لما يدّعيه، فإن النقاش ليس حول قبول الملكية الشخصية أيضًا. إنما الانشغال هو أنه في العالم الواقعي، وضمن الأنظمة الرأسمالية، توجد آليات تؤدي إلى تركيز الملكية الخاصة واحتكارها، بحيث يمتلك واحد في المئة من السكان في أمريكا أربعين في المئة من الأصول.
النقطة الثانية هي أنه يبدو أن الاختلافات تعود إلى توجهين "قيميين ومعياريين" مختلفين. الخلاف يدور حول ما إذا كنا "نعتبر المساواة الاجتماعية مرغوبة وممكنة؟ أم لا؟" إن المناقشات النظرية تُفهم جيداً عندما ننتبه إلى توجهها القيمي والمعياري. أنا بالطبع أدافع بفخر عن كون المساواة الاجتماعية مرغوبة وممكنة. وأذكر أركان هذا التوجه باختصار: ۱) أغلبية البشر يزدهرون بشكل أفضل وأكثر في وضع المساواة الاجتماعية مقارنة بوضع اللامساواة والتسلسل الهرمي. ۲) الإنتاجية الاقتصادية البالغة الارتفاع التي حققتها البشرية، جعلت المطالبة بالمساواة في الإمكانيات المادية للحياة وتنظيم المجتمع البشري لهذا الغرض، أمراً ممكناً وقابلاً للتحقيق بشكل أكبر. ۳) النظام الرأسمالي القائم فعلاً، خلق مؤسسات وعلاقات أغلقت الطريق أمام التحقيق العملي للمساواة وإعادة التوزيع الجذري للإمكانيات المادية للحياة. ۴) النظام الرأسمالي القائم فعلاً، يمكن أن يتحول من الداخل وعبر حركة تدريجية لكنها جذرية نحو نظام اجتماعي أكثر مساواة وتوازناً. إن الجهود النظرية التي تُبذل لإظهار الوضع القائم للعالم على أنه مبرر، هي محافظة محكوم عليها بالفشل، حتى لو تمت تحت غطاء الاختيارية والمطالبة بالحرية.
في الختام، أتجاوز عن بعض غمزاته وطعناته وأفترض "...أن الأمر ليس عن كيد...". خلال مقاله يطرح أسئلة حول وقائع سياسية أترك الإجابة عنها لمجال آخر. لكن التأمل فيها يظهر إلى أي مدى يمكن للابتعاد عن المتن الرئيسي للجهود والنضالات السياسية أن يؤدي إلى التبسيط المفرط في فهم العلاقات والتوازنات السياسية المعقدة.
العلوم السياسية
الدين
الدين
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.