اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
جذر التخلّف هو ذهنيّة «عبادة الحكومة» التي ترى الناس لا حول لهم ولا قوّة والحكومة صاحبة الأمر كلّه. تنفرج عقدة المشكلات حين يدرك المجتمع دوره في تقرير مصيره ويبدأ التغيير من السلوك والاحترام المتبادل.

لماذا تخلّفنا؟ لماذا تُداس حقوقنا؟ لماذا لا تترسخ الحرية والديمقراطية في مجتمعنا؟ هل فكرنا في الثمن الذي ندفعه مقابل إهانة حقوق بعضنا البعض وعدم احترامها...؟
«عبادة الحكومة»
لا شك أن أكبر عامل في شقاء الإنسان وتعاسته هو عدم إيمانه بقيمته الذاتية وقدراته. يُعبَّر عن هذه المعضلة بـ«ضعف الثقة بالنفس» أو «النقص» أو «الشعور بالدونية». الفرد الذي يعاني من «عقدة النقص» يكون متردداً تجاه قوة عمله وفكره، وأحياناً، رغم تمتعه بفرص وقدرات مختلفة، يعيش حياة سلبية مليئة بالخوف والضعف. يرى الفرد الذي يعاني من الدونية أن الآخرين هم المحددون والمؤثرون في مختلف مجالات الحياة، وفي المقابل، يعتبر نفسه سلبياً وقابلاً للتأثر. هذه العقلية واضحة في جميع سلوكيات مثل هذا الشخص، بل وتلقي بظلالها على مجرى حياته بأكمله.
غالباً ما يكون سبب الشعور بالدونية هو النشأة في بيئة سلوكية ونفسية غير صحية، فضاء يلقن نفس الفرد الشعور بالضعف وانعدام القيمة بأساليب مختلفة كالأذى والتهديد والتسلط. ما يزيد المشكلة تعقيداً هو أن عقدة النقص من بين المعضلات التي تشكل بذاتها عائقاً أمام إزالتها، لأن الفرد الذي يعاني منها غالباً ما يتجاهل التأثير العميق لطبيعته ونظرته، وبدلاً من ذلك يبحث عن جذور المشكلة خارج ذاته. وبما أن مثل هذا الشخص يرى نفسه عاجزاً عن تغيير الظروف، فإنه يتطلع إلى هذا وذاك وإلى العوامل الخارجية لإحداث الإصلاح والتغيير، وهذا هو أهم عائق أمام تحرره. لا عجب أن عقدة مشاكله كالقلق والتبعية والاكتئاب تبدأ بالانفراج عندما يؤمن بقدراته ويدرك دوره في إحداث التحول والتغيير في حياته.
❊ ❊ ❊
كما مر، تُطرح معضلة عقدة النقص في علاقة الفرد بنفسه أو بالمجتمع. لكن السؤال هو: هل يمكن أن نجد ظاهرة مماثلة في العلاقة بين المجتمع والحكومة؟ هل يمكن تصور أن مجتمعاً ما يعاني من شعور بالسلبية والدونية في علاقته بالنظام السياسي الحاكم عليه؟ برأيي، الإجابة على هذا السؤال إيجابية، ونتيجة هذا الشعور هي ظاهرة يمكن تسميتها بـ«عبادة الحكومة». لكن ما المقصود بـ«عبادة الحكومة»؟ «عبادة الحكومة» تعني رؤية النظام السياسي على أنه الفاعل الوحيد واعتبار الذات عديمة الفعل. «عبادة الحكومة» هي نوع من العقلية أو طريقة التفكير السياسية-الاجتماعية التي لها وجهان: إيجابي وسلبي، وكلاهما يؤديان إلى عواقب مدمرة للمجتمع.
«عبادة الحكومة السلبية» تعني كره الحاكمية الظالمة وغير الكفؤة واعتبار السياسيين مسؤولين عن جميع مشاكل المجتمع. في المقابل، «عبادة الحكومة الإيجابية» تعني صنع أصنام وقديسين من الحكام وتوقع معجزة التقدم والرفاه منهم. «عبادة الحكومة»، التي يمكن اعتبارها نوعاً من «الدونية الاجتماعية»، هي عقلية مدمرة تؤدي إلى عواقب مشابهة لضعف الثقة بالنفس على النطاق الاجتماعي، ومنها الشعور بالوهن والسلبية والخوف والإحساس بالعجز والاكتئاب العام. لا عجب أن أنظمة الخداع والاستبداد تسعى باستمرار إلى ترويج هذا النوع من النظرة. إنهم، عبر تلقين طريقة التفكير القائلة بأن الحكومة هي الفاعل الوحيد والشعب لا يفعل شيئاً، يحاولون إضعاف حس الثقة بالنفس في المجتمع وترسيخ اعتقاد العامة بقدرتهم المطلقة. تحاول أنظمة الاستغلال، بهذه الطريقة التي يمكن تسميتها «التحقير الناعم»، أن تجعل الناس يتصورون أنفسهم كتلة عاجزة لا حول لها ولا قوة، وفي المقابل يعتبرون الحكومة ورجال الدولة هم صانع القرار الرئيسي والقوة العليا في جميع المجالات. إنهم، عبر تحقير المجتمع، يجعلون الناس يستصغرون قيمة أنفسهم وقيمة بعضهم البعض، ونتيجة لذلك، تترسخ معضلات كالكذب وعدم الاحترام وانعدام الثقة والفرقة بