اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يذهب علي عبد الرازق في كتابه «الإسلام وأصول الحكم» إلى أن النبي لم يؤسس دولة وأن الخلافة ليست مؤسسة دينية مقدسة. طُرح هذا التصور بعد انهيار الدولة العثمانية داعياً إلى حكم قائم على العقل البشري، مما أثار ردود فعل عنيفة من الأزهر.

وُلد علي عبد الرازق عام 1888 في أبو جرج، وهي مدينة في وسط مصر. كان والده حسن باشا عبد الرازق أحد مؤسسي حزب الأمة الليبرالي الدستوري ومن المقربين من محمد عبده (المفكر الإصلاحي المصري)، وكان أخوه، علي مصطفى عبد الرازق، الذي درس في الأزهر وفي فرنسا، ذا نزعات ليبرالية وإصلاحية.
أنهى علي عبد الرازق دراسته في جامعة الأزهر واختير شيخًا للأزهر. وإلى جانب تعليمه الرسمي في الأزهر، كان يتردد على الجامعات المصرية. كما ذهب إلى إنجلترا لنحو عامين وأكمل دراساته غير الدينية في إحدى جامعاتها.
نزعاته الفكرية وأسرته والمناخ الذي نشأ فيه صنعت منه إصلاحيًا سياسيًا ودينيًا، مما دفعه إلى تأليف كتاب "الإسلام وأصول السلطة" ليطعن في إحدى أهم مؤسسات العالم الإسلامي، ألا وهي مؤسسة الخلافة. أثار نشر الكتاب احتجاجات في الأزهر حتى استُدعي عبد الرازق إلى المحاكمة، وحُكم عليه بسبب آرائه بترك الأزهر.
في أوائل عشرينيات القرن العشرين، وقد وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها للتو وكانت الإمبراطورية العثمانية تتداعى، كانت همهمات تُسمع بين المسلمين حول حقبة ما بعد العثمانيين. كانت الدولة العثمانية آخر حكومة أبقت الخلافة حية، وكان السلطان عبد المجيد الثاني آخر الخلفاء العثمانيين.
كانت هناك ثلاثة اتجاهات رئيسية بين المسلمين السنة تجاه حقبة ما بعد الخلافة: الأول، رأي مصطفى صبري وأتباعه الذين اعتقدوا بضرورة العودة إلى المؤسسات والنماذج الممتدة لقرون. رأى صبري ضرورة إحياء مؤسسة الخلافة كما كانت قائمة في العهد العثماني. عارض مصطفى صبري، وهو نفسه من الأناضول، أتاتورك مما اضطره للفرار من تركيا واللجوء إلى مصر. الثاني، رأي رشيد رضا وأتباعه. كان رشيد رضا، الذي يُعد من تلاميذ محمد عبده، يؤمن بنوع من الأرثوذكسية الإصلاحية. كان يعتقد أن رفض الاستبداد، والتوافق التام مع الإرادة العامة، واحترام المعايير الأخلاقية الأساسية، كل ذلك يجعل المسلمين لا يحسدون النظام السياسي الغربي. شدد رشيد رضا على الخصائص الإسلامية غير القابلة للاختزال: في هذا النظام، القوانين ذات أصل إلهي، وهي، لأي سبب كان، بعيدة عن متناول البشر، وبالتالي فهي محصنة دائمًا من الاستبداد، ومن الأهواء العابرة، ومن الخطأ. تُعتبر الشريعة، بوصفها الإطار القانوني الذي لا يمكن انتهاكه، الضامن النهائي للنظام الإسلامي. الثالث، الرأي الذي اشتهر باسم بيان أنقرة. تُرجم هذا البيان من التركية إلى العربية على يد شخص يُدعى عبد الغني سني، وأثر تأثيرًا بالغًا في أشخاص مثل علي عبد الرازق. كان بيان أنقرة في الواقع كتابًا بعنوان "الخلافة وسلطة الأمة"، ويُرجح أنه كُتب من قبل مجموعة من العلماء وأنصار العلمانية بدعم من المجلس الوطني الكبير في تركيا. أكد مؤلفو بيان أنقرة على وجوب تجريد الخليفة من جميع صلاحياته المادية والإبقاء عليه فقط كمرجعية روحية عليا للعالم الإسلامي. في مثل هذا الوقت أُلّف كتاب "الإسلام وأصول السلطة".
