اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
حوار بين مصطفى ملكيان وأبو القاسم فنائي يبحث في العلاقة بين الأخلاق والدين والعقلانية؛ وفي هذا اللقاء الذي يجمع الأستاذ بتلميذه، يرفض فنائي وصف التنوير الديني ويجيب عن سؤال التوافق بين العيش العقلاني والتدين.

في مايو 2014، أُجري حوار بمبادرة من مصطفى ملكيان وبحضوره مع أبو القاسم فنائي حول موضوعين: «علاقة الأخلاق بالدين» و«علاقة العقلانية بالدين»؛ حوار استمر على مدار جلستين وخمس ساعات بين الأستاذ وتلميذه - تلميذ بات اليوم صاحب رأي ومشروع فريد في مجال الدراسات الدينية. كان فنائي قد أنهى دراسة البحث الخارج في الفقه في حوزة قم العلمية، وحصل على درجة الماجستير في الإلهيات والمعارف الإسلامية عن أطروحة بعنوان «فلسفة الأخلاق في القرن العشرين» بإشراف مصطفى ملكيان. نال درجة الدكتوراه في فلسفة الأخلاق من جامعة شفيلد في إنجلترا، وكان حينها يدرّس ويبحث في مجال فلسفة الأخلاق وعلم الدين في بريطانيا. كتاباه الرئيسيان هما «الدين في ميزان الأخلاق» و«أخلاق علم الدين»، ورغم أن بعض النقاد وصفوا هذين الكتابين بأنهما من أكثر الأبحاث تميزاً واختلافاً في مجال التنوير الديني، إلا أنه يؤكد في هذا الحوار نفسه أنه لا يريد أن يُصنف مشروعه الفكري تحت عنوان التنوير الديني.
"بسم الله الرحمن الرحيم. في الشتاء الماضي قمت برحلة إلى أرض الأجداد. وفي هذه الرحلة، تشرّفت بلقاء الأستاذ ملكيان مرات عدة. وعندما علم الأستاذ الجليل بوجودي في إيران، تفضل مشكوراً باقتراحه على القائمين على مجلة 'اندیشه پویا' الوزينة أن يتحاوروا معي. وعندما حضرت إلى مكتب المجلة لإجراء الحوار، اكتشفت أن الأستاذ نفسه حاضر في الجلسة. ويبدو أنه كان هناك اتفاق مسبق بين القائمين على المجلة والأستاذ على أن يكون الأستاذ هو الطرف المحاور، وأن يتولى هو طرح الأسئلة وإدارة الجلسة. وعندما أمسك الأستاذ بزمام الحديث، وجدت نفسي في موقف كان، من الناحية الأخلاقية، بالغ الفائدة ومثيراً للتأمل بالنسبة لي، ومن ناحية أخرى، كان مزعجاً ومفاجئاً للغاية. وقد قلت للأستاذ أيضاً إن الصواب يقتضي أن نتبادل المواقع أنا وسعادتكم. على أية حال، كان اتخاذ القرار في ذلك الموقف صعباً جداً بالنسبة لي. وفي النهاية، ارتأيت أن أمضي على رغبة الأستاذ، وألا أحرم القراء من المتعة المعنوية والأخلاقية الناجمة عن لطفه وتواضعه الفريد. اقترح الأستاذ العزيز أن يتم الحوار حول ثلاثة محاور رئيسية: الأول علاقة الدين بالعقلانية، والثاني علاقة الدين بالأخلاق، والثالث جواهر القرآن. جرى حوارنا في ثلاث جلسات.
مصطفى ملكيان: في البداية، أود الإشارة إلى ثلاث نقاط عامة. النقطة الأولى هي أنني أستفيد كثيراً من كتاباتكم وأقوالكم، وقد قلت في موضع آخر إن هناك ثلاث سمات بالغة الأهمية في كتاباتكم. السمة الأولى هي دقة النظر والتدقيق والتعمق. والسمة الثانية هي مراعاة أخلاقيات النقد، وأهم علاماتها هو الإنصاف الذي تتحلون به في محاكماتكم وأحكامكم. والسمة الثالثة هي أن هناك نزعة أخلاقية جارفة في أقوالكم وكتاباتكم، وبصرف النظر عن قبولي لأقوالكم وكتاباتكم من عدمه، فأنا أمام كاتب لديه هم أخلاقي، وهذا أمر مهم جداً. النقطة الثانية هي أنني لا أغفل أبداً الخدمات التي قدمها المتنورون دينياً في ثقافتنا خلال القرن الأخير، وأعتقد أن الخدمات التي قدموها لا يمكن إنكارها حقاً، وقد تسببت في تقدم الفكر الديني وأصل التفكير في البلاد. ما أقوله أحياناً هو أنني أريد أن أعرف هل توجد في مشروع التنوير الديني إجابات للأسئلة التي أطرحها أنا وأمثالي أم لا؟ النقطة الثالثة هي أنني أتمنى حقاً أن تجري هذه النقاشات في فضاء سليم، وحتى لو لم تنتهِ إلى نتيجة، وحتى لو لم تُحسم مسألة واحدة منها، فإن مجرد الحوار في هذا الفضاء الأخلاقي السليم هو أمر مبارك. الموضوع الأول من حوارنا هو عن العقلانية.
النظرة العقلانية والحياة العقلانية أو ما يُسمى بالعيش العقلاني تُعدّ من فضائل البشر، ونحن نُثمّن قيمة إيجابية للإنسان الذي يعيش بعقلانية ويفكر بعقلانية. وأظن أنكم تقبلون أيضاً أن العيش العقلاني والتفكير العقلاني هما من فضائل الإنسان. ومن ناحية أخرى، فأنتم من حيث المبدأ ترون أن التدين بالدين -بأي معنى تأخذونه للتدين- ليس مفيداً للبشر فحسب، بل ضروري. أي أننا نعتبر ممارسة التدين مفيدة للإنسان على الأقل، بل وقد ندّعي أنها ضرورة للإنسان. لكن السؤال هو: هل الجمع بين هذين الأمرين، أي العيش العقلاني وممارسة التدين، ممكن أم لا؟ وإذا كان ممكناً، فهل كلما اتسعت هذه العقلانية وتعمقت وتوغلت في أعماق وأغوار ساحات الحياة الإنسانية، لا تتعارض مع ممارسة التدين؟ أم أن العقلانية إذا تجاوزت حداً معيناً وازدادت اتساعاً، تصبح غير منسجمة ومتعارضة مع ممارسة التدين؟ إذا قلتم إن العقلانية مهما امتدت وتعمقت لا تتعارض مع التدين، فلا بأس من الاستدلال على إثبات هذا القول، وإذا قلتم إن العقلانية ينبغي أن تمتد إلى حد معين، وأن امتدادها وتعمقها الأكبر يصبح متعارضاً مع ممارسة التدين، فحينئذٍ السؤال هو: أين يقع هذا الحد؟ وأين ينبغي أن نضع نقطة التوازن التي إذا ما وقفنا عندها نستطيع أن نكون متدينين وأن نعيش بعقلانية في آنٍ معاً؟
أبو القاسم فنائي : شكراً جزيلاً لكم وللأصدقاء الذين أتاحوا لي هذه الفرصة. أنا لا أعتبر نفسي أصلاً أهلاً للثناء والإطراء الذي تفضلتم به، وإن كان هناك شيء فهو من جملة ثمرات التلمذة والتربية التي حصلت عليها بين أيديكم. أنا متفق تماماً مع ما تفضلتم به من أن نفس هذا الحوار مبارك، ويجعل مواقف الطرفين أكثر وضوحاً ويزيد من التعاطف بينهما، وإذا كان هناك غموض في مواقف الطرفين فإنه يزول. فنفس هذا الحوار، بصرف النظر عن أن نصل إلى نتيجة أم لا، له قيمة تبرر القيام بمثل هذا العمل. قبل الخوض في البحث الأساسي، أرى من الضروري أن أصرح بهذه النقطة: أنني طوال هذا الحوار سأتحدث من منطلقي ووجهة نظري الشخصية، لا بوصفي ممثلاً عن المثقفين الدينيين. وعلى الرغم من القيمة والأهمية والاحترام الذي أكنّه لبعض المثقفين الدينيين، وفي الوقت نفسه تعاطفي مع بعض وجهات النظر واستلهامي من أفكارهم، إلا أنني، لأسباب لا يتسع المجال هنا لشرحها وبسطها، أفضل أن أُعرّف همومي وموضوعاتي التي تهمني وأتابعها في قالب مشاريع فلسفية ودينياتية، لا في قالب مشاريع مثقفية. وقبل أن أرغب في الإجابة عن السؤال المهم الذي طُرح، ينبغي أن أُعرّف العقلانية. أنا متعاطف بعمق مع مشروعكم الذي يجمع بين العقلانية والمعنوية، وقد قرأت تقريباً كل ما قلتموه وكتبتموه حتى الآن عن العقلانية والمعنوية، وأوافق على قسم مهم من وجهات نظركم بشأن خصائص ومكونات المعنوية، والحياة المعنوية، والإنسان المعنوي، وإن كنت لا أعتبر المعنوية بديلاً عن الدين، وأعتقد أن التقاليد الدينية، ومنها التقاليد الإسلامية والشيعية، بحاجة إلى إعادة بناء عقلاني ومعنوي وأخلاقي. خلافي الأساسي معكم هو في تعريف العقلانية. سأطرح أولاً تصوري لتعريفكم للعقلانية، ثم أقول رأيي الخاص.
أُرجّح بقوّة أن يتّضح في النهاية أنّنا متّفقان تمامًا في هذا الشأن، وأنّنا نستخدم ببساطة تعبيرين مختلفين للتعبير عن مقصودٍ واحد. ما فهمته من كلامكم هو أنّكم تعرّفون العقلانيّة بوصفها مرادفًا للعيش وفقًا للاستدلال. لكنّني أعتقد أنّ هذا التعريف ضيّقٌ بعض الشيء؛ بمعنى أنّ نطاق العقلانيّة أوسع من نطاق الاستدلال، وبالتالي لا يمكن اختزال العقلانيّة إلى الاستدلال. التعريف البديل الذي أميل إليه أكثر يقول: العقلانيّة هي اتّباع حكم العقل، أو اتّباع مجموعة من الواجبات والمحرّمات العقليّة. أو يمكن القول حتّى إنّها اتّباع «شريعة العقل». في اعتقادي، إحدى الوظائف الأساسيّة للعقل هي كونه مصدرًا للمعايير العلنيّة؛ أي أنّ للعقل واجباتٍ ومحرّمات، وهذه الواجبات والمحرّمات ذات نطاقٍ عريض، وتشمل جميع الساحات الوجوديّة التي نملك فيها القدرة على الاختيار، ويمكننا أن نقرّر فيها القيام بفعلٍ ما أو عدم القيام به، ثمّ ننفّذ الفعل أو نتركه بناءً على ذلك القرار؛ بما في ذلك ساحة المعتقدات، وساحة المشاعر والعواطف، وساحة النيّة والإرادة، وساحة القول، وساحة السلوكيّات الخارجيّة. يكون الإنسان عائشًا عيشًا عقلانيًّا ما دام لا يتجاوز هذه الواجبات والمحرّمات في قراراته وفي سلوكيّاته المبنيّة على تلك القرارات، بل يتّبعها. إذا قبلنا هذا التعريف للعقلانيّة، فأعتقد أنّ لقبوله نتائج عديدة. إحدى النتائج البالغة الأهمّيّة هي أنّ العلاقة بين العقلانيّة العمليّة والعقلانيّة النظريّة تنعكس. أي أنّنا في إطار هذا التعريف يجب أن نسلّم بأنّ العقلانيّة العمليّة متقدّمة على العقلانيّة النظريّة بمعنىً من المعاني. ما أعنيه هو أنّ العقل النظريّ، إذا أراد أن يعمل بشكلٍ صحيح ويقترب من الحقيقة، فعليه أن يراعي مجموعةً من الواجبات والمحرّمات. هذه الواجبات والمحرّمات التي تنبع من أوامر العقل العمليّ لها أنواعٌ وأقسام. بعضها منطقيّ، وبعضها الآخر معرفيّ، وبعضها الآخر أخلاقيّ، وبعضها من أنواعٍ أخرى. إذا قبلنا هذا التعريف للعقلانيّة، نصل إلى نتيجة مفادها أنّه بقدر ما نتّبع هذه الواجبات والمحرّمات في قراراتنا في جميع الساحات، نكون قد وفّينا حقّ العقلانيّة، وكنّا ملتزمين بهذه الفضيلة العظيمة، وكانت حياتنا حياةً عقلانيّة.
على هذا الأساس يمكن القول، وهذه هي النتيجة الثانية للتعريف المذكور، إنّ العقلانيّة لا تطلب منّا أن نكون تابعين للاستدلال إلّا في نطاقٍ خاصّ، وهذا النطاق هو المجال الذي يكون فيه الاستدلال ممكنًا أوّلًا، ويكون فيه اكتساب المعرفة عن طريق الاستدلال واجبًا ثانيًا؛ أي إذا كانت العقلانيّة تطلب منّا أن نكون تابعين للاستدلال، فينبغي أن يكون الاستدلال ممكنًا بطبيعة الحال. لكن ثمّة مجالات لا يكون فيها الاستدلال في متناول أيدينا. بالطبع، عندما لا يكون الاستدلال في متناولنا، لا يمكننا القول إنّه لم تعد علينا أيّ مسؤوليّة من الناحية العقليّة في هذا المجال، أو إنّ العقلانيّة ليس لها واجبٌ أو محرّمٌ إزاءه. بل يجب أن نكون تابعين لجزءٍ من أشياء أخرى هناك. على سبيل المثال، هناك جزء من معتقداتنا لا يمكن الاستدلال لصالحها، لكنّها مع ذلك يمكن أن تكون موجّهة. مثلًا، الاعتقاد بوجود عالم الطبيعة الذي لا يمكن إثباته عن طريق الاستدلال العقليّ. وإن أمكن إقامة استدلال، فهو يقوم على مقدّمات تُستمدّ من خلال التجربة الحسّيّة. بعبارة أخرى، الاستدلال ليس المصدر الأوّليّ للمعرفة والتوجيه، ونحن مضطرّون لأن نعترف بالحجّيّة لبعض المعتقدات الحسّيّة وفوق الحسّيّة أو الحدسيّة، كي نتمكّن من استخدامها كموادّ خام في استدلالاتنا. وظيفة الاستدلال هي نقل التوجيه من المقدّمات إلى النتيجة، وعمليّة الاستدلال والتوجيه الاستدلاليّ/الاستنتاجيّ لا يمكنها أن تستمرّ إلى ما لا نهاية.
