اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
قدّم الدكتور نصر حامد أبو زيد، المفكر المصري، قراءة جديدة للقرآن عبر إحياء فكر المعتزلة ومناهج تحليل النص في كتابه «معنى النص»؛ وهو نهجٌ رسم حياةً حافلةً بالاضطراب بلغت حدَّ تكفيره ونفيه.

قليلٌ من الناس من لا يعرف الفكر الكلامي للمعتزلة؛ وهو اسم ذائع الصيت في حقل العلوم والمعارف الإسلامية، ويُطلق على الفرقة الكلامية التي تميزت أساساً بتوظيف العقل في تفسير التعاليم الكلامية واللاهوتية. لقد ظهر المعتزلة في التاريخ الإسلامي بقيادة شخصيات كالحسن البصري ومفكرين كالجاحظ والقاضي عبد الجبار وغيرهم، وفي أعقاب أحداث سياسية واجتماعية وأفكار جديدة نشأت في المجتمع الإسلامي الفتي.
كان استخدام منهج التأويل وعنصر المجاز في تفسير النصوص، وكذلك توظيف العقل في فهم المعارف والعلوم الإسلامية، على رأس أولوياتهم. ثمة خلفيات أسهمت في ظهور هذه الفرقة لا مجال لطرحها في هذا السياق.
من جملة نشاطات المعتزلة عنايتهم الخاصة بالمباحث النظرية. فقد أظهروا، مع اهتمامهم بالجوانب العملية والتطبيقية للإسلام في جميع شؤون الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية، جهداً وافراً في سبيل إثبات العلاقة بين العقل والوحي. إن العناية الخاصة بأصلي التوحيد والعدل، وطرح مبدأي الاختيار في مقابل الجبر، والحسن والقبح العقليين في مقابل الحسن والقبح الشرعيين، تُعد من الابتكارات المهمة للمعتزلة، ويمكن في الحقيقة اعتبارها رد فعل على الأوضاع الفكرية السائدة آنذاك. فالعقيدة بالجبر والقضاء والقدر الإلهي، وإن طُرحت ورُوّجت في البداية بغرض تنزيه الذات الإلهية وإضفاء الفاعلية المطلقة له على العالم، إلا أنها تحولت مع مرور الزمن إلى أداة بأيدي الحكام الظالمين، كي ينسبوا، استناداً إلى أدلة دينية، أوضاع الناس المزرية إلى المشيئة والإرادة الإلهية، وبذلك يبسطوا سلطانهم عليهم.
اليوم، تسعى جماعة من المفكرين الجدد والتحديثيين المعاصرين، لا سيما في البلدان الإسلامية الناطقة بالعربية، ومع أخذهم لهذا الجانب المهم من عمل المعتزلة، أي تقديم تفسير عقلاني للوحي والشريعة، بعين الاعتبار، إلى إحياء هذه المدرسة الفكرية في الإسلام وتطبيق آرائها وتعاليمها على المسائل الجديدة التي نشأت إثر تحولات حقبة الحداثة، لإيجاد حلول ومواقف مناسبة لهذه المسائل. وبالطبع، فقد توصل مفكرون جدد في إيران أيضاً، في الماضي والحاضر، إلى مثل هذه الرؤية، وأظهروا جهداً وسعياً كبيرين، وخلّفوا آثاراً قيّمة. أشخاص من أمثال المهندس بازركان، وعبد الكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري وغيرهم. لكن ما نتوخاه في هذه الكتابة هو التعرف على واحد من أكثرهم إثارة للجدل في العالم العربي، والذي استرعى أنظاراً كثيرة، وهذا الشخص ليس سوى الدكتور نصر حامد أبو زيد. وسواء أكان هذا صواباً أم خطأ، فلسنا بصدد الحكم على آرائه وأفكاره، لأننا لا نرى في أنفسنا القدرة ولا المستوى الذي يؤهلنا للإقدام على عمل كهذا، وإنما نحاول فقط أن نقدم ما فهمناه نحن من هذا الموضوع.
السيرة الذاتية
وُلد الدكتور نصر حامد أبو زيد عام 1943 في مدينة طنطا المصرية. التحق عام 1968 بقسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وبعد حصوله على درجة الليسانس (1972) اشتغل بالتدريس في الكلية نفسها. حصل على درجة الماجستير عام 1977 والدكتوراه عام 1981 في التخصص نفسه ومن الكلية ذاتها. كان عنوان رسالته للماجستير «مسألة المجاز في القرآن والاتجاهات العقلية في تفسير القرآن عند المعتزلة»، وأطروحته للدكتوراه عن «تأويل القرآن عند ابن عربي». وإلى جانب تدريسه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، درّس وبحث في الجامعة الأمريكية بالقاهرة (1985-1988)، وجامعة أوساكا في اليابان (1985-1989)، والخرطوم، وجامعة بنسلفانيا في أمريكا (1977-1980). في عام 1992، تقدم بثلاثة عشر كتاباً ومقالاً إلى لجنة الترقيات بالجامعة طالباً النظر فيها والترقية من درجة أستاذ مساعد إلى رتبة أستاذ. بعد سبعة أشهر، اعتبر أحد أعضاء هذه اللجنة الثلاثية هذه الكتابات حفنة من الآثار الضعيفة المليئة بالتلفيق والضلال، بينما قدم المحكّمان الآخران تقريراً وتقييماً إيجابيين. وفي النهاية، أيّد سبعة من أعضاء اللجنة الدائمة للترقيات بالجامعة الرأي الأول، وأعلن ستة آخرون موافقتهم على الرأي الثاني، وبذلك لم يتمكن أبو زيد من الحصول على رتبة الأستاذية. بعد شهرين، قُدمت دعوى قضائية من سبعة من أساتذة دار العلوم والأزهر، وبعد أن رُفضت هذه الدعوى مرة من قبل المحكمة، قُبلت مرة أخرى باستئناف من هؤلاء الأشخاص، وأخيراً أصدرت محكمة الاستئناف حكماً بارتداد أبو زيد.
