اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
سعى فضل الرحمن من خلال نظريته ذات الحركتين في تفسير القرآن ونقده لمنهجية الدراسات الإسلامية إلى تعزيز فاعلية الدين. ويكشف تحليل الأسس الهرمنيوطيقية لهذه النظرية وتماثلها مع مبادئ الهرمنيوطيقا الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة عن جوهر مشروعه الفكري.

كان فضل الرحمن أحد المفكرين المسلمين الذين سعوا، من خلال نقد وتحليل منهجية الدراسات الإسلامية، إلى تعزيز فاعلية الدين في عالم اليوم وتمهيد الطريق نحو تحقيق المجتمع الديني. في هذا المقال، بعد طرح ماهية المشروع الفكري لفضل الرحمن وبيان مكانة القرآن في فكره، يُعرض منهجه التفسيري المعروف بنظرية الحركتين، وتُذكر بعض الافتراضات الهرمنيوطيقية لهذه النظرية وتماثلها مع أسس الهرمنيوطيقا الكلاسيكية والنيوكلاسيكية.
مقدمة
إن أهمية مناقشة منهجية تفسير القرآن وضرورة تقديم مناهج قادرة على تلبية الاحتياجات الجديدة في هذا المجال، تجعل دراسة النظريات التفسيرية الحديثة أمراً ضرورياً. ومن زوايا هذه الدراسات، دراسة الأسس والتعاليم التي لعبت دوراً أساسياً في بلورة هذه المناهج. الدكتور فضل الرحمن[1] هو من جملة المفكرين الذين سعوا، من خلال اعتماد منهج تفسيري مناسب، إلى تقديم إجابات نابعة من التعاليم القرآنية الأصيلة لأسئلة الإنسان المعاصر واحتياجاته المستجدة. ولتقديم منهجه التفسيري المعروف بنظرية الحركتين[2]، بالإضافة إلى الدراسة التاريخية لمناهج المفسرين التفسيرية والتراث العلمي للمتكلمين والفلاسفة المسلمين، استفاد من آراء العلماء الغربيين خاصة في مجال الهرمنيوطيقا، وكان أول من استخدم مصطلح الهرمنيوطيقا القرآنية[3]. لقد حاول الابتعاد عن مناهج الأصوليين المتجمدين والحداثيين المتجددين، والتحرك نحو إسلام أصيل قادر على حل المشكلات التي تواجه البشرية اليوم. جذبت أفكاره انتباه طيف واسع من الإصلاحيين المجددين، خاصة بين مفكري شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا وتركيا. وعلى الرغم من أن أفكاره معروفة في العديد من الجامعات ومراكز الدراسات الإسلامية في العالم، إلا أن أسباباً متعددة أدت إلى قلة التعريف بأفكاره والاهتمام بها في إيران. من بين ما يقرب من 100 كتاب ومقالة ألفها فضل الرحمن، لم يُترجم إلى الفارسية حتى الآن سوى مقدمة وفصول من كتابين وثلاث مقالات له، ونُشر أقل من 10 مقالات حول آرائه.[4] ولأنه لم يتم في المقالات المذكورة رسم مخطط شامل للمشروع الفكري ومنهج فضل الرحمن التفسيري، ولم تخضع منابعه الهرمنيوطيقية للتدقيق اللازم، لذا سعى هذا المقال، من خلال النظر إلى ماهية فكر فضل الرحمن، إلى شرح نظرية الحركتين ورسم مخطط شامل لمشروعه الفكري ونظريته التفسيرية، ومن ثم دراسة بعض الافتراضات الهرمنيوطيقية لنظريته التفسيرية.
سيرة ذاتية ولد الدكتور فضل الرحمن في هزارة بباكستان. تلقى مبادئ العلوم الإسلامية على يد والده مولانا شهاب الدين، وإلى جانب دراساته الفقهية والكلامية والتفسيرية، واصل تعليمه الجامعي حتى حصل على درجة الماجستير في الأدب العربي من جامعة البنجاب، وبعد دفاعه عن أطروحة الدكتوراه حول فلسفة ابن سينا في جامعة أكسفورد، قضى ثماني سنوات في تدريس الفلسفة الإسلامية في جامعة دورهام بإنجلترا. بدأ نشاطه عام 1958 في معهد الدراسات الإسلامية بجامعة مكغيل، ومن خلال تعلم اللغات اللاتينية واليونانية والألمانية والفرنسية، انكب على دراسة وبحث النصوص الفلسفية الغربية إلى جانب أبحاثه حول الفلسفة الإسلامية. عودة فضل الرحمن إلى بلاده عام 1961 أثرت بعمق على مسار أنشطته العلمية. كانت باكستان في تلك السنوات غارقة بشدة في قضية "الإسلام والحداثة". كان تأسيس مركز أبحاث العلوم الإسلامية[5] أحد حلول رئيس الجمهورية آنذاك لتجاوز هذه الورطة. مما لا شك فيه أن مسؤولية مركز أُنشئ بهدف مراجعة وتدوين القوانين المرتبطة بالفقه الإسلامي لدفع برنامج تحديث البلاد، لم تكن بالمهمة السهلة في المجتمع الباكستاني التقليدي. لم يطل الوقت حتى وضعت آراء فضل الرحمن المثالية وأفكاره الحداثية في تحدٍ أساسي مع بعض المؤسسات الدينية التقليدية، إلى أن اضطر في عام 1968 إلى الاستقالة وهجر وطنه إلى الأبد، وقضى السنوات العشرين المتبقية من عمره في البحث والتدريس في جامعة شيكاغو، ونال بفضل تتبعّاته حول الحضارة الإسلامية جائزة جورجيو ليفي ديلا فيدا، وتوفي عام 1988 ودُفن في مقبرة بمدينة دمشق.[6]
ماهية فكر فضل الرحمن كانت حياة فضل الرحمن الحافلة بالصعود والهبوط سبباً في تشابك همومه الفردية والاجتماعية مع انتماءاته الدينية والوطنية وانشغالاته العلمية والأكاديمية. لقد أخرجته التجربة غير السارّة إبان توليه المسؤولية في معهد البحوث الإسلامية بباكستان، واحتكاكه المباشر بالتحديات التي تواجه الإصلاحات الدينية، من الخوض في المماحكات الاصطلاحية الأكاديمية والتخيلات الرومانسية، ودفعته إلى التأمل وتقصي جذور المعضلات الفكرية التي استشرت في الفكر الديني بالمجتمعات الإسلامية. ومنذ ذلك الحين، صبّ جلّ همته على تجديد بنيان المعرفة الدينية، وجعل من قضية المنهج محوراً لاهتمامه، واعتقد أن نجاح أي حركة إصلاحية رهين بإعادة النظر والإصلاح في منهجية الدراسات الإسلامية على ضوء فهم صحيح ومنهجي للقرآن. وعلى الرغم من إشادة فضل الرحمن بمصلحين أمثال محمد عبده لترويجهم الأفكار الإصلاحية، وبشخصيات كحسن البنا وأبي الأعلى المودودي لتصديهم للتطرف في التحديث الإسلامي ودفاعهم عن الإسلام في وجه العلمانية، إلا أنه ينتقدهم جميعاً لافتقادهم المنهج المناسب لهذا العصر ولاعتمادهم على حلول ارتجالية. وفي المقابل، يكرّس معظم طاقته الفكرية لإعداد منهجية إسلامية جديدة، لأنه يعتقد أن المناهج التقليدية لا يمكنها أن توفق بين الفكر الإسلامي والإطار الفكري للعصر الحديث. لقد وجه جهده نحو توسيع وإعادة النظر المنهجية في مجال النقد التاريخي لتراث العلوم الإسلامية وفهم الظروف الحاكمة على الإنسان المعاصر، وقبل كل شيء وقبل أي شيء آخر، نحو إعادة النظر في مناهج تفسير القرآن. وهو يكتب في هذا الصدد: «قد تتعجبون، ولكن برأيي أن النقاش حول الحياة العقلية الإسلامية يتمحور حول البحث عن منهج صحيح لتفسير القرآن ... لكن المسلمين لم يتناولوا المسائل الأساسية لمنهج وعلم التفسير كما ينبغي... والنتيجة أن الحياة العقلية الإسلامية لم تتحقق بعد.» (Rahman, 1982, 10-11) وهكذا يمضي في مشروعه الفكري بتنقيح منهج تفسير القرآن، ويأمل أن يتمكن، عبر الربط بين العقلانية والأخلاق، من صياغة نظرية لتكوين المجتمع الأخلاقي-الديني ونظام التربية والتعليم الإسلامي: «التربية والتعليم الإسلامي بمعنى الحياة العقلية للإسلام، وليس أدوات التربية والتعليم ووسائله، هو جوهر التربية والتعليم الإسلامي الرفيع. الحياة العقلية الإسلامية هي نتاج فكر إسلامي خالص وأصيل وفعال، ينبغي أن يُظهر الطريق الصحيح للحكم على نظام تربية وتعليم إسلامي.» (Ibid, 10-11) فضل الرحمن، الذي بدأ حركته الفكرية من الفلسفة، يتألم من عدم اهتمام الفلاسفة بالمباحث الأخلاقية، ويتساءل في نفسه: «وكأن الفلاسفة قد فُتنوا بعظمة المباحث الميتافيزيقية إلى حد أن الخوض في المباحث الأخلاقية كان يبدو لهم منقصة للشأن.» (Denny, 1989, 87-88) وبالطبع، لا يعني هذا التذمر نبذه للفلسفة، ففي منظومته الفكرية، تقوم خيمة الأخلاق على عمود الميتافيزيقا القرآنية، التي يعتقد أن لا أحد غير الفلاسفة قادر على إقامتها. وعلى أية حال، كان هدفه صياغة نظام أخلاقي، وكان يرى صحة تطبيق الأحكام الفقهية رهينة بوجود مثل هذا النظام، ويعتقد أن الأخلاق هي خلاصة تعاليم القرآن وحلقة الوصل بين علم الكلام والفقه. (Rahman, 1982, 154) وكان يرى أن منهج النقد التاريخي في جميع مجالات العلوم الإسلامية، وخاصة الفقه والتفسير وعلم الكلام، هو الخطوة الأولى في طريق التجديد المنهجي. وفي نظره، ينبغي لهذا النقد أن يوضح مدى التناقض بين النظرة القرآنية للعالم وما يُطرح في المباحث الكلامية، ويفتح طريقاً نحو علم كلام جديد. وهو يرسم أمثلة لهذا النقد التاريخي في كتابه "الإسلام والحداثة" على النحو التالي: «عانت الأفكار الكلامية من خسارة فادحة بسبب عدم إدراكها للتماسك الكامن في القرآن، والذي هو نتاج نظرة خاصة للعالم. فبينما كان الفقه، بسبب الغياب النسبي لمثل هذه الرؤية، قد روّج لاستخدام التراث الأجنبي إلى حد مقبول، أدى نهج مماثل في علم الكلام، على الأقل بين الأشاعرة، إلى نتائج وخيمة ... في القرن الثاني عشر الميلادي، عندما واجهت هذه المدرسة الكلامية (الأشاعرة) الميتافيزيقا الفلسفية-العقلانية للفلاسفة المسلمين، ذات الأساس اليوناني التي كانت تجاهد لتتوافق مع التقاليد الإسلامية، حطمتها بقوتها المطلقة تقريباً. بعد ذلك، لجأت الفلسفة إلى البيئة الفكرية-الروحية الشيعية وازدهرت هناك، أو اتخذت رداء التصوف المثقف. لقد أدرك الفلاسفة ومعظم الصوفية تماسك القرآن، لكن هذا الإدراك لم ينبع من دراسة القرآن نفسه.» (Rahman, 1982, 2-3) وهو في نظرته النقدية للتاريخ، يوجه سهام نقده نحو العصور الماضية.
في اعتقاده، لم يبدأ انحطاط المجتمعات الإسلامية منذ الغزو الغربي في القرن الثامن عشر – كما ادعى العديد من المصلحين المسلمين – بل بدأ قبل هذا التاريخ بكثير. فالجمود الفكري، واستبدال المعرفة القائمة على الشروح والتفاسير، وإغلاق باب الاجتهاد، وابتناء العلوم الإسلامية على التقليد المحض للسلف، كل ذلك أدى إلى هذا الانحطاط. وهو يوجه أسهم نقده الحادة نحو الأشاعرة، ويرى أن اعتقادهم بالجبر والرجاء قد ألحق ضرراً جسيماً بصورة الإنسان المختارة عن ذاته. وهو بالطبع يفصل في دراساته بين الإسلام الخالص والإسلام التاريخي، ويعتبر جوهر هاتين المقولتين مختلفاً، ويدعو المصلحين المسلمين إلى فهم عميق لهذه المسألة والاهتمام الجاد بخلفية الأفكار الإسلامية، ويذكر بالخير أشخاصاً مثل محمد شبلي النعماني[7] الذين كانوا رواداً لهذا النهج. وفي هذا السياق، ألف كتاباً بعنوان المنهجية الإسلامية في التاريخ[8] وأشار إلى التحولات التاريخية للعلوم الإسلامية. ومع ذلك، ينبغي القول إنه لم يلتفت كثيراً إلى التقييم الفلسفي للمعرفة التاريخية، ولذلك اعتبر أشخاص مثل فريدريك ديني[9] أن المجالات الفلسفية-الكلامية، والأخلاقية، والاجتماعية-الدينية هي ميدان فكره، ولم يشيروا بشكل بارز إلى بعده التاريخي. (Denny, 1989, 5-21)
القرآن في فكر فضل الرحمن يأسف فضل الرحمن لأن المسلمين، في غفلة ساذجة، بدلاً من العمل بمضامين القرآن السامية، حوّلوا هذا الكتاب الواهب للحياة إلى مجرد شيء مقدس. لقد كان يرى القرآن ينبوعاً للحياة المؤمنة، ولذلك كرّس جهده كله لتقديم منهج فعّال لكشف البنية الأخلاقية للقرآن ورسائله المحيية. ويرى أن العلماء لم يولوا الروح الكلية والوحدة الحاكمة على رسائل القرآن الاهتمام اللازم، ولذلك تزايدت المقاربات التجزيئية[10] لا سيما في العصر الحديث. وقد أدى وجود مثل هذا التوجه إلى أن تُستنبط غالبية الأحكام من آيات لم تكن ذات مقصد فقهي على الإطلاق (Rahman, 1982, 2-3) ومن هنا بدا ضرورياً تدوين منهج هرمنيوطيقي مناسب لفهم القرآن بوصفه كلاً مترابطاً. ولم يكن ليقبل الرأي السائد القائل بأن القرآن كتاب أحكام، ويأسف لأن الفقهاء، بدلاً من تأسيس نظام حقوقي قائم على مبادئ أخلاقية عليا وإدراج الأحكام الفقهية في سياق ذلك النظام المنسجم، اعتبروا الفقه ثاني اثنين وليس تالياً تلو الأخلاق، ويرى أن منشأ هذا الخطأ هو عدم الالتفات إلى السياق الثقافي-التاريخي لزمن النزول، ويُذكّر بهذه النقطة في معظم أعماله. فعلى سبيل المثال، يكتب في كتاب "المضامين الأساسية للقرآن": «كل بيان حقوقي أو شبه حقوقي في القرآن، له تعليل عقلي-قانوني. لفهم هذا التعليل بدقة، لا بد من إدراك السياق الاجتماعي-التاريخي للقول ... إن الفقهاء التقليديين، وإن كانوا يسعون إلى معرفة التعليل العقلي للموضوعات، إلا أن جمودهم الفقهي يدفعهم إلى تصور أنه حتى لو صدر حكم لموقف محض، فلا بد أن تكون له صلاحية كونية.» (Rahman, 1980, 48) ويذكر أيضاً في كتاب "المنهجية الإسلامية في التاريخ": «إن نزول الوحي والسيرة العملية للنبي لم يكونا منفصلين قط عن المقتضيات التاريخية، ولم ينشغلا بمجرد التعميم التجريدي. فرغم أن كلام الله قد نزل في حقبة تاريخية محددة، وصدرت سلوكيات معينة للنبي في أوضاع تاريخية خاصة، إلا أن كلام الله وسلوك النبي لم يكونا منتميين فحسب إلى هذه الحقبة التاريخية الخاصة.» (Rahman, 1965, 9) ويكتب كذلك في كتاب "الإسلام والحداثة": «حيثما حاول المفسرون أن يستنبطوا الأحكام الفقهية من خلال القرآن وحده، مثلاً في مجال القوانين الجنائية المسماة بالحدود، لم تكن النتيجة مرضية.» (Rahman, 1982, 2) وبما أنه لم يتناول تفسير القرآن آية آية وفقاً لنظريته التفسيرية، واكتفى في كثير من الحالات ببيان عام لموازين تفسير القرآن ومقتضياته، فلا يمكن تبيّن مواقفه بوضوح من آيات مثل الآيات المتعلقة بخلق السماوات السبع، وغروب الشمس في عين حمئة، وطرد الشياطين بالشهب، والأحكام المتعلقة بقطع اليد، وقتل المشركين والمرتدين، وكون نصيب الإرث ودية النساء على النصف... إلخ، التي تُعد من معضلات التفسير القرآني المعاصر، ولا يمكن فهم رأيه بوضوح تجاه مسائل مثل قصص القرآن وتعاليم أسفار العهدين، والولادة المعجزية للسيد المسيح، وعقيدة التثليث، والآيات المتعلقة بعالم الغيب، وتكليم الله، والملائكة... إلخ. ولكن بالنظر إلى أن فضل الرحمن يعتقد أن الله، في بيانه للتعاليم الإسلامية وتجليها في قالب الآيات القرآنية، قد اتخذ أسلوباً لا يتعارض مع الخلفيات الثقافية-التاريخية لعصر النزول ومعتقدات المخاطبين الأوائل للوحي، وبالنظر أيضاً إلى تقارب أفكاره مع أفكار المعتزلة والفلاسفة الإسلاميين، يمكن تخمين آرائه في هذه الحالات إلى حد كبير. والفقه هو أحد المجالات القليلة التي يقدم فيها فضل الرحمن أمثلة ملموسة، فيتناول بالتحليل، على سبيل المثال، مسألة تعدد الزوجات. فبرأيه، واستناداً إلى آيات القرآن، ينبغي على الرجال إن لم يستطيعوا مراعاة العدل في حق جميع زوجاتهم، ألا يتزوجوا بأكثر من واحدة، ويضيف بصراحة أنهم مهما حاولوا، فسيكون من المستحيل عليهم انتهاج سلوك عادل. ولكن من جهة أخرى، أجاز القرآن للرجال أن يتخذوا أربع زوجات. ويرى أن طريق الجمع بين هذه الآيات هو القول بأن القرآن أراد أن يبلغ بسعادة الحياة الأسرية أقصاها، وكان يرى لهذا الهدف أن الزواج بواحدة هو المرغوب، لكن كان عليه من جهة أخرى أن يوفق بين هذا الهدف الأخلاقي وواقع المجتمع العربي في ذلك الزمان، حيث كانت تعدد الزوجات قد تجذرت فيه لدرجة أن القضاء عليها دون نفي الهدف الأخلاقي نفسه لم يكن ممكناً أبداً.
بنابراین قرآن تعدد زوجات را در سطح فقهی پذیرفت اما با گنجاندن شرایطی آن را محدود کرد و در عین حال تصریح نمود که برای رفتن به سوی هدف اصیل پیامبر، جامعه تک همسری مطلوب است. همچنین مقرر داشت که زندگی زناشویی باید بر مبنای عشق و علاقه متقابل استوار گردد و همسران همانند لباس یکدیگر باشند. (Rahman, 1966, 111) به نظر فضلالرّحمان ارتباط بین وحی و بافت فرهنگی و اجتماعی جامعهای که قرآن در آن نازل شده، پس از چند سده از میان رفته و همین امر سبب ایجاد گسلی فرهنگی گشته که منشأ خللهای فراوانی در فرآیند تدوین کلام و فقه اسلامی شده است. پیامد طبیعی اخذ مفاهیم سنتی وحی بدون در نظر گرفتن بافت اجتماعی- تاریخی آن باعث شد که احکام قرآن در همه زمانها و مکانها قابل اجرا انگاشته شود و بسیاری از عالمان گمان کنند که چون قرآن از جانب خداوندی است که علم به گذشته، حال و آینده دارد، هر آن چه در آن است نیز باید با همه زمانها و مکانها سازگار باشد. توجه حداقلی فقیهان به اسباب نزول، ناشی از همین سوء برداشت است. (Saeed, 2004, 43-45) به عقیده او احکامی که در آیات فقهی قرآن بیان شده است، متناسب با شرایط ویژه عصر نزول میباشد و تسرّی آنها به همه اعصار بدون در نظر گرفتن مقتضیات فرهنگی- اجتماعی اقوام و ملل و شرایط زمانی و مکانی آنها کمکی به تحقق اهداف عالیه این کتاب آسمانی نمیکند. لذا میگوید: «امروزه نمی توان دستورات قرآن را عیناً و جزء به جزء عملی ساخت و در جامعه اجرا کرد زیرا این امر ممکن است مانع تحقق بسیاری از اهداف قرآن شود.» (Rahman, 1966, 127) البته این سخن را نمیتوان مطلق قلمداد کرد. توجه به مختصات فکری فضلالرّحمان نشان میدهد که روی سخن او در این جا برخی آیات قرآنی میباشد که در بر دارنده مضامین فقهی است. به نظر او باید قرآن را بر اساس زمینه خاص فرهنگی- تاریخی عصر نزول فهمید و پس از استنباط اصول کلی و روح حاکم بر پیام قرآن در آن برهه تاریخی، آن اصول را متناسب با شرایط کنونی جامعه و متقضیات بشر امروز به کار گرفت. او از دو سطح مطلوب و مشروط بر احکام اخلاقی- فقهی قرآن سخن میگوید. عبدالله سعید دیدگاه فضلالرّحمان را در مورد این دو سطح را چنین تنقیح میکند: «سطح مطلوب ممکن است در زمان وحی حاصل گردد یا نگردد اما مشروط آن چیزی است که در زمان وحی با در نظر گرفتن محدودیتهای ساختاری جامعه پیامبر و شرایط آْن زمانه، قابل دستیابی باشد. بستگی شدید قرآن با شرایط موجود در زمان وحی ایجاب می کند که تعالیم آن ناظر به مسائل آن زمانه و شرایط ویژه مردمان آن باشد، در عین حال که متضمن وضعیت مطلوب است که مسلمانان باید در شرایط و زمانهای دیگر در پی آن باشند. ففضلالرّحمان استدلال میکند که بهترین ابزار قابل دسترسی برای فهم مطلوب و مشروط در بیانات قرآنی نقد تاریخی است... وی در عین حال خاطرنشان میکند که در ساختار فقه اسلامی و تفسیر قرآن به تمایز بین مطلوب و مشروط اهمیت اندکی داده شده است.» (Saeed, 2004, 59-61) فضلالرّحمان فهم پیام قرآن در زمان نزول را مستلزم التفات به دو امر میداند: 1. توجه به تأثیر قرآن بر فرهنگ مردمان آن زمان که رفته رفته خود را در قالب سنت ومسلمین نمایان ساخت. (سنت زنده) 2. توجه به ساختار ذهنی، شاکله شخصیتی، رفتار و گفتار نخستین دریافت کننده وحی (سنت نبوی). او درک صحیح سنت زنده را منوط به داشتن پیش فهمی از موقعیت کلان اجتماع، مذهب، آداب و رسوم، نهادها و اصولا سبک معیشت در عربستان عصر بعثت و نیز اطلاع از تأثیر منازعات ایران و روم و تأثیر آن بر تعاملات درون شبه جزیره در کنار تسلط بر ادبیات فخیم و زبان قویم عربی و آشنایی با آراء دانشمندان سدههای نخستین اسلامی میداند و عدم توجه به عناصر تشکیل دهنده این سنت زنده را منشأ صدور احکامی میداند که مانع سر زندگی و نشاط اسلام در جهان امروز شده است. از آنجا که او سنت زنده را همان سنت نبوی میداند که به نحو خلاقانهای بسط یافته و تفسیر شده است، لذا تأمل بیش از پیش در مقوله وحی و نبوت و توجه به شرایط روحی و ویژگیهای شخصی و شخصیتی پیامبر اکرم(ص) را لازم میشمارد. او کسانی را که بدون مراجعه به سنت به سراغ فهم و تفسیر قرآن میروند به باد انتقاد میگیرد و میگوید: «تصور اینکه قرآن بدون توجه به اعمال و رفتار پیامبر فهمیده میشود کاملا غیر معقول است. چیزی چون حیات روزمره پیامبر و اوضاع و احوال او به اموزههای قرآنی، انسجام نمیبخشد و این که در قرن بیستم چنین بیانگاریم که مردمان اطراف پیامبر میان قرآن و تمثل آن در پیامبر تفکیک قائل بودند، تصوری کودکانه است.» (Rahman, 1962, 10) در نظر او پس از وفات پیامبر، مسلمانان از طریق سنت زنده، مطالب بسیاری را به مجموعه محدود سنتی که به آنها رسیده بود، افزودند و اجماع امت، به این سنت زنده مشروعیت بخشید. بدین ترتیب اجماع، حدیث را از محدوده سنت جدا کرد و سنت زنده را تا حدی نظاممند و منسجم ساخت. (Ibid, 5-21) او از گفتمان فلسفی کسانی نظیر فارابی، ابن سینا، ابن رشد و ملاصدرا و آراء دانشمندانی مانند ابنحزم، ابنتیمیه، غزالی و شهرستانی در تبیین مسأله وحی و نبوت بهره میگیرد. علی رغم این که رساله دکتری او پیرامون فلسفه ابنسینا بود اما جهتگیریهایش با نقطه نظرات ابنرشد نزدیکی بیشتری دارد. علت این امر شاید این باشد که ابنرشد نیز به واسطه تکیه بر مسند قضاوت همانند رئیس سابق مؤسسه مطالعات اسلامی به طرح مباحث صرفاً نظری در حیطه عقلانیت فلسفی بسنده نکرد و دغدغههای فقهی- حقوقی نیز در اندیشههایش نمود داشت اما این به معنای ناچیز انگاری گفتمان فلسفی در تأملات احیاگرانه فضلالرّحمان نبود. او در شیکاگو چندین مقاله پیرامون فلسفه ملاصدرا منتشر نمود و به این وسیله، ادامه حیات فلسفی جهان اسلام پس از ابن رشد را که مورد غفلت بسیاری از صاحب نظران غربی قرار گرفته است، گوشزد کرد.[11] او هر چند که در ابتدای مسیرِ شدنِ خویش، تنها همان تلقیات فلسفی- کلامی رایج در خصوص وحی و نبوت را در ذهن داشت ولی پس از دوران ریاست مؤسسه مطالعات اسلامی پاکستان و در مصاف با صاحبان تلقی سنتی، سنجههای آکادمیک و فیلسوفانه را کنار نهاده و رویکردی احیاگرانه و اصلاحطلبانه در پیش گرفت. از آن پس وی به دنبال تدوین طرح یک زندگی مؤمنانه بود و قرآن را نه مانند مزرعهای متراکم از احکام و رویشگاه انبوهی از آراء کلامی، بلکه به سان درخت واحد و تنومندی میدید که انسانها میتوانند در سایهسار آن به زندگی مؤمنانه فردی و اجتماعی بپردازند، درختی که «تؤتی أکلها کل حین بإذن ربّها»[12] است. وی در اینباره میگوید: «روش تفسیری که من از آن سخن می گویم آن گونه فهمی از پیام قرآن است که مؤمنان به آن را که میخواهند در بعد فردی و اجتماعی در سایه قرآن زندگی کنند قادر میسازد تا این کار را منسجم و هدفدار انجام دهند در این تلاش صرفاً معرفتی غیر مسلمانان هم به شرط داشتن همدلی و صداقت لازم، میتوانند در برخی حوزهها با مسلمانان سهیم باشند اما ایمان که انگیزه لازم را برای زیستن در سایه قرآن فراهم میآورد فقط ویژگی مسلمانان واقعی است. انکار نمیکنم که ایمان میتواند ثمره خود همین تلاش و معرفتی باشد و یا به بیانی واضحتر ممکن است و باید به چنین تلاشی منجر شود.» (Rahman, 1982, 4)نظرية الهرمنيوطيقا ذات الحركتين إن أهم حل يقدمه فضل الرحمن للإصلاح المنهجي هو طرح نظرية الحركتين[13] للتفسير الهرمنيوطيقي للقرآن، والتي سنشرحها لاحقاً في هذا المقال. وبناءً على هذه النظرية، تتم عملية التفسير عبر حركتين. في الحركة الأولى، ينتقل المفسر من الزمن الحاضر إلى عصر النزول، وفي الحركة الثانية يعود من عصر النزول إلى الزمن الحاضر. تشمل الحركة الأولى مرحلتين. في المرحلة الأولى من الحركة الأولى، ومن خلال المعرفة التاريخية للفضاء الثقافي-الاجتماعي لعصر النزول، يتم فهم رسالة قضية معينة من القرآن، والتي ترتبط من جهة بالحالة الخاصة التي كانت تلك القضية رداً عليها، وتنسجم من جهة أخرى مع الروح العامة الحاكمة على رسالات القرآن. وفي المرحلة الثانية من الحركة الأولى، وبغية الحصول على قضايا أخلاقية-اجتماعية شاملة، يتم انتزاع المبادئ العامة من الإجابات الجزئية عبر الاهتمام بالسياق التاريخي وفلسفة التشريع وعلل الأحكام. وفي الحركة الثانية، ينبغي على المفسر أن ينفخ روح تلك المبادئ العامة في الظروف الخاصة لمجتمعه في العصر الحاضر، كي يتمكن من استقاء الجواب الديني للأسئلة الخاصة باليوم من القرآن، وأن يقول ما المعنى الذي ستحمله الآيات التي نزلت بالأمس وفي ذلك البناء الاجتماعي، اليوم وفي هذا البناء. ومن المناسب أن نستمع إلى تفصيل أوفى لهذه النظرية من صاحبها: «كان القرآن رد فعل أظهره الله تجاه الأوضاع الاجتماعية-الأخلاقية في الجزيرة العربية في عصر النبي، وبخاصة تجاه مشكلات المجتمع التجاري في مكة، رد فعل تجلى في ذهن النبي. القرآن هو رد فعل على تلك الظروف لأن أغلب آياته تتضمن مطالب اجتماعية ودينية وأخلاقية تجيب على مشكلات حقبة تاريخية معينة. أحياناً يكون جواب القرآن على المسائل والمشكلات بسيطاً. لكنه عادةً ما يصرح أو يلمح إلى سبب إصدار الإجابات. ورغم أنه يعلن بين الفينة والأخرى عن قوانين كلية محددة، إلا أنه بفحص الظروف التاريخية يمكن حتى إدراك سبب تلك الإجابات البسيطة أيضاً، وبالتالي استنباط أحكام كلية منها، وهو ما قام به المفسرون بشكل صحيح وواضح للقسم الأعظم من آيات القرآن. إذن فالمرحلة الأولى من التفسير تتكون من جزأين: الأول، أن يُفهم معنى رسالة قضية معينة من القرآن عبر دراسة الظروف والمشكلة التاريخية التي كانت تلك القضية رداً عليها. وبالطبع، قبل الدراسة التاريخية للنصوص القرآنية، ينبغي إجراء دراسة إجمالية حول نمط حياة العرب وخصائصه الرئيسية، من مجتمع ودين وعادات وتقاليد وسنن، في مطلع ظهور الإسلام وبخاصة في مكة وما حولها. والخطوة الثانية، هي تعميم تلك الإجابات والتعبير عنها بصورة أهداف ومقاصد كلية أخلاقية-اجتماعية، يمكن الحصول عليها من النصوص القرآنية بالنظر إلى الخلفية الاجتماعية والتاريخية وسبب إصدار تلك الإجابات -الذي