ألف علي عبد الرازق هذا الكتاب عام 1925، أي بعد عام من صدور بيان أنقرة. كُتب كتاب الإسلام وأصول السلطة في ثلاثة دفاتر، وكل دفتر في ثلاثة فصول. يسعى علي عبد الرازق في هذا الكتاب إلى أن يبين أولاً أن تعريف الخلافة يختلف عما فهمه معظم المسلمين عبر التاريخ. وثانيًا، أن نبي الإسلام لم تكن له مهمة سوى تبليغ رسالة الله، وأنه لم يُقم حكومة بالمعنى الاصطلاحي للكلمة. وثالثًا، أن مسار الخلافة منذ الخليفة الأول تحرك تدريجيًا نحو الحكم والمُلك، وأن المُلك يختلف عن منهج النبي وسيرته.
يسعى علي عبد الرازق إلى حل مشكلة الخلافة، في حقبة ما بعد انهيار الدولة العثمانية، من أجل إرساء نوع من الحكم القائم على العقل والتجربة البشرية، وينصبّ جهده كله على إظهار أن مؤسسة الخلافة التي تشكلت وترسخت تدريجياً طوال الحقبة التي تلت النبي ليست مؤسسة مقدسة، وأنه بزوال مؤسسة الخلافة لن يكون الدين الإسلامي في خطر. في هذا الكتاب، يقل استخدام عبد الرازق للمنهج الفلسفي والاستدلالات العقلانية، بل ينصبّ جهده على تقديم شواهد أكثر من داخل التراث الإسلامي. إن الإحالات الكثيرة إلى آيات مختلفة من القرآن وسنة النبي، تجعل كتابه أقرب إلى كونه كتاباً داخل التراث الديني منه إلى كتاب خارجه.
الجذر اللغوي للخلافة من مادة خَلَفَ، وتُستخدم بمعنى نيابة شخص غاب لأي سبب كان. أما في المعنى الاصطلاحي وعند المسلمين، فالخلافة منصب يُختار له خلفاء النبي الإسلام من بعده بغرض الدفاع عن الدين وتدبير شؤون الأمة. يعرّف ابن خلدون الخلافة بأنها: "حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا كلها عند الشارع معتبرة بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به". ومع ذلك يبدو أن القائلين بهذه القراءة قد فرّقوا بين الخلافة والمُلك، كما يقول ابن خلدون: "المُلك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها".
ثمة رأيان بين المفكرين الإسلاميين حول مكانة الخلافة: أ- نصب الخلافة: يرى أنصار هذا الرأي، وهم غالبية المفكرين، بوجوب نصب الخلافة. وبناءً على هذا الرأي، يجب على جميع المسلمين أن ينصبوا خليفة، وإن لم يفعلوا ذلك فأجمعون آثمون. يستند رأيهم إلى دليلين: الأول أن الصحابة والتابعين أقدموا على نصب خليفة بعد وفاة النبي الإسلام. والثاني أن نصب الإمام شرط ضروري لحماية الشعائر الدينية وصلاح عامة الناس، وبدون نصب الإمام لا يمكن أداء الشعائر الدينية. ب- رأي فئة مثل حاتم الأصم المعتزلي، الذين لا يرون نصب الخليفة واجباً، بل الواجب عندهم هو مجرد تنفيذ أحكام الشرع. من وجهة نظر عبد الرازق، لم يستطع أنصار الفئة (أ) أن يسندوا دعواهم إلى أية آية أو رواية صحيحة.
يقبل عبد الرازق حجية الإجماع في تقرير الحكم الديني ويرفض مخالفته. من وجهة نظر عبد الرازق، لا توجد أية آية أو حديث صحيح لوجوب الخلافة فحسب، بل لم يتشكل إجماع بين المسلمين في هذا الشأن أيضاً. ومع ذلك، يرى عبد الرازق أن الإجماع لا يكون مقبولاً إلا إذا كان إجماع صحابة النبي فقط، أو الصحابة والتابعين، أو علماء المسلمين، أو كافة المسلمين.
يستشهد عبد الرازق بشواهد تاريخية كثيرة، منها الاعتراضات التي وُجهت إلى أبي بكر كخليفة، ومنها قضية أهل الردة الذين كانوا يعتبرون أنفسهم مسلمين لكنهم لم يقبلوا أبا بكر خليفة، وكذلك الاعتراضات والثورات التي قامت ضد خلفاء المسلمين في العصور التاريخية اللاحقة، ليخلص إلى أنه لم يوجد على مدى تاريخ المسلمين أي إجماع حول موضوع الخلافة.