أخيراً، وبعد أن غادر أبو زيد وطنه، عمل رسمياً كباحث وأستاذ للدراسات الإسلامية في معهد INIS التابع لجامعة لايدن في هولندا، وبعد خمس عشرة سنة من البُعد عن وطنه، توفي في أحد مستشفيات القاهرة عاصمة مصر في 5 يوليو 2010 إثر إصابته بمرض مجهول.
تشمل أعمال أبو زيد (12 أو 13) مجلداً من الكتب، و(74) مقالة باللغة العربية و(8) مقالات باللغة الإنجليزية، و(5) ترجمات وعدة أعمال مكتوبة أخرى. ومن أهم أعماله: الاتجاه العقلي في التفسير، الخطاب الديني، فلسفة التأويل، مفهوم النص، نقد الخطاب الديني و. . . .
الدكتور نصر حامد أبو زيد هو مفكر تجلّت آراؤه الدينية والقرآنية الأكثر جوهرية في أهم كتبه وهو "معنى النص" (مفهوم النص). هذا الكتاب هو في الواقع نتاج تدريسه لمادة علوم القرآن لطلاب جامعة القاهرة، وقد استرعى انتباه العديد من الباحثين والنقاد فور نشره. تكمن أهمية هذا الأثر في أنه يسعى، خلافاً للرؤى الشائعة والتقليدية للقرآن، إلى النظر إليه بمنظور جديد وتقصيه ودراسته باستخدام أدوات ومناهج حديثة. ومن هذا المنطلق يُعتبر عمله تجديدياً وجديداً، لأنه يقدم قراءة جديدة لعلوم القرآن باستخدام نظريات النص ومناهج البحث النصي واللغوي، مما يدفع كل باحث إلى التأمل.
يعتقد أبو زيد أن حصر أهداف الدين ومقاصد الشريعة في الأحكام الشرعية والفقهية وما شابهها هو رؤية تتجاهل أهداف الوحي ومقاصده من تشريع هذه الحدود. من وجهة نظره، لقد أرسى الإسلام نفسه بالتزامن مع تشكل الواقع الإسلامي. ولهذا السبب نجد محتوى النص القرآني وبنيته مختلفين في الفترتين المكية والمدنية، وهذا الاختلاف ليس سوى انعكاس لاختلاف هاتين المرحلتين في تشكل الوحي. الفترة الأولى هي فترة تأسيس مجتمع جديد في مواجهة المجتمع الحاكم والمهيمن في مكة. في هذه الفترة، يؤكد النص القرآني على ترسيخ فكر التوحيد الجديد ونفي الشرك في المجتمع. في هذه المرحلة لم تكن هناك حاجة لأي قانون عملي. أما الفترة الثانية في تشكل الوحي، فهي فترة التشكل الاجتماعي وجعل هذا التشكل خاضعاً للقوانين. لذلك ظهرت القوانين في هذه الفترة الواحد تلو الآخر.
الرؤية المقابلة للتيار التقليدي في الخطاب الديني المعاصر هي تيار التجديد. يعتقد هذا التيار أن التراث يساهم دوماً في تشكيل وعينا ويؤثر على سلوكياتنا، سواء بوعي أو بغير وعي. ومع أننا لا نستطيع تجاهل هذا التراث وإسقاطه، فإننا بنفس القدر لا نستطيع قبوله بالجملة، بل ينبغي علينا إعادة بنائه، أي أن ننبذ كل ما لا يتوافق مع زماننا، ونتمسك بجوانبه الإيجابية، ونعيد تشييده من جديد بلغة تليق بزماننا. وتجدر الإضافة إلى أن التجديد الذي يُبنى على أساس أيديولوجي دون سند من فهم علمي للتراث لا يقل خطره عن التقليد.
ربما يمكن وضع أبو زيد في الفئة الثانية. إنه مجدد يسعى إلى تقديم قراءة جديدة للبحث القرآني والديني باستخدام المناهج العلمية. إنه يعتقد أن النص القرآني هو في جوهره وذاته منتج ثقافي. بمعنى أن هذا النص قد تشكل على مدى أكثر من 20 عاماً في الواقع والثقافة العربية. كما أن لغة القرآن، وهي اللغة العربية التي تُعد أهم أداة لقوم في فهم العالم وتنظيمه، ليست منفصلة البتة عن ثقافة الواقع الاجتماعي. يذكر أبو زيد أن مقولة "النص منتج ثقافي" تنطبق على القرآن في فترة تشكله واكتماله. أما بعد هذه المرحلة، فقد أصبح النص القرآني منتجاً للثقافة. أي أنه تحول إلى النص الحاكم والمهيمن الذي تُقاس عليه النصوص الأخرى، وتُحدد شرعيتها بالاستناد إليه. بعبارة أخرى، العلاقة بين النص القرآني والثقافة هي علاقة جدلية معقدة تتجاوز كل النظريات الأيديولوجية للثقافة في عصرنا حول النص القرآني.
يرى الدكتور حامد أبو زيد أن النص منتج ثقافي يجب دراسته في أفقه التاريخي. وعند دراسة أي نص، يجب تناول ثقافة عصره. والعلاقة بين النص والثقافة هي علاقة جدلية، لأنه يتأثر من جهة ويؤثر من جهة أخرى.
يرى الدكتور أبو زيد أن القرآن نص لغوي ينبغي دراسته بمنهج التحليل اللغوي. وهو يقبل أيضًا تعدد بطون فهم القرآن، وإن كان يقر بأن الجميع لا يمتلكون القدرة على إدراكها. ويرى أن دراسة النص في أفقه التاريخي تُظهر أن الأحكام تكتسب معناها بالارتباط بزمن نزولها، ومن هذه الناحية فإن بعض الأحكام لم تعد تحتفظ بفاعليتها السابقة اليوم.
من منظور الدكتور، ينبغي في كل عصر وزمان القيام بقراءة النص وتأويله من جديد. كما أن دور القارئ في فهم النص يحظى بالاهتمام. وهو يرى أن ثقافة العصر تنعكس في القرآن، ونتيجة لذلك فهو يتجاهل بعض مفاهيمه كالجن والشياطين المرتبطة بزمن نزوله والتي لا تتوافق مع العلوم العصرية. ويمر الدكتور أبو زيد على الرؤية الهرمنيوطيقية عند غادامير، ويعتقد أن هرمنيوطيقا غادامير يمكنها أن تساعد المفسر على إعادة النظر في تراثه الثقافي وإشراك رؤى كل عصر في تفسير النص. وهنا يمكننا القول إلى حد ما إن أبا زيد قد استفاد من آراء مفكرين أمثال غادامير.
الوحي
يؤكد الدكتور نصر حامد أبو زيد، بالنظر إلى ما طرحه الزركشي في «البرهان في علوم القرآن»، على أن هناك نظريتين بخصوص لغة الوحي:
1- يعتقد البعض أن الله علّم كلامه لجبريل، وهو بدوره أنزله على النبي. وطبقًا لهذه الرؤية، فإن جبريل قد أنزل اللفظ والمعنى معًا. بعبارة أخرى، لقد أنزل القرآن بهذه اللغة العربية على النبي.
2- النظرية الأخرى هي أن جبريل أنزل المعاني فقط على النبي، وبعد أن تعلّم النبي المعاني، قام هو بنفسه بصبها في قالب اللغة وعرضها.
من وجهة نظر أبو زيد، الوحي هو إرسال الرسالة الإلهية إلى جبريل، وهو بدوره يرسل الرسالة إلى النبي ليبلغها للناس. وهو لا يدع مجالًا للشك في هذا الموضوع. وفي الوقت نفسه، يرى القرآن رسالة لغوية لا يحق لأحد العبث بظواهرها أو تحريفها. وبرأيه، يمكن إدراك الطبيعة اللغوية للوحي بالنظر إلى الآيات التالية التي تنهى النبي عن العجلة في حالة تلقي الوحي! {1}
«لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)». (القيامة/ 16 - 18)
على الرغم من أن القرآن نزل بلسان عربي مبين واستخدم مفردات متداولة في هذه اللغة، إلا أنه ساهم أحيانًا في تقوية اللغة والثقافة العربية عبر تغيير معاني الكلمات، فعلى سبيل المثال، كلمة «رب» في آية «اقرأ باسم ربك الذي خلق. اقرأ وربك الأكرم» كانت بمعنى الصاحب والمشرف ومرتبطة بمجال الصفات الإنسانية، وقد سمت بها القرآن واستخدمها في شأن الله أيضًا. وكذلك كلمة «كريم» كانت مستخدمة لدى العرب في مجال الصفات الإنسانية، فنقلها القرآن إلى حقل دلالي جديد كان جديدًا على أهل ذلك العصر والزمان. {2}
إذن يمكن الاستنتاج أنه من وجهة نظره، للقرآن نظام لغوي خاص، لأنه غيّر أحيانًا معاني بعض الكلمات وألبسها ثقافته الخاصة، مثل كلمات الصلاة والزكاة والصيام والحج. {3}. . . المنقول العرفي، والمنقول الشرعي و. . .
علاقة النص (القرآن) بالثقافة
قلنا سابقًا إن أبا زيد يرى النص منتجًا ثقافيًا. وبناءً على هذه الرؤية ذاتها، فهو يرى القرآن أيضًا نصًا لغويًا مرتبطًا بثقافة خاصة، وهذه النظرية تقف في مقابل رأي أولئك الذين يعتبرون القرآن نصًا مقدسًا، أي أنهم لا ينظرون إليه نظرة لغوية وثقافية بسبب أصله الإلهي.
يقبل الدكتور ألوهية القرآن، لكنه لا يرى النص القرآني منفصلاً عن سياقه الثقافي والاجتماعي والسياسي زمن نزوله. بعبارة أخرى، القرآن منتج ثقافي لأنه تشكل في سياق ثقافي-اجتماعي محدد، ولغته ليست بمعزل عن ثقافة عصره. لقد نزلت النصوص الدينية وفقاً لظروفها الثقافية، واللغة هي التي تشكل نظامها الدلالي. لذا، عند دراسة أي نص، يجب الانتباه إلى ثقافة زمانه، ولا يمكن فصل أي نص عن ثقافة وواقع عصره. في الواقع، يكتسب كل نص معناه ضمن إطار نظامه اللغوي والثقافي الخاص. ومن هذا المنطلق، فإن القرآن ليس بمنأى عن هذه القاعدة.
يرى أبو زيد أن علاقة النص بالثقافة علاقة جدلية، بمعنى أنه يتأثر بها من جهة، ويؤثر فيها من جهة أخرى. فالقرآن، وإن ظهر في ثقافة معينة، إلا أنه أثر تأثيراً بالغاً في ثقافة عصره. ولكي يُظهر الدكتور انعكاس ثقافة زمانه – عصر النزول – في القرآن، يشير إلى آيات سورة الجن التي تتحدث عن صلة الجن بالسماء وببعض البشر:
« وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) » (الجن/ 4 - 9).
من وجهة نظره، كانت إمكانية تواصل البشر مع الجن تُعتبر جزءاً من الثقافة الإسلامية – عصر النزول –، لدرجة أن الفلاسفة والعرفاء الإسلاميين قد فسروا ظاهرة النبوة، استناداً إلى هذا الفكر، بنظرية الخيال. {4}
نزول النص (القرآن)
يعتقد كثير من المفسرين أن للقرآن الكريم نزولين: أحدهما نزول دفعي والآخر نزول تدريجي.
النزول الدفعي تم مرة واحدة في ليلة القدر (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، والنزول التدريجي تم على مدى 23 عاماً وفقاً لعوامل وظروف خارجية.