لذا، لا يمكن القول إن عقلانية جميع المعتقدات تستند إلى الاستدلال. فعندما نستدل، نفترض في الواقع أن لدينا معتقدات لم تكتسب تبريرها من خلال الاستدلال. وبالطبع، فإن هذا التعريف للعقلانية، الذي أراه صحيحًا، لا يتعارض مع الاستدلال، غير أن الاستدلال يصبح مجموعة فرعية من هذا التعريف الموسع للعقلانية. فحيثما يكون الاستدلال ممكنًا، ونستطيع بناءً عليه أن نقرر قبول معتقد ما أو رفضه، أو القيام بسلوك ما أو تركه، وكان قرارنا قابلاً لأن يُبرر عبر الاستدلال، فإن العقلانية تطلب منا بطبيعة الحال أن نتبع الاستدلال. أما في سائر المجالات التي لا يتيسر فيها مثل هذا الاستدلال، فإن العقلانية لا تعني أن نكون استدلاليين، بل تعني أن نتعرف على ما ينبغي وما لا ينبغي فعله عقلانيًا في ذلك المجال وأن نتبعه. وإذا قبلنا هذا التعريف للعقلانية، نحصل على إطار يمكننا بناءً عليه فصل المعتقدات العقلانية والسلوكيات العقلانية عن المعتقدات الخرافية والسلوكيات غير العقلانية. وهذه المعايير لا تختص بمجال الدين.
إذا لم يلتزم شخص بالعقلانية وتجاوز هذه المعايير، فبقدر ما يتجاوزها، فإن التزامه بأي نتيجة يصل إليها سيكون غير عقلاني. وبهذه التوضيحات، يمكننا استخدام العقلانية كمرشح أو معيار تفنيد لتصحيح فهمنا للنصوص الدينية. هذا ما أعتقد به، وفي رأيي أنه ما دام الفرد ملتزمًا بهذا المعيار، فإن عمله يكون صحيحًا من الناحية العقلانية، ويكون أيضًا من أهل النجاة والخلاص؛ ذلك أن هذه العقلانية نفسها تقتضي، عندما نُقيّم البشر، أن يكون معيارنا هو صدقهم وجديتهم، لا النتيجة التي يتوصلون إليها عن سعي وجهد جادّين وصادقين. فقد يبحث شخص ما عن الحقيقة بصدق وجدية، لكنه لا يصل إليها بسبب عوامل خارجة عن سيطرته وإرادته، من جملتها الأخطاء المعرفية لا الأخطاء الأخلاقية. وعدالة الله تقتضي أن يثيبه في الآخرة وبعد الموت، لا أن يعاقبه.
وينبغي أن أضيف أن لدينا مصدرين للمعرفة: أحدهما المعرفة عن طريق الدليل، والآخر المعرفة عن طريق الشهادة. فليس الأمر أن مجال العقلانية يتطابق تمامًا مع مجال المعرفة عن طريق الدليل، بل هناك أنواع من المعرفة عن طريق الشهادة لها حجية معرفية؛ بمعنى أن شهادة الآخرين يمكنها، في ظل ظروف معينة، أن تكون مصدرًا للمعرفة والتبرير لنا، والعقلانية تطلب منا أو تسمح لنا، في ظل ظروف خاصة، أن نقبل ادعاءً ونعتقده بناءً على شهادة الآخرين.
في مثل هذه الحالات، إما لا نملك دليلاً لصالح تلك النتيجة، أو أن الدليل في متناول أيدينا لكننا، لأسباب مختلفة منها ضيق الوقت واعتبارات تتعلق بتعقيدات الحياة اليومية، لا نستطيع أن نبحث شخصيًا ونعتقد شيئًا أو نقوم بعمل ما بناءً على بحث شخصي وأدلة قيّمناها شخصيًا واختبرنا صحتها. هنا، وفي إطار مراعاة ظروف خاصة، نقبل كلام فرد بناءً على شهادته ونتصرف على أساسه. وإذا قبلنا هذه المسألة، ينفتح مجال للتعبّد الديني؛ أي أن لدينا مجموعة من التعاليم الدينية لا نستطيع نحن أنفسنا إدراكها مباشرة من خلال التجربة الدينية، ولا يتوفر دليل خارج الديني لصالحها أو ضدها. لكن هنا، وفي ظل ظروف خاصة، تسمح لنا العقلانية بقبول شهادة أولئك الذين يدّعون الوصول إلى مصدر معرفي خاص، وتبرير المعتقدات المتعلقة بذلك المجال الخاص بناءً على شهادتهم. وإذا كانت تلك المعتقدات تقتضي سلوكًا خاصًا، فإننا نقوم بتلك السلوكيات.
ملكيان: لقد طُرحت في كلامكم مواضيع مختلفة استرعت انتباهي. من بينها سأناقش نقطةً واحدةً باعتبارها أهم نقطة، وهي أنكم تقولون إن عقلنا، أي قوّتنا الاستدلالية، لا كلام له في بعض المجالات؛ أي أن هناك مجالات في الحياة والتجارب الإنسانية لا يكون فيها الاستدلال في متناول أيدينا. هذا كلام صحيح. التعبير الذي أستخدمه للمجالات التي لا يتوفر فيها الاستدلال هو «المجالات العازفة عن العقل» – فهي ليست عقلانية ولا مناهضة للعقل. ولأنني أعتبر هذه المجالات عازفة عن العقل، فقد كنت دائمًا منتبهًا إلى وجودها. أنتم تقولون إنه في المجالات التي لا نملك فيها استدلالًا ينبغي الرجوع إلى الدين. قد يسأل سائل: بأي استدلال يمكن حفر هذا النفق؟ فالأمر أشبه بأن أقول إنني لا أستطيع تحصيل خبر مما أسمّيه «المصدر الأول». فهل يُستنتج من ذلك أنه يجب علينا حتمًا تحصيل الخبر من «المصدر الثاني»؟ إن يأسنا من مصدر معلوماتي ومصدر معرفي ومعرِّف لا يعني سوى حرماننا من المعلومات والمعارف التي يمتلكها ذلك المصدر. لكن إذا قلتم إن هناك مصدرًا ثانيًا يجب أن نرجع إليه لرفع حرماننا من المصدر الأول، فقد يقول قائل إنه لا يوجد بديل للمصدر الأول، والمقصود به هنا العقل والعقلانية؛ لأن بديل العقلانية هو العرفان أيضًا، فلماذا لا أرجع إلى العرفان مثلًا؟ بافتراض أنه لا خيار لنا سوى الرجوع إلى هذا البديل المنحصر حين نقطع الأمل من العقلانية. فأي وجه ترجيح يمكن أن يكون هنا؟
فنائي: أنا لا أتعاطف مع هذه الصياغة. النقطة الأولى هي أن العقل في نظري ليس مجرد قوة استدلالية، بل له ثلاث وظائف مختلفة. الأولى الحدس، والثانية الاستدلال، والثالثة الأمر أو الحكم المعياري، وهذه الوظائف الثلاث تختلف عن بعضها البعض. النقطة الثانية هي أنني لم أقل إن هناك موضعًا لا تملك فيه العقلانية ما تقوله. ما قلته هو أن نطاق العقلانية مطلق؛ أي أننا لا نستطيع أن نجد حالة لا يكون للعقل فيها حكم معياري بالمعنى العام للكلمة. قد لا نستطيع أن نقدم استدلالًا عقليًا نحو اعتقاد معين، لكن العقلانية تكون مرشدتنا هناك أيضًا؛ أي أن لها حكمًا معياريًا. بمعنى أننا من الناحية العقلانية إما يحق لنا قبول ذلك الاعتقاد أو رفضه، أو أن واجبنا هو أن نبقى لاأدريين ولا نتخذ أي موقف. أحيانًا يطلب منا العقل ألا نتخذ أي موقف لأن الشواهد المتاحة المؤيدة والمعارضة للدعوى المبحوثة متكافئة في الوزن. إذن، أن يكون الشيء عقليًا يختلف عن أن يكون عقلانيًا. فهذان المفهومان لا ينطبقان تمامًا أحدهما على الآخر. بل العقلانية أعم من الاستدلال العقلي. في نطاق التجربة أيضًا يمكن لسلوكنا أن يكون عقلانيًا. فحين نعتمد على التجربة لا نكون قد اعتمدنا على الاستدلال، لكننا في الوقت نفسه، ما دمنا نتبع ما ينبغي وما لا ينبغي عقلانيًا الناظم للقوى الحسية، يكون عملنا عقلانيًا؛ وإن لم يكن هناك استدلال عقلي محض. هنا أعود إلى تعبير «ما يفر منه العقل» الذي استخدمته أنت واستخدمته في مواضع أخرى. في نظري أن هذا التعبير فيه شيء من الغموض. غموضه ناتج عن أننا نستطيع استخدام هذا التعبير بمعنيين على الأقل. أحيانًا يكون مقصودنا أننا لا نملك استدلالًا عقليًا يؤيد أو يعارض الموضوع المبحوث. وأحيانًا نقول إنه لا يوجد هناك أي حكم معياري عقلي يوضح تكليفنا بشأن ذلك الموضوع ويخبرنا كيف ينبغي أن نتخذ موقفًا منه. بهذا المعنى الثاني، لا أعتقد أن لدينا شيئًا يفر منه العقل، لكن بالمعنى الأول توجد مجموعة من الموضوعات لا نستطيع أن نستدل لصالحها أو ضدها. النقطة التالية هي أننا إذا قبلنا العقلانية بالتعريف الذي ذكرناه، فمعنى ذلك أن هناك اعتقادات لا يستطيع العقل أن يقول فيها شيئًا نفيًا أو إثباتًا، ولا يوجد استدلال عقلي يؤيدها أو يعارضها. لكن في الوقت نفسه توجد هناك أحكام معيارية عقلانية خاصة يمكننا ويجب علينا أن نتبعها. نسبة هذه الاعتقادات إلى الاعتقادات الدينية هي نسبة العموم والخصوص من وجه؛ أي أن جميع الأمور التي لا نملك استدلالًا عقليًا لصالحها لا تقع بالضرورة في نطاق الدين. أدعائي هو أننا يجب أن نرجع إلى الدين في جزء فقط من هذا النطاق، لا في كله. لماذا يجب أن نرجع إلى الدين؟ ليس لأن العقلانية لا تملك ما تقوله هناك، بل لأن العقلانية هناك تمنحنا الحق أو توجب علينا أن نقبل الدعاوى المطروحة بناءً على شهادة الآخرين. بخصوص الأمر الآخر الذي ذكرته، يجب أن أقول إنني لا أعتبر الدين بديلًا عن العقلانية، بل أعتبر العقلانية إطارًا للدين. هاتان النظرتان بشأن علاقة الدين بالعقلانية مختلفتان جدًا. أنا لا أقول إنه في المواضع التي لا تملك فيها العقلانية ما تقوله، وبما أنها لا تملك ما تقوله، يجب أن نذهب إلى مصدر آخر. العلاقة بينهما هي علاقة الإطار بالمحتوى، لا علاقة مصدرين بديلين بحيث نقول إن لم يكن لمصدر ما يقوله فلنذهب إلى مصدر آخر، ثم يُطرح هذا السؤال: إن كان المصدر الأول لا يملك ما يقوله، فنحن بحاجة في النهاية إلى استدلال يظهر أننا مكلفون بالرجوع إلى المصدر الثاني. في نظري أن علاقة الدين بالعقلانية ليست هكذا على الإطلاق. صياغتي وتصوري لعلاقة هاتين المقولتين هي أن إحداهما إطار والأخرى محتوى. لكنك قلت: لماذا يجب أن نرجع إلى الدين لا إلى العرفان؟ جوابي هو أننا إذا قبلنا تعريف العقلانية ذاك، فسيكون واجبنا العقلاني هو أن نكون دائمًا تابعين للدليل/التبرير، طبعًا التبرير كما قلت أعم من التبرير الاستدلالي، وإذا تعارضت الأدلة المتاحة فسيكون واجبنا أن نتبع الدليل الأقوى. على سبيل المثال، إذا تعارضت بعض الدعاوى العرفانية مع بعض الدعاوى الدينية، فإن واجبنا العقلاني هنا يقتضي أن نقبل التعاليم التي يتوفر لصالحها تبرير أقوى.
ملكيان: سأفترض أنني أقبل كل ما قلتموه في هذا الجزء ولا أناقشكم فيه؛ وإن كنت أتحفظ على بعضه. سأنتقل إلى حالة عينية وملموسة. أنتم تقولون إنه حين لا تكون الحجة في متناول أيدينا في حقل ما، فإن العقلانية، بتعبيركم، تطالبنا بإصدار حكم معياري بشأن ما ينبغي فعله في ذلك الموضع الذي لا تتوفر فيه الحجة.
فنائي: الحجة غير متوفرة لكن التبرير موجود. الحكم المعياري المعني لا نصدره نحن، بل يصدره العقل، ونحن، بوصفنا كائنات عاقلة، وبقدر ما نحن عقلاء، سنتبع هذا الحكم.
ملكيان: لنفترض أن هناك حقلاً لا تتوفر فيه الحجة، لكن العقلانية تقتضي أن نتخذ فيه موقفاً. هل يمكنكم أن توضحوا أين يقع هذا الحقل الذي لا تتوفر فيه الحجة، وكيف يصدر العقل هنا حكماً معيارياً بالرجوع إلى الدين؟
فنائي: أنا لا أرى المسألة على هذا النحو. يدور النقاش حول أننا نواجه مجموعة من المعتقدات أو الدعاوى، بعضها نظري وبعضها عملي، وبعضها ديني وبعضها تاريخي وهكذا. بعض هذه المعتقدات أو الدعاوى يمكننا تبريرها عن طريق الفحص والحجة، ونجعل قبولها معقولاً بالنسبة لنا. لكن هناك مجموعة من هذه المعتقدات أو الدعاوى لا يمكن أن نقيم الحجة على ما لها وما عليها، ومع ذلك نملك تبريراً عقلانياً لها. إذا كان لدينا تبرير عقلاني لصالح ذلك المعتقد وقبلناه على أساس ذلك التبرير، فإننا لا نكون قد خرقنا العقلانية. وحتى لو لم يكن لدينا تبرير عقلاني نظري، فإن العقلانية تظل هناك تطالب وتقتضي أو تحكم حكماً معيارياً. فهي مثلاً إما أن تتيح لنا، بناءً على معايير قائمة على المصلحة أو الفوائد العملية لقبول معتقد ما، كالسعادة والطمأنينة الأكبر أو الألم والمعاناة الأقل، وأي معيار يمكننا عقلانياً أن نعطي له وزناً أكبر، أن نقبل ذلك المعتقد. أما إذا لم تنطبق تلك المعايير البراغماتية على ذلك المعتقد بعينه، فليس علينا أي واجب من الناحية العقلانية ونكون أحراراً. وعليه، فأنا لا أقول إنه حيثما لا نملك تبريراً استدلالياً لصالح معتقد ما نلجأ إلى الدين، بل أقول إن بعض المعتقدات الدينية لا تملك تبريراً استدلالياً، ومع ذلك فإن قبولها ليس خرقاً للعقلانية؛ كما أن بعض المعتقدات غير الدينية، كالاعتقاد بوجود عالم الطبيعة أو الاعتقاد بوجود أذهان الآخرين، هي كذلك أيضاً.
ملكيان: هل تعنون بقولكم إن العقلانية لا تقتضي شيئاً أن مقتضى العقلانية هو الإباحة؟ أنتم تقولون إنه حيث لا تتوفر الحجة، يوجد التبرير، وهذا يعني أنكم تعتبرون التبرير والحجة شيئين مختلفين من الناحية الإبستمولوجية، وهذا أيضاً محل نقاش. حددوا لنا بالتحديد موضعاً كان للعقلانية فيه وظيفة إصدار أحكام معيارية طلبت مني فيه، مثلاً، أن أقبل كلاماً ما في العهد الجديد.
فنائي: العقلانية التي ألتزم بها لا تقتضي أن أقبل المعنى الظاهري الحرفي لما ورد في النصوص الدينية.
ملكيان: ألا يندرج تحت هذا الكلام قوله تعالى: «نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ»؟
فنائي: الإيمان يعني أن نقبل أن جميع الآيات هي كلام الله، وليست مزورة، ونحن نقر بأصالتها. الإيمان بأن هذا النص الديني من عند الله يعني أن هذه أفعال كلامية صادرة عن الله. أحد الأفعال الكلامية هو الإخبار. الله يخبرنا بشيء يجب أن نلتزم به كإيمان، لا بالمعنى الظاهري للآية. أما ما هو مضمون ذلك الفعل الكلامي في هذه الحالة الخاصة، فهذا كلام آخر. وبتعبير شائع في ثقافتنا التقليدية، فإن موضوع الإيمان ومتعلقه هو «المراد الجدي» لله، لا «مراده الاستعمالي». نحن مضطرون أولاً أن نكتشف المراد الجدي لله من كلامه ثم نقبله. طبعاً، أحياناً يكون المراد الجدي لله هو نفسه مراده الاستعمالي، لكن ليس الأمر كذلك دائماً. إذا أخذنا هذه الملاحظات بعين الاعتبار، يمكننا القول بشأن بعض الآيات إن الإيمان لا يتضمن ولا يستلزم الالتزام بالمعنى الظاهري. المعنى الظاهري للآيات هو مراد الله الاستعمالي، لا مراده الجدي.
ملكيان: هل تقصد بالمعنى الظاهري المعنى الحقيقي في مقابل المعنى المجازي أو الاستعاري؟ أليس مقصودك هو المعنى الباطني؟ لأن المعنى الظاهري يُستخدم في مقابل المعنى الباطني، لكننا أحياناً نستخدم المعنى الظاهري في مقابل المعنى الاستعاري والرمزي والكنائي. على أية حال، إذا لم تحدد المعنى غير الظاهري وقلت إننا لسنا بحاجة إلى تحديد معناه المجازي أو الاستعاري أو الرمزي أو الكنائي، أفلا يفقد الإيمان حينئذٍ خاصيته؟ لا يمكن أن نطلب الإيمان بقضايا لا نفهم معانيها.
فنائي: أنا لا أقول إنه لا ينبغي لنا أن نسعى لإيجاد معنى معقول لتلك الآيات. لكن هذا السعي قد لا يكون مقروناً بالتوفيق دائماً. قد يكون النص الديني أحياناً مجملاً ولا نصل إلى أية نتيجة. وهذا ما أشار إليه العلماء التقليديون أيضاً.
ملكيان: قولك إن العقل لا يستدل فحسب، بل لديه أيضاً حدس ويصدر أحكاماً معيارية، لم أنكره قط. غير أني لا أستخدم تعبيرك. أولاً، أنا أقول إن لدينا عقلاً عملياً وعقلاً نظرياً. العقل العملي هو الذي وظيفته إصدار الأحكام المعيارية، وأما العقل النظري فعمله الحدس والاستدلال. أنا لم أقل إن العقل ليس لديه سوى قوة الاستدلال. قلت إن العقل النظري يستدل، وأنا أؤمن بعقل نظري آخر يقول عنه القدماء إنه يحدس.
فنائي: لكن في تعريفك للعقلانية يجري التركيز فقط على العقل المستدل...
ملكيان: لقد قلت في محاضرتي في جامعة أمير كبير في صيف عام 1380 إنني أعرف العقلانية في تسعة أوجه، ستة منها عقلانية نظرية وثلاثة منها عقلانية عملية. إذن أنا أيضاً أتفق مع رأيك تماماً في أن وظيفة العقل ليست الاستدلال فقط. لكن السؤال هو: ربما يقول قائل إنه حين لا يمكن، مثلاً، في العهد الجديد تلقي معنى مؤثر من غالب رسائل بولس الرسول، فلماذا تحكم العقلانية العملية، أو بتعبيرك ذلك الشأن من العقلانية الذي يصدر أحكاماً معيارية، بوجوب قبولها؟
فنائي: لقد طرحت نقاطاً جديدة، لكن اسمح لي أن أبدأ من هذه النقطة الأخيرة. السؤال المحدد هو: ما المعنى الذي يمكن أن يكون للإيمان بكلام لا يتضح لنا مفاده؟ هذا يعود إلى تعريفنا للإيمان وتعريفنا للوضوح، وإلى ماهية وظيفة هذه النصوص أساساً. أنت أيضاً تقبل حتماً أن كل متكلم حين يتكلم، لا يكون كلامه تابعاً لعلمه هو وقدرته على الكلام فحسب. ثمة مجموعة من المحددات تُفرض على المتكلم من الخارج، من جانب المخاطبين والثقافة ومستوى وعيهم وقواهم الإدراكية. إذا قبلنا هذا، فيمكننا في رأيي، بناءً على هذه الفرضية المسبقة، أن نقبل ورود بعض المقاطع في هذه النصوص ونقول إن هذه المقاطع كانت ذات معنى واضح وجلي للمخاطبين الأولين، وإن لم تكن كذلك للمخاطبين اللاحقين. لكن، ولأن هذه من الأمور العرضية، فإن عدم وضوحها أو عدم إفادتها للأجيال اللاحقة من المخاطبين لا يشكل مشكلة. كانت وظيفتهم العقلية هي القبول، ووظيفة الأجيال اللاحقة العقلية هي أن يجدوا لها، إن استطاعوا، معنى أكثر معقولية في ضوء أجزاء أخرى من النص الديني، وإن لم يستطيعوا فلا مشكلة في ذلك أيضاً. أي أن كون الله حكيماً وعليمًا مطلقًا لا يقتضي أن يكون لكل كلام يقوله معنى واحد واضح وجلي ومحدد لجميع البشر.
ملكيان: أنتم تقولون إن هذه الأمور ليست من ذاتيات الدين بل من عرضياته، والعرضيات ليست إلزامية. حينها سؤالي هو: من أين جاءت أصلاً قصة الذاتي والعرضي هذه؟ لم يُكتب على جبهة أي جزء من نص أنني ذاتي دائماً ويجب قبولي في كل زمان ومكان وكل وضع وحال وكل ثقافة ومجتمع، ولم يُكتب على جبهة جزء آخر من نص أنني عرضي وأتوقف على الزمان والوضع والحال والثقافة والحضارة والمجتمع والحقبة التاريخية. أليس هذا شيئاً نلوذ به، بتعبير فلاسفة العلم، لإنقاذ الظاهرات؟ طرحنا في وقت ما بحث الناسخ والمنسوخ وقلنا إن هذه الآية نُسخت بآية أخرى. وبالصورة نفسها طُرح بحث آخر تحت عنوان المحكم والمتشابه. ثم رأى متنورونا الدينيون أن لا المحكم والمتشابه استطاع إنقاذ كل الظاهرات وحاجاتها، ولا الناسخ والمنسوخ. فقالوا إن هناك شيئاً ثالثاً هو الذاتي والعرضي. أنا شخصياً لا أستطيع مطلقاً الاستدلال على الذاتي والعرضي بنقد ديني داخلي أو بعقلي خارج ديني. لا أقبل البتة أن يكون الذاتي والعرضي مقبولاً في الدين. حين نقول «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة» ينبغي ألا نتحمل الذاتي والعرضي. لماذا صنعتم أنتم المتنورين الدينيين، علاوة على المحكم والمتشابه وعلاوة على الناسخ والمنسوخ، شيئاً ثالثاً اسمه الذاتي والعرضي؟ ما هو استدلالكم الديني الداخلي والخارجي على أن للدين ذاتياً وعرضياً؟ القرآن وفق عقيدتنا كتاب سماوي، وبالتالي لا يشمله الكلام الذي سأقوله. لكنكم إذا فتحتم باب منهج المحكم والمتشابه ومنهج الناسخ والمنسوخ والمنهج المستحدث للعرضي والذاتي، فعليكم أن تعلموا أن آخرين سيأتون لاحقاً ويُظهرون كل كتاب غير سماوي باستخدام هذا المنهج بوصفه كتاباً تقدمياً جداً، وعند أول تعارض يدّعون أنه يجب فصل المحكمات عن المتشابهات. ربما يضيف المتنورون الدينيون في المستقبل عناوين أخرى إلى هذه العناوين الثلاثة، لكن هذه المناهج في نظري لا تحل مشكلة، بل تخلق مشكلات، ولا تُعتبر منهجاً معقولاً.
فنائي : قبل أن أتطرق إلى النقاط التي تفضلتم بها، أود أن أشير إلى ملاحظة. أنا لا أستسيغ كثيراً تعبير المثقفين الدينيين بوصفه كلياً له مصاديق، وأفضّل قدر الإمكان ألا أستخدم هذا التعبير؛ خصوصاً بالنظر إلى التعريفات غير المألوفة التي اقترحها مؤخراً بعض المعاصرين لهذا التعبير وزادوا الطين بلة –أي أنهم بدلاً من إزالة الغموض والعقد القائمة، أضافوا غموضاً وعقدة جديدة إلى غموض العقد السابقة. يبدو أنه بالنظر إلى الوضع الراهن، فقد هذا التعبير خاصيته التفسيرية والتمييزية الأولى. على أية حال، أولئك الذين يُعرفون بهذا العنوان يختلفون في الرأي أحياناً إلى درجة يصعب معها استخدام عنوان واحد للإشارة إليهم. لكني أرى أن محور إشكالكم هو مسألة الذاتي والعرضي في الدين، وهي إحدى النظريات أو الافتراضات المسبقة الهرمنيوطيقية التي يقبلها بعض المثقفين الدينيين، وأنا أوافق عليها أيضاً؛ وإن كانت لدي صياغة خاصة لها بسطتها في كتاب «أخلاقيات معرفة الدين». وأنا هنا متفق معكم تماماً في أنه لم يُكتب على أية آية أو رواية أو تعليم ديني أنني ذاتي أو عرضي. ومن يقبل مثل هذا التفكيك في حقل الدين، ينبغي له بطبيعة الحال أن يقدم معايير لتفكيك ذاتيات الدين عن عرضياته؛ وتلك المعايير ينبغي في الواقع أن تكون معايير فوق-دينية في كليتها. وقد حاولت في كتاب «أخلاقيات معرفة الدين» أن أقدم قائمة بهذه المعايير. هذه النظرية بذاتها ليست نظرية دينية، بل هي نظرية خارج-دينية وتفسيرية وفلسفية، ننطلق منها إلى النص ونحاول فهمه. كما أن مجالها لا يقتصر على النصوص الدينية وتفسير النصوص الدينية. أما بخصوص ما ذكرتموه عن كيفية نشوء فكرة الذاتي والعرضي في أذهان البعض، فأنتم تعلمون أفضل مني أننا مضطرون إلى الفصل بين مقام الكشف ومقام التقييم. قد يكون ما أدى إلى نشوء هذه الفكرة في أذهان البعض هو ما تفضلتم به؛ أي الاطلاع على الحداثة ومواجهة المسائل والمعضلات التي نشأت في أذهان البشر بفعل التقدمات العلمية والفلسفية حول فهم النصوص. لكن المهم هو ما هو تبريرنا لقبول هذه النظرية أو الافتراض المسبق الهرمنيوطيقي. بخصوص الحديث المعروف الذي ذكرتموه «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة»، ينبغي أن ننتبه إلى ملاحظتين. الأولى أن حديثنا هنا يدور حول الفهم وكيف ينبغي لنا أن نفهم النص الديني، لا حول الالتزام بأن ما فهمناه حرام أو حلال. والثانية أني لا أقبل الافتراض المسبق القائل بأن موضوعاً واحداً يجب بالضرورة أن يكون له حكم شرعي ثابت وأبدي، وأن يكون كل حكم من تلك الأحكام متناسباً مع سياق أو بنية وأوضاع وأحوال خاصة. فطالما نحن داخل ذلك السياق الخاص، فإن حكم الحرمة أو الحلية الخاص بذلك السياق ثابت وأبدي، لكن عندما نخرج من ذلك السياق والبنية وندخل سياقاً آخر، يوجد حكم آخر هو أيضاً جزء من حلال محمد (ص) وحرامه، ويدوم إلى يوم القيامة. أما بخصوص ما ذكرتموه من أن هذه المسألة تؤسس قاعدة ليقوم البعض بتقديم كتاب غير سماوي للناس على أنه كتاب الكتب، فلا أشارككم هذا الادعاء كثيراً. أرى أننا إذا استطعنا، بالاعتماد على قواعد أخلاق الاعتقاد، أن نميز الحق من الباطل ونفصل الاعتقاد والادعاء الموجَّه عن الاعتقاد والادعاء غير الموجَّه، فبالمعيار نفسه يمكننا أن نحكم على الكتب المختلفة ومضامينها. ولا أعتقد أن قبول هذا التفكيك سيوفر أداة للبعض ليقدموا كتباً غير معتبرة حقاً للناس على أنها كتب معتبرة. إن حديثنا أساساً ليس عن الاعتبار، بل عن فهم مضمون الكتب ومحتواها. ففي ضوء هذا التفكيك لا يمكن إثبات أن كتاباً ما سماوي أو غير سماوي، أو معتبر أو غير معتبر. وهذا التفكيك يمكن تطبيقه أيضاً على كتب أرسطو وأفلاطون ومولانا وسعدي وحافظ وكل مفكر أو كاتب أو متحدث عاقل وحكيم؛ أي أن لتعاليم أرسطو وأفلاطون ذاتيات وعرضيات أيضاً، والذين يسعون إلى إعادة بناء وتقديم قراءات جديدة للنصوص الفلسفية الكلاسيكية، فإن قسماً مهماً من عملهم هو في الواقع هذا التفكيك بين الذاتي والعرضي. ملكيان: أردت في هذا الحوار أن أستفيد من حضرتكم في بابين. الباب الأول هو أي إلزام معرفي يلزمني، أنا الإنسان الصادق والجاد، إن كنت صادقاً وجاداً، بالرجوع إلى الدين.
