اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى محمد مجتهد شبستري أن العلاقة بين الإسلام وحقوق الإنسان هي صراع بين التقليد والحداثة، ويعتبر مفهوم «الحق» ليس حقاً أخلاقياً تقليدياً، بل معياراً اجتماعياً لضمان الحرية والعدالة ينبثق من وقائع حياة الإنسان التاريخية.

تُعَدُّ العلاقة بين حقوق الإنسان والإسلام أحد أبرز تجليات التحدي بين التقليد والحداثة. ما هي العلاقة التي يمكن أن يقيمها الدين، بوصفه أحد أهم موروثات التقليد، مع حقوق الإنسان بوصفها إحدى ثمار الحداثة؟ لقد قُدِّمت إجابات عامة ومبهمة أحيانًا على هذا السؤال حول العلاقة بين الإسلام وحقوق الإنسان، لكن أيًّا من هذه الإجابات لم يُحدد جميع حالات التعارض، ولم يُقدم نظرية رصينة وموثوقة في تتبع جذور هذه التعارضات. عندما تعجز الإجابة في مرحلة «الوصف» و«التعليل» و«التقييم»، كيف يمكن أن يُتوقع منها أن تقدم حلًّا فعالًا يحظى بدعم نظري كافٍ؟ لقد أُجري هذا الحوار بهدف تقديم جينيالوجيا (حفريات معرفية) موسعة نسبيًّا لمفهوم حقوق الإنسان، ودراسة كيفية التعامل معه في العالم الإسلامي، في حوار مع الأستاذ الدكتور محمد مجتهد شبستري (1936- )، وهو شخصية معروفة، سواء بصفته أستاذًا سابقًا للفلسفة في جامعة طهران، أو بصفته مجتهدًا درس العلوم الإسلامية في الحوزة، وبوصفه لاهوتيًّا بارزًا وصاحب نظرية، كان جزء معتد به من جهوده الفكرية منصبًّا في هذا الاتجاه. مع الشكر على سعة صدره ومرافقته، نلفت انتباهكم إلى نص الحوار.
إشارة: تُعَدُّ العلاقة بين حقوق الإنسان والإسلام أحد أبرز تجليات التحدي بين التقليد والحداثة. ما هي العلاقة التي يمكن أن يقيمها الدين، بوصفه أحد أهم موروثات التقليد، مع حقوق الإنسان بوصفها إحدى ثمار الحداثة؟ لقد قُدِّمت إجابات عامة ومبهمة أحيانًا على هذا السؤال حول العلاقة بين الإسلام وحقوق الإنسان، لكن أيًّا من هذه الإجابات لم يُحدد جميع حالات التعارض، ولم يُقدم نظرية رصينة وموثوقة في تتبع جذور هذه التعارضات. عندما تعجز الإجابة في مرحلة «الوصف» و«التعليل» و«التقييم»، كيف يمكن أن يُتوقع منها أن تقدم حلًّا فعالًا يحظى بدعم نظري كافٍ؟ لقد أُجري هذا الحوار بهدف تقديم جينيالوجيا (حفريات معرفية) موسعة نسبيًّا لمفهوم حقوق الإنسان، ودراسة كيفية التعامل معه في العالم الإسلامي، في حوار مع الأستاذ الدكتور محمد مجتهد شبستري (1936- )، وهو شخصية معروفة، سواء بصفته أستاذًا سابقًا للفلسفة في جامعة طهران، أو بصفته مجتهدًا درس العلوم الإسلامية في الحوزة، وبوصفه لاهوتيًّا بارزًا وصاحب نظرية، كان جزء معتد به من جهوده الفكرية منصبًّا في هذا الاتجاه. مع الشكر على سعة صدره ومرافقته، نلفت انتباهكم إلى نص الحوار.
على حدّ علمي، فإن هذا الحقّ بالمعنى الأخلاقي المطروح في تراثنا الديني غير موجود قطعاً. من قبيل ما هو حقّ الأب على الابن، أو بتعبير أسلافنا، ما هو حقّ الرعيّة على الراعي؟ أو ما هو حقّ المحكوم على الحاكم؟ هذا الحقّ ليس من هذا النوع من الحقوق. هذه نوع من الحقوق الأخلاقية وهي سلسلة توصيات أخلاقية حول ما ينبغي للأب أن يفعله تجاه ابنه والعكس. هذا الحقّ هنا، على قدر ما يتبيّن من مقدّمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ذي الموادّ الثلاثين، هو بمعنى معيار اجتماعي أو شيء يظهر بوصفه إلزاماً للحياة الاجتماعية. بعبارة أخرى، الحقّ بالمفهوم القانوني هو ذلك المفهوم الذي نشأ مع التفكير القانوني على مدار تاريخ الحياة البشرية، أي ذلك الإلزام، القاعدة والإلزام الناشئان من الحياة التاريخية والاجتماعية للإنسان في التاريخ، واللذان يُظهران أنه إذا أرادت هذه الحياة الاجتماعية أن تؤمّن أهدافاً معيّنة وتتيح إمكانية تأمينها، فعليها أن تخضع لهذه الإلزامات، وهذا ما أعتقد أنه يتبيّن من مقدّمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ورد في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «لمّا كان الاعتراف بالكرامة المتأصّلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرّية والعدل والسلام في العالم؛ لمّا كان تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتّع فيه الفرد بحرّية القول والعقيدة ويتحرّر من الفزع والفاقة؛
لمّا كان من الضروري أن يتولّى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطرّ المرء آخر الأمر إلى التمرّد على الاستبداد والظلم؛ لمّا كان من الجوهري تعزيز تنمية العلاقات الودّية بين الدول؛
لمّا كانت شعوب الأمم المتّحدة قد أكّدت في الميثاق من جديد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية، وحزمت أمرها على أن تدفع بالرقيّ الاجتماعي قدماً وأن ترفع مستوى الحياة في جوّ من الحرّية أفسح؛
لمّا كانت الدول الأعضاء قد تعهّدت بالتعاون مع الأمم المتّحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية واحترامها؛
لمّا كان للإدراك المشترك لهذه الحقوق والحرّيات أهمية كبرى للوفاء التامّ بهذا التعهّد؛ فإنّ الجمعية العامة تعلن هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثالاً أعلى مشتركاً لجميع الشعوب والأمم، لكي يسعى كلّ فرد وكلّ هيئة في المجتمع، واضعين هذا الإعلان على الدوام نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحرّيات عن طريق التعليم والتربية، واتّخاذ تدابير مطّردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعّالة بين شعوب الدول الأعضاء ذاتها وبين شعوب الأقاليم الموضوعة تحت ولايتها.»
هنا في الواقع، فلسفة حقوق الإنسان ومعناها هي أنه إذا أُريد للحرّية أن توجد للبشر، وللعدالة أن تسود، وللسلام أن يعمّ العالم، فلا بدّ من الاعتراف بحقوق لكلّ فرد من أفراد البشر. الحقّ هنا بمعنى إلزام يفرض على الآخرين واجب مراعاته. وهذا الإلزام هنا ينشأ من الرغبة في أن تسود الحرّية والعدالة والسلام في العالم. لذلك يمكن القول إلى حدّ ما إن هذا الإلزام هو عمل وفلسفة أخلاقية تنبثق من وقائع الحياة التاريخية للإنسان وتعبّر عن نفسها، لا من المباحث الميتافيزيقية والفلسفية؛ بعبارة أخرى، هو ناشئ من وقائع الحياة الاجتماعية-التاريخية للإنسان على مرّ التاريخ. وإن تجاربنا التاريخية ومسيرة حياة الإنسان تُظهر أنه إذا أُريد للحرّية والعدالة والسلام أن تسود بين البشر، فلا بدّ من الاعتراف بهذه الحقوق والإلزامات.
عندما أتحدث عن حقوق الإنسان، فإن ما أعنيه هو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يتألف من ثلاثين مادة. في هذا الإعلان، ما هو الأصل وما هو الفرع وما هو المقصود، وليس أن أرسم صورة لحقوق الإنسان ثم يُسأل بعد ذلك: ما مقوماتها؟ لقد تم اعتبار ثلاث مجموعات من الحقوق كمقومات؛ سلسلة من هذه الحقوق هي حقوق حرية الفكر والعقيدة والتعبير عن الفكر والعقيدة، وسلسلة هي الحقوق المدنية ومساواة البشر في الحقوق والواجبات والمشاركات السياسية، وسلسلة منها هي الحقوق الاجتماعية بمعنى مشاركة جميع البشر في بناء الحياة الاجتماعية والتمتع بخيراتها. لقد تم تفصيل هذه المجموعات الثلاث من الحقوق (المدنية والاجتماعية والحريات) في هذه المواد الثلاثين، وتم وضع مواد لضمان كل مجموعة من مجموعات الحقوق هذه.
هذا السؤال مهم جداً، لا سيما في العالم الإسلامي. إن طبيعة حقوق الإنسان هذه غير دينية، وليست مناهضة للدين. فعندما يكون خطاب أو بيان أو إعلان مناهضاً للدين، فهذا يعني أنه يرفض ديناً معيناً أو جميع الأديان أو أفكاراً محددة. وبهذا المعنى، فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمواده الثلاثين ليس مناهضاً للدين على الإطلاق. (أؤكد أن كل كلامي يتعلق بهذا الإعلان ذي المواد الثلاثين). لكن حقوق الإنسان غير دينية. غير دينية بأي معنى؟ بمعنى أن هذا الإعلان عندما طُرح وأُقر لاحقاً، لم تكن محتوياته مأخوذة من النصوص الدينية، وبهذا المعنى هو غير ديني. يُفترض أن ما نعنيه بالديني في هذا الحوار هو ما يُستقى من النصوص الدينية، وغير الديني يعني أنه لم يُستمد من النصوص الدينية. إذن من أين استُمد؟ كما قلت لكم في إجابة السؤال السابق، لقد استُمد من وقائع الحياة التاريخية والاجتماعية للبشر. وقد شرحت قليلاً كيف استُمد منها. فكما سار تاريخ البشر، الذي كان مليئاً بالحروب باسم الدين وغير الدين، وفي القرن العشرين، في الحربين العالميتين الأولى والثانية، قُتل وجُرح ملايين البشر في هاتين الحربين بذرائع وعناوين مختلفة. ثم عند صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، طُرح على المفكرين وشعوب العالم هذا السؤال: بالاستناد إلى أي مبدأ أخلاقي وإنساني يمكن خلق حرمات لا يجوز انتهاكها لجميع البشر على وجه الأرض، بحيث تحظى بقبول جميع البشر في «مقام النظر»، وتكون لها أكبر فرصة للنجاح في «مقام العمل»؟ كان الجميع يبحثون عن نهج أخلاقي عملي يمكن بالاستناد إليه والإصرار على تحقيقه إيجاد مانع أمام النزعات الحربية وإراقة الدماء والاستبداد. في ذلك اليوم، شُخِّص أنه يجب، بالاتعاظ والاعتبار من قرون تاريخ البشر الماضية، إحياء وتفعيل مبدأ «الكرامة والحرمة الذاتية لهذا الإنسان التاريخي الاجتماعي»، وتسخير كل الجهود والتدابير لمنح هذا المبدأ اعتباراً عالمياً. يجب تدوين الحقوق الناشئة عن تلك الكرامة وجعلها معياراً ومقياساً للأنظمة الاجتماعية والسياسية والدولية. لقد أدرك البشر المذعورون والمعذبون من الحربين العالميتين في القرن العشرين أنه ما لم يتم الاعتراف بحرمة وكرامة كل فرد إنساني الذاتية، فقط من حيث كونه إنساناً ودون أي تمييز عقائدي أو قومي أو عرقي أو جنسي وما شابه ذلك، بشكل صريح وحاسم، فإن ذرائع النزعة الحربية وإراقة الدماء والاستبداد والديكتاتورية والاستغلال الطبقي، سواء داخل كل بلد أو على الساحة الدولية، لن تُنتزع من أيدي الظالمين والجبابرة وسفاكي الدماء. سيكون لديهم دائماً، باسم الدين أو الأمة أو العرق أو الجنس أو الاقتصاد والمصالح القومية وما شابه ذلك، ذرائع للانقضاض على الضعفاء وتثبيت دعائم استبدادهم، بل وكتابة فلسفات لاستبدادهم واستغلالهم، وعند الضرورة تسخير كل مقدسات البشر المعنوية لتعزيز سلطتهم. في الواقع، لقد توصلوا إلى نتيجة مفادها أن ثمة حاجة إلى ترياق نظري يقف في وجه كل الذرائع، وهذا لا يمكن أن يكون سوى أن نطرح حرمة وكرامة كل فرد إنساني الذاتية، فقط من حيث كونه إنساناً. ومع ذلك، فهذه الفلسفة ليست دينية. لأنه ليس لدينا مثل هذا الشيء في النصوص الدينية. فبمجرد أن تريدوا أخذ مسألة من النصوص الدينية، فسيعني ذلك أن الله يمنح هذا الحق. الله يمنح هذه الكرامة، لكن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تأسس على أساس أن البشر، نتيجة للآلام والمعاناة التي كابدوها والجروح التي تلقوها والحروب التي شهدوها... توصلوا إلى أنه من أجل حل هذه المشكلات وتغيير الوضع القائم، يجب تعيين التزامات لجميع البشر واقتراحها عليهم، وإسناد هذا الإلزام إلى حيثية وكرامة الإنسان من حيث كونه إنساناً، لا من حيث كونه مخلوقاً لله. ولا من حيث كونه مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو شرقياً أو غربياً. من الواضح أن هذه فلسفة غير دينية. وعليه، فإن هوية حقوق الإنسان هذه الواردة في هذا الإعلان ذي المواد الثلاثين هي غير دينية. في الواقع، حقوق الإنسان هي استراتيجية ولا تُستقى من النصوص الدينية.
أعتقد أننا كمسلمين ينبغي أن ننكبّ كلياً على مسألة حقوق الإنسان، بالمعنى الوارد تحديداً في إعلان حقوق الإنسان. لأننا كمسلمين أصبحنا الآن جزءاً من المجتمع العالمي. ولا يمكننا أن ننعزل عنه. فنحن قطعاً جزء من ذلك المجتمع العالمي الذي رأى يوماً ما أن هذه الالتزامات ضرورية له. أعني أن مسائل «الحرية» و«العدالة» و«السلام العالمي» الثلاث هي أيضاً مسألة بالغة الأهمية بالنسبة لنا كمسلمين. بعبارة أخرى، إن مراعاة حقوق الحرية وحقوق المواطنة والحقوق الاجتماعية، بصفتها التزامات، تشكل ضرورة حيوية لنا كمسلمين أينما عشنا. ولا بد لنا، مضطرين، من أن نجد لها جواباً. إن التجربة التاريخية للسنوات الخمسين الماضية في معظم البلدان الإسلامية تُظهر بوضوح تام أن ثمة مطالبات جادة بشأن حقوق الحرية والمواطنة والحقوق الاجتماعية. هذه المطالبات موجودة في الواقع المعيش، وليس الأمر أن أحداً يقترحها. وحيث أن هذه المطالبات موجودة، فلا بد من معالجتها وإيجاد جواب لها. وفي مقام السعي للإجابة عنها، قد يبرز نوعان من النقاش حول حقوق الإنسان: قد يقول البعض إننا نناقشها في إطار الاستنباط من القرآن والسنة. (أؤكد أن نقاشنا يدور حول الحقوق الواردة في الإعلان ذي المواد الثلاثين). ينبغي أن نرى ماذا يقول هؤلاء الأشخاص بالضبط؟ هل قولهم هو أن المطالب والمضامين الموجودة في هذه المواد الثلاثين، أي أصناف حقوق الحرية وحقوق المواطنة والحقوق الاجتماعية الثلاثة، موجودة بهذا المعنى وبهذا المضمون بالذات في الكتاب والسنة؟ أم أن مدّعاهم هو أن جزءاً منها موجود في الكتاب والسنة؟ لنفترض أن أحداً يقول إن أصل وأساس هذه الأصناف الثلاثة من الحقوق موجود في الكتاب والسنة. نسأله: لماذا ترجع إلى الكتاب والسنة لتحصيل هذه الحقوق؟ ما الذي تعنيه بهذا العمل؟ هل تريد أن تعرف إن كان الله يأذن بها أم لا؟ وهل منح الله هذه الحقوق أم لا؟ فإن كان هذا هو المقصود، فبمجرد أن تفكر في مسألة إن كان الله قد منح هذه الحقوق أم لا، تكون قد أخرجتها من هويتها وماهيتها الأصلية. وكما قلت سابقاً، هذه الحقوق لم تُطرح أساساً بهذه الصورة، إنها حقوق الإنسان بما هو إنسان، التي أعلن البشر أنفسهم الالتزام بها، في مرحلة معينة من حياتهم التاريخية الاجتماعية، بصفتها استراتيجية لتأمين الحرية والعدالة، واجباً عليهم. لا يمكن السؤال عن مثل هذه الحقوق إن كانت موجودة في الكتاب والسنة أم لا، ناهيك عن الخوض في الاستدلال في هذا المجال. فبمجرد رجوعك إلى الكتاب والسنة سائلاً إن كان الله يمنح هذه الحقوق أم لا، فإنك «تحرّف» مضمونها.
إذا كان هناك من يقوم بهذه الأمور، فلا ينبغي لهم أن يقولوا إن هذه الحقوق الواردة في إعلان حقوق الإنسان موجودة في الكتاب والسنة أيضاً، بل عليهم أن يقولوا إننا لا شأن لنا بذلك، لأنه حقوق الإنسان بما هو إنسان، وحقوق بشرية غير دينية وعلمانية (Secular). بل نذهب إلى الكتاب والسنة لنرى ماذا يقولان لنا؟ الكتاب والسنة هما اللذان يحددان تكليفنا، ولا شأن لنا بحقوق الإنسان العلمانية والمتعالية على الأديان بطبيعتها. إذا كان الأمر على هذا النحو، بأن يقولوا إننا نتعامل مع الكتاب والسنة ونرجع إليهما لتحديد الحقوق، فينبغي أن نرى كم مقدار هذه الحقوق التي يستخرجونها من الكتاب والسنة؟ وبأي معنى يستخرجون الحقوق؟ الأمر الذي لا شك فيه هو أن أي مقدار من هذه الحقوق يستخرجونه من الكتاب والسنة يكون بمعنى أن الله قد منح هذا الحق، ولا ينبغي أن يسموه حقوق الإنسان بما هو إنسان. إذا كان الأمر كذلك، فعندما ننظر إلى استنباطاتهم التي قاموا بها من هنا وهناك، حيث أدلى كل منهم برأيه، نجد أن بعضهم قد حدد أربعة حقوق، وبعضهم حدد خمسة حقوق، وآخرون حددوا أكثر من خمسة. وهناك من أرادوا، تقليداً لحقوق الإنسان، أن يرفعوا العدد إلى أكثر من عشرين. على أية حال، المهم هو أن هذه لن تكون بعد حقوق الإنسان بما هو إنسان، بل هي حقوق يمنحها الله. إذا استنبط المسلمون أنها حقوق يمنحها الله، فعليهم أن يدركوا حدود عملهم، أي أنهم لن يعودوا قادرين على فرض التكليف على العالم. لا يمكنهم أن يقولوا إن هذه حقوق تمنع الحروب. لا يمكنهم أن يقولوا إن هذه حقوق للجميع. هذه حقوق معتبرة للمؤمنين بالله/ المؤمنين بالقرآن/ المؤمنين بالسنة. إذا كان الأمر كذلك، فإن هذه تصبح مسألة داخلية في العالم الإسلامي أو مسألة داخلية لهذا البلد الإسلامي أو ذاك. لأنك لا تستطيع أن تقول للآخرين: يا أيها الناس! نحن نؤمن بالله وإلهنا منحكم هذه الحقوق، فتعالوا لتراعوا هذه الحقوق لمنع الحرب. سيقولون: إننا لا نستطيع أصلاً أن نتسلم حقوقنا من إلهكم. أي أن أسلوب طرح المسألة سيصبح عندئذٍ على نحو يجعلنا منعزلين داخل بلداننا الإسلامية. لا نستطيع أن نتحدث عن حقوق بشرية أصيلة بهذا المعنى. ما قلته هو نقطة مهمة، وفي رأيي أن أهم إشكال يكمن هنا بالتحديد.
وعلى إثر هذا الإشكال، يجب على القائلين باستمداد الحقوق من الكتاب والسنة أن يحددوا ما هي مناهجهم الاستنباطية، وينبغي أن نرى إلى أي حد يمكن اعتبارها معتبرة ومنهجية. كلامي هنا هو أنهم لا يستطيعون أبداً استخراج حقوق الإنسان بالمعنى الذي عرضته، من الكتاب والسنة.
في الإجابة على سؤالكم، لدي هنا عدة أسئلة. لنفترض أننا قمنا بهذا العمل. ثم استطعنا أن نلجأ إلى نصوص مكة ونستخلص من خلالها مجموعة من الحقوق. على ما يبدو، لا يستطيع محمود محمد طه وتلميذه عبد الله أحمد النعيم إنكار أن نتاجهم هو لتنظيم الحقوق العامة داخل البلدان الإسلامية، وهم أنفسهم يقرون بذلك. وليس أن نعرض هذه على العالم ونقول إن هذه حقوق بشرية عالمية. علاوة على ذلك، بمجرد أن تقول إن الله يمنح هذه الحقوق، سيأتي مفسر آخر ويقول: كلا، الله لا يمنح هذه الحقوق؛ أنت قلت عشرة، والله لا يمنح أكثر من خمسة. وسيظهر مفسر آخر ويقول: كلا، الله لا يمنح أكثر من حقين. وسيقول مفسر آخر: أصلاً إذا كان الله يمنح هذه الحقوق، وعلينا أن نسند هذه الحقوق إلى الله، فيجب على الله أن يعين مراقباً ليرى هل تستفيدون منها بشكل صحيح أم لا؟ وهنا ينفتح الطريق واسعاً أمام حكومة المتولين على الدين.
ليس واضحًا لديّ ما إذا كان هؤلاء السادة قد فكّروا في أنّه إذا كانت الحقوق تأتي من عند الله، وبالنظر إلى أن تفسير النصوص الدينية أمر بالغ التعقيد ويمكن أن تظهر فيه أنواع وأصناف من الآراء، فهل يستطيع أحد - حتى داخل بلد إسلامي - أن يمسّ حقوق الحريات والحقوق الاجتماعية وحقوق المواطنة التي ينظرون إليها؟ هل يؤدي هذا العمل إلى نتيجة؟ وما هي عاقبته العملية؟
هذا هو الأمر الذي أريد التطرق إليه. بناءً على ذلك، ليس واضحًا ما هو هدف المرحوم طه وتلميذه من طرح هكذا موضوع، وما الذي يريدان تحقيقه؟ الحقوق التي يمنحها الله؟ هذا أمر لكل دين أوصياء عليه وتفسير نصوصه الدينية بأيديهم، ولهذا السبب تم إعدام المرحوم طه بتحريض منهم في زمن جعفر النميري (١٩٣٠- ٢٠٠٩). لأنهم كانوا أقوى منه وقالوا إن إرادة الله هي أن نعدمك. يريد هؤلاء حلّ مشكلة لكن هذه الفكرة لا تحلّ مشكلة عمليًا. النقاش الثاني هو: ما مدى سعة هذه النصوص حقًا؟ هل يمكن حقًا استنباط حقوق الحريات وحقوق المواطنة والحقوق الاجتماعية الواردة في هذه المواد الثلاثين - بهذا الاتساع - من القرآن المكي؟ برأيي لا. والسبب هو أن هذه النصوص ذاتها التي يستند إليها السادة والتي كانت في مكة، قد قيلت في بيئة لم تكن فيها هذه المفاهيم بالمعنى الذي نفهمه اليوم عن الحرية والعدالة والسلام العالمي موجودة أصلًا، ناهيك عن أن تكون هذه التعابير تشير إليها. لم يكن الإنسان الفرد بهذا المعنى موجودًا حتى يمكن أن تشير إليه. لم تكن الدولة بالمعنى الحديث موجودة حتى يمكن أن تشير إليها. هذه الحقوق هي حقوق الإنسان الفرد في مواجهة الدولة والمجتمع. أي ألا تعتدي الدولة أو المجتمع على هذه الحقوق. في عصر النزول، لم يكن هناك أي خبر عن مفهوم الدولة (State) والمجتمع (Society).
نعم، تمامًا. بناءً على ذلك، إذا أردت تفسير نص ما، يجب أن يكون هناك إمكانية لأن يكون ذلك النص ناظرًا إلى ذلك المدى من المفاهيم التي تريد بسطها عليه، في حين أن هذا الإمكان غير موجود. إذا حدث هذا، فلن يكون هذا التفسير مقبولاً. وفي النهاية سنرى أن المشكلة الأساسية التي لا تفارق ذهني هي أن هذه الحقوق التي نسبتموها إلى الله، لا يمكنها أصلًا أن تكون ناظرة إلى تلك الموجودة اليوم في إعلان حقوق الإنسان. ستكون نتيجة العمل سلسلة من المفاهيم الأخلاقية المتناسبة مع ذلك الزمان وتلك الفترة وأوضاع وأحوال عصر النبي في الحجاز. أنا لا أعتبر نظرية السيد نعيم وطه قابلة للقبول بأي وجه من الوجوه وفق المعايير المنهجية لتفسير النصوص.
كلام شحرور غير كلام نعيم وهو صحيح بمعنى ما. عمل السيد نعيم وطه صحيح حتى حيث يقول إن هذه الأمور مرحلية ومؤقتة. الأمر القابل للنقد هو أنه يريد تفسير نصوص القرآن المكي بشكل يجعلها ناظرة إلى حقوق الإنسان، وإلا فأنا متعاطف تمام التعاطف مع هذا الجزء الذي يقول فيه إن ما تم في المدينة قد تم بشكل مؤقت في جدل مع الواقع في المدينة.
مع الأخذ بالمعايير الهرمنيوطيقية، لا يمكنكم أن تأتوا بوضعية جديدة، ومفاهيم جديدة لم يسبق لها مثيل، وتفسروا نصًا بشكل معين وتقولوا إنه يشمل هذه أيضًا.
كلا. في رأيي لا يمكن ذلك، لأن ذلك الإشكال المهم لا يزال قائمًا، فإذا كنتَ قائلًا بإذن الله، فلا يمكنك مأسسة حقوق الإنسان. الخطاب الإلهي مقرون بالتكليف. يمكن مأسسة حقوق الإنسان حين يتكلم البشر مدّعيًا ومعترضًا، ويعتبر هذه الحقوق لنفسه. هذه هي حقوق الإنسان.
الفرق هو أنك حين تنسب أمرًا إلى الله وتستنبطه من آيات قابلة لتفسيرات شتى، سيكون هذا الأمر متزلزلًا دائمًا. كل من كانت قوته الدينية أكبر، فسيفوز تفسيره. ما كتبته في بعض كتاباتي من أن حقوق الإنسان هي الترياق الوحيد في مواجهة داعش ونحوها، يتعلق بهذه المسألة تحديدًا. أي شيء تطرحه باسم الله، سيطرح آخر شيئًا آخر باسم الله. لكن حين تطرحه باسم البشر، قائلًا: يا سيدي، هذا هو ادعاء البشر، فعلى الآخر أن يستطيع القول إن ادعاء البشر غير هذا. بمجرد أن يُطرح هذا الكلام بأن هذا ادعاء البشر، نقول: اجمعوا البشر لنرى ما هو ادعاؤهم؟ هذا أمر يمكنك التوصل إلى نتيجته بصورة علمية. أما حين تستند إلى مرجع لا سبيل لأحد إليه، فسيكون لكلٍ تفسيره. وحينها يجب فحص صحة هذه التفاسير وسقمها. إخراج تفسير دأبوا عليه طوال ١٤٠٠ عام من الرؤوس ليس أمرًا عمليًا البتة. في تجربة الثورة الإسلامية ذاتها، كان يُتصور أن التعاليم الإسلامية هكذا، وأن الله يريد هكذا، وسيصبح المجتمع جنة، ثم ظهرت المشكلات تدريجيًا، ولم يكن الأمر بهذه السهولة. كل مفسر ديني تكون قوته السياسية أكبر، فسيسود تفسيره. يبرز هنا نوعًا ما مبحث ارتباط المعرفة والسلطة عند فوكو (١٩٢٦-١٩٨٤). على البشر أن يحلوا مشكلتهم بتفاهمهم هم. وإلا فإنه حلم وخيال أن نتكلم فحسب فتُحل المشكلات وتنشأ حقوق الحرية والمواطنة والحقوق الاجتماعية، إنما يتحقق هذا فقط بإجماع البشر أنفسهم أو أغلبيتهم على أننا نريد هذه الأمور. لله مكانه ونحن نعبده، أما نحن البشر فنريد هذه الأمور. تعالوا لنحدد معناها معًا، وتعالوا لنتوافق عليها معًا. هذا هو السبيل الوحيد.