لا يقبل أبو زيد هذا الرأي، ويفسر الإنزال في الآية الأولى من سورة القدر بمعنى بدء نزول القرآن. {5} انتقاده لخصومه هو أن الإنزال الدفعي لا حكمة فيه، وأن القرآن الكريم لم ينزل قط دفعة واحدة وخارج هذا الكوكب الأرضي – الذي هو مسرح الحوادث والأمور الجزئية. ويطرح في نقده لدفعية نزول القرآن الكريم الإشكالات التالية:
أ) نقرأ في مطلع سورة القدر أن القرآن أنزل في شهر رمضان، مما يدل على بدء نزول القرآن.
ب) لا ينسجم هذا التصور مع مسألة النسخ.
ج) صيغة الماضي «أنزلنا» تدل على الزمن الماضي.
انفصال الدين عن المعرفة الدينية
من وجهة نظر أبي زيد، يجب التمييز بين الدين والمعرفة الدينية. الدين أمر مقدس وقطعي من الناحية التاريخية، في حين أن المعرفة الدينية ليست سوى فهم بشري للدين. الأفكار والاجتهادات البشرية حول الدين أمر متغير وقد يتحول من عصر إلى عصر. {6} عدم الانتباه إلى هذه المسألة بالتحديد أدى إلى اعتبار التفسيرات التي تتم للدين في كل عصر وزمان عينَ الدين.
من وجهة نظره، فهم العلماء للدين مختلف، ولا ينبغي اعتبار أي فهم مقدسًا وفوق المساءلة. قراءة العلماء للدين كانت دائمًا مختلفة، وكان فهم عالم ما يهيمن أحيانًا ويُطرح، بفعل ظروف سياسية واجتماعية خاصة، بوصفه التفسير الرسمي للإسلام. لا ينبغي اعتبار قراءة العلماء للدين مساوية للدين.
الدين هو ما يمتلك القداسة، لا المعرفة الدينية التي لها جانب بشري، ولا ينبغي لقداسة الدين أن تؤدي إلى اعتبار فهم العلماء مقدسًا. المعرفة الدينية هي الجهد العلمي أو الاجتهاد البشري لفهم النصوص الدينية، وهذه المعارف قد تتغير أيضًا. وهو نفسه، بنفيه القداسة عن المعرفة الدينية، يعتبر التفسير العلماني (السيكولار) للنصوص الدينية أفضل أنواع المعرفة الدينية. من وجهة نظره، لا ينبغي طلب إجابات العديد من المسائل الدنيوية من النصوص الدينية، بل يجب إيجاد حلول للمشكلات بالرجوع إلى العلوم البشرية. وهو ينقل هذا الحديث عن النبي: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم» ويتخذه دليلًا على علمانية الفكر الديني.
حتى قراءة النبي للقرآن يعتبرها أبو زيد فهمًا إنسانيًا. بعبارة أخرى، القرآن بنزوله يواجه العقل والفهم الإنساني وكأنه يتحول إلى »نص إنساني«. من وجهة نظره، لا ينبغي اعتبار فهم النبي مطابقًا للدلالة الذاتية للنص نفسه، وإذا ادعى أحد أن النبي قد وصل إلى الدلالة الذاتية للنص، فقد وقع في الشرك، وتصور النبي إلهًا. من وجهة نظره، مثل هذا التصور يؤدي إلى نسيان البعد الإنساني للنبي واعتباره مقدسًا. في حين أن فهم النبي ليس إنسانيًا فحسب، بل ليست له قداسة أبدًا.
منهج التحليل اللغوي
يعد أبو زيد، تبعًا لعلماء اللغة، اللغة نظامًا من العلامات يصنف جميع الأفكار. اللغة أداة يمكن بها تقديم الواقعيات بطريقة خاصة. _ في هذا المجال يمكن الرجوع إلى آراء ونظريات مفكرين مثل فتغنشتاين _
بهذا التعبير، لفهم النص القرآني يجب استخدام منهج التحليل اللغوي، لأن القرآن نص لغوي تشكل على مدى أكثر من عشرين عامًا، وكان تشكله أيضًا بالنظر إلى واقعيات وثقافة عصره. {7}
يطرح أبو زيد في دراسته للنص القرآني هذا السؤال: هل يمكن تطبيق منهج تحليل النصوص عليه أم لا؟ ينبع هذا التردد من أن منشأ النص القرآني غير بشري، فكيف يمكن التوجه إلى النص الإلهي بمنهج بشري.
يعتقد الدكتور أبو زيد أنه بما أن الله قد أراد أن يقدم رسالته إلى البشر، فقد استخدم اللغة البشرية. من هنا فإن منهج التحليل اللغوي هو الطريق الوحيد لفهم الرسالة الإلهية. بعبارة أخرى، من وجهة نظره، يتبع القرآن خصائص النصوص البشرية. وعلينا نحن أيضًا أن نفهمه بشريًا ومختلطًا بأوصافه الأرضية. يجب فهم القرآن بناءً على معيار المعنوية والدلالة في اللغة، لأن القرآن يخاطب البشر بلغة إنسانية، وفهمه يتبع ضوابط اللغة البشرية.
من وجهة نظر أبي زيد، للرسالة الكامنة في النص نوعان من الدلالة: دلالة ظاهرية وأخرى باطنية. {8}
لا ينبغي إدراك معاني النص إلا من خلال النص نفسه وفي تفاعله مع الواقع. وبالطبع، فإن تلقي معاني النص، وذلك بالرجوع إلى داخل النص، يتم عبر القارئ والمفسر، وهنا يُلاحظ نوع من الجدل بين العقل الإنساني والنص. ويمكن للعقل الإنساني أيضًا أن يستنبط معاني جديدة من الآيات، وذلك بالنظر إلى سياق الآيات. وهذا السياق تحدده أسباب النزول، لأن القرآن نزل في بضع وعشرين سنة وبصورة تدريجية، كما أن العديد من الآيات نزلت بالنظر إلى عوامل خارجية. وفلسفة هذا النزول التدريجي كانت من جهة مراعاة لأحوال المخاطبين بالوحي، ومن جهة أخرى التفاتًا إلى وقائع العصر.