عبد الرازق بعد رفضه وجود دليل في القرآن والسنة والإجماع، يرى أن آخر حجة للمؤيدين للخلافة تتعلق بعبارة "الخلافة ناظرة على إقامة الشعائر الدينية وصلاح عامة الناس". وبرأي مؤلف الكتاب، إذا كان المقصود من هذه العبارة الحكم بمعناه العام فهو مقبول، ذلك أن غالب مفكري العلوم السياسية أقروا بأن حسن سير أي مجتمع متحضر، سواء قام على دين أو لا دينية، وسواء قام على هيمنة دين واحد أو عدة أديان، وأياً كان عرق أفراده أو لونهم أو لغتهم، يقتضي وجود حكومة تدير شؤونه وتحفظ نظامه. أما إذا كان مراد القائلين بالعبارة أعلاه الخلافة بمعناها الأخص، فلا دليل عليها البتة، بل يمكن للحكومة أن تكون دستورية أو استبدادية، جمهورية أو بلشفية... إلخ.
هل حكم نبي الإسلام؟ هل قضى نبي الإسلام أو عين قضاة؟ هل عين النبي والياً أو ولاة لمناطق مختلفة وأقام تشكيلات كالتشكيلات الحكومية؟ تدل الشواهد التاريخية على أن النبي كان يقضي بنفسه، كما كان يعين قضاة من قبله للقضاء أو يوفدهم إلى مناطق مختلفة. فعلى سبيل المثال، أرسل علي بن أبي طالب من قبله إلى قبيلة همدان، أو أرسل معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى همدان، وتشير بعض الروايات إلى قضاء عمر بن الخطاب في زمن النبي. وبرأي المؤلف، تختلف النبوة عن الملك. فالنبوة قامت على التبشير والإنذار كما تدل على ذلك آيات عديدة من القرآن، في حين أن قوام الملك الضغط والقوة. لقد أكدت آيات القرآن مراراً وبوضوح على لا إكراه في الدين، ولم تجعل وظيفة النبي إلا التبشير والإنذار. وبالطبع يمكن تقديم شواهد على ممارسات حكومية للنبي. فمثلاً، عين النبي عمرو بن حزم والياً على نجران، وابن باذام على صنعاء، وأبا موسى الأشعري على مأرب، ويعلى بن أبي أمية على الجند، أو أصدر في حالات كثيرة أمراً بالجهاد، أو أمراً بأخذ الزكاة، وما شابه ذلك. ولكن هل كانت الممارسات الحكومية للنبي جزءاً من وظائف نبوته؟ وفقاً لرأي عبد الرازق، لا ينبغي الخشية إزاء الرأي القائل بأن النبي مارس نشاطاً مختلفاً عن وظيفة نبوته، وأسس دولة هي نوع من العمل الدنيوي لا صلة له برسالته؛ وإن كان هذا الرأي، في نظره، متطرفاً. فمن وجهة نظر علي عبد الرازق، لا توجد شواهد تاريخية على أن النبي كانت لديه تشكيلات حكومية. فدولة النبي – إن أمكن تسميتها دولة – كانت بعيدة عن التعقيدات الحكومية والأركان المتناسبة معها – التي هي من لوازم أي حكومة. وبرأي عبد الرازق، "كان النبي أمياً، وكان رسولاً للأميين. لم يخرج قط في حياته الفردية والاجتماعية، وكذلك في الشريعة التي جاء بها، عن الأصول التي تقتضيها الأمية، وعن الأصول البسيطة والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. ولعل هذا هو السبب في أن السمة الأساسية للنظام السياسي في زمن النبي كانت البساطة الفطرية. ولا شك أن معظم الأنظمة الحكومية الحالية ناشئة عن مواضعات وتكلفات وتجملات نألفها باستعراضها، بل ونعتبرها أركاناً للحكم وأصولاً للنظام".