تم التعبير عنه في أغلب الحالات-. في الواقع، إن الخطوة الأولى، أي فهم رسالة قسم معين من القرآن، تستلزم بذاتها الخطوة الثانية وتقودنا إليها. وخلال هذه العملية، يجب إيلاء الاهتمام اللازم للمفهوم الكلي للتعاليم القرآنية ككل واحد، بحيث يكون كل رسالة تُفهم، وكل حكم يُعبر عنه، وكل هدف يُطرح، منسجماً مع البقية، لأن القرآن ككل واحد يمتلك رؤية كونية معينة ونظرة خاصة تجاه الحياة. في هذه المرحلة، يجب الانتقال من التصور الكلي المستخلص من المرحلة السابقة، إلى تصور قابل للعرض والتحقق في الظروف الحاضرة؛ أي يجب صب ذلك التصور الكلي في قالب الوضع التاريخي والاجتماعي الراهن. وهذا العمل يتطلب دراسة دقيقة ومتجددة للظروف الحالية وتحليل عناصرها المكونة، كي يمكن من خلال تقييم الظروف الحاضرة وإجراء التغييرات اللازمة وإعادة تحديد الأولويات، تحقيق القيم القرآنية من جديد. هذا الجهد أو الجهاد الفكري الذي يتضمن عناصر من الماضي والحاضر، يسمى اصطلاحاً بالاجتهاد. الاجتهاد يعني السعي لفهم معنى نص أو تقليد يتعلق بالماضي ويتضمن حكماً، وإصلاح ذلك الحكم وقبضه وبسطه، أو بعبارة أخرى تجريحه وتعديله، بحيث يمكن تطبيقه على المسائل المستحدثة باستخدام حلول جديدة.» (Rahman, 1982, 6-10) إن إطار هذه النظرية، باعتراف صاحبها، ناشئ من الأفكار الهرمنيوطيقية، وبخاصة فكرة الدائرة الهرمنيوطيقية[14]. الصورة الأصلية للدائرة الهرمنيوطيقية هي كما يلي: (قائمی نیا،1380، 11) لأول مرة، طرح شلايرماخر[15]، المتكلم البروتستانتي الشهير، بنية الدائرة الهرمنيوطيقية بشكل منقح، لكنه نسب فكرتها إلى العالم المعاصر له فريدريش آست[16]. (نفس المصدر، 16) وبالطبع، تمت تنقية الدائرة الهرمنيوطيقية لاحقاً في فكر سائر الهرمنيوطيقيين، وبخاصة دلتاي[17]، وهيدغر[18]، وغادامر[19]، وريكور[20]، مع إدخال تغييرات عليها.
استفاده روشمند از این ایده در حوزه هرمنوتیک، سابقه ای 200 ساله دارد هر چند که شاید بتوان گفت که از زمانهای دورتر هم به شکلهای گوناگون در حوزههای دروندینی و بروندینی مورد استفاده قرار میگرفت. به کارگیری فرآیند حرکت از جزء به کل و بالعکس، در فرآیند فهم قرآن و به ویژه در روش تفسیر قرآن به قرآن- که مفسران معاصر توجه مضاعفی به آن کرده اند- به کار برده میشود.[21] به نظر میآید فضل الرحمان در ارائه نظریه دو حرکتی خویش از تراث علمی علمای سلف نیز بهره گرفته است. بخشهایی از این نظریه، در ضمن مباحثی که قرآن پژوهان پیرامون تعریف تأویل و تفاوت سبب و شأن نزول و چگونگی جری و تطبیق آیات و شرح اصولی مانند العبرة بعموم اللفظ و خصوص السبب مطرح کرده اند، بیان شده است.[22] این امر نه تنها چیزی از ارزش این نظریه نمیکاهد بلکه ریشههای آن را در اعماق تراث علمی عالمان اسلامی محکم تر میکند. به هر حال، اهمیت نظریه او در این است که هم به شرایط زمان نزول وحی توجه داشته و هم مقتضیات دوران جدید را لحاظ نموده است و در عین حفظ تقدس و تأبّد متن قرآنی و تعبّد نسبت به آن، ارتباطش با جهان واقع را نیز حفظ کرده است. نمایی از پروژه فکری فضلالرّحمان در طرح نظریه تفسیر دو حرکتی را در نمودار پیوست این مقاله میبینید.بعض الافتراضات الهرمنيوطيقية لنظرية الحركة المزدوجة تستند نظرية التفسير ذات الحركة المزدوجة إلى افتراضات مسبقة، يؤثر قبولها أو رفضها بشكل مباشر على تبني هذه النظرية. ومن جملة هذه الافتراضات أن النص أو التقليد المرتبط بالماضي قابل للفهم الموضوعي، ويمكن تقييمه بناءً على الفهم الشائع[23] الذي نشأ هو نفسه تحت تأثير ذلك التقليد. هذا الافتراض مقبول لدى الهرمنيوطيقيين الكلاسيكيين أمثال شلايرماخر ودرويزن[24] ودلتاي، والنيوكلاسيكيين مثل بيتي[25] وهيرش[26]. يعتقد هؤلاء أنه يمكن اجتياز الفواصل الزمنية والوصول إلى فهم موضوعي للظواهر التاريخية. و"الفهم" في نظرهم وسيلة للتغلب على هذه الفجوة الزمنية. ومن ثم، فقد استخدموا الهرمنيوطيقا كأداة فعالة لقطع هذه المسافة التاريخية بين عصر التأليف وعصر التفسير، أو بعبارة أخرى، بين المؤلف والمفسر. (واعظي، 1383، 218) تقف هذه الفكرة في نقطة مقابلة لاعتقاد الهرمنيوطيقيين الفلسفيين أمثال غادامير، الذين يرون أن تفسير النصوص الماضية والظواهر التاريخية بكل أشكالها ناشئ عن زمن المفسر وموقعه الهرمنيوطيقي، ويعتبرون الوصول إلى فهم موضوعي للأمور المتعلقة بالماضي أمراً مستحيلاً. الافتراض الهرمنيوطيقي الآخر لفضل الرحمن في تفسير القرآن هو الموضوعية والإيمان بتعين المعنى. المقصود بالموضوعية هو أن معنى النص أمر موضوعي وثابت وغير قابل للتغيير، ولا يتغير تبعاً لذاتية المفسر ومقتضيات فهمه وأفقه التاريخي. في مقابل هذا الأساس، تقوم فكرة النسبية وعدم تعين المعنى التي تؤكد على استحالة الفهم الموضوعي، وسيولة الأفهام وتغيرها إثر امتزاج الأفق المعنوي للمفسر مع الأفق المعنوي للنص. (المصدر نفسه، 58-60) بناءً على هذا الافتراض، إذا توصل المفسر في عملية تفسير النص إلى مقصود المؤلف، فإنه يكون قد بلغ أمراً ثابتاً وفوق تاريخي. تقف هذه النظرة في مقابل نزعة النسبية في الهرمنيوطيقا الفلسفية التي حكمت، بسبب اعتقادها بارتباط مضمون الفهم بأمور متغيرة، بتاريخية الفهم وقابليته للتغير. (المصدر نفسه، 434) كما نرى، فإن افتراضات نظرية فضل الرحمن التفسيرية تشبه إلى حد كبير الافتراضات الموضوعية للهرمنيوطيقيين الكلاسيكيين والنيوكلاسيكيين، وتخالف الآراء النسبية للهرمنيوطيقيين الفلسفيين. في المدرسة الموضوعية، يتم التأكيد على أنه في عملية التفسير يجب إيجاد المعنى الذي قصده مبدع الأثر. يعتبر أشخاص مثل شلايرماخر وبيتي عملية التفسير بمثابة قطع الطريق الذي سلكه إبداع الأثر، مع فارق أن الاتجاه هنا معكوس لمسار نشوء الأثر. في إبداع الأثر، تكون ذاتية صاحب الأثر ومقاصده نقطة البداية لعملية الخلق، ولكنها في عملية التفسير الهرمنيوطيقي هي نقطة النهاية؛ لأن المفسر يسعى من خلال تفسير الأثر إلى فهم الذاتية التي تسببت في خلقه، وإعادة إنتاج العالم المعنوي المتبلور في هيئة الأثر. تتم إعادة الإنتاج هذه في ذهن المفسر؛ أي أنه يترجم في ذهنه الذاتية الغريبة لصاحب الأثر المتجسدة في موضوع التفسير، ويعيد التفكير فيها وإنتاجها في داخله. من ناحية أخرى، تصر المدرسة النسبية على عدم قابلية الفهم الموضوعي لكل ما هو تاريخي. يرى غادامير أن الفهم هو امتزاج أفق المفسر والأثر، ويعتبر الموقع الهرمنيوطيقي والأفق المعنوي للمفسر متكونين من أحكامه المسبقة وتوقعاته. الأحكام المسبقة في نظره متأثرة بتقليد الأثر وتاريخه. وهو يعتبر تاريخ الأثر[27] سمة عامة وشرطاً ضرورياً لكل تفسير وتجربة. (المصدر نفسه، 317-319) إذا قبلنا أساسه هذا، فلن يبقى شك في أن أصل الفهم الموضوعي للأمور غير ممكن. يدرك الدكتور فضل الرحمن جيداً أنه إذا كانت وجهة نظر غادامير صحيحة، فإن نظريته ذات الحركة ذات المرحلتين ستكون خاطئة من أساسها؛ لذا يسعى للرد على غادامير ويقول: «ليس من اللائق القول إن وعي الفرد لذاته هو الحركة الوحيدة التي تتم في الدائرة المغلقة للحياة التاريخية. كما أنه ليس من المنطقي القول إن ردود أفعالهم محددة سلفاً وبشكل أساسي من قبل تواريخهم المؤثرة. ما يبدو قابلاً للدفاع عنه هو أن كل رد فعل واعٍ تجاه الماضي يتضمن لحظتين يجب التمييز بينهما.
أحدهما إدراك موضوعي للماضي (وهو ما يعتبره غادامير مستحيلاً) وهو ممكن من حيث المبدأ إذا توفرت المستندات اللازمة له، والآخر هو رد الفعل نفسه الذي يتضمن حتماً القيم وما تمليه ظروف عصر المفسر (لا ما هو محدد سلفاً)، والتاريخ المؤثر جزء من تلك الظروف، والجهد الواعي والنشاط الواعي للمفسر جزء أهم منها.» (Rahman, 1982, 9-10) ورغم أن فضل الرحمن لم يحدد بوضوح ما إذا كان منهجه التأويلي يقتصر على الآيات الفقهية فحسب أم يشمل جميع أصناف الآيات، إلا أنه يبدو أنه بابتعاده عن المقاربات المتطرفة، يجعل تبيينه التأويلي منصباً في الغالب على الآيات الفقهية، وبالاستعانة بالسنة النبوية والثقافة العربية في عصر النزول، يبتعد عن الجزئيات والمصاديق الزمنية للآيات ليكتشف الرسائل الخالدة الكامنة وراء ظواهر هذه الآيات. حتى إنه في مواجهة آيات التوحيد، يعد التعاليم التربوية والتعاليم الأخلاقية الغاية القصوى والهدف الأسمى للقرآن، ويوظف تأويليته القرآنية في هذا الاتجاه.بعض أوجه القصور في فكر فضل الرحمن على الرغم من امتلاك فكر فضل الرحمن لنقاط قوة كثيرة، إلا أنه يعاني من بعض أوجه القصور. إن نقد هذه الآراء هو بحد ذاته موضوع بحث مستقل ويتطلب طرحه مجالاً واسعاً. نكتفي هنا بإشارة موجزة إلى بعض هذه الحالات: 1. اكتفى فضل الرحمن في الغالب ببيان كلي لمقتضيات التفسير وتحاشى تقديم إطار تفصيلي، ولم يقم بتفسير القرآن آيةً آيةً بناءً على نظريته. ومن ثم، فإن إمكانية التطبيق العملي لمنهجه التفسيري يكتنفها الغموض، لدرجة أن بعض أهل الرأي اعتبروا الأصول التي طرحها غير جامعة وتفتقر إلى الأمثلة التطبيقية. (Saeed, 2004, 65) 2. لم يقدم فضل الرحمن أبداً شرحاً فلسفياً لمقولة الوحي. فعلى الرغم من إلمامه بفلسفة ابن سينا وابن رشد وملاصدرا، إلا أنه لم يستفد من مباحثهم الواسعة في التبيين الفلسفي للوحي. 3. أدى عدم امتلاكه معلومات واسعة في الهرمنيوطيقا والفينومينولوجيا إلى افتقار آرائه للعمق اللازم وعدم تنقيح أسسه وافتراضاته المسبقة بشكل صحيح. ويبدو أن رأي فريد إسحاق[28] القائل بأن «فضل الرحمن عاجز عن فهم تعقيدات مباحث الهرمنيوطيقا» (Esak, 1997, 67) ليس بعيداً عن الصواب كثيراً. 4. بقيت هرمنيوطيقا فضل الرحمن القرآنية في حدود هرمنيوطيقا النص، ولم تصل أبداً إلى هرمنيوطيقا الفهم. 5. نظرته الباهتة إلى التاريخ والثقافة وتراث الفكر الشيعي وأسسه التفسيرية والكلامية والفقهية، قد أنقصت من غنى أفكاره. 6. تواجه آراؤه حول حقيقة النبوة وكيفية ولماذا تؤثر الظروف الروحية والخصائص الشخصية للنبي (ص) في الوحي، الكثير من الغموض والإشكالات. ففضل الرحمن لم يقم بدحض مدلل لوجهات النظر المخالفة في هذا الشأن، ولم يسق لوجهة نظره أدلة متقنة.