من وجهة نظر الدكتور أبو زيد، إن الالتفات إلى شأن النزول قد حظي بالعناية فقط في آيات الأحكام، في حين ينبغي أن نخطو أبعد من ذلك. ومع أن الالتفات إلى شأن النزول يُطلعنا على الحوادث التي نزلت فيها الآيات المعنية، إلا أنه لا ينبغي أبدًا حصر معنى الآيات في تلك الحوادث ذاتها، وعدم تجاوز الحوادث الجزئية في فهم الآيات. {9}
من وجهة نظره، إن المفسرين غالبًا ما التفتوا إلى عموم اللفظ وتركوا أسباب النزول الخاصة جانبًا، في حين لا يمكن دائمًا التمسك بعموم اللفظ. وهو لا يقبل التقسيم الثنائي "عموم اللفظ" و"خصوص السبب"، لأنه يراه غير منسجم مع الواقع الذي يشكل النص. وبعبارة أخرى، إن بعض الآيات ترتبط فقط بأحداث خاصة ولا يمكن استنباط أحكام كلية منها.
وهو يعتقد أن تجاوز السنة الخاصة واستنباط الحكم العام ينبغي أن يكون بالنظر إلى العلامات القرآنية، وبما أن بنية اللغة لها جانب تعميمي، لذا سعى العديد من المفكرين الإسلاميين إلى إضفاء العمومية على الأحكام الإسلامية.
من وجهة نظره، إن النص القرآني يتسم بالوضوح والتعقيد معًا. وبعبارة أخرى، لدينا آيات واضحات محكمات، وآيات غامضات متشابهات. وبالطبع، هو يعتقد أن النص يمتلك مفاتيح دلالية يمكن للقارئ بمساعدتها أن يكشف عن تعقيدات النص.
التفسير والتأويل
من وجهة نظر أبو زيد، التفسير هو كشف الأمر الخفي بمساعدة وسيط يرشد المفسر. النص هو الدليل إلى المعنى، وبه يمكن اكتشاف المعنى. الكتاب هو الدال، والمعنى هو مدلوله.
وهو يعتقد أنه بالنظر إلى الآيات القرآنية يمكن ذكر استخدامين للتأويل في القرآن:
1- كشف الدلالات الخفية للأعمال، بالتأويل يُرجع إلى أصل الواقعة لينكشف المعنى الكامن في فعل أو قول.
2- بلوغ غاية الأمور وعاقبتها.
وهو يرى أن كلمة التأويل في سورة آل عمران الآية 7 تعني أيضًا بلوغ غاية الأمور وعاقبتها.
من وجهة نظره، ينبغي مراعاة هذه الفروق بين التأويل والتفسير:
أ) في التفسير، العلاقة بين متعلق المعرفة وفاعل المعرفة تتم بوسيط، أما في التأويل فهذه العلاقة مباشرة.
ب) التفسير يتم بالنظر إلى العوامل الخارجية للنص، مثل أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني و. . .
ج) التفسير مقدمة للتأويل. فبالتفسير تتوفر المعارف الأولية للتأويل.
د) في التأويل لا يمكن تجاهل دور القارئ.
«أحد الوجوه الأساسية لعملية التأويل، أي دور القارئ في مواجهة النص وكشف معناه، يكمن في هذا الفرق بالذات. إن دور القارئ أو المؤوِّل، هنا، ليس مطلقًا وبلا ضابط ليقوم بتأويل النص كيفما يشاء، بل من الضروري أن يستند التأويل إلى معرفة جملة من العلوم الضرورية المتعلقة بالنص القرآني - والتي تندرج في تعريف التفسير -.» {10}
وهو يسلّم بتعدد مستويات فهم القرآن. فمن وجهة نظره، لا ينال القارئ العادي سوى فهم سطحي للآيات القرآنية، ولا يبلغ الدلالات الكامنة في عمقها، بينما يستطيع القارئ البارز النفاذ إلى الطبقات الأعمق لدلالات النص.
يهتم أبو زيد بالتأويل الموضوعي للنصوص، ومن هنا يوجه نقده لبعض المذاهب الهرمنيوطيقية المناهضة للموضوعية، غير أنه لا يعتبر الموضوعية أمراً مطلقاً، إذ يعتقد أنه مع تطور مناهج تحليل النص يمكن اكتشاف الأبعاد الخفية للنص.
«الموضوعية التي يمكن بلوغها في تأويل النصوص هي موضوعية ثقافية في إطار الزمان والمكان، لا الموضوعية المطلقة التي ليست سوى وهمٍ ومن بِدَع إيديولوجيا الغرب الاستعماري. وتتحقق هذه الموضوعية الثقافية عندما يستخدم القارئ كافة المناهج والأدوات التحليلية لاكتشاف دلالة النص، ويسعى في مقام التأويل إلى شقّ جميع الطبقات الداخلية للنص. وحينئذٍ، إذا تطورت الأدوات والمناهج التحليلية في أزمنة لاحقة واكتُشفت أبعاد أخرى من النص لم تكن معروفة حتى ذلك الحين، فلا لوم على المؤوّل. إن جريان النص في الزمان والمكان حركة في واقع حيّ ومتحول، واكتشاف دلالات جديدة في النصوص لا يعني طرح الدلالات المكتشفة سابقاً.» {11}
يتحدث الدكتور أبو زيد في فهم القرآن عن تناسب الآيات مع بعضها البعض. وهو لا يرى أن إدراك العلاقات الداخلية للآيات، القائمة على السياق اللغوي والحسي والعقلي، أمر موضوعي ومنفصل عن فكر القارئ والمفسر، بل يعتبره ناشئاً عن جدل بين القارئ والنص. {12}
من وجهة نظره، حيثما لا تكون الآية نصاً، فهي ظاهر، أي ذات معنيين أحدهما راجح، ولا يمكن إنكار دور القارئ، لأن الخلفيات الثقافية للقارئ تتدخل في فهمها. {13}
الدين العصري
الدكتور نصر حامد أبو زيد هو من أنصار التجديد الديني، وهو يرى أن وجهة نظره تقف في مواجهة السلفية. فمن وجهة نظره، لم يعد بالإمكان اليوم تقليد المفكرين السابقين. لقد ترك لنا هؤلاء المفكرون تراثاً، وإن كان مؤثراً فينا، إلا أنه لا يمكن قبوله كله بحذافيره، بل ينبغي إعادة بناء الفكر الديني بحيث يُطرح جانباً كل ما لا ينسجم مع عصرنا وزماننا، ويُعاد بناء كل ما يتوافق مع زماننا بلغة تتناسب مع العصر الحاضر.