النقطة الثانية هي أنّه، بافتراض وجود مثل هذا الإلزام، ما الذي يُلزمني بالرجوع إلى الدين؟ هذا النقاش، بالطبع، لا يمكن حسمه في حوار واحد. أنا شخصياً، ومن جانبي، أعتبر النقاش منتهياً وأنتقل إلى الموضوع التالي.
فنائي: هذان السؤالان جادّان حقًا. في مواجهة السؤال الأول، وكما أوضحت، إذا قبلنا المعرفة عن طريق الشهادة بوصفها أحد المصادر الأولية للمعرفة، وأحرزنا في النبي الشروط والمقدمات التي يجب أن يستوفيها مصدر المعرفة هذا ليكون مصدرًا للمعرفة والتبرير، فسيصبح في نظري نفس الإلزام المعرفي الذي نحتاجه لقبول شهادة النبي (ص) أو، بتعبيركم، الرجوع إلى الدين. أما بخصوص السؤال الثاني الذي طرحتموه حول ما يُلزمنا بالرجوع إلى دين معين؟ فيبدو لي أن التصور الذي تشكل في ذهنكم السامي عن موقفي ليس واضحًا هنا. وإن كان هناك غموض فذنبي أنا لأني لم أستطع التعبير عن مقصدي بوضوح. أنا أنظر إلى الدين بوصفه وسيلة، وأعتقد أن تعبير «الاستخدام الأداتي للدين» الذي اكتسب دلالة سلبية ومذمومة في ثقافتنا وخطابنا الديني المعاصر لا يفي بالمقصود. إن إساءة استخدام هذه الأداة لكسب السلطة أو الثروة أو الشهرة وتضييع حقوق الآخرين أمر مذموم بالطبع، لكن هذا لا يعني أن الدين ليس وسيلة. الدين وسيلة تخدم هدفين رئيسيين: الأول هو تحويل البشر إلى كائنات أكثر روحانية، والثاني هو تحويل هؤلاء البشر إلى كائنات أكثر أخلاقية. إذا أخذنا هذين الهدفين بعين الاعتبار، وإذا أخذنا أيضًا في الحسبان اختلاف النمط النفسي للبشر، حينئذ يمكننا الادعاء بأن بعض الأديان تكون أدوات أكثر كفاءة وفاعلية في تحقيق هذا الهدف بالنسبة للبشر. المعيار الذي ينبغي في نظري أن نضعه في الاعتبار لاختيار الدين هو معيار العقلانية الأداتية؛ أي تناسب الهدف والوسيلة. أولئك الذين لديهم اهتمامات أخلاقية وروحانية، وعند اختيار الدين، عليهم أن يروا أي دين وأي قراءة لأي دين تلبي هذين الاهتمامين والحاجتين لديهم بشكل أفضل. إن النشأة والتنفس في فضاء تقليد ديني معين يؤدي عادةً إلى أن تكون تعاليم ذلك التقليد، من حيث المبدأ، أكثر كفاءة في تحقيق هذين الهدفين لأولئك الذين نشأوا في ظل ذلك التقليد. شخصيًا، ومع كوني مسلمًا وشيعيًا، أعتقد أن قبول الأشياء الجيدة الموجودة في التقاليد الدينية الأخرى لا يتنافى مع الإسلام، بل إن الإسلام يشجع عليه أيضًا.
ملكيان: الموضوع الثاني من بحثنا يعود إلى العلاقة بين الدين والأخلاق، وهو ما تعملون عليه بجدية وتركيز منذ بضع سنوات. لكي يتضح منظوركم أكثر، أود أن أعرف، في اعتقادكم، في أي مجالات تحتاج الأخلاق إلى الدين؟ لقد طُرحت خمسة مجالات على الأقل تحتاج فيها الأخلاق إلى الدين. المجال الأول هو الاستيضاح المفهومي للمفاهيم الأساسية للأخلاق. قال البعض إنه لا سبيل للاستيضاح المفهومي للمفاهيم الأساسية للأخلاق، أي لتعريف المفاهيم المفتاحية للأخلاق، سوى اللجوء إلى الافتراضات المسبقة الدينية والمذهبية. إذا اعتبرنا هذه المفاهيم المفتاحية مفاهيم مثل الخير والشر، والصواب والخطأ، والواجب الأخلاقي والمحظور الأخلاقي، والوظيفة والمسؤولية، والفضيلة والرذيلة، فإن البعض يعتقدون أننا نحتاج، لتعريف واحد على الأقل من هذه المفاهيم المفتاحية العشرة – أي لاستيضاحها المفهومي – أن نتخذ افتراضاً مسبقاً دينياً ومذهبياً واحداً أو اثنين أو ثلاثة أساساً. مثلاً، أولئك الذين قالوا في تعريف «العمل الصواب» إنه العمل الذي لا يقرّب فاعله إلى الله أو يحول دون تقرّبه إليه. وقال آخرون إننا لا نحتاج إلى افتراضات مسبقة دينية ومذهبية في الاستيضاح المفهومي، بل نحتاج إلى الدين والمذهب في عالم الواقع لتحديد ما الذي ينشأ عنه كونُ عملٍ ما صواباً أو ليس خطأً؛ أي أن الحاجة إلى الدين هناك كانت سيمانتيكية ودلالية، وهنا هي أنطولوجية؛ أي أن الافتراضات المسبقة الدينية والمذهبية تكون فاعلة في صيرورة الصدق صواباً والكذب خطأً. الأمر أشبه بالقول إن الشمس لم تؤخذ في تعريف اللون الأصفر. إذا طلبتَ من عالم فيزياء الضوء أن يعرّف الأصفر، فسيقول إن اللون الأصفر هو لون له تردد كذا وكذا، ولا يذكر الشمس إطلاقاً. لكن إذا سألناه: ما الذي يجعل هذه الورقة البيضاء تتحول إلى اللون الأصفر؟ فسيقول: سطوع نور الشمس. وإذا تركتَ الورقة خلف النافذة أسبوعاً فستصفرّ. إذن، في تعريف الأصفر لا يُستخدم مفهوم نور الشمس، لكن ما يجعل ورقة بيضاء اللون تتحول إلى الأصفر في عالم الواقع يمكن أن يكون نور الشمس. وعلى هذا المنوال، ربما يقول قائل إننا لا نستخدم أي افتراض مسبق ديني ومذهبي في الاستيضاح المفهومي لمفهوم الصواب، لكن ما يجعل الكذب عملاً خاطئاً والصدق عملاً صواباً في عالم الواقع هو الالتفات إلى أحد الافتراضات المسبقة الدينية والمذهبية. وقال قوم إن الافتراضات المسبقة الدينية والمذهبية ليست لازمة في الاستيضاح المفهومي ولا في اتصاف الأفعال الإرادية الإنسانية بالصفات الأخلاقية، بل يجب أن نرجع إلى الدين والمذهب في تشخيص مصاديق الأعمال الصائبة والخاطئة، أي في أن نفهم هل هذا العمل الفلاني صواب أم خطأ. هذه حاجة إبستيمولوجية. إذن، حتى الآن عددنا ثلاث حاجات: دلالية، وأنطولوجية، ومعرفية. الرابعة هم أولئك الذين قالوا إنه لا توجد حاجة من هذا القبيل في أي من هذه المراحل، لكن الحاجة إلى الدين والمذهب هي لضمان تنفيذ الأحكام الأخلاقية؛ أي إذا صرف الناس النظر مثلاً عن الحياة بعد الموت وعن الجنة والنار صرفاً قطعياً وتاماً، فلن يكون هناك أي سند للأحكام الأخلاقية بعد ذلك. إذا التزم الناس بالأحكام الأخلاقية، فذلك لأن لديهم خوفاً من العقاب وأملاً في الثواب. إذن، الضمان الأخلاقي هو الحاجة الرابعة وهي حاجة سيكولوجية. إذن، حتى الآن تحدثنا عن الحاجة الدلالية، أي في مقام التعريف، والحاجة الأنطولوجية، والحاجة المعرفية، والحاجة السيكولوجية. لكن قال آخرون إن هناك حاجة خامسة للأخلاق إلى الدين، وهي أن الدين يجعل آلام ومعاناة العيش الأخلاقي قابلة للتحمل. إن للعيش الأخلاقي ألماً ومعاناة؛ بمعنى أن الإنسان، بقدر ما يعقد العزم على العيش الأخلاقي، يُحرم بنفس القدر من الثروة، والسلطة، والجاه والمقام، والحيثية الاجتماعية، والشهرة، والمحبوبية، وحتى العلم الأكاديمي؛ أي أنك بقدر ما تعيش أخلاقياً، فإنك تقبل باستمرار نقصاناً في أحد هذه الاتجاهات السبعة. وخير مثال على ذلك علي بن أبي طالب (ع) الذي كان يعيش أخلاقياً. ومع ذلك، يقول في نهج البلاغة: «اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني». فعلي بن أبي طالب (ع)، وفقاً لروايته هو، كان بسبب كونه أخلاقياً يتقلب في فراشه ليلاً من جنب إلى جنب ولا ينام، ويفكر في شؤون الناس وأحوالهم، ويفكر في قبول الخلافة بعد عثمان أو عدم قبولها. [...] إن للعيش الأخلاقي ألماً ومعاناة، وبقدر ما تريد أن تلتزم بالأخلاق، فإنك تقع في الكلفة والمشقة.
يقول البعض إن هذا الألم والمعاناة يصبحان قابلين للتحمّل لأن الله في النهاية يدافع عن الذين يعيشون حياة أخلاقية، وإن الباطل لا يصل إلى بر الأمان، وإن ثمة غلبة نهائية للخير على الشر. وفي تعابيرنا الإسلامية والقرآنية نجد قوله تعالى: «وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا»؛ أي «من حمل ظلماً فقد خاب وسعى في غير طائل». والذين يدافعون عن حاجة الأخلاق إلى الدين ذكروا هذه الاحتياجات الخمسة. أردت أن أعرف في أي مجال ترى أن الأخلاق بحاجة إلى الدين، وفي أي مجال تعتقد أن الأخلاق مستقلة تماماً عن الدين؟
فنائي: إذا كان المقصود من حاجة الأخلاق إلى الدين حاجةً حصرية، أي حاجة لا تُسدّ إلا من خلال الدين، وهو ما أستخدم شخصياً تعبير «تبعية الأخلاق للدين» للإشارة إليه، فأنا لا أعتقد بمثل هذا الأمر، وقد ناقشته بالتفصيل في كتابين ألفتهما في هذا الشأن. ففي جميع هذه الحالات التي أشرتم إليها، لا تكون الأخلاق تابعة للدين. فمثلاً، الضمانة التنفيذية للأخلاق أو تعويض الآلام والمعاناة الناجمة عن العيش الأخلاقي يمكن تأمينها من مصادر أخرى. وعليه، أعتقد في جميع هذه الحالات، مثلكم، بأن الأخلاق مستقلة عن الدين؛ أي أنه يمكن، في مقام تعريف المفاهيم الأخلاقية، تعريف هذه المفاهيم دون الرجوع إلى افتراضات دينية مسبقة، وفي مقام تحقق المصداق للأوصاف الأخلاقية، يمكن القول إن تلك الأوصاف الأخلاقية يمكن أن تتحقق بصرف النظر عن المسلّمات الدينية، بما في ذلك وجود الله أو وجود العالم الآخر أو أمور أخرى. ومن الناحية المعرفية، يمكننا القول إننا نملك، بالعقل المستقل عن الدين أو بالوجدان الأخلاقي أو الحس الأخلاقي، القدرة على تشخيص واجباتنا الأخلاقية وتبرير القضايا الأخلاقية تبريراً معرفياً. ومن ناحية الضمانة التنفيذية، أعتقد أيضاً أن الضمانة التنفيذية للأخلاق تتأمن من داخل الأخلاق نفسها. وكما قلت، أعتقد أن الآلام والمعاناة الناجمة عن العيش الأخلاقي يمكن تعويضها بطرق أخرى. إذن، أنا قائل باستقلال الأخلاق في جميع هذه الحالات. علاوة على ذلك، فأنا قائل في بعض هذه الحالات أيضاً بتقدم الأخلاق على الدين وتبعية الدين للأخلاق، وهو بحث مستقل بذاته سنتطرق إليه لاحقاً إذا لزم الأمر. يمكن طرح سؤالكم بشكل آخر: إذا كانت الأخلاق لا تحتاج إلى الدين، فكيف يمكن الحديث عن خدمات الدين في حقل الأخلاق؟ ربما يمكن الحديث عن خدمات مهمة يقدمها الدين للأخلاق في الحالات الخمس المذكورة. مثلاً، فيما يتعلق بالإيضاح المفهومي، يمكننا القول إنه وإن كنا لا نحتاج، لقبول صدق تعريف المفاهيم الأخلاقية، إلى الاعتماد على حكم الدين، إلا أن التعاليم الدينية قد تساعدنا في مقام اكتشاف التعريف الصحيح لهذه المفاهيم. أو مثلاً، في مقام تحقق مصداق القيم والأوصاف الأخلاقية، يمكن القول إن لدينا نوعاً من الأخلاق الدينية التي تشكل مجموعة فرعية من الأخلاق المستقلة فوق الدينية. بمعنى أنه عندما تتركب المبادئ الأخلاقية فوق الدينية مع المعتقدات الدينية، تجد الواجبات الأخلاقية فوق الدينية مصاديق جديدة. مثاله البسيط هو أننا لو افترضنا شخصين، أحدهما لا يؤمن بوجود الله والآخر يؤمن، وارتكب كلاهما خطأ أخلاقياً، كأن يكذب كلاهما في موضع كان ينبغي فيه الصدق. في هذا الفرض، يكون الشخص الذي لا يؤمن بوجود الله قد انتهك، بكذبه، فقط المبدأ الأخلاقي القاضي بحرمة الكذب، أما الشخص الذي يؤمن بوجود الله فيكون بهذا الفعل قد انتهك ثلاث قيم أخلاقية على الأقل: الأولى حرمة الكذب، والثانية خيانة الأمانة، والثالثة انتهاك واجب الشكر. فبحسب اعتقاد الشخص المؤمن بالله، اللسان أمانة وضعها الله تحت تصرفنا، ولا يحق لنا استخدام هذه الأمانة على نحو يخالف الضوابط الأخلاقية. فإذا استخدم شخص ما لسانه في فعل غير أخلاقي، يكون قد ارتكب خيانة الأمانة. ومن ناحية أخرى، يكون هذا الشخص بكذبه قد كفر بالنعمة؛ ذلك أن الحد الأدنى من الشكر وأقل درجاته هو ألا يعصي المرء بالنعمة التي وضعها الله تحت تصرفه وألا يقوم بفعل غير أخلاقي. وفي ما يخص الضمانة التنفيذية، أعتقد أيضاً أن المعتقدات الدينية يمكنها أن توفر ضمانة تنفيذية إضافية للعيش الأخلاقي. وهذه الضمانة التنفيذية المضاعفة تختص بطبيعة الحال فقط بأولئك الذين قبلوا تلك المعتقدات الدينية (مثل الإيمان بوجود الله، والإيمان بالحياة بعد الموت وبالثواب والعقاب قبل الموت وبعده). فالدين يزيد من الدافع ومن الثواب ومن عائد العيش الأخلاقي. وفي ما يتعلق بتعويض الألم والمعاناة الناجمة عن العيش الأخلاقي، فمن الواضح بنظري أن المعتقدات الدينية يمكنها أن تؤدي دوراً تعويضياً وتخفيفياً؛ وإن لم يكن الدين هو المصدر الحصري لهذا التعويض، إذ يمكن تأمين مثل هذا التعويض من مصادر أخرى.
