اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى نصر حامد أبو زيد أن القرآن نص أدبي تشكّل في حوار مع الثقافة والمجتمع، ويعتبر أحكامه اعتبارية. وقد صدرت ترجمة مرتضى كريمي نيا لكتاب «معنى النص» مع مقدمة وحوار مع المؤلف.

يمكن اعتبار نصر حامد أبو زيد (1943-2010) أحد أكثر مثقفي العالم العربي المعاصر إثارة للجدل. أدت كتاباته إلى فصله من منصب أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة القاهرة، وانتهت إلى تكفيره والحكم بارتداده. بعد المشكلات التي أثيرت له في مصر، رحل إلى لايدن في هولندا، حيث واصل دراساته حول القرآن. كان القرآن أهم مجالات دراسة أبو زيد وتنظيره، وكانت نظرته الجديدة نسبيًا إلى هذا الكتاب المقدس هي التي مهدت لتكفيره.
يُعد كتاب "مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن" أحد أهم مؤلفاته، وقد صدرت طبعته الأولى عام 1990 في بيروت. يعرض في هذا الكتاب رؤيته للقرآن بالتفصيل، مستشهدًا بأمثلة وشواهد متنوعة. يتناول في الكتاب موضوعات تقليدية طُرحت حول القرآن، مثل المكي والمدني، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، لكنه يحللها من منظور جديد. إنه يوظف هذه الموضوعات ليجعل نظريته سارية في صميمها جميعًا، وليعرض مقصده على مجمل المفاهيم القرآنية التقليدية. نظرة أبو زيد إلى النص القرآني هي نظرة أدبية. فهو يعتبر القرآن بمثابة نص (Text)، ويمضي في تحليلاته العميقة منطلقًا من هذا الافتراض.
خلاصة كلام أبو زيد هي أن نص القرآن قد تشكل في حوار نشط مع الثقافة والمجتمع، وأن هذا الكتاب منتج ثقافي. من وجهة نظره، تأثر القرآن بشدة بمجتمعه وثقافته والأحداث المحيطة به. يرى أبو زيد أن قوة أي تحفة أدبية تكمن في صلتها بالواقع، ولا يستثني القرآن من هذه القاعدة. يقول إنه لا يوجد نص يتشكل في الفراغ وبمعزل عن زمانه ومكانه، بل كل نص هو مرآة للغة وثقافة مؤلفه ومتلقيه. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن علاقة القرآن بالثقافة هي علاقة ثنائية الاتجاه، وليست مونولوجًا أحادي الجانب، بمعنى أن القرآن ليس انعكاسًا سلبيًا محضًا لواقع عصره. من وجهة نظره، إن مسار تتابع نزول القرآن يسير على نحو يعيد فيه أولاً بناء العلاقات مع المجتمع وتهذيبها بأسلوب فعال (وهو ما يغلب على الآيات المكية)، وبعد أن يصبح النص المهيمن على المجتمع، يؤثر في الحقائق المحيطة به (كما في غالب الآيات المدنية). من منظور أبو زيد، القرآن وإن كان ذا أصل وحياني، إلا أن نصه قد تشكل في جدل مع المجتمع (وليس بالمعنى الهيغلي طبعًا). يترتب على رؤية أبو زيد هذه للنص المقدس نتائج، منها اعتبار الفقه والأحكام المنبثقة عن القرآن اعتبارية، لأن هذه الأوامر نابعة من ذلك المجتمع الخاص وفي تلك المرحلة الزمنية المعينة، وبالمعرفة الكاملة والدقيقة لعلاقة النص بالمجتمع يمكن إدراك مناشئها.
يكرس أبو زيد القسم الأخير من كتابه لتحليل آراء أبي حامد الغزالي. من وجهة نظره، إن التصوف لدى أفراد مثل الغزالي قد انبثق من صلب آرائه الأشعرية. كان الأشاعرة يعتبرون القرآن صفة من صفات ذات الله، وسعوا من خلال نص هذا الكتاب المقدس إلى إيجاد طريق للاتصال بالله. يضع الغزالي العلوم الأخرى، كالفقه الذي كان قد حظي بقيمة كبيرة في ذلك الزمان، في عداد العلوم الأقل أهمية، ويعلن أن هدفه هو معرفة الله. في هذا الصدد، يقوم الغزالي بعمل غير مسبوق، إذ يقسم القرآن ويجعل بعض الآيات في حكم جواهر القرآن، التي تنطوي على أهم وأثمن رسائله. من وجهة نظره، لتلقي الرسالة الكامنة في هذا الكتاب، يجب تجاوز قشرته للوصول إلى لبه وجوهره. هذه العملية، أي تأويل النص، والانتقال من عالم الحس إلى عالم الملكوت، ممكنة بالطبع عبر المرور بمنطقة الخيال. وفي هذا السياق، لا شك أن الأحلام والرؤى هي خير شاهد ونموذج لفهم كيفية تلاقي هذين العالمين (منذ ذلك الحين، وخاصة في رؤية ابن عربي، اكتسبت الرؤيا والحلم مكانة خاصة في التصوف). من هذا المنظور، يشبه الغزالي العالم نوعًا ما بالنوم والرؤيا، ويعتبر كل شيء بحاجة إلى التأويل وتعبير الرؤى. وهكذا، فاللغة أيضًا أداة لتصوير الأمور الروحية وتجسيدها، وكما يجب الانتقال من عالم الشهادة والحس إلى عالم الغيب والملكوت في عملية العروج الخيالي الصوفي، كذلك يجب تجاوز القشرة الخارجية للنص القرآني التي هي صورته، والوصول إلى كنهه. إن تأويل النص القرآني للوصول إلى معناه الباطني يشبه عملية تعبير الرؤيا. وعلى هذا الأساس، تصبح جميع كلمات القرآن كالصور التي يراها الإنسان في منامه. ظاهر القرآن صورة مادية يجب اكتشاف المعنى الكامن فيها.
كتاب «مفهوم النص» لنصر حامد أبو زيد، قام بترجمته المترجم البارز والباحث في الدراسات القرآنية مرتضى كريمينيا تحت عنوان «معنای متن: پژوهشی در علوم قرآن». صدر هذا الكتاب عن دار نشر «طرح نو». وإلى جانب نص «مفهوم النص»، يضم الكتاب إضافات أخرى؛ رسالة من أبو زيد إلى كريمينيا يمنحه فيها الإذن بترجمة الكتاب، ومقدمة خاصة كتبها أبو زيد للقارئ الإيراني. وفي نهاية الكتاب، نجد نصاً حول سيرة المؤلف بقلم المترجم، بالإضافة إلى مقابلة خاصة أجراها المترجم مع نصر حامد أبو زيد تقع في نحو أربعين صفحة. ومن هذا المنظور، فإن الترجمة الفارسية للكتاب كاملة للغاية. وبحسب المترجم، فقد كان على تواصل دائم مع أبو زيد أثناء ترجمته للكتاب، يطرح عليه ما اعترضه من مشكلات وغموض في النص، لكي يقدم للقارئ الإيراني ترجمة كاملة.
.
الدين
الدين
الدين
علم النفس
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
سپاس عالی
ممنون، خداقوت