إنه يعتبر الإسلام ديناً علمانياً ويؤمن بالتفسير العلماني للدين، ويرى أنه لا ينبغي الالتفات إلى المقاربات السياسية في تفسير النصوص الدينية. وهو يعتبر نفسه مفكراً علمانياً أو، باصطلاح العرب، عِلماني.
أشرنا سابقاً إلى أن أبا زيد يعتبر القرآن منتجاً ثقافياً تشكل في ظروف ثقافية واجتماعية خاصة، حتى أن لغته ليست منفصلة عن ثقافة عصرها. ونتيجته من هذه المطالب هي أن الأحكام الإسلامية تجد معناها بالارتباط بزمن نزولها، وأن الذين يريدون اليوم تطبيق الأحكام الفقهية، وخصوصاً الحدود الإسلامية، يفصلون النص القرآني عن الواقع، وبالتالي ينكرون هدف الدين، لأن تصورهم هو أن القرآن نص مطلق قابل للتطبيق على واقع مطلق.
ويرى أن المنهج الصحيح في فهم القرآن هو النظر إليه من زاوية «ارتباط الوحي بالواقع»، أي أنه لفهم القرآن يجب التوجه إلى واقع وثقافة عصر النزول والانتباه إلى دور ثقافة عصر النزول في تكوينه. وبهذا المنهج، يتجه قارئ النص، بدلاً من الانشغال بالأمور المطلقة وغير الموضوعية، إلى الحقائق المحسوسة والموضوعية.
بما أن النص تابع لثقافة عصره، فلا بد من إعادة قراءته وتأويله دوماً، إذ يمكن تقديم قراءات مختلفة للنص. نظرة أبو زيد إلى النص هي نظرة هرمنيوطيقية، وتحديداً هرمنيوطيقا غادامير. ينبغي التحاور مع النص واستنطاقه.
من وجهة نظر أبو زيد، لا ينبغي إغفال دور القارئ في فهم النص. ولهذا السبب، فهو يعارض المفكرين الذين لا يلتفتون إلا إلى قائل النص ويتجاهلون إسهام القارئ في قراءة النص.
يرى أبو زيد أن للنص وجهين: عام وخاص. الوجه الخاص هو الجانب الدلالي من النص الذي يشير إلى السياقات التاريخية والثقافية لنشأته، أما الوجه العام فيتعلق بالجانب الحي والديناميكي للنص الذي يتجدد مع كل قراءة.
في الواقع، إن تأكيده على الخلفيات الثقافية والتاريخية للنص يهدف إلى اعتبار كثير من الأحكام الإسلامية مؤقتة ومرتبطة بالعصور الماضية. فمن وجهة نظره، كان المجتمع الإسلامي في زمن رسول الله (ص) مجتمعاً قبلياً قائماً على الرق، وكانت تجارة الرقيق من العناصر الأساسية في النظام الاقتصادي لذلك المجتمع، ولذلك كانت أحكام كثيرة مثل الزواج وتحرير العبيد متناسبة مع ذلك العصر. أما اليوم وقد زال نظام الرق، فلم تعد تلك الأحكام تجد لها مصداقاً ويجب تركها جانباً. وأحكام الجزية والربا هي من هذا القبيل أيضاً. وبحسب زعمه، فإن القرآن الكريم حرّم ربا عصر النبي فقط. وهو يفسر التفاوت في إرث المرأة والرجل على أساس هذا النوع من النظرة، لأن الأحكام التي وردت بشأن المرأة في القرآن جاءت وفقاً لثقافة ذلك الزمان، وقد سعى الإسلام من خلال بيان تلك الأحكام إلى إعادة القيمة والمكانة إلى المرأة.
كان الهدف الأساسي للإسلام هو إنقاذ المرأة من وضعها المزري في ذلك العصر ودفعها نحو المساواة في الحقوق مع الرجال. وعليه، ينبغي أن تكون إعادة قراءة النص وفقاً للروح الكلية للمقاصد القرآنية.
لا يقتصر أبو زيد على تقديم تفسير خاص للأحكام الإسلامية، بل له أيضاً وجهة نظره الخاصة في باب العقائد الإسلامية. فهو يرى أن ما ورد في القرآن بشأن الجن والشيطان والسحر يجب أن يُعاد تفسيره. «لقد حوّل النص الشياطين إلى قوى مانعة ومزاحمة، وجعل السحر إحدى أدواتهم في سلب الإنسان والتسلط عليه». {14}
النصوص الثلاثة
قلنا إن أبا زيد يقسم النص من الناحية الدلالية إلى قسمين: عام وخاص. الدلالة الخاصة للنص تشير إلى الواقع الثقافي والتاريخي لزمن نشأته، بينما تدل دلالته العامة على تعدد القراءات للنص، أي قدرة النص التي تسمح بتقديم قراءة جديدة له في كل عصر. وهو يرى أن كل مفهوم ديني لا ينسجم مع وقائع العصر يجب حذفه. وبناءً على هذه الرؤية، فهو يقسم النصوص إلى ثلاثة أنواع:
1- نصوص تاريخية
2- نصوص قابلة للتأويل
3- نصوص توصل القارئ من المعنى إلى المراد.