ملكيان: قلتم إن الأخلاق مستقلة في تعريف وإيضاح مفاهيمها المفتاحية مفهوماً، ولا تحتاج إلى أي مصدر آخر ولا تتبعه، وأشرتم إلى أن الدين يمكنه بالطبع أن يقدم نوعاً من العون للأخلاق. هل يمكنكم، إن أمكن، توضيح كيف تكون إعانة الدين ممكنة؟
فنائي: في رأيي، يمكن للدين هنا أن يؤدي دور إزالة الغفلة. ومع أن قبول تعريف المفاهيم الأخلاقية لا يستند إلى التعاليم الدينية، فإن التوضيحات الواردة في النصوص الدينية، مثلاً حول تعريف مفهوم العدالة، قد تساعدنا في فهم أو اكتشاف التعريف الصحيح لهذه المفاهيم. في رأيي، هذا الفرض متوافق تماماً مع استقلال الأخلاق عن الدين. قد لا أسند أحكامي الأخلاقية إلى توجيهاتك بصفتك معلماً للأخلاق، لكن في الوقت نفسه، التوضيحات التي تقدمها حول هذه المفاهيم والقيم الأخلاقية قد تهيئ ذهني لأشهد حقيقة مستقلة عن معتقداتك وإرادتك.
ملكيان: مثلاً، شخص ما يعرّف العمل الصائب بأنه العمل الذي يحقق أكبر قدر ممكن من المنفعة لأكبر عدد ممكن من الناس. هنا، كأننا نتابع الأخلاق فقط في علاقتها بالإنسان والبشر الآخرين. ثم يأتي شخص آخر، بسبب افتراضاته الدينية المسبقة، ليقول إن الأخلاق قابلة للطرح أيضاً في علاقة الإنسان بالله، ومن ثم يرفض هذا التعريف لهذا السبب، ويقدم تعريفاً للعمل الصائب يُراعى فيه علاقة الإنسان بالله وعلاقته بنفسه أيضاً. هل هذا ما تعنيه؟
فنائي: لا! هنا يعود النقاش إلى مقام الحكم. في رأيي، يجب الفصل بين دورين. أحدهما هو بحث تعريف المفاهيم الأخلاقية والإيضاح المفهومي للمفاهيم الأخلاقية، والمساعدة التي يمكن للدين أن يقدمها في هذا المجال. والآخر هو الدور الذي يؤديه الدين في توسيع نطاق الأخلاق، حيث يوسّع نطاق الأخلاق ليتجاوز علاقة الإنسان بالإنسان، ويقول مثلاً إن علاقة الإنسان بالله تخضع أيضاً للحكم القيمي الأخلاقي. افترض أن النقاش يدور حول تعريف الخير، والصواب والخطأ. وافترض أنه حسب التعريف الذي نقبله، فإن العمل الخيّر هو العمل الذي يحقق أكبر فائدة لأكبر عدد من الناس، لكنني مهما فكرت لا أصل إلى هذا التعريف، ثم أجد آية أو رواية ورد فيها هذا التعريف كتعريف للعمل الخيّر. ويمكنني قبول التعريف المذكور في تلك الآية أو الرواية بعدة طرق. إحداها بالاستناد إلى وثاقة ذلك المصدر واعتباره؛ أي أن أقول: بما أن الدين يقول إن تعريف الخير هو هذا، وبما أنني شخص متدين، فيجب عليّ قبول ذلك التعريف. والأخرى هي أن أفكر في علاقة هذا التعريف الوارد في الرواية والآية بالواقع، وما إذا كان صحيحاً في حد ذاته أم لا. الدور الذي تؤديه النصوص الدينية في الحالة الثانية هو أنها تلفت ذهني إلى التعريف الصحيح. في اعتقادي، يمكن إسناد مثل هذا الدور للنصوص الدينية في مقام تعريف المفاهيم الأخلاقية والإيضاح المفهومي لهذه المفاهيم، وهذا الدور متوافق مع الاستقلال اللساني للأخلاق عن الدين.
ملكيان: إذا تجاوزنا الحالة الأولى، ففي الحالة الثانية يحدث في الواقع نوع من التنبه، وكأن هذا التعريف أصح من التعريف الذي سمعته أو قرأته سابقاً...
فنائي: نعم! التبرير الذي نقدمه في الحالة الأولى لقبول تصحيح معتقدنا الأخلاقي يجب بالضرورة أن يكون مستقلاً عن الدين، لأنه إذا كان تغيير المعتقد بالاستناد إلى وثاقة ذلك المصدر الديني، فهذا يعني تبعية الأخلاق للدين.
ملكيان: نريد أن نشرح في الواقع لماذا الكذب عمل خاطئ والصدق عمل صائب. قلتَ إن لدينا هنا أيضاً إعانة من الدين. ماذا تعني إعانة الدين هنا؟
فنائي: يمكن تفسير هذه المعونة بعدة أوجه. أحدها أن الدين قد يوسّع نطاق تطبيق القيم الأخلاقية المستقلة عن الدين؛ أي يمكننا القول إن الأخلاق المعيارية تنقسم إلى قسمين: قسم ديني وقسم آخر فوق ديني. الأخلاق المعيارية الدينية هي حصيلة تركيب القيم الأخلاقية فوق الدينية مع المعتقدات الدينية. عندما نركّب هذين معًا، تُلقى على عواتقنا واجبات جديدة بوصفها واجبات إنسانية أخلاقية ودينية في آنٍ معًا. هذه الواجبات الجديدة هي في الواقع مصاديق جديدة للواجبات الأخلاقية فوق الدينية. الفرق بين الإنسان المتديّن والأخلاقي والإنسان الأخلاقي فحسب هو أن الشخص الأول تقع على عاتقه واجبات أكثر. لا يستطيع الدين أن يرفع الواجبات الأخلاقية عن كاهل الإنسان، لكنه يستطيع، عبر خلق موضوع ومصداق وشروط فعلية الأحكام الأخلاقية، أن يضع واجبات جديدة على عاتق الفرد المتديّن. في اعتقادي، إن مسؤوليات وواجبات الفرد المتديّن الأخلاقية أكثر من مسؤوليات وواجبات الفرد الذي لديه التزام أخلاقي فقط وليس لديه التزام ديني.
ملكيان: جوابكم يتعلق بالبحث الإبستمولوجي. كون مصاديق العمل الصحيح والخاطئ في أخلاق دينية ربما تكون أكثر من مصاديق العمل الصحيح والخاطئ في أخلاق غير دينية هو بحث إبستمولوجي. لكنني لم أكن أتحدث في القسم الإبستمولوجي، بل كنت أتحدث في القسم الأنطولوجي.
فنائي: في نظري أن البحث الإبستمولوجي تابع للبحث الأنطولوجي. إذا كان شخص ما يعتقد أن الدين معين على الصعيد الإبستمولوجي، فعليه حتمًا أن يُظهر أنه على الصعيد الأنطولوجي يوسّع الدين نطاق الأخلاق. في الواقع، يمكن القول بدور لبعض الافتراضات المسبقة الدينية بوصفها صفات جاعلة للحسن والقبح أو جاعلة للصواب والخطأ، بحيث يكون اكتشافها وتشخيص مصداقها - وهو المقام الإبستمولوجي - رهنًا بتلك المعونة الدينية نفسها.
ملكيان: دكتور، لقد قبلتم صراحةً استقلال الأخلاق، إذا قبلنا هذا الاستقلال، أليس من لوازمه أنه يمكن من منظور أخلاقي نقد أي اعتقاد وتعاليم؟
فنائي: من حيث المبدأ نعم؛ أي إن هذا أحد لوازم تلك الرؤية. بالطبع، بضم مجموعة من المقدمات بعضها إلى بعض، يمكن إظهار أن الدين يخرج منتصرًا دائمًا من بوتقة هذا النقد، وأن ما يتعرض للنقد هنا في الواقع هو فهمنا وتفسيرنا للنصوص الدينية. هذا الفهم والتفسير هو ما يجب علينا تصحيحه. بتعبير آخر، بناءً على هذا النموذج، إذا أثبتنا أن حكمًا ما غير أخلاقي، نكون في الواقع قد أثبتنا أن ذلك الحكم لم يكن دينيًا منذ البداية. إحدى الافتراضات المسبقة المهمة في هذا البحث هي أن الدين نفسه يمتلك إطارًا أخلاقيًا ولا ينقضه. قلنا إن الأخلاق مستقلة عن الدين، لكن ينبغي أن نسأل هنا: هل الدين أيضًا مستقل عن الأخلاق؟ باعتقادي أن للدين إطارًا أخلاقيًا، وهو بهذا المعنى تابع للأخلاق ولا يمكنه أن ينقض ذلك الإطار. لذلك، إذا كان للدين في واقعه المتعيّن إطار أخلاقي، حينئذٍ سنكون ملزمين، من الناحية المنهجية والهرمنيوطيقية، بأن نمتحن معتقداتنا الدينية، الناتجة عن فهم النصوص الدينية وتفسيرها، بالقيم الأخلاقية. أي إن القيم الأخلاقية تلعب هنا دورًا إبطاليًا. نتيجة هذا البحث هي صياغة جديدة لقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. القراءة التي كان لدى العلماء المسلمين العقلانيين وذوي النزعة الاعتزالية لقاعدة الملازمة هي أننا نستطيع، عبر معرفة القيم الأخلاقية، اكتشاف الأحكام الشرعية. لكنني لا أعتقد بشيء كهذا، بل أعتقد أننا عبر معرفة القيم الأخلاقية نستطيع فقط تصحيح فهمنا للأحكام الشرعية وإبطاله؛ أي إذا كانت استنباطاتنا من تلك النصوص غير منسجمة مع القيم الأخلاقية، فإن مجرد عدم الانسجام هذا هو دليل مقنع على بطلان وخطأ ذلك الفهم والتفسير.
ملكيان: أي بناءً على تصوركم، توجد أخلاق مشتركة أو أخلاق عالمية قبلها جميع البشر في كل الأمكنة والأزمنة والثقافات والحضارات والمجتمعات والحقب التاريخية. وجميع الآدميين، بصرف النظر عن دين معين أو مذهب وملة معينة أو مدرسة ومسلك معين أو مشرب ومرام معين أو أي "مذهب" (إيزم) معين، يشتركون في الالتزام بها. إذن، إذا كان هناك فهم لتعليم أو قول أو نص يتعارض مع إحدى قواعد هذه الأخلاق العالمية المشتركة، فيجب أن نعتبر هذا التعارض دليلاً على قصور فهمنا لذلك. أليس كذلك؟
فنائي: نعم! لكن اسمحوا لي أن أفتح قوساً هنا. عندما نتحدث عن الأخلاق العالمية، يجب أن نميز بين تصورين لها: أحدهما "الأخلاق العالمية الوصفية" والآخر "الأخلاق العالمية المعيارية". الأخلاق العالمية التي أعتقد بها هي الأخلاق المعيارية العالمية. أعتقد بوجود أخلاق معيارية كونية يجب على جميع البشر أن يقبلوا بها. وإلا، إذا أجرينا أبحاثاً سوسيولوجية أو تاريخية وتجريبية، فقد نجد الكثير من البشر الذين لا يؤمنون بهذه الأخلاق. فعلى سبيل المثال، المشككون الأخلاقيون والنسبويون ومنكرو الأخلاق العليا لا يؤمنون بوجود هكذا أخلاق كونية. إن وجود الأخلاق العالمية بالمعنى الثاني للكلمة هو ادعاء تجريبي وتاريخي، وإثباته أو تبريره صعب للغاية أيضاً. أما الادعاء الأول، أي الادعاء بوجود مجموعة من القيم يجب على جميع البشر قبولها والعمل بموجبها وعدم انتهاكها، فهو ادعاء معياري، ويقبله جميع الواقعيين في الأخلاق. أعتقد أن أساس نقاشنا هو في الواقع الأخلاق العالمية المعيارية.
ملكيان: أنتم تقولون بوجود سلسلة من القواعد الأخلاقية يجب على الجميع قبولها، وأنا أسأل: أي نظام أخلاقي قال هذا "يجب"؟
فنائي: هذا الـ"يجب" ليس يجباً أخلاقياً، بل هو يجب عقلي. يسعى فلاسفة الأخلاق الواقعيون بطرق شتى إلى الاستدلال لصالح هذا الـ"يجب" العقلي وتبريره. إحدى طرق تبرير هذا الـ"يجب" هي الطريقة نفسها التي يستخدمها جون رولز في كتابه "نظرية في العدالة".
ملكيان: بالطبع، كتاب رولز هذا هو كتاب عن الحقوق أكثر منه عن الأخلاق. لكن نقاشنا يدور في مجال الأخلاق. ما يقوله رولز في هذا الكتاب، ومثلاً حجاب الجهل وستار اللاوعي الذي يطرحه، هو محل بحث في المسائل الحقوقية. قد تتمكنون بحجة ما من تسريته إلى الأخلاق أيضاً، لكنكم تحتاجون إلى حجة إضافية لتكون مبرراً لتعميم كلامه من الحقوق إلى الأخلاق. لكن النقطة التالية هي أنكم مرة أخرى طرحتم هذا الـ"يجب" من داخل نطاق نظام أخلاقي معين، وهو هنا نطاق نظام رولز الأخلاقي. أنا أسأل: كيف يحق لنظام أخلاقي أن يقول إن على جميع البشر، بلا استثناء، أينما كانوا وفي أي زمان وأي ظروف وأحوال، أن يقبلوا سلسلة من القواعد؟ إذا كان هذا الـ"يجب" ينبثق من داخل نظام أخلاقي، فكثيرون لا يلتزمون بذلك النظام الأخلاقي، وبالتالي فهم بطبيعة الحال لا يقبلون الالتزام بالـ"يجب"ات التي يراها ذلك النظام الأخلاقي "يجب"ات. بتعبير آخر، إذا انبثقت "يجب"ات كونية من داخل نظام أخلاقي، فلن يراها كونية إلا أولئك الذين يقبلون ذلك النظام الأخلاقي ويوافقون عليه.