حين كنت أكتب بعض المقالات المتعلقة بحقوق الإنسان المنشورة في كتاب «نقد قراءة رسمية للدين»، كتب أحدهم: ما شأننا بأن حروبًا كثيرة وقعت في العالم، ثم توصلوا إلى نتيجة بضرورة وجود حقوق الإنسان وتأمين حقوق الحرية ونحوها؟ نحن لسنا مثل الغربيين. لسنا بحاجة إلى حقوق الإنسان. يمكننا حل القضية بهذه المفاهيم الإسلامية نفسها، فما شأننا بحقوق الإنسان؟ أتذكر حين كان معمّر القذافي (١٩٤٢-٢٠١١) يقتل المسلمين في ليبيا، كتبت مقالًا بعنوان «اليوم، الله أيضًا يريد حقوق الإنسان»، إن كنتم لا تصدقون فانظروا كيف يسفك مسلم دماء مسلمين آخرين! إذا أردت الوقوف في وجه القذافي، لا يمكنك أن تقول: لا يريد الله أن تقتل البشر لاستبقاء سلطتك، فيمكنه أن يقول: كلا، بل يريد الله ما أقول. علينا، بوصفنا بشرًا، أن نرفع راية حقوق الإنسان ونقول: هذا الذي تفعله هو ضد البشر، وليؤيده بشر آخرون، حينها فقط تتم الحجة.
لماذا جُرِّد فقهاؤنا من السلاح في مواجهة داعش؟ لقد اكتفوا بالجلوس والتقاط الجانب التكفيري لدى داعش، قائلين إن داعش تُكفِّر الآخرين. مشكلة داعش لا تقتصر على تكفير الآخرين؛ مشكلة داعش هي أنه يروّج للعنف باسم الدين. والآن لنفترض أن داعش لم يقتل الشيعة، ووضع تكفير الشيعة جانباً، فهل تُحلّ قضية داعش؟ داعش يقوم على نفس الأسس التي تقومون عليها، وهو يعمل بها ويتحدث بحديثكم. إذن المشكلة في مكان آخر. المشكلة هي أنكم تقولون إن الله يقول هكذا، وداعش يقول إن الله يقول بشكل آخر، واختلاف الفهم والتفسيرات للنصوص الدينية يؤول إلى ما هو عليه الآن، وهذا لا يوصل إلى نتيجة.
أما إذا توصلتم إلى أننا كبشر على وجه الأرض، نعاني تاريخياً من مشكلات، فما هي الالتزامات التي ينبغي أن نقرّها لبعضنا البعض بشكل متبادل كي يتحقق الحرية والسلام والعدالة؟ تعالوا لنطرح هذه الأمور للنقاش. تعالوا لنتفق على هذا ونلتزم بمبادئ. أنتم قادرون على الحديث حول ما إذا كان هذا صحيحاً أم لا، أن نفعل هذا أو ذاك، وفي النهاية ماذا نفعل كي نصل إلى نتيجة؟ هذه المسائل يمكن مناقشتها، والاستدلال عليها، والتوصل إلى إجماع أو اتفاق نهائي بشأنها.
لم أقرأ مقالته في هذا الباب، لكنني أفهم أيضاً أنه قد تم تشكيل نوع من فلسفة الأخلاق لحقوق الإنسان. غير أنني أعتقد أن هذه الفلسفة الأخلاقية قد نشأت من ضرورات الحياة. أي أنها ليست مجرد أخلاق مجردة.
منشأ حقوق الإنسان ليس الأخلاق الاستدلالية. حقوق الإنسان ذات صبغة أخلاقية، لكن منشأها هو الضرورات التي نشأت في الحياة الاجتماعية والسياسية للإنسان. حقوق الإنسان كسائر الحقوق، ناشئة عن وقائع وضرورات الحياة الاجتماعية، ثم تمت صياغتها وتصنيفها لاحقاً. قصة حقوق الإنسان هي شيء من هذا القبيل بمحتوى أخلاقي. في العصر الحاضر، يُعد الحديث عن حقوق الإنسان والإصرار على العمل بها استراتيجية لتأمين الحرية والعدالة.
لقد أجبتُ عن هذا السؤال في مقالة بعنوان «لماذا انقضى عصر علم الأصول والاجتهاد الفقهي؟». وقد توصّلتُ إلى نتيجة مفادها أن عصر علم الأصول والاجتهاد الفقهي قد انتهى وانقضى. هذه الفرضية أو النظرية القائلة بأن جميع أفعال العباد لها مصالح ومفاسد واقعية، وأن الله، لعلمه بتلك المصالح والمفاسد الواقعية، ولكونه من جهة أخرى عالماً مطلقاً وحكيماً على الإطلاق وقادراً مطلقاً، فإن حكمته وعلمه وقدرته المطلقة تقتضي أن يُجعَل من قِبَل الله حكم لكل فعل. هذه هي الأسس الفلسفية والكلامية المستخدمة في علم أصول الفقه. ففي الحياة الفردية والاجتماعية، عيَّن الله العالم بمقتضى حكمته وقدرته حكماً واقعياً لكل فعل من أفعال العباد يصدر عنهم في جميع العصور والأمكنة، لكي يأتي عباد الله بمقتضى تلك الأحكام بالأفعال ذات المصلحة الواقعية ويتركوا ما فيه مفسدة واقعية، حتى تتحقق مصلحتهم الدنيوية وينالوا السعادة الأخروية (ما سُمّي لاحقاً بسعادة الدنيا والآخرة). ويجب على كل فرد مكلّف قبل أي إقدام أن يفحص عن الحكم (يبحث عن الحكم الإلهي). ثم أضافوا أن طريق الاطلاع على أحكام الله الواقعية هو الرجوع إلى الكتاب (القرآن) والسنة النبوية، ويجب استنباطها من هذين المصدرين اللذين هما حجة الله على البشر. المسألة الثالثة هي أننا مكلّفون بالرجوع إلى الكتاب والسنة للحصول على الحكم الواقعي للأفعال. وقد بيّنتُ بطلان هذه النظرية في تلك المقالة، بمعنى أنه قبل عصر الحداثة، كان بإمكانهم تحصيل تكليف العباد من خلال الرجوع إلى الكتاب والسنة والاستنباط منهما، كما قال الغزالي الطوسي (٤٥٠ هـ - ٥٠٥ هـ) في كتاب «إحياء علوم الدين» إن الفقيه يصنع القانون للسلطان، وبناءً على هذا اعتبر الفقه علماً دنيوياً. كلام الغزالي هو أن السلطان يريد الحكم ويجب حل المشكلات الاجتماعية، فيقوم الفقيه من خلال الاستنباط بصنع القانون له. وما دام هذا النهج سائداً، فبناءً عليه، كل مسألة كانت تطرأ في الأحكام العبادية والمعاملات والسياسات، كانوا يأتون بفقيه فيستخرج الحكم عن طريق الاستنباط، وفي الواقع كان يعيّن حكم أفعال العباد من خلال الرجوع والاستنباط من الكتاب والسنة. استمر هذا المسار هكذا حتى نشأ الفقه. وقد نشأت أبواب الفقه المختلفة على هذا الأساس.