النصوص التاريخية: هذا القسم من النصوص الدينية يحكي الوقائع الاجتماعية لزمن نشأته. وبما أن النص ظاهرة ثقافية ويستفيد من معطيات عصره، فإن ثقافة العصر تتجلى في النص. وفي نص القرآن أيضاً يُلاحظ حضور ثقافة عصر النزول بوضوح. وكما أشرنا سابقاً، فإن بعض الأحكام كانت ناظرة إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية لصدر الإسلام، مثل نظام الرق، وتجارة العبيد، ووجود الإماء، وعدم المساواة بين البشر، مما ينبغي تجاوزه، لأنه كان خاصاً بحقبة زمنية معينة، وبفعل التطور الاجتماعي لم تعد هناك ضرورة للأخذ بها. ومن وجهة نظره، فإن مفاهيم مثل الجن، والشيطان، والسحر، والعين، ترتبط أيضاً بالبنية الذهنية لأعراب الجاهلية، وبما أنها لا أصل لها في الواقع، فينبغي تجاوزها أيضاً. {15}
النصوص القابلة للتأويل: بعض المفاهيم الموجودة في النصوص لا ينبغي تجاوزها، بل يجب تأويلها على نحو ما. ففي عصر نزول النص، تشكلت العلاقة بين الله والإنسان على هيئة عبودية – التي تعني الرق –. وقبول مفهوم العبودية يبرر أيضاً حكم الحكومات وسلطتها. يتناول أبو زيد معاني كلمة «عبد» في القرآن ليبين أن كلمة عبد تدل على حرية الإنسان لا على الرق. علاقة الإنسان بالله في الثقافة القرآنية قائمة على أساس الرحمة والمودة. ومن هنا، ينبغي أحياناً صرف المعنى الحقيقي للنصوص إلى المعنى المجازي. النصوص القابلة للتأويل هي النصوص التي تحتمل معاني كثيرة.
النصوص التي توصل القارئ من المعنى إلى المراد: يفرق أبو زيد بين المعنى والمراد. المعنى هو ما يُستخلص من النص بصورة مباشرة. وبالنظر إلى تحليل بنية النص وسياقه التاريخي يمكن الحصول على معنى النص، أما مراد النص فهو شيء آخر. من وجهة نظر أبو زيد، هناك فرقان أساسيان بين «المعنى» و«المراد»:
أ) المعنى له جانب تاريخي، أي أنه بالنظر إلى السياق الثقافي والاجتماعي للنص يمكن الحصول على معناه.
ب) المعنى يتمتع بثبات نسبي، أما المراد فهو قابل للتغير. ففي كل عصر وزمان يمكن تقديم قراءة أخرى للنص، ومن خلال تلك القراءة يتم الوصول إلى مراد النص. يقول أحد الباحثين في آثار أبو زيد:
«يتضح من شروح أبو زيد أن ما يعنيه بالمراد ليس القياس الفقهي ولا المقاصد الكلية للشريعة، بل ينبغي القول بشيء من التسامح: إن ما يعنيه بالمراد هو فهم المقاصد الفعلية للوحي في كل دورة وزمان، والاجتهاد الديناميكي الفاعل هو الذي يستطيع، بفهم المقاصد الفعلية للدين، أن يحقق الأهداف الكلية للشريعة، وهذا العمل يتيسر في ظل الانتقال من المعنى إلى المراد.» {16}
ويرى أن مراد النص يكون أحياناً خفياً في معناه، وعلى المفسر أن يسعى للوصول إليه. بعبارة أخرى، ينبغي اكتشاف الأهداف الخفية للنص. ويمكن لمثال أن يوضح رأيه. فهو يعتقد أنه على الرغم من أن الجنسين، الرجل والمرأة، متساويان من حيث ثواب العمل، إلا أنهما يختلفان من حيث الميراث، وهذا أمر يُستخلص من «معنى» النص، وكان هذا الاختلاف ناظراً إلى الظروف الثقافية والاجتماعية لزمن نزول النص. ولكن بالنظر إلى «مراد» النص الكامن وراء معناه، يمكن تقديم قراءة أخرى للنص وحل مسألة التفاوت في حصص الإرث على نحو ما.
القرآن وثقافة العصر
كما ذكرنا آنفاً، يعتبر أبو زيد القرآن نصاً ثقافياً، ومراده أن ثقافة زمن نزول النص قد انعكست فيه. وهذا القول لم يطرحه هو فحسب، بل طرحه آخرون أيضاً. فمن وجهة نظره ونظر الآخرين، تأثر القرآن الكريم بثقافة العصر في عدة مجالات.
1- مفردات وتعابير لغة العرب: على سبيل المثال، التشبيهات والتمثيلات التي كانت رائجة في العصر الجاهلي، وجدت طريقها إلى النص القرآني. مثل خطوات الشيطان (البقرة/168)، رؤوس الشياطين (الصافات/65)، عُصم الكوافر (الممتحنة/10)، أو أن العرب كانوا يولون ماء المطر قيمة خاصة ويستخدمون له تعبير «الغيث» بمعنى الإغاثة. ومن هنا ورد في القرآن:
وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه. (الكهف/29) وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه.
2- عقائد وثقافة عصر النزول: كان عرب الجاهلية يعتقدون بأمور كالجن والشيطان والسحر... إلخ، بل وكانوا ينسبون بعض الأفعال إلى الجن والشيطان. مثل: أن الشيطان يمسّ البشر، ويُضل الإنسان، ويُصيب الأفراد بالجنون.
«... قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7)» (الأحقاف / 7) قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين.
«... الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ...» (البقرة / 275)... الذي يتخبطه الشيطان من المس.
يقول الأستاذ بهاء الدين خرمشاهي، وهو من أنصار هذه النظرية، في هذا الشأن:
«لما كان الجن والعفاريت يتمتعون بانتشار كامل في أدبيات قوم العرب، فقد أورد القرآن الكريم سورة باسم الجن، وأنزل آيات في وصف إيمان بعضهم واستماعهم الجذلي، في حين أنه من المستبعد أن يقول علم اليوم أو عالمه بوجود الجن. {17}
3- تأييد بعض المقننات الحقوقية والسياسية والعادات والتقاليد الاجتماعية مثل: الأحكام المتعلقة بالمعاملات، والزواج، والطلاق، والإرث، وبعض الأحكام الخاصة بالحج.