فنائي: ما يطرحه رولز في هذا الكتاب هو نظرية في العدالة. يمكننا أن ننظر إلى تلك النظرية بوصفها نظريةً قانونية، كما يمكننا أن ننظر إليها بوصفها نظريةً أخلاقية. وربما تجمع بين الجانبين، غير أن رولز يصرّح في أحد هوامش الكتاب بأن المنهج الذي أستخدمه هنا لتبرير مبادئ العدالة، يمكن استخدامه أيضاً لتبرير سائر القيم الأخلاقية الأخرى. لكن بما أن موضوع بحثي هنا هو العدالة، فقد طبقته على العدالة فحسب. والآن، بغض النظر عن قبولنا بأن ذلك الكتاب هو في الأغلب كتاب عن القانون وفلسفة القانون، أو قولنا إن له جانباً من فلسفة الأخلاق أيضاً، فإن منهج رولز، أي منهج «التوازن التأملي»، هو في رأيي منهج صحيح لتبرير المعتقدات والمبادئ الأخلاقية. عندما ننظر إلى ذلك التبرير نجده عاماً تماماً؛ أي أن الفرد الذي يضع نفسه خلف حجاب الجهل ويفترض نفسه في هذا الوضع، لديه حدوس. غير أن درجة المصداقية الأولية لهذه الحدوس ليست واحدة. فعلى الفرد أولاً أن ينخل هذه الحدوس ويستبعد منها ما تشكل تحت تأثير العواطف والمشاعر، ثم هو مكلّف بأن يجعل الحدوس المتبقية منسجمة بعضها مع بعض، وأن يسعى لأن يستخلص من صلبها نظريةً أخلاقية. ثم يجعل تلك النظرية الأخلاقية منسجمة مع سائر معتقداته فوق الأخلاقية، ليصل في النهاية إلى نسق متماسك ومبرَّر من المعتقدات الأخلاقية الخاصة والنظرية الأخلاقية.
ملكيان: إن وافقتني، سأبتعد قليلاً عن هذا النقاش، ولن أناقش مثلاً ما إذا كان الجميع يمتلكون هذا الحدس أم لا، وثانياً، بافتراض أن الجميع يمتلكون هذا الحدس، لماذا ينبغي العمل بالحدوس. سأطرح سؤالاً آخر فحسب وأتجاوز هذا النقاش. هل تعتقد، من الناحية السيكولوجية لا من الناحية الأخلاقية، أن البشر قد خُلقوا أنويين (ذاتيي الاختيار)، أم أن النزعات الأنوية (ذاتية الاختيار) والنزعات الإيثارية (غيرية الاختيار) قد أودعت كلتاهما في وجود البشر؟ أسأل هذا من الناحية السيكولوجية لأرى، بناءً على جوابك، ما هو الوضع الذي يمكن تصوره عندما ننتقل إلى الأخلاق.
فنائي: ما أعتقده في هذا الصدد هو أن طبيعتنا مزيج من الأنوية والإيثار؛ أي أننا في الوقت الذي نكون فيه أنويين، نكون إيثاريين أيضاً، وهذا المزيج يفضي إلى ثنائية في العقل العملي. غير أن تغلّب أي من هذين الجانبين على الآخر، إضافة إلى الاختيار الشخصي، يتوقف على أمور كثيرة؛ منها التعليم والتربية التي نتأثر بها في بيئة حياتنا، وكذلك الظروف الاجتماعية، وملاقاة وعلاقة البشر الآخرين الذين هم أنويون أو إيثاريون. ثمة مسائل كثيرة تؤثر على أي من هذين النزعين سيشتد ويتغلب. وأحد الأدوار الإيجابية التي يمكن للدين أن يلعبها في هذا الصدد، هو أن يساعدنا على الانتقال تدريجياً من الأنوية نحو الإيثار. وهذا الانتقال يتم عبر عدة مراحل. فالتعاليم الدينية، إذا ما فُهمت وتُلقيت على نحو صحيح، يمكنها في عدة مراحل أن تساعدنا على تغلّب ذلك الجانب الإيثاري فينا على الجانب الأنوي.
ملكيان: أنت تقول إننا من الناحية السيكولوجية، نملك نزعات أنوية ونزعات إيثارية معاً. وأنا أنوي أن أتناول الأخلاق. هل يقتضي الأخلاق، في رأيك، أن تكون جميع أفعالي الإرادية أنوية أم إيثارية؟ أم أن هناك أفعالاً أنوية تكون، مع كونها أنوية، أخلاقية، وهناك أفعالاً إيثارية تكون، مع كونها إيثارية، أخلاقية؟ بتعبير آخر، إذا أردت أن أكون إنساناً أخلاقياً، فهل ينبغي أن تكون جميع أفعالي إيثارية وأن أفضل الآخر على نفسي؟ أم ينبغي أن تكون جميع أفعالي أنوية؟ أم أن الأخلاق تقتضي أحياناً أن أقوم بفعل أنوي، وتقتضي أحياناً أن أقوم بفعل إيثاري؟ بحسب مشربك في فلسفة الأخلاق، أي من هذه المقاربات الثلاث ترجح؟
فنائي: في اعتقادي أن الأخلاق لا تنفي حب الذات نفياً تاماً، بل تتيح لنا أن نكون محبين لذواتنا في إطار القيم الأخلاقية. من بين الشقوق التي ذكرتموها، أوافق على الثالث بشرط أن نوسّع دائرة حب الذات قليلاً لتشمل الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقة خاصة. في نظري، هذا الترجيح مقبول أخلاقياً؛ ما لم يكن هناك مبدأ أخلاقي أهم يقتضي منا تقديم الغريب. مثلاً، افترضوا أنني وعدت ابنتي بأن آخذها في نزهة بعد ظهر اليوم. هنا تقع عليّ واجب أخلاقي، ثم أرى شخصاً غريباً تعرض لحادث في الشارع ويتوجب عليّ نقله إلى المستشفى. هنا، ولأن إنقاذ حياة إنسان هو واجب أخلاقي أهم، فالأخلاق تطلب مني أن أقدم هذا العمل حتى لو كان ذلك الشخص غريباً.
ملكيان: إذن، الأخلاق تطلب منا أحياناً أن نكون محبين للغير وأحياناً محبين للذات. المؤمن، من حيث كونه مؤمناً، يضع نصب عينيه دائماً أنه بالعيش الأخلاقي يدخل الجنة ويتجنب دخول النار. ألا يعني هذا أن الشخص المتدين يعمل دائماً في دائرة حب الذات ولا يقوم أبداً بعمل فيه حب للغير؟
فنائي: حب الذات وحب الغير يقعان أحياناً في عرض بعضهما وأحياناً في طول بعضهما. حيثما يقعان في طول بعضهما لا تنشأ مشكلة في طريق العيش الأخلاقي. بمعنى أنه قد يكون دافعي النهائي من حب الغير هو أن أدخل الجنة، لكن على أي حال، العمل الذي قمت به مطابق للموازين الأخلاقية وله حسن فعلي؛ أي أنني من الناحية الأخلاقية ساعدت الآخرين، وتسامحت معهم، وراعيت حقوقهم، ولم أظلم أحداً ولم أكذب على أحد. كل هذا من حب الغير، لكن في التحليل النهائي، كان دافعي النهائي للقيام بهذه الأعمال الأخلاقية هو أن تعود عليّ منفعة شخصية في الآخرة أو أن يُدفع عني ضرر أخروي. هذان الأمران لا يتنافيان في نظري إلا إذا لم نفصل حسن الفعل عن حسن الفاعل.
ملكيان: أنا لا أتطرق إلى التفريق بين حسن الفعل وحسن الفاعل، وأقول إنه إذا كان تحليلكم صحيحاً، فلماذا لا تقولون إن الأخلاق تقتضي دائماً حب الذات؟ لقد قلتم الآن إن الأخلاق تقتضي أحياناً حب الذات وأحياناً حب الغير، لكننا نرى أن كل الأخلاق يمكن أن تكون قائمة على حب الذات وتظل مع ذلك أخلاقية. إشكالي ليس في أننا إذا كنا محبين لذواتنا فلسنا أخلاقيين. أنا أقبل أنه لا يوجد دليل على أننا إذا لم نكن محبين لذواتنا لا نُعتبر أخلاقيين. لكن قولكم إن الأخلاق يمكن أن يكون لها حكم قائم على حب الذات وحكم قائم على حب الغير لا يتوافق مع التحليل الذي تقدمونه – وهو تحليل له ما يبرره تماماً في سياق ديني بالمناسبة. أليس من الأفضل أن نقول إنه إذا أخذتم "الذات" بمعنى أعمق، بحيث لا يكون المقصود بها البدن وما يتعلق بالمادة والماديات والجسم والجسمانيات، فالأخلاق يجب أن تكون دائماً قائمة على حب الذات؟
فنائي: أنا أقبل هذا وأعتقد أن غير المتدينين يمكنهم أيضاً أن يكونوا محبين لذواتهم بهذا المعنى. افترضوا أنني لست متديناً على الإطلاق، ولأن جزءاً من طبيعتي الوجودية يميل إلى حب الغير، فإن الخدمة التي أقدمها للآخرين والصدق الذي أتعامل به معهم يمنحاني متعة ولذة معنوية عميقة، ويكون دافعي النهائي للقيام بتلك الأعمال هو الوصول إلى تلك اللذة. هنا تقع الأنانية في طول الإيثار.
ملكيان: والآن تصوروا هذه الحالة التي أقولها. شخص غير متدين، لكن حب الغير يمنحه لذة. مثلاً، أنا أتلذذ بأن أهبكم ملياراً من ثروتي، لكن ماذا لو كانت اللذة التي أحصل عليها من وهب مليار من ثروتي لكم أقل من اللذة التي أحصل عليها من عدم وهبه؟ بمعنى، لو كان لدي مليار في خزنتي الحديدية أتلذذ بذلك، وأتلذذ أيضاً بأن أهبكم إياه كله، لكنني أتلذذ بوجود ذلك المال في خزنتي أكثر. ماذا تقولون هنا؟
فنائي: هنا أقول إن عملكم غير أخلاقي.
ملكيان: أي عمل هو غير أخلاقي؟
فنائي: عدم الهبة.
ملكيان: لماذا؟ لأنك قلت إنه بالنسبة لشخص غير متدين، يمكن أن يكون لذة العمل الإيثاري هي المعيار.
فنائي: يجب أن نفصل التبرير عن الدافع. أحيانًا ننظر إلى الموضوع من منظور نفسي، وما إذا كانت دوافعنا دوافع إيثارية أم دوافع أنانية. هنا قد تكون هذه الدوافع في الواقع متراتبة طوليًا. قد يكون أحدها أقوى والآخر أضعف، وهذه القوة والضعف تابعة لأشياء كثيرة. تابعة لبنيتي النفسية والروحية، وللظروف والأحوال، ولنظامي التربوي، ولأشياء أخرى كثيرة. لكن النقاش حول تعارض الأنانية والإيثار هو نقاش حول التبرير، وليس نقاشًا حول الدافع. النقاش يدور حول ما إذا كان لدينا سبب مقنع لأن نكون إيثاريين أو أنانيين، أو أن نفضّل أنفسنا على الآخرين في بعض المواضع، وإذا كان لدينا سبب، فهل هذا السبب أخلاقي أم غير أخلاقي؟ عندما يصل النقاش إلى التبرير، تخبرنا حدوسنا الأخلاقية أنه في المثال الذي ذكرته، فإن تفضيل الذات على الآخر هو أمر غير أخلاقي. وإذا أردنا أن نحكم في هذا المثال باستخدام المنهج الذي اقترحه رولز (من وراء حجاب الجهل)، فسنصل إلى تفضيل البذل والعطاء.
ملكيان: يمكنني أن أقبل بذلك، ولكن بشرط أن يكون الغرض الغائي من العيش الأخلاقي هو الارتقاء الروحي والمعنوي للإنسان. وإلا، افترض أن شخصًا يمنحك مليار تومان لأنك مضطر ومحتاج. يمنحك هذا المليار، وبالطبع يستمتع قليلًا بإيثاره هذا، لكن هذه المتعة أقل بكثير مما لو كان هذا المليار في خزنته الحديدية. على أية حال، نحن نبذل المال لأننا نقول إن الغرض الغائي من العيش الأخلاقي هو ارتقاؤنا المعنوي والروحي، ونحن نملك روحًا، وروحنا تصبح من خلال هذا الطريق سمينة، مفعمة بالحيوية، طاهرة ونقية. لكن إذا افترضت أنني لا أملك هذا الاعتقاد الديني وأريد أن أعيش حياة أخلاقية، فهل أنا في هذه الحالة ملزم أخلاقيًا بأن أمنحك هذا المليار أم لا؟ إذا قلت إن إلزاميتي تستند إلى أن أنظر هنا فيما إذا كان الإيثار يمنحني لذة أكثر أم الأنانية، فعندئذ يجب أن تقول إنه لا ينبغي أن أبذل المال، لأن الأنانية تمنحني لذة أكثر، في الوقت الذي يمنحني فيه الإيثار لذة أيضًا. إذا قلت إن موضوع أيّهما تستمتع به الآن أكثر ليس هو المعيار، بل المعيار هو أيهما يوصلك إلى الغاية الأخلاقية، عندئذ يمكن القول إن افتراض هذا الشخص غير المتدين هو أنه عندما لا أملك روحًا، فالغاية ليست سوى التلذذ بالدوافع الإيثارية أو الأنانية. بالنسبة لمثل هذا الشخص، تصبح خيرية الحياة دائمًا شعبة من سعادة الحياة. أي أن الأخلاق تُختزل إلى اللذات النفسية الأنانية. أنا لا شأن لي حاليًا بالدافع، وأتعامل مع تبرير الحكم الأخلاقي نفسه. أنا أعتقد أن الحياة المثالية لها ثلاثة مكونات: الخيرية، السعادة، والقيمة. لا شأن لي الآن بالقيمة. العيش الأخلاقي هو أحد مكونات الحياة المثالية، والاستمتاع بالحياة هو مكون آخر من مكونات الحياة المثالية. أنا أقول إننا إذا لم نكن نؤمن بالارتقاء الروحي والمعنوي، فإن خيرية الحياة تصبح أساسًا أحد فروع سعادة الحياة؛ أي أن العيش الأخلاقي يعود إلى نوع من مذهب اللذة. أنا أستمتع بدوافعي الأنانية، وأستمتع أيضًا بدوافعي الإيثارية. أستمتع أحيانًا بهذه الدوافع وأحيانًا بتلك، وفقط لأكون سعيدًا. هل يمكنك قبول هذا؟
فنائي: يعود بنا الحديث إلى الالتزام الأخلاقي وإلى سؤال لماذا ينبغي أن نكون أخلاقيين. أعتقد أنه إذا لم يكن المرء قائلاً بالارتقاء المعنوي والروحي، فإن كلامك صحيح تماماً؛ أي أننا في ذلك الإطار لم نعد نستطيع الحديث عن الأخلاق، وسيكون الدافع والمحرك لنا في السلوكيات هو اللذة. وبطبيعة الحال، من يفكر في هذا الإطار يسعى وراء اللذة الأكبر، بغض النظر عمّا إذا كان مصدر تلك اللذة الأكبر هو مساعدة الآخرين أم حرمانهم، أو ظلمهم. وهو هنا لا يحتاج أصلاً إلى حكم أخلاقي، بل حاجته أن يشخّص أيّ هذين الفعلين سيجلب له لذة أكبر، بصرف النظر عن كون ذلك الفعل خيراً أم شراً من الناحية الأخلاقية. في نظري، يصبح الحكم الأخلاقي هنا بلا موضوع. فهو هنا يتخذ القرار بناءً على حكم سيكولوجي حول مقدار اللذة. لكننا حين نتحدث عن الأخلاق، فإن افتراضنا المسبق هو أن البديهيات الأخلاقية تخبرنا على الأقل بأن علينا أحياناً أن نتخلى عن بعض اللذائذ ونحرم أنفسنا منها، لأن الوصول إلى تلك اللذة ينطوي على انتهاك بعض القيم الأخلاقية.