وكان أئمة الفقه الأربعة عند أهل السنة وأئمة الشيعة أيضاً تابعين لهذه النظرية نفسها التي كانت مقتضى عيشهم في ذلك العصر. ومضت قرون على هذا المنوال حتى بدأ مواجهة المسلمين مع الحضارة الأوروبية الجديدة. وفي هذه المواجهة ظهرت طائفة من المسائل والموضوعات الحقوقية والقانونية الجديدة في حياة المسلمين سُمّيت «المسائل المستحدثة»، مثل التأمين، والتلقيح الاصطناعي، والملكية الحكومية، وفي العقود الأخيرة وجوب مكافحة الطاغوت ووجوب إقامة الحكومة الشرعية... إلخ، والتي قام الفقهاء بشأنها أيضاً باستنباطات وختموا بحسب زعمهم مرة أخرى بصحة نظريتهم الكلامية ـ الفلسفية. وفي حركة المشروطة أيضاً تمت بعض الاستنباطات الفقهية الجديدة.
لقد كتبتُ هناك أنه مع ظهور نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عام ١٣٥٧ في بلدنا، نشأت وضعية تاريخية خاصة تماماً وغير مسبوقة أبطلت بوضوح تلك النظرية الكلامية ـ الفلسفية للفقهاء وعلماء الأصول.
وهذا الإبطال يتمثل في أننا في هذا البلد الذي له حكومة دينية، نضع ونعيّن القانون والتعليمات في الحكم في المجلس، ونؤسس مئات المؤسسات، ومن خلال هذه التشريعات وتأسيس المؤسسات والحكومة الجديدة التي لدينا، يقوم العباد، سواء كانوا حكاماً أم أفراداً من الأمة، بآلاف الأفعال التي لا يمكن استنباط تكليف أي منها من الكتاب والسنة. إذا كان الأمر كذلك، فأين ذهبت حكمة الله وعلمه؟ نحن المسلمون اليوم، مثل سائر أنحاء العالم، متروكون لحالنا في تعيين تكليف آلاف أفعالنا المؤثرة في سعادتنا الدنيوية والأخروية، وفي هذه الحالات لا يستطيع الكتاب والسنة تقديم أي عون لنا.
أن نأتي ونكتب برنامجًا لعشرين عامًا، قوامه بالكامل الاستفادة من الخبرات البشرية، ثم نعطيه لمجلس صيانة الدستور ليرتقه ويرقّعه، هل بهذا العمل يُخرج هذا البرنامج من هويته الفلسفية والعلمية والتجريبية ويصبح نتاجه مستنبطًا من الكتاب والسنة؟ هل بعد فحصه من قبل مجلس صيانة الدستور وعدم إحراز مخالفته للشريعة، يمكن أن نُطلق على هذا المنتج اسم حكم الله؟ نحن الآن، باستثناء أحكام العبادات، في سائر الأمور نعيش معاشنا ونحدد تكليف أفعالنا بالعقل والتجربة البشرية. غاية ما في الأمر أن البعض قد يقول إن هذه من المباحات، إنكم في نطاق المباحات تقومون بأعمال لم يكن من اللازم أن يعيّن الله حكمها. الإشكال الذي أوردته على هذه الدعوى هو: هل أهمية هذه الأفعال التي نقوم بها بالعقل والتجربة البشرية، ليست بمئات المرات أكبر من أهمية تلك الأفعال والأحكام التي وردت في الرسائل العملية؟ بناءً على تلك النظرية، كيف يمكن الادعاء بأن الله مثلاً جعل ٨٠ بالمائة من أفعال العباد ضمن المباحات ولم يعيّن فيها حكمًا؟ لكنه عيّن حكم ما هي الطهارة والنجاسة؟
نعم، أعي ذلك. أنتم إذا سميتم استخدام علم وتجربة البشر في أمور الحياة منطقة الفراغ، فهذا لا يحل المشكلة. منطقة الفراغ تحولت الآن إلى حياتنا بأكملها. حتى مئتي عام مضت، كانت منطقة الفراغ تشمل الاستثناءات فقط. فقط في نطاق الحياة الشخصية كانوا يسمون بعض المسائل منطقة الفراغ. منطقة الفراغ تعني أن أصل المسائل معين، لكن توجد استثناءات في بعض المواضع. أما الآن فقد أصبحت منطقة الفراغ هي القاعدة، ونحن نعيش بها، أي بالتجارب البشرية. الآن صارت منطقة الفراغ هي الأكثرية، فهل يمكن وفق ذلك التعريف الكلاسيكي لها أن تشمل حياة الإنسان كلها؟! بناءً على هذا، خلصت تمامًا إلى أن زمن الاجتهاد الفقهي (بمعنى أن الأحكام الواقعية معينة من قبل الله، ثم أُعلنت الأحكام الفقهية من طريق الكتاب والسنة، ووظيفتنا هي أن ننظر كلما واجهنا فعلاً من أفعال العباد ما هو التكليف) قد انقضى. لأن واقعيات حياتنا كمسلمين في العصر الحاضر تبطل تلك النظرية.
لقد فصلت العبادات في كتاباتي. العبادات هي تقنيات للسمو الروحي ولسنا قادرين على تغييرها ولسنا بصدد التلاعب بها. لكن في المعاملات والسياسات، فقد الاجتهاد الفقهي معناه بالكامل. مشكلة المسلمين في النظام السياسي-الاجتماعي، والمعاملات والسياسات ليست أن الله بيّن الأحكام الواقعية وعلينا استنباط حكمها من الكتاب والسنة. بل المشكلة الأساسية هي أننا نؤمن بالله، ونعتقد برسالة النبي ونؤدي العبادات وفق معتقداتنا؛ لكننا في الحياة الاجتماعية السياسية، نعيش وضعًا ينبغي لنا فيه أن نأخذ كل شيء باستخدام العقول والعلوم والتجارب البشرية. والآن ما دمنا كذلك، نلقي نظرة على سنتنا الدينية، ففي سنتنا الدينية إرشادات في اتجاه استخدام هذه العلوم والعقول والتجارب البشرية ذاتها، وعلى هذا المنوال توجد إرشادات بشكل أقلّي في مجال المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضًا نلتزم بها، لكن لا أن نبحث عن الأحكام الواقعية التي هي شيء آخر بالكلية.
نعم، من باب أن الإنسان ينبغي أن يستفيد من تراثه، فإننا ننظر إلى التراث في مجال المعاملات والسياسات. هذا هو مبحث الهرمنيوطيقا. وعلى هذا الأساس أقول إن مقاربتنا للكتاب والسنة في العصر الحاضر ينبغي أن تكون مقاربة هرمنيوطيقية وليست مقاربة الاجتهاد الفقهي. حتى الآن كان بعض الأفراد يظنون أن المقاربة الهرمنيوطيقية هي شيء يشبه الاجتهاد الفقهي. وقد أوضحت في كتاباتي أن الاجتهاد الفقهي يختلف عن المقاربة الهرمنيوطيقية. والآن تعالوا وقوموا بتفسير تاريخي أخلاقي له. فمثلاً، إن عملية تشكل الأحكام الاجتماعية والمعاملات كانت على هذا النحو وكانت تؤمِّن هدفاً أخلاقياً معيناً، وماذا يمكننا أن نتعلم منه اليوم؟ وقس على هذا. إذا استطعتم بهذه النظرة التاريخية أن تحصلوا على قيم لحفظ الهوية، فهذا مقبول.