4- إن القرآن في وصفه للقيامة والمسائل المتعلقة بالجنة والنار، قد نظر إلى ثقافة المجتمع في ذلك اليوم؛ ومن هنا فإنه يذكر من الفواكه والمأكولات ما كان يتناسب مع نمط معيشة عرب ذلك الزمان.
ومن أهم مؤلفات الدكتور نصر حامد أبو زيد ما يلي:
1- الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، دار التنوير، بيروت، 1982.
2- فلسفة التأويل، دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي، دار التنوير، بيروت، 1983.
3- مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990.
4- نقد الخطاب الديني، رؤية نقدية، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1990.
5- الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، سينا للنشر، القاهرة، 1992.
6- إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1992.
7- التفكير في زمن التكفير، ضد الجهل والزيف والخرافة، سينا للنشر، القاهرة، 1995.
8- النص والسلطة والحقيقة، الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1995.
9- القول المفيد في قضية أبو زيد، جمع وتقديم نصر حامد أبو زيد، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996.
كما أن أشهر مقالاته هي:
السيرة النبوية، سيرة شعبية، مجلة جامعة أوساكا للدراسات الأجنبية، اليابان، ع 71، 1986.
قراءة التراث وتراث القراءة (في كتابات أحمد صادق سعد) [اقتصادي مصري]، بحث في كتاب ندوة إشكاليات التكوين الاجتماعي الذكريات الشعبية في مصر، مركز البحوث العربية، القاهرة، 1990.
الكشف عن أقنعة الإرهاب، بحثاً عن علمانية جديدة، مجلة أدب ونقد، ع 58، 1990.
مقدمة لكتاب (البوشيدو؛ روح اليابان لإينازو نيتوبي)، سلسلة المائة كتاب، بغداد، 1990.
ثقافة التنمية وتنمية الثقافة، مجلة القاهرة، ع110/111، 1990،1991.
الإيديولوجيا الوسطية التلفيقية في فكر الشافعي، مجلة الاجتهاد، ع8، 1990.
النصوص الدينية بين التاريخ والواقع، مجلة قضايا وشهادات، ع2، مؤسسة عيبال،1990.
مفهوم النص؛ الدلالة اللغوية، مجلة إبداع، ع4، 1991.
مفهوم النص؛ التأويل، ألف، مجلة البلاغة المقارنة، ع12، 1992.
التراث بين الاستخدام النفعي، والقراءة العلمية؛ سلطة النص في مواجهة العقل، مجلة أدب ونقد، ع79، 1992.
مركبة المجاز من يقودها وإلى أين؛ مجلة ألف، الجامعة الأمريكية في القاهرة، 1992.
محاولة قراءة المسكوت عنه في خطاب ابن عربي، مجلة الهلال، القاهرة، 1992.
إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني، مجلة القاهرة، ع122، 1993.
المرأة؛ البعد المفقود في الخطاب الديني، مجلة القاهرة، ع123، 1993.
عصيان الدين أم عصيان الدولة، مجلة الناقد، ع73، لندن، 1994.
الأرثوذكسية المعممة؛ عندما يدمج التاريخ الاجتماعي بالمقدس، كتاب الناقد (العنف الأصولي، نواب الأرض والسماء)، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، 1995.
كما ترجم بالتعاون مع (سيزا قاسم) مجموعة من مقالات علماء سيميائية بارزين مثل "تشارلز ساندرز بيرس"، و"يوري لوتمان" إلى اللغة العربية، بالمواصفات التالية:
مدخل إلى السيميوطيقا، دار إلياس العصرية، القاهرة، 1986.
.
.
الهوامش:
*: لمزيد من الدراسة في هذا المجال، نحيل الأصدقاء إلى الأشعري، أبي الحسن علي بن إسماعيل، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، النهضة المصرية، الطبعة الأولى، 1369هـ
1- مفهوم النص، ص 45
2- نفسه، ص 68
3- نفسه، 184
4- نفسه، ص 36
5- نفسه، ص 100
6- نقد الخطاب الديني، ص 197
7- مفهوم النص، ص 25
8- نفسه، ص 59
9- نفسه، ص 103
10- معنى النص، ص 388 ؛ مفهوم النص، ص 234
11- معنى النص، ص 397 - 398 ؛ مفهوم النص، ص 240
12- نفسه، ص 168
13- نفسه، ص 182
14- مرتضى، كريمي نيا، آراء وأفكار الدكتور حامد أبو زيد، ص 66 ؛ نقد الخطاب الديني، ص 212
15- نقد الخطاب الديني، ص 213
16- سعيد، عدالت نجاد، نقد ومراجعات حول أفكار نصر حامد أبو زيد، ص 85
17- مجلة بينات، ع 5، ص 95
السيرة الذاتية للدكتور نصر حامد أبو زيد مأخوذة من هذا المصدر:
عدالت نجاد، سعيد، نقد ومراجعات حول آراء وأفكار نصر حامد أبو زيد، طهران، مركز الدراسات الثقافية ـ الدولية، منشورات مشق امروز، 1380
خرم دل، مصطفى، تفسير نور، الطبعة الثانية، طهران، منشورات نشر إحسان ،1380 تم الاستعانة به.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٥ تعليق
سلام و ادب و سپاس مختصر و عالی.
عالی بود. ممنون
اگر سایت خاصی را معرفی بفرمایید که بتوانیم کتابهای ابوزید را از آنجا تهیه کنم به نظرمشکل حل میشود
سلام من قصد دارم از مطالب آقای سلمان ایرانی در نوشته ام استفاده کنم.چگونه باید ارجاع دهم؟به همان منابع یا به شکل دیگری.لطفا راهنمایی بفرماییدتاحقی ضایع نشود.متشکرم از مطالب مفیدتان
جناب سلمان ایرانی ممنون از نوشته ی بسیارخوب و مفیدتان در مورد نصر حامدابوزید.بسیار کمک کننده بود.با آرزوی موفقیت شما.