ملكيان: أنا لا أذهب إلى هذا الحد. أنا لا أقول إن هذا الفرد يدوس الأحكام الأخلاقية. لأن الافتراض هو أن لديه أيضاً نزعات إيثارية، وبالتالي فهو لا يظلم الآخر؛ لأنه حين يظلم الآخر يكون قد كبت نزعاته الإيثارية. النقاش يدور فقط حول أنه إذا حصل تعارض بين فعل إيثاري وفعل أناني، فإنه ينظر أيهما يمنحه لذة أكبر. إذا منحه الفعل الأناني لذة مارس الأنانية، وإذا منحه الفعل الإيثاري لذة أكبر مارس الإيثار.
فنائي: أي أن عيشهم الأخلاقي مشروط؟
ملكيان: مشروط باللذة؛ أي في المثال المذكور، كان دفع المليار لك يمنحني لذة إيثارية قليلة، لكن امتلاك ذلك المال كان يمنحني لذة أنانية طائلة. لكن لنأخذ العكس الآن: تصور فقيراً تدور حياته بمئتي ألف تومان شهرياً، في المقابل، امتلاك مئتي ألف تومان لنفسي لا يمنحني لذة أنانية تُذكر لأن دخلي الشهري عشرة ملايين تومان. لكن حين أرى أن شهر ذلك الفقير يمضي بمئتي ألف تومان، فإن مساعدته تمنحني لذة إيثارية عظيمة. هنا أعطيه هذه المئتي ألف تومان لأنني أتلذذ بالعطاء أكثر، وفي الوقت نفسه لا يشكل امتلاك أو عدم امتلاك مئتي ألف تومان فرقاً كبيراً لدي. بهذا المعنى يصبح الخير تابعاً للذة، ولا يلزم عن هذا بالطبع أنني لا أعيش أخلاقياً، لأنني لا أزال أملك نزعاتي الإيثارية، لكن تبقى اللذة هي المهمة.
فنائي: معنى العيش الأخلاقي هو ماذا تفعل حين يتعارض الخير مع اللذة، وعلى أي أساس تتخذ القرار؟ هل تتخذ القرار بناءً على مقتضيات الأخلاق أم بناءً على مقدار اللذة؟ افتراضنا هنا أننا قبلنا في تلك النقاشات الخاصة بالإيضاح المفهومي أن اللذة لا يمكن قبولها لا كتعريف للخير ولا كمعيار لتشخيصه، بل إن النسبة بين الخير واللذة هي العموم والخصوص من وجه. قد يكون الفعل الخيّر مبهجاً، وقد يكون القيام به مُرّاً علينا أحياناً. إذا قبلنا، في مقام التعريف، الفصل بين هذين الاثنين واستقلالهما عن بعضهما، فإن الأخلاقية لا تجد معناها إلا حين لا يتوافقان ويكون اختيارك هو الاختيار الأخلاقي.
ملكيان: لكن البعض لا يقبلون هذه «الشرطية» أصلاً. فالأبيقوريون، رغم أنهم يعتبرون أنفسهم أخلاقيين، هم هيدونيون ولذّيون.
فنائي: أجل، الحق معك. لكننا نناقش هنا موقفنا نحن، لا موقف الآخرين. في ظني أن اللذّوية الأخلاقية لا يمكن الدفاع عنها، وإن كانت اللذّوية السيكولوجية قابلة للدفاع.
ملكيان: لكنني لا أشك، خارج هذا النقاش، في أن ظروف العيش الأخلاقي للمؤمنين أوفر منها لغير المؤمنين.
فنائي: نعم، أنت محق في هذا الأمر أيضاً، وأنا أوافق على أن المؤمنين، مقارنة بغير المؤمنين، يتمتعون بظروف أفضل لعيش حياة أخلاقية، لأن تكاليف العيش الأخلاقي تقلّ عليهم، ومنافع العيش الأخلاقي تزداد لهم، ولكن بشرط أن يكون تصوّر المؤمنين للعلاقة بين الدين والأخلاق تصوّراً صحيحاً. في رأيي، إذا استبدل المؤمنون الدين بالأخلاق فستكون النتيجة عكسية؛ أي أن الدور الإيجابي للدين في العيش الأخلاقي والبقاء أخلاقياً لدى المؤمنين مرهون بالاعتراف باستقلال الأخلاق عن الدين، لأنهم إذا لم يقبلوا هذه الفرضية المسبقة فسيكون فهمهم للدين فهماً غير أخلاقي وسيختلّ كل شيء. مثل ما نشهده في همجية طالبان والأصوليين الدينيين. هناك حديث شريف يبدو أنه رُوي عن الإمام علي (ع) والإمام الصادق (ع) –مع اختلاف في التعبير– يقول إن الناس ثلاثة أصناف: الصنف الأول يعبدون الله خوفاً من النار. أخلاق هذا الصنف هي أخلاق العبيد. الصنف الثاني يعبدون الله طمعاً في الجنة، وأخلاقهم هي أخلاق التجار. الصنف الثالث هم الأحرار. والمقصود بالأحرار هنا هم الذين يقومون بالأعمال الأخلاقية بدافع أخلاقي، ومحرّكهم ليس الخوف أو الطمع، بل نفس قيمة العمل الأخلاقي فحسب. عمل هذه الفئة له حسن فعلي وحسن فاعلي معاً. لذلك، حتى من منظور ديني، يمكننا القول إنه من الممكن أن يوجد بشر يلتزمون بالأخلاق والعهد الأخلاقي بدوافع فوق دينية.
ملكيان: إذا كان مقصودنا من «الإسلام الأول» النصوص الدينية والمذهبية المقدسة التي نقصد بها الكتاب والسنة، وكان مقصودنا من «الإسلام الثاني» مجموعة الشروح والتفاسير والبيانات والتبيينات التي تُستقى من «الإسلام الأول» والتي تشمل آثار المتكلمين والفقهاء وعلماء الأخلاق والفلاسفة والعرفاء، وإذا كان مقصودنا من «الإسلام الثالث» الإسلام في مقام التحقق التاريخي ومجموع الأفعال وردود الأفعال التي قام بها المسلمون في الـ 1400 سنة الأخيرة والآثار والنتائج المترتبة على تلك الأفعال وردود الأفعال، حينئذٍ أقول إنه ربما لا يكون حجم التناول الأخلاقي في «الإسلام الثاني» و«الإسلام الثالث» لافتاً للنظر، ولكن إذا تناولنا «الإسلام الأول» واتخذنا القرآن والأحاديث النبوية معياراً، فأعتقد أن القسم الأعظم من القرآن بالإضافة إلى الأحاديث النبوية يختص بالأخلاق. القرآن فيه ستة آلاف وستمئة وبضع آيات، والقسم الأعظم منه أخلاق. غير أنها أخلاق دينية، أي أخلاق تفترض مسبقاً وجود الله والحياة بعد الموت. وفي الأحاديث النبوية أيضاً، إذا نظرتم إلى سنن النبي، فغالب الأحاديث أخلاقية، وليست فقهية ولا حتى كلامية. إذن، في «الإسلام الأول» نتعامل غالباً مع الأخلاق. أما في «الإسلام الثاني» و«الإسلام الثالث»، إذا قارنتم حجم الآثار التي كُتبت في مجال الأخلاق بحجم الآثار التي كُتبت في مجال علم الكلام والفقه والعرفان، ترون أنه ليس لدينا سوى مكتبة صغيرة من الكتب الأخلاقية. أعتقد أنه لو أراد المسلمون الالتزام بكتبهم المقدسة لكان ينبغي أن يولوا الأخلاق أكبر قدر من الاهتمام. أنا أعتقد أننا منذ «بسم الله الرحمن الرحيم» و«الحمد لله رب العالمين» نتعامل مع الأخلاق. فعندما تكون الصفة التي تأتي لله في «بسم الله الرحمن الرحيم» هي الرحيمية، نكون بصدد الأخلاق، وحتى النهاية حتى «قل أعوذ برب الناس»، غالب البحث أخلاقي. لكن مع الأسف، في «الإسلام الثاني» و«الإسلام الثالث» تناولنا الأخلاق قليلاً.
فنائي: نعم، كلامكم صحيح تماماً، وهذا الأمر يدعو للأسف الشديد أن أولوياتنا نحن المسلمين، وفي الواقع منظومة القيم التي نتبعها عملياً، مقلوبة. بالطبع، ينبغي أن نستثني من هذه القاعدة عدداً من المفكرين المسلمين الكبار أمثال الغزالي والفيض الكاشاني وحافظ. أحد أهداف الغزالي من تأليف «إحياء علوم الدين» هو إعادة الأخلاق إلى مكانتها اللائقة. والفيض الكاشاني الذي حرّر هذا الكتاب من منظور شيعي كانت لديه نفس الدغدغة. وأما تقدم الأخلاق على الفقه في أشعار حافظ فواضح إلى درجة لا تحتاج إلى شرح وتوضيح.
ملكيان: إن البشر جميعاً لا يشعرون في قرارة أنفسهم بالحاجة إلى العيش الأخلاقي أصلاً. نحن لم نقرر أن نعيش حياة أخلاقية. أحد الفروق الجوهرية بين الأخلاق والقانون هو أن القانون ملزم؛ أي إنك إذا لم تكن مواطناً صالحاً وانتهكت القانون، فقد ارتكبت جرماً ويجب أن تدفع غرامته. أما أنا، على سبيل المثال، فيمكنني أن أكون متكبراً ولن يفرض عليّ أحد غرامة أو يحاكمني بسبب سلوكي المتكبر. لقد أرغمت الإلزامات القانونية الناس على قبول القانون إلى حد ما، أما في مجال الأخلاق فالإنسان حر. هل ثمة من يعاقب الكذابين، إلا في حالتين أو ثلاث مثل شهادة الزور التي تُعد جرماً قانونياً؟ بتعبير آخر، لكي تبقى على قيد الحياة، ليس أمامك خيار سوى مراعاة القواعد القانونية، لكنك تستطيع حتى آخر عمرك أن تحظى بقدر أكبر من القوة والجاه والمكانة الاجتماعية والشهرة والعلم الأكاديمي مقارنة بمن عاشوا حياة أخلاقية، دون أن يعتريك أي عيب أو نقص؛ لأن الأخلاق ليست ملزمة. الأخلاق ملزمة فقط لمن قرر بنفسه أن يرتقي بروحه وأن يطهر نفسه ويزكيها. إذا لم يتخذ شخص ما هذا القرار، فلا أحد يستطيع إجباره أولاً، وثانياً لن تتضرر حياته. وبالنظر إلى النقطة التي أُثيرت في بداية الحوار، فإن الإنسان عندما يعيش حياة أخلاقية، يجد نفسه في نقصان دائم من حيث التمتع بالمطلوبات الإجماعية السبعة. إذا أردت أن أعيش حياة أخلاقية، فغاية ما يمكنني كسبه هو مليونان من التومانات شهرياً، أما إذا دست على الأخلاق فيمكنني كسب مليوني تومان يومياً. إذن، فالعيش الأخلاقي يضر بثروتي كما يضر بقوتي. في رأيي، لكي يقبل الإنسان على الأخلاق، عليه أن يأخذ مراقبة الذات على محمل الجد؛ أي أن يكون قادراً على النظر إلى نفسه من الأعلى. يقول الشاعر: «لطالما بقيت في هذه الأمنية أن أجلس يوماً خلف النافذة وأرى طريقة مشيي في الشارع». إذا لم نكن مراقبين، فإننا مجرد فاعلين، نعيش الحياة لكننا لا نسأل أنفسنا أبداً: ماذا نفعل في هذه الحياة؟ النظر من الأعلى يشبه تعبير مولانا القائل: «نحن الذين نضرب بالعصي على عواهنها / فلا جرم أن نحطم القناديل». نرى كم نحطم من قناديل في الحياة، ونسحق قدم أحدهم، ونكسر يد آخر، ونهدر ماء وجه ذاك. إذن، على المرء أولاً أن ينظر من الأعلى، ثم يعطي قيمة لذاته الحقيقية، وإلا فسيقول لنفسه: مع كل هذا السحق للأقدام والأيدي، سأبلغ الثروة في النهاية، وما العيب في ذلك؟ ما لم ير أنه لا يستحق أن يضحي بذاته الحقيقية في سبيل تكديس الثروة وتكديس القوة.