ما كان موجوداً لدى نبي الإسلام ويفتقده خلفاؤه، هو السلطة النبوية. فالسلطة التي كان يمارسها النبي على قومه كانت روحية، منبعها إيمان القلب، وكان النبي يهيمن على أرواح المؤمنين، في حين أن سلطة الملوك مادية، ولا يستطيعون بأدواتهم إلا أن يأمروا الناس في ظاهر الأمور. إن السلطة التي كانت لمحمد بن عبد الله على المؤمنين، كانت استمراراً لسلطة النبوة، ولم تكن لها أي من سمات القوة الدنيوية. وعليه، فرغم أن النبي مارس الحكم أحياناً، إلا أن هذا السلوك الحكومي كان في إطار استمرار وظائفه النبوية، ولم يقدم قط على تأسيس دولة كدولة الملوك.
حتى ما قبل دخول عرب الجزيرة العربية في الإسلام، لم يكن ثمّة اتحاد بين القبائل العربية، بل كانوا على الدوام في خصام وقتال فيما بينهم، ينهبون أموال بعضهم بعضًا، ويقتلون أفراد القبائل المخالفة أو يأسرونهم. لقد أدّى الإسلام وسلطة محمد بن عبد الله النبوية إلى توحّد عرب الجزيرة العربية ونبذهم للخصومات. غير أن اتحاد هؤلاء العرب لم يكن اتحادًا سياسيًا، فالنبي لم يتدخل في الشؤون السياسية لمختلف القبائل، ولم يسعَ قط إلى تغيير أنظمتها الحكومية أو الإدارية أو القضائية. كان اتحادهم اتحادًا دينيًا جمعهم تحت رايةٍ اسمها الإسلام ونبيٍّ اسمه محمد. لكن بمجرد وفاة النبي، عادت الخلافات القديمة بين العرب لتطلّ برأسها من جديد. استعادت كل أمة شعورها بشخصيتها المتميزة وكيانها المستقل. وأصبحت المجموعة العربية التي تحققت في حياة النبي على شفا الانحلال: فارتدّ معظم العرب، باستثناء أهل المدينة ومكة والطائف.
وبحسب ادعاء عبد الرازق، فإن نبي الإسلام لم يعيّن خليفة له بين المسلمين، وهذا بذاته يدل على أن النبي، أولاً، لم يكن يعتبر لنفسه رسالة سياسية، وثانيًا، أن العرب لم يتحدوا ويؤمنوا من أجل أهداف سياسية. إن كيفية وصول أبي بكر إلى السلطة والمعارضات التي واجهها من بعض صحابة النبي كسعد بن عبادة، تُظهر أنه حتى بين أصحاب النبي أنفسهم – كما أشير سابقًا – لم يكن هناك إجماع على خلافة أبي بكر للنبي. بل إن أبا بكر نفسه لم يكن ينظر إلى نفسه على أنه خليفة النبي في الأمور الدينية، بل كان يرى نفسه على قدم المساواة مع سائر المؤمنين في الشؤون الدينية.
ومع ذلك، وبشكل خاطئ، شاع هذا الاعتقاد تدريجيًا بين المسلمين بأن خليفة رسول الله، وهو اللقب الذي نُسب لأول مرة إلى أبي بكر، هو منصب ديني، وأن الخليفة يتمتع بنفس شأن النبي. أما الملوك الذين جاؤوا بعد الخلفاء الأربعة واتخذوا لأنفسهم لقب الخليفة، فقد كانت مصلحتهم تقتضي أن يستخدموا الدين كأداة للدفاع عن عروشهم وقمع مخالفيهم. لقد ترسخ هذا الاعتقاد شيئًا فشيئًا في أذهان عامة المسلمين بأن الخلافة جزء من دينهم، وأن دينهم سيبقى ناقصًا بدونها. في حين أن الشواهد التاريخية والمصادر الدينية، قرآنًا وسنةً، لا تشهد بوجود مؤسسة تسمى الخلافة كجزء من دين الإسلام. وبحسب اعتقاد علي عبد الرازق، فإن الخلافة أو أمر القضاء أو أي وظيفة حكومية أو دولية لا تُعتبر أبدًا من الأمور الدينية، وأن الله قد ترك هذه الأمور للعقل البشري والتجارب الإنسانية.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
با سلام. اگر آن اعزام معاذ بن جبل به حمدانِ یمن از شماست، در صحت این گزارش تشکیک شده است. ضمن آن که حمدان، نه همدان.
سلام بنده کتاب " اسلام و مبانی قدرت" نوشته علی عبدالرازق را معرفی کردم و در مقام رد یا تائید مطالب کتاب نبودم. اگر ایرادی در مستندات تاریخی باشد، متوجه نویسنده کتاب است. در ضمن املای صحیح کلمه، همان "همدان" است.