أنا على يقين بأنه ينبغي إجراء مراجعات في العبادات أيضاً، ولا مجال للتفصيل، فقط أذكر هذه النقطة: برأيي يجب في العبادات التخلي عن مفهوم «الوجوب» ووضع مفهوم «التوصية» مكانه. مفهوم الوجوب القائل بأنه يجب عليك أن تصلي الظهر هكذا، ويجب أن تصوم. هذا المفهوم، في اعتقادي، فقد اعتباره. يمكن «التوصية» بالعبادات باعتبارها سلسلة من الأعمال البدنية-الروحية النفسية المفيدة للتعالي الروحي. هذه العبادات، إذا روعيت فيها الأصول الأخلاقية وعيش حياة أخلاقية، تؤدي لكثير من الناس إلى صحة نفسية وتسمو بهم. أنا أقول: إن أصل وأساس تقرب الإنسان إلى الله هو الفضائل الأخلاقية والأعمال المتناسبة معها، إنه «الخُلُق» الشريف، لا الانحناء راكعاً. ينبغي التوصية بأن يتغير الخُلُق وتتبدل بنية الفضيلة. إذا لم تتغير بنية الفضيلة تلك، فحتى لو تعبد الإنسان ألف مرة، فلن يصل إلى أي شيء. أي عكس ما هو شائع الآن تماماً حيث تُمنح العبادات الأصالة. أنا أعارض هذا المنحى تماماً. ينبغي أن تكون التوصية لاكتساب الفضائل الأخلاقية والتزين بالأخلاق الإنسانية. وينبغي أن تكون التوصية بالعبادات في الدرجة الثانية وبدون وسم الوجوب والتكليف.
أنا أتجنب التعابير التي يُستفاد منها التكليف في مجال العبادات. دعوني أوضح هذا بمثال. عندما يكون الطفل سيء التغذية ولا يأكل، يقول له أبواه: يا بني، إذا لم تأكل هذا الطعام، فستصاب بمرض هشاشة العظام عندما تكبر. هذا المعنى نفسه يمكن التوصية به للعبادات من أجل اكتساب التوازن الروحي النفسي والتعالي، لا ذلك المعنى الموجود في الوجوب، حيث يوجد فيه نوع من التكلف والعناء. أهم تحول ينبغي أن يحدث في هذا المجال هو بالتحديد إزالة وسم الوجوب.
ينبغي أن يُقال للمخاطَبين: إن استطعتم أداء هذه الأعمال كما هي في طبيعة الأفعال التعبّدية، أي بالاعتقادات والمقارنات اللازمة والخشوع والخضوع الواجبين والحياة الأخلاقية السليمة، واستطعتم تهيئة أنفسكم والعيش على هذا النحو، فإننا نوصيكم بالقيام بها؛ أما إذا لم تستطيعوا ذلك لأي سبب كان، فأدّوا هذه الأعمال بقدر المستطاع. هناك كثير من الأفراد في مجتمعنا لا يستطيعون، لأي سبب كان، تهيئة تلك الشروط اللازمة، فينبغي أن يُقال لهم: حافظوا على صلتكم بالله قدر ما تستطيعون، وقوموا ببعض الأعمال في هذا السبيل. في رأيي أن الأمر الصادر من فوق لا يُحدث تغييراً في هذا الوضع. ينبغي أن يُقال لهم: إذا كنتم لا تستطيعون، مثلاً، أداء الصلوات اليومية أو صيام ثلاثين يوماً من شهر رمضان بتلك الشروط والاستعدادات الروحية والأخلاقية اللازمة، فقوموا بأعمال أخف بدلاً منها، لا أن يُقال إن لم تصلّوا هذه الصلوات ولم تصوموا هذا الصيام فذلك إثم وستُعذَّبون!
نقطة أخرى هي أنني أرى النمط السائد في الدعوة إلى العبادات الرسمية بوصمة التكليف وخطابه في أزمة كاملة. هناك أفراد كثيرون وقعوا في المجاملة وأداء هذه الأعمال أمام الناس، لكنهم لا يؤدونها في خلواتهم، وقد أدى هذا الوضع إلى شيوع النفاق والرياء. وكما قلت، لو اكتسبت العبادات طابع التوصية، لما نشبت الخلافات في الأسر، ولأُخذت الفروق الفردية والأنماط النفسية لأفرادها، المتباينة فيما بينها، في الاعتبار. حينها لن يصلي أحد نفاقاً ورياءً، وستؤدى العبادات على قدر طاقات الأشخاص واستعداداتهم.
نعم، هذا ما أعتقده بشأن التكليف. في رأيي أن الآيات التي استُعملت فيها مادة التكليف في القرآن لا تعني بأي وجه التكليف الكلامي والفقهي. لكلمة التكليف بمعناها الكلامي والفقهي تاريخ نشأة. يخطر ببالي الآن كتاب هو أطروحة دكتوراه لأحد الباحثين الأجانب، بُحث فيه كيف نشأت كلمة التكليف بمعناها الرائج الحالي بين المسلمين. يتناول هذا الكتاب بالتحليل خاصة العوامل السياسية والاجتماعية في نشأتها، كما يبحث كيف نشأ تصوّر أن على الله أن يعيّن سلسلة من الأحكام الأبدية للبشر. طبعاً، لست أنكر أنه قد يختبر شخص ما، أثناء صلته الروحية بالله في مراحل سموّه النفسي، تكليفاً خاصاً به. هذا يختلف عن ذلك التكليف الحاضر في خطابنا الديني الرائج، والذي ينبغي تجاوزه.
أنصح المهتمين بهذا النقاش بقراءة مقال نشرته مؤخراً على الإنترنت بعنوان «كيف انقضى عصر علم الأصول والاجتهاد الفقهي».
يبدو لي أن هذا الكلام قائم على مسألة الحجة، وينطلق من مفهوم الحجة: أي شيء هو الحجة؟ هل العقل حجة أم الشرع؟ وأيهما الحجة الأولى؟ مفهوم الحجة قائم على مفهوم التكليف. من يرى نفسه مكلَّفاً تجاه الله، يسأل نفسه حينها: إذا سألني الله عن شيء كذا وذا وآخذني، فماذا عساي أن أقول له جواباً؟ هذا الشخص يبحث عن حجة. في علم أصول الفقه، نشأت الحجة على هذا النحو: بأي دليل يحتج الله على العباد، وبأي دليل يمكن للعباد أن يحتجوا أمام الله؟ هذه هي قصة الحجة في علم الأصول.