فنائي: أوافقك تماماً في تفسيرك السيكولوجي. يبدأ العيش الأخلاقي من الشعور بالحاجة إلى الأخلاق وإعطاء القيمة والأهمية لنمط الحياة الأخلاقي. يأخذ البشر الأخلاق على محمل الجد عندما يكون التبرير والدافع لديهم للعيش الأخلاقي أقوى من التبرير والدافع الذي قد يكون لديهم للدوس على القيم الأخلاقية. وفي الوقت نفسه، أعتقد أنه ينبغي لنا أن نفرق بين الإلزام والضمانة التنفيذية. في اعتقادي أن الأخلاق ملزمة أيضاً، والفارق بينها وبين القانون، أو أحد فروقها عن القانون، هو أن الضمانة التنفيذية في نطاق القانون هي العقوبة الخارجية والدنيوية التي تُطبق على الشخص المخطئ، بينما في حالة الأخلاق، تكون هذه الضمانة التنفيذية معنوية وداخلية. وقد أشرتم في موضع آخر إلى أنه إذا لم يعش شخص ما حياة أخلاقية، فلا عيب ولا نقص يعتريه. في نظري أن العيب يعتريه، لكن تكلفة العيب والنقص الأخلاقي لا تُفرض بتدخل الدولة في الحياة الظاهرية الدنيوية، بل تُفرض بأدوات أخرى من قبل الفرد نفسه، والآخرين، والله، دون تدخل الدولة في الحياة الظاهرية والباطنية والدنيوية والأخروية.
ملكيان: ثمة موضوع آخر يمكن أن يكون محلاً لحوارنا، وهو بحث زبدة آيات القرآن. لطالما استخدمت هذا المثال: بحكم التعريف، كل ما في الصيدلية هو دواء. لكنني حين أذهب إلى الصيدلية لا أقول: بما أن كل ما هنا دواء، إذن أعطني عبوة من كل دواء. فكل دواء هو علاج لألم معين، وأنا لا أعاني من كل آلام العالم. إذن ينبغي أن أرجع أولاً إلى نفسي لأفهم ما هو مرضي، ثم أقول للصيدلاني: أعطني الدواء المناسب لهذا الألم. حسناً، أستخدم هذا التمثيل وأقول: إذا كان ما ورد في كتاب مقدس هو دواء لألم ما، فإن بعض أجزاء الكتاب المقدس تكون أكثر فائدة لي، وأجزاء أخرى أكثر فائدة لكم؛ لأن حاجتي تختلف عن حاجتكم، ومرضي وألمي يختلفان عن مرضكم وألمكم. لعل مراد هذه الآية القرآنية التي تقول: «فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» هو هذه النقطة بالتحديد؛ أي أناس يسمعون هذا القول، أي القرآن، فيتبعون أحسنه. والأحسن بالنسبة لي يُعرَّف بناءً على ألمي ومرضي وحاجتي، وبالنسبة لكم بالطريقة نفسها. لقد قلت مراراً إن من علامات الشعوذة أن يكتب تاجر تحت زجاج مكتبه في السوق: «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»؛ أي هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. هذا تضليل لتاجر. على التاجر أن يكتب تحت زجاجه: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ»؛ أي ويل للمطففين. «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ» ينبغي أن أضعها أنا المعلم تحت زجاج مكتبي. لكن ما شاع هو أنهم يضعون تحت زجاج مكاتبهم ما لا صلة له ولا نسبة، ولا يردع المرء قط عن أي عمل. النقطة الثانية هي أن النصوص المقدسة، مع أنها في نظر الأتباع حق كلها، إلا أن الأتباع يقرون بأن في الكتاب المقدس آيات أعمق مغزى. طبعاً هذه الآيات تتمتع بالحقانية على أي حال. هذا التصور القائل بأن جملة أو آية ما أعمق من جملة أخرى، ليس تصوراً لا سابقة له. هذا التصور موجود في كل الأديان والمذاهب، وموجود في ديننا ومذهبنا أيضاً. فمثلاً، كتب الغزالي قبل 750 عاماً «جواهر القرآن» وكان يعتقد أن ثمة آيات هي بمنزلة الجوهر، وآيات بمنزلة الصدف لهذه الجواهر؛ أي أنها تقوم بوظيفة الحماية تجاه الجوهر. لقد أورد الغزالي في جواهر القرآن الآيات التي هي في نظره جواهر القرآن. وحين كان أحدهم يقول: «لقد أخذنا لباب القرآن»، كان ذلك اعترافاً بأن للقرآن لباباً. ومن المحتمل لو أن شخصاً آخر غير الغزالي كتب لنفسه جواهر القرآن لاعتبر آيات أخرى هي الجوهر. هذا يتوقف على خصائص الفرد الذي يقوم بالانتقاء. الآن أريد أن أسألكم: هل تقبلون أصلاً فكرة أن للقرآن صدفاً وجوهراً، أم أنكم لا توافقون على هذه الفكرة؟ وهل تقبلون بأن بعضنا أكثر حاجة إلى بعض الآيات؟
فنائي: نعم، أنا متفق مئة بالمئة مع النقطتين المهمتين اللتين تفضلتم بهما، وأعتقد أنه يمكن حتى طرح شواهد أخرى من النصوص الدينية لصالح هذه النظرة. من بينها، على سبيل المثال، أحد الأوصاف التي يذكرها الإمام علي (ع) في خطبة المتقين للصالحين، وهو أمر جذاب للغاية من وجهة نظري. يقول في خطبته إن من الأعمال التي يقوم بها المتقون أنهم يتلون القرآن طوال الليل، وهدفهم من ذلك هو أن "يَستَثيرونَ بِهِ دَواءَ دائِهِم"؛ أي أن لديهم داءً وليسوا بلا داء، وعندما يقرؤون القرآن يبحثون عن دواء لدائهم. التشبيه الذي ضربتموه في مثال الصيدلية يمكن تعميمه على مائدة الطعام أيضاً. فإذا دُعيت إلى مائدة تحوي أنواعاً وأصنافاً شتى من الأطعمة، فبطبيعة الحال، وبناءً على المعايير التي لديك، ستنشغل باختيار أفضل وأنسب طعام لك. بالطبع، للقيام بالاختيار، ينبغي أن تعرف وتفترض مسبقاً مجموعة من المقدمات. من بينها، يجب أن تكون على دراية بمحتوى الأدوية الموجودة في هذه الصيدلية أو الأطعمة الموجودة على تلك المائدة، وبأي داء ينفع كل منها، أو أيها يلبي حاجتك إلى التغذية السليمة بشكل أفضل. لكن النقاش يدور حول استخدام هذه الأدوية والأطعمة. فبعد معرفة خاصية كل دواء أو طعام، نتعامل بانتقائية. أما في مقام التعليم، فينبغي بطبيعة الحال أن نحوز المعلومات الأولية عن خواص الأدوية والأطعمة وآثارها.
ملكيان: الآن يُطرح السؤال التالي: هل هذا الجوهر والصدف موزعان بالتساوي في كل فئة من فئات الآيات الكلامية والفقهية والأخلاقية الثلاث؟
فنائي: الحقيقة أنني لا أرى في نفسي الأهلية اللازمة، وليس لدي إحاطة كافية تمكنني من إصدار حكم كهذا. لم أنظر إلى القرآن من هذا المنظور حتى الآن. لكن تقييمي الأولي هو أن الآيات العميقة المغزى توجد في كل مجال من المجالات الثلاثة. نقطة أخرى هي أنه، في رأيي، بعض النقاط الأخلاقية الواردة في القرآن هي، من حيث الأهمية، أكثر أهمية وقيمة وجوهرية من كل النقاط الأخرى التي جاءت في مجال العقائد، ومجال الحقوق والسلوك، وحتى في مجال الأخلاق نفسه. يمكن القول إن هناك نواة من الآيات مفيدة وضرورية لجميع البشر، وتنفع الجميع بلا استثناء. لأنها أساس كل شيء آخر، وبناءً عليها يمكن تأسيس نظام اعتقادي أو رؤية للعالم، أو قبول نظام حقوقي ومعياري وقيمي والعيش على أساسه.
ملكيان: لا يهمني ما هو المعيار الذي استخدمه الآخرون ممن كتبوا في "جواهر القرآن" للفصل بين الصدف والجوهر. لو أردت أنت نفسك كتابة "جواهر القرآن"، فما هو المعيار والملاك الذي كنت ستضعه للفصل بين الجوهر والصدف؟ قد يقول شخص ما إنني كنت سأعتبر التعاليم الأساسية هي الجوهر، أو قد يقول آخر إنني أرى الصدف في الأسس أيضاً، فليس كل ما هو أساس جوهراً، وليس كل ما هو بناء فوقي صدفاً. ما هو تصورك أنت؟ هل يمكنك أن تضع تمييزاً وتقول إنك تفصل الصدف عن الجوهر بناءً على ذلك المعيار؟
فنائي: مرة أخرى، تقييمي في هذا الشأن ليس تقييماً مدروساً ومبنياً على بحث وتقصٍ كافيين، لكن إحساسي هو أنه يمكننا استخدام عدة معايير جنباً إلى جنب. بطبيعة الحال، أحد المعايير، وربما أهم معيار هنا، هو الأساسية نفسها؛ أي أن نستطيع القول إن هذا التعليم أساسي، وكل التعاليم الأخرى مبنية عليه، وأنه إذا اختلف موقفنا بشأن ذلك التعليم، فإن كل سلوكنا ومعتقداتنا وفهمنا لكل شيء سيتأثر. معيار آخر أميل إليه شخصياً هو أثر الآية في اليقظة الروحية والأخلاقية. جميعنا مررنا بتجربة أن بعض الآيات وكأنها توجه لنا صفعة أشد، وتوقظنا وترتقى بنا روحياً وأخلاقياً بشكل أكبر. مثل هذه الآيات ستحظى باهتمام أكبر في "جواهر القرآن" التي ترضيني.
ملكيان: هل يمكن لعقلانيتنا المعاصرة والأخلاق العالمية وحقوق الإنسان أن تكون هذا المعيار للفصل؟ يراود ذهني دائمًا أن لدينا ثلاثة معايير معاصرة. أحدها أنه إذا أردنا اليوم أن نكون متدينين ومؤمنين، فيجب أن تكون التعاليم التي ننظر فيها متوافقة مع عقلانية إنسان اليوم ومع ذهنية إنسان اليوم. والآخر ألا تكون متعارضة مع الأخلاق العالمية، والثالث أن تكون متوافقة مع حقوق الإنسان. رغم أننا قد لا نعتبر قائمة حقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالمي قائمة تامة وكاملة، ونعتقد أن ملف هذه القائمة مفتوح وبحاجة دائمة إلى المراجعة. لكن هل تقبلون أنه إذا ما تم وزن شيء بهذه الموازين الثلاثة يمكن أن يكون جوهر الدين؟ أنا لا أناقش أساسًا مسألة الذاتي والعرضي في الدين لأنني لا أقبل أصلًا هذا الفصل بين الذاتي والعرضي.
فنائي: نعم! لكن عندما نتحدث عن الانتقاء، برأيي يجب أن نفصل بين نوعين من الانتقاء. أحدهما الانتقاء على المستوى الفردي والآخر الانتقاء على المستوى الجمعي والاجتماعي. معياركم هذا يعود إلى النوع الثاني من الانتقاء. وكأننا نريد أن ننتخب آيات من القرآن تنفع أناسًا يعيشون في العالم الحديث بغض النظر عن خصائصهم الشخصية وميزاتهم الفردية وخلفياتهم التربوية والتعليمية؛ أي أننا نفترض حاجات مشتركة لدى إنسان اليوم، وتلك الآيات تشكل استجابة لائقة لهذه الحاجات. قد تكون تلك الحاجة حاجة معرفية أو حاجة عملية. لكن على أي حال يمكننا طرح موضوع الانتقاء ومعيار الانتقاء على مستويين. يمكن أن تكون هناك معايير أخرى في الانتقاء على المستوى الفردي.
ملكيان: هل تقبلون أن ذلك الجزء الذي قد تقبلونه أنتم أيضًا بوصفه من جواهر القرآن يتم التبشير به وتعليمه على المستوى الاجتماعي بشكل أقل؟
فنائي: نعم! في الواقع إن إحدى الوقائع المرة والمؤسفة التي حدثت في ثقافتنا الدينية، وربما في أديان أخرى، هي تبادل مكان الجوهر والصدف، وعلينا أن نسعى لتصحيح هذا الخطأ.
.
.
.
.
علم الاجتماع
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
چنین می نماید که چنین گفت و گویی نوعی هم سخنی است و تایید مواضع همدیگر است نه نگاهی انتقادی. گویا رابطه مریدی و مرادی در حوزه اندیشه نیز رخنه کرده است. بازگو کردن اندییشه های سروش و ملکیان به توسط شاگردانشان به شکلی هایی جدیدتر نامش روشنفکری دینی نیست تقلیدی است که مردم را دل می ربایاند اما خواص اندیشه را یاری نمی رساند.ارسطو افلاطون را دوست داشت اما حقیقت را بیش از او. کاش روشنفکران نا نیز نسبت به هم چنین بودند...
بسم الله اکرآنچه را که کلام الله تبیین می کند واقعیت منطبق برحقیقت باشد بدانیم که هست دیگر نیازی به موظف کردن بشر برای انتخاب بعنوان هنجار نخواهد بود وپذیرش انسان های اخلاق واقعکرا براساس حق بودن آنها می باشد نه یک ترجیح عقلی معارف الهی باید اخلاقی نیست به دلیل حق بودن آنها وفصل الخطاب بودن آنها نیز بدلیل حقیقت ظاهری وباطنی آنهاست وقتی استهزاء مومنان توسط غیر مومنان انجام می شود بشارت احاطه همان استهزاء برکافران آیات داده می شود یعنی آنان حقیقت را نمی شناسند وآن حقیقت برآنها واقع خواهد شد دردین اصل خودوتعالی ورسیدن خود است ودیگرگروی نیز تحت همین اصل قرارمی گیرد ووعده پروردگار هم بر تفوق مومنانش می باشد آنچه بظاهر از ناکامی درمدت زمانی خاص برمومنان رفته است با نهایت وعاقبت آنان ختم می گردد وبرای نکران تمتع موقت تبیین شده است واکر نرسیدن به خواست وهدف مومنین بیان می شود علت خود آنان وعمل برخلاف آنان است. ،مستند به آیات الهی مشروط به استفاده وعمل حق ومعیارهای پروردگار تفوق ورسیدن به سعادت دنیوی قطعی است مغلطه مصطلح ناشی از درست وحق نبودن ابزار مورد استفاده بظاهرمومنان می باشد مکر با عالم الغیب وشهود نتیجه. مثبت ندارد واو با کسی نسبت ندارد که به باطل اغماز کند وکسانیکه با نام او عمل می گنند را پیروز میدان زندگی نماید جهل هم یکی از فاکتورهای نرسیدن انسان به آرمانهای اوست یوت کل ذی فضلافضله درپایان بایدعرض کنم معارف دینی را نباید در عرصه انسانی تبیین نمود واین اشتباه منجر به اعوجاج در معرفت های ذینی ونرسیدن به حقیقت آنها می باشدضمن اینکه خود معارف را نیز باید تفکیک شده تحلیل وبررسی درک نمود که هرحقیقتی در میذان زمان مکانی خود قابل استفاده وکاربرد می باشد