النتيجة قادت تجربة المواجهة مع التقليديين الدكتور فضل الرحمن إلى نتيجة مفادها أن الكثير من المشكلات الدينية تكمن جذورها في منهجية الدراسات الإسلامية، وأنه من أجل إيصال الدين إلى مكانته اللائقة في عالم اليوم، لا بد من التوجه إلى نقد وتحليل المنهجية. لقد ميز بين الإسلام الأصيل والإسلام التاريخي، واشترط أي استنباط فقهي أو كلامي من الآيات الإلهية بدراسة الفضاء الثقافي – الاجتماعي لعصر النزول، والأخذ بعين الاعتبار الأثر الذي كانت تتركه هذه الآيات في الحياة الفردية والاجتماعية للمخاطبين الأوائل للوحي. وأشار إلى أن الاستخدام الفقهي والكلامي للآيات، دون أخذ هذه المسائل في الحسبان، لا يساعد في تحقيق الأهداف السامية لنزول القرآن. وعلى هذا الأساس، قدم نظريته ذات الحركتين، وسعى إلى استنباط أحكام وقواعد كلية من النصوص الدينية، وأن يفهم هذه الأحكام الكلية التي تؤمن الأهداف الإلهية السامية، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الزمانية والمكانية والمقتضيات الاجتماعية والثقافية لعصر النزول والخصائص الشخصية للنبي (ص)، وأن يعبر عنها بما يتناسب مع حاجات الإنسان المعاصر وظروف العالم الحالي. إن الافتراضات المسبقة لهذا المنهج الهرمنيوطيقي تشبه افتراضات الهرمنيوطيقا الكلاسيكية والنيوكلاسيكية، مثل الموضوعية، وتغاير الكثير من افتراضات الهرمنيوطيقا الفلسفية.

.
.
1. آقايي، سيد علي، كتابشناسي فضل الرحمان، مدرسه، مهر 1385، صص94-110.
2. بابائي، علي أكبر، مكاتب تفسيري، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، قم، 1386.
3. داوري أردكاني، رضا، فلسفه تطبيقي، نشر ساقي، تهران، 1383.
4. زرکشي، بدر الدين، البرهان في علوم القرآن، مصطفى عبد القادر عطا، دار الفكر، بيروت، 1426.
5. سيوطي، الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين، فواز أحمد زمرلي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1426. 6. قائمي نيا، علي رضا، متن از نگاه متن، انجمن معارف اسلامي، قم، 1380. 7. معرفت، محمدهادي، علوم قرآني، التمهيد، قم، 1378.
8. واعظي، أحمد، درآمدي بر هرمنوتيك، پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامي، تهران، 1383.
9. Denny, Frederick. M, Fazlur Rahman: Muslim intellectual, Muslim world, 1989, lxxixii.
10. Esak, Farid, Quran, Liberation and pluralism: an Islamic perspective interreligious solidarity against oppression, oxford, 1997. 11. Rahman, Fazlur, Cansepts Sunah, Ijtihad and Ijma in the early period, Islamic Stadies, 1i, 1962.
12. Rahman, fazlur, Islam & Modernity, transformation of an intellectual tradition, The university of Chicago press, Chicago & London, 1982.
13. Rahman, fazlur, Islamic Methodology in History, Karachi: Central Institute for Islamik Research, 1965.
14. Rahman, Fazlur, Major themes of Quran, Chicago: bibliotheca Islamic, 1980.
15. Rahman Fazlur, My Belief in Action, The Courage of conviction, The Courage of Conviction, New York, 1985. 16. Rahman, fazlur, The Impact of Modernity, Islamic Stadies, 5ii, 1966.
17. Saeed, Abdullah, Fazlur rahman a frame work for interpreting the ethico-legal of the Quran In modern Muslim intellectuals and the Quran, (ed.) suha Taji-Faroukhi, Oxford, Oxford University Press, 2004.
18. Fazlur Rahman's Hermeneutical Approach to Quran Interpretation in Brief
.
.
المراجع:
[1]. اسمه الكامل فضل الرحمن ملك Fazl al-Rahman Malek (1988-1919م) الذي اشتهر بـ Fazlur Rahman.
[2]. Double Movement Theory
[3]. Quranic Hermeneutics
[4]. للاطلاع على ببليوغرافيا فضل الرحمن، راجع: سيد علي آقايي، 1385، 94-101.
[5]. Central Institute for Islamic Research
[6]. في هذا القسم، تم الاستخدام الأكبر من: Rahman, 1985, 153-159 وأيضاً: Saeed, 2004, 37-66.
[7]. محمد شبلي النعماني (1857-1914م) من رواد التأريخ الديني الحديث في شبه القارة الهندية. من جملة آثاره كتاب شعر العجم في تاريخ الأدب الفارسي.
[8]. Islamic Methodology in History
[9]. Fredrik M. Denny
[10]. Atomistic
[11]. للاطلاع على أسباب قلة اهتمام المفكرين الغربيين بالفلاسفة الإسلاميين بعد ابن رشد، راجع: داوري، 1383، 157.
[12]. سورة إبراهيم المباركة (14) : 25
[13]. Double Movement Theory
[14]. Hermeneutical Circle
[15]. Friedrich Daniel Ernest Schleiermacher (1768-1834)
[16]. Friedrich Ast(1778-1841)
[17]. Wilhelm Dilthey (1833-1911)
[18]. Martin Heidegger (1889-1976)
[19]. Hans Georg Gadamer (1900-2002)
[20]. Paul Ricoeur (1913-2005)
[21]. من بين تفاسير القرآن بالقرآن التي كُتبت في العصر الحديث يمكن الإشارة إلى الميزان، والفرقان، وآلاء الرحمن، وأضواء البيان. للاطلاع على المزيد من المعلومات حول هذا المنهج التفسيري راجع: بابائي، 1386، ج2، 127-198.
[22] للاطلاع على المزيد من المعلومات حول هذا الموضوع راجع: الزركشي، 1426، ج1، 45-60 وأيضاً: السيوطي، 1426، 84-97 وأيضاً: معرفت، 1378، 100.
[23] .Normative Understanding
[24]. Johann Gustav Droysen (1808-1884)
[25]. Emilio Betti (1968)
[26]. Eric. D. Hirsch (1928-…)
[27]. Wirkungagechichte or The effective history
[28]. Farid Esack
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.