هذه الأقوال تستند إلى نوع من الاعتقاد بالله مفاده أن الله يحتج ويكلّف. فإذا لم ينظم المرء علاقته بالله على هذا الأساس، فإن مفهوم الاحتجاج يفقد معناه هناك. ولأن مفهوم التكليف لا معنى له، ينبغي لنا هنا أن نعود مجدداً إلى قصة الأحكام الواقعية، فكل هذه الأمور تشكل منظومة مترابطة. وعليه، ولأنني شخصياً لا أنطلق في لاهوتي من مفهوم التكليف، وإلهي ليس «إلهاً مُكَلِّفاً»، فهو بالتالي ليس إلهاً محتجّاً يقول: يا عبدي، لماذا فعلت كذا ولم تفعل كذا؟ وأنا أيضاً لا أحتج أمام الله بشيء، قائلاً: إلهي، لقد فعلت هذا لأنني كنت معذوراً. ولأنني لا أفكر على هذا النحو في لاهوتي، فلا أجد أي تعاطف مع كلمات السيد قابل حول تعيين الحجة الأولى والثانوية. لكن إذا كان على المرء أن يفكر في إطار التكليف والحجة، فهذا حديث آخر. غير أن هناك نقطة في ذلك، وهي: ما المراد من العقل وما معناه؟ هناك أنواع وأشكال من العقلانيات والتعقّلات. فأي عقل هو الحجة الأولى؟ إذا كان المقصود هو المستقلات العقلية التي نوقشت في علم الكلام وأصول الفقه، فالحقيقة أنها مباحث ناقصة وغير منقّحة. بمعنى أن معنى المستقلات العقلية أو الحسن والقبح العقليين اللذين ادعتهما المعتزلة، ليس فقط غير واضح، بل هو قابل للنقد والنقض والإشكال بشكل كامل. في رأيي أن حجية العقل أمر مبهم.
نعم، هذه الأمور موجودة، كشف الكليات أو الجزئيات، كيف يتم هذا الكشف؟ وماذا يحدث لو كشف شخص آخر وفسّر بطريقة أخرى؟ إذا أُريد استخدام هذه النظرية للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها، كأن تُعرف مثلاً تكاليف أمور ومشكلات الحياة العامة، والنظام السياسي، والحقوق العامة، والعقوبات الجزائية، فإن هذه التكاليف لا تتضح بهذا المعنى المبهم للعقل، لأن كل شخص يتحدث عن نوع من العقل، وإذا ما تم التوصل في النهاية إلى اتفاق عام على رأي معين، فإن الحجية عندئذ ستكون راجعة إلى ذلك الاتفاق، لا إلى كشف العقل.
إنه مؤثر مئة بالمئة. في كتاب «نقد القراءة الرسمية للدين»، توجد مقالة بعنوان «حقوق الإنسان وتفاهم الأديان». وقد أوضحت في تلك المقالة أن تفاهم الأديان والمذاهب ممكن فقط على أساس حقوق الإنسان، ولا غير. والمذاهب الإسلامية والأقليات الدينية والقومية والمذهبية هي أيضاً جزء من الأديان ولا فرق. التفاهم، إذا كان له أن يتحقق، فإنه لا يقوم إلا على هذا الأساس. لماذا؟ إذا انطلقتُ في حواري معك من هذا الموقف بأنني شيعي وأنت سني أو زيدي أو من أهل الحق، أو شافعي أو حنفي، أو انطلقتُ من موقف أنني مسلم والآخر مسيحي أو يهودي، أو أنني فارسي والآخر كردي أو تركي وما شابه ذلك، فمن المستحيل أن أصل إلى تفاهم مع الآخر. معنى التفاهم هو أن يكون لدينا إدراك متبادل تجاه بعضنا البعض. مثلاً، أنا المسلم أدرك الإنسان المسيحي من حيث كونه إنساناً. هذا التفاهم ممكن عندما يكون بيني وبينه وجه مشترك، وهذا الوجه المشترك هو الإنسانية. في الخطوة الأولى لا شيء غير ذلك. أي أنني كإنسان وأنت كإنسان إذا أردنا أن نتحدث معاً، يكون إدراكك لي إدراك إنسان، وأنا كذلك، لا إدراك سني أو شيعي. إذا وُجد هذا الإدراك من حيث الإنسانية، حينها يأتي الدور لأن تسأل: أنت أيها الإنسان ما معتقداتك؟ وأنا الإنسان ما معتقداتي؟ وعندها نشرح لبعضنا البعض. إذن يجب أن يكون لدينا أولاً إدراك مشترك لكوننا بشراً. والإدراك المشترك لكوننا بشراً غير ممكن دون إدراك مشترك لحقوقنا الإنسانية. انظر إلى هذا أيضاً على مقياس الحياة الاجتماعية لبلد ما، ثم على مقياس الحياة الاجتماعية في العالم حيث توجد أنواع المذاهب والفرق والأديان والأقوام والأمم والثقافات...، إن تفاهم الناس في بلد ما، أو شعوب العالم، وتعايشهم السلمي مع بعضهم البعض، ممكن فقط إذا كان لديهم في الدرجة الأولى تفاهم كبشر تجاه بعضهم البعض.
يجب أن تتأسس هذه التفاهمات على مجموعة من الضوابط والحقوق، وهذه الضوابط والحقوق هي ذاتها مقتضيات وحقوق الإنسان. إذا تبنيت هذه الرؤية، فإن مشكلتي الأساسية هي أنني أعيش مع بشر آخرين، والبشر أيضاً يعيشون معي. في الدرجة الأولى، يجب أن نعتبر مشكلاتنا مع بعضنا البعض وعدم تفاهمنا مرتبطة بكوننا، من حيث إننا بشر، ندرك بعضنا البعض أم لا، نفهم بعضنا البعض أم لا. بعبارة أخرى، عندما أجلس مع مسيحي، فإن معنى هذا الجلوس في الدرجة الأولى هو أن إنسانين جلسا معاً ويتحدثان معاً ويريدان أن يفهما كلام بعضهما البعض، لا أن مسلماً جلس مع مسيحي. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو دور حقوق الإنسان في هذا الحوار والجلوس؟ إذا كان مجرد كوننا بشراً هو المطروح، فهذا يعني أن الطرفين قد اعترف كل منهما بالآخر كإنسان، ولم يأتِ أي منهما ليهيمن على الآخر. من هذا الأساس، تصبح حقوق الأقليات وحقوق القوميات، وحقوق الطفل، وحقوق النساء... قابلة للبحث والحوار. إذن، حقوق الإنسان هي الطريق الوحيد للتفاهم، وليس مجرد أن يكون لها تأثير، ويجب الترويج لهذه الفكرة من أجل قبول الآخر والتعايش السلمي.
في رأيي، أولئك الذين يفكرون بهذه الطريقة ليسوا مثقفين، بل هم «أصوليون». أعتقد أنه ينبغي الاستفادة من حقوق الإنسان بالكامل لصالح حقوق الأقلية. لا تُنتفى حقوق الإنسان، من حيث كونه إنسانًا، أبدًا بالمصالح. إن كيفية حل الخلافات بين أقلية وأكثرية دينية، إن وُجدت في بعض الحالات، هي مسألة، وتحديد ماهية حقوق الأقلية هي مسألة أخرى. حقوقهم الإنسانية قائمة في موضعها ولا تُقدَّم عليها المصلحة، أما في حل خلافاتهم السياسية وتقسيم السلطة والثروة وما إلى ذلك... فيجب حل هذه الأمور بعقلانية، لكن لا ينبغي، بأي وجه من الوجوه، التضحية بالحقوق الإنسانية في سبيل المصلحة.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.