اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُقدّم كتاب «لغة القرآن، تفسير القرآن» بترجمة مرتضى كريمينيا، إلى جانب تعريفه بمناهج حديثة متمركزة حول النص في الدراسات القرآنية، نقداً لعزلة البحوث المحلية ويطرح رؤىً مبتكرة حول تأريخ القرآن والتفاسير التقليدية.

القرآن كتاب يعتقد عموم المسلمين أنه حصيلة وحي الله إلى نبيه محمد (ص). على مر القرون، خضع هذا النص للتحليل والتفسير من قبل العديد من العلماء. لكن في المئة عام الأخيرة، حيث تقدمت العلوم بسرعة كبيرة ولم تكن العلوم الإنسانية استثناءً من هذه القاعدة، ظهرت مناهج جديدة في نقد النصوص في المجتمعات الغربية استطاعت أن تفتح مقاربات جديدة وبديعة في حقل العلوم الإنسانية. وكان القرآن أحد النصوص التي خضعت للتحليل والنقد من قبل الغربيين. فقد أجرى الغربيون، أو المستشرقون كما يُصطلح عليهم، أبحاثاً كثيرة حول القرآن مستخدمين أدوات المناهج الجديدة القائمة على تحليل النص في العلوم الإنسانية.
كتاب «لغة القرآن، تفسير القرآن» هو مجموعة مقالات لبعض الباحثين الغربيين في القرآن، سبق أن ترجمها المترجم والباحث القرآني البارع «مرتضى كريمينيا» ونُشرت في مجلات مختلفة. وقد جُمعت هذه المقالات الآن وصدرت في مجلد واحد عن منشورات هرمس. كريمينيا مترجم متعدد اللغات، يترجم عن الألمانية والإنجليزية والعربية. وهو من رواد التعريف بأعمال الباحثين الغربيين في القرآن والمفكرين العرب الجدد في بلدنا. يكتب كريمينيا في مقدمته لهذا الكتاب:
«... لسنا وحدنا نحن الإيرانيين والعرب والأتراك والملاويين والمسلمين في شبه القارة من ننشغل بدرس القرآن وبحثه وعلوم التفسير حوله. لقد مضى زمن طويل وغيرنا أيضاً يطرح أسئلة علمية في هذا المجال ويجعل تخصص الدراسات القرآنية في أوساطهم العلمية والجامعية أكثر جدّة وازدهاراً؛ تماماً كما يحدث هذا الأمر في جميع العلوم التقنية والأساسية والطبية والزراعية، والأهم من ذلك في مختلف مجالات العلوم الإنسانية. إن أهم فرق بين الدراسات القرآنية وسائر التخصصات العلمية والجامعية في بلدنا هو أن معظم القائمين على هذا التخصص وحامليه يرون أنفسهم، نظرياً وعملياً، في غنى عن معرفة أسئلة الآخرين.»
«... ولكن، في خضم هذا، تبقى الدراسات القرآنية في إيران اليوم، على الرغم من كمها الهائل وأبعادها الواسعة، محدودة ورازحة تحت وطأة تكرار المكرور. ولهذا، فهي تشبه جزيرة عجيبة لا يتكلم سكانها إلا بلغة يفهمونها هم. فلا إنتاجها يُعترف به في المدار العلمي العالمي، ولا أي خريج من حوزتها أو جامعتها يفقه شيئاً من موضوعات مقالات المشاركين وأسلوب نقاشهم وجدلهم فور دخوله مؤتمرات الاستشراق الغربية. وفي أحسن الأحوال تفاؤلاً، نفترض أن الشخص المعني لا يواجه عائقاً لغوياً جدياً.»
من هذا المنظور، فإن قيمة كتاب «لغة القرآن، تفسير القرآن» لا تكمن فقط في تقديم تفاسير ومطالب جديدة في مجال علوم القرآن، بل الأهم من ذلك هو التعريف والعرض اللذان يقدمهما للمناهج الحديثة في مقاربة الدراسات المتمحورة حول النص فيما يخص القرآن. مناهج ظلت غريبة عنا.
ينقسم كتاب «لغة القرآن، تفسير القرآن» إلى ثلاثة أقسام:
في هذا القسم سبع مقالات:
1- البلاغة العربية وتفسير القرآن مع نظرة على صنعة اللف والنشر (جون إدوارد وانسبرو John Edward Wansbrough): يرى وانسبرو أن كتابة القرآن هي حصيلة عملية تاريخية تشكلت في القرون الهجرية الثلاثة الأولى. وقد أُدرجت له مقالات أخرى في الكتاب. تتناول هذه المقالة دراسة صنعة اللف والنشر في القرآن وتستقصي أصولها. وقد أضاف كريمينيا شروحاً مفيدة لها نظراً لصعوبة قراءة هذه المقالة.
2- قصة أبي لهب وغزال الكعبة، نظرة على تفسير سورة المسد. (أوري روبين Uri Rubin): يقدم هذا المقال تفسيراً جديداً يستند إلى رواية من العصر الجاهلي حول آية «تبت يدا أبي لهب وتب»، وهو تفسير لا سابقة له في التفاسير الإسلامية. والنقطة الجديرة بالملاحظة في هذا المقال، بالإضافة إلى هذا التفسير الجديد، هي سبب عدم تسرب هذا التفسير إلى النصوص الإسلامية، الأمر الذي يمكن أن يكون نموذجاً تاريخياً لكثير من المسائل الأخرى التي لم تدخل النصوص لأسباب أيديولوجية. ويضيف أندرو روبين أن أقدم المنابع الأدبية لبعض فقرات القرآن –على الأقل– تعود جذورها في الواقع إلى مكة في العصر الجاهلي، لا إلى أي مكان آخر.
3- اقرأ باسم ربك... ملاحظات في تفسير الآيات الأولى من سورة العلق (أوري روبين): ما انطبع في أذهاننا من هذه الآية هو: اقرأ باسم ربك (وقد تكرر هذا الأمر «اقرأ» عدة مرات). وقد صارت هذه الآية متكأً لإظهار قيمة العلم والقراءة والقلم (ولعل الدكتور علي شريعتي كان الأكثر دوراً في ترويج هذه المسألة). وما يستفاد من عموم التفاسير لهذه الآية هو أن الله يشجع النبي فيها ويحثه على قراءة القرآن. وقد سعى هذا المقال إلى إعادة بناء أحد التفاسير القديمة في هذا الباب، والذي كاد يُنسى اليوم. يمنح هذا التفسير معنى آخر للآية، حيث يحث النبي على تسبيح اسم ربه، لا على قراءة القرآن.
4- الرسول المتلفع: تفسير كلمتي المزمل والمدثر (أوري روبين): هنا أيضاً، يستعيد أوري روبين، بتدقيق شديد وإحاطة بالمصادر، مسار تفسير هاتين الكلمتين، ويختار رواية أقدم، منسية اليوم في النصوص الإسلامية، كتفسير لهما، بمضمون أن المزمل والمدثر هما في الواقع صفتان توقظان النبي ليخلع أرديته السابقة ولا يتوانى، وليعمل بنشاط وتفانٍ لأداء واجبه. ويستند هذا النوع من التفسير إلى افتراض أن تلفع النبي كان حالة غير لائقة، وكان ينبغي له أن يخرج منها.
5- تفاعل التفسير والحديث في تحديد المثاني السبع (أوري روبين). لطالما كان تفسير المثاني السبع وتحديد مصداقها في الآية السابعة والثمانين من سورة الحجر موضع نقاش بين المفسرين. وهنا أيضاً، ومن خلال تحليل وجهات النظر المختلفة في هذا الباب، يختار روبين أقدم التفاسير، حيث يكون العدد سبعة هنا رمزاً للكثرة ولا يشير إلى مسألة أو سورة معينة.
6- ابن عباس في تفاسير العصر العباسي (هربرت بيرغ Herbert Berg): نُقل الكثير من الأحاديث التفسيرية في كتب التفسير الإسلامية عن ابن عباس. في هذا المقال المطول، يُدرس المسار التاريخي لدور ابن عباس في التفاسير الإسلامية بشكل جيد، وتُطرح مسألة أن كثيراً من الأحاديث المنسوبة إليه هي من مختلقات العصر العباسي، حيث سعوا من خلالها إلى إيجاد وجاهة دينية لسلالتهم. يُعد هذا المقال من أقوى مقالات هذا الكتاب.
7- تأريخ التفسير المنسوب إلى ابن عباس، بعض الملاحظات التكميلية (هارالد موتسكي Harald Motzki). يناقش هذا المقال ويبدي الرأي حول التاريخ الحقيقي ومؤلف الكتاب المسمى بتفسير ابن عباس.
1- التحليل الأدبي للقرآن والتفسير والسيرة: نظرة على منهجية جون وانسبرو (أندرو ريبين): كما قيل، يخلص وانسبرو من خلال التحليل الأدبي للقرآن إلى أن هذا الكتاب هو نتاج تطور تاريخي على مدى ثلاثة قرون، وليس مما كتب في صدر الإسلام. وفي هذا المقال المطول، يخضع ريبين الأسس التحليلية لوانسبرو للنقد ويشكك في منهجه في نقد المصادر.
2- ملاحظات على كتاب الدراسات القرآنية (ويليام غراهام William Graham): الدراسات القرآنية هو أشهر كتب وانسبرو، والذي طرح فيه رأيه حول القرآن. وفي هذا المقال أيضاً، يُوجه نقد منهجي لوانسبرو.
3- ملاحظات منهجية حول الفصل الرابع من كتاب الدراسات القرآنية (أندرو ريبين Andrew Lawrence Rippin) في هذا المقال، كان التركيز أقل على نقد وانسبرو، وأكثر على التعريف بمنهجه ودراسة محاسنه.
4- جمع وتدوين القرآن: إعادة نظر في الآراء الغربية في ضوء التطورات المنهجية الحديثة (هارالد موتسكي): مقالة طويلة وبالغة الأهمية من حيث منهجية تأريخ الوثائق. يقرّ موتسكي بأننا لا نستطيع إثبات أن التقارير المتعلقة بتاريخ القرآن تعود إلى شهود عيان للأحداث كما يُدّعى. كما لا يمكننا أن نكون على يقين من أن كل شيء قد حدث بالفعل كما ورد في الروايات. لكنه يضيف أنه ينبغي لنا أن نعترف بأن أخبار المسلمين وتقاريرهم أقدم بكثير وأقرب إلى زمن الأحداث المدعاة مما افترضه الباحثون الغربيون، وخصوصاً فانزبرو. وهو يتتبع الروايات المتعلقة بجمع القرآن في زمن الخلفاء وصولاً إلى الربع الأول من القرن الثاني الهجري.
1- جمل أم حبل: حتى يلج الجمل في سم الخياط (الأعراف-40) (أندرو ريبين): يسعى ريبين في هذه المقالة، بدقته المعهودة، إلى البحث عن أقدم التفاسير لهذه الآية.
2- الألفاظ الدخيلة وتحديد لغتها الأجنبية في تفسير القرآن: (أندرو ريبين): يوضح هذه المسألة بذكر أمثلة مختلفة، مبيناً أن قبول وجود ألفاظ دخيلة في النص القرآني هو مفتاح لحل لغز لماذا تعطي بعض كلمات القرآن معنى غير معروف بين العرب أو أدباء العرب في غير ذلك الموضع القرآني.
3- مسألة تأثير اللغتين الآرامية والسريانية في لغة القرآن (مرتضى كريمي نيا): هذه المقالة هي في الواقع مراجعة ونقد لكتاب كريستوف لوكسنبرغ (Christoph Luxenberg) المسمى «القراءة الآرامية السريانية للقرآن: بحث في إيضاح لغة القرآن». يطرح هذا الكتاب، بالاعتماد على مسائل فقه اللغة واللسانيات، الدعوى القائلة بأن القرآن نزل بلغة ولهجة عرب قريش الذين عاشوا في زمن معين في مكة، وكانوا متأثرين بشدة باللغات الآرامية، وخاصة السريانية المسيحية. وقد لاقت نظريته أصداء واسعة في وسائل الإعلام الغربية. يقوم لوكسنبرغ، وفقاً لمنهجه، بقراءة العديد من آيات القرآن بشكل مختلف ويفهم معناها بشكل آخر ليتمكن من استخراج جذور أكثر للآيات القرآنية من اللغة السريانية! ويقدم كريمي نيا، بالإضافة إلى التعريف الكامل بالكتاب وفصوله، نقداً عاماً له.
4- نقد لكتاب القراءة الآرامية-السريانية للقرآن (فرانسوا دوبلوا François de Blois): نقد لاذع جداً لكتاب لوكسنبرغ يشكك بشكل عام في معرفته في مجال اللسانيات. وينبغي أن أضيف أن العديد من الانتقادات قد كتبها غربيون لهذا الكتاب.
5- الرقيم أم الرقود: ملاحظة حول الآية التاسعة من سورة الكهف (جيمس بيلامي James A. Bellamy): بيلامي هو أحد الذين اقترحوا، باستخدام مناهج تحليل النص، تصحيحات في النص الرسمي للقرآن في الفترة من 1973 إلى 2002 ومن خلال مقالات متعددة. وهو يعتقد أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، ولم يكن هدفه إرباك سامعيه أو إحراجهم، بل جاء للإيضاح والإعلام. حتى أن لبيلامي مقالة يثبت فيها أن الحروف المقطعة في القرآن، أو كما يسميها The Mysterious Letters of the Koran، هي في الواقع اختصارات قديمة للبسملة وليست حروفاً غامضة. وفي هذه المقالة أيضاً، يحلل أخطاء الكتبة في الآية التاسعة من سورة الكهف -التي يُعد معنى الرقيم فيها أحد مواضع الخلاف بين المفسرين- ويبين أن الصيغة الأصلية لهذه الكلمة ينبغي أن تكون الرقود.
6- ملاحظات اقتراحية أخرى في نص القرآن (جيمس بيلامي): مقالة أخرى له يقدم فيها المزيد من الاقتراحات لتصحيح بعض الكلمات. ويعتقد بيلامي أن اقتراحات تصحيح النص ينبغي، قدر الإمكان، ألا تُحدث تغييراً في رسم الخط القرآني.
يمكن لكتاب «لغة القرآن، تفسير القرآن» أن يفتح عالماً جديداً لأولئك الذين يعملون ويبحثون في مجال تفسير القرآن والدراسات القرآنية، وأن يطلعهم على أبحاث الغربيين في هذا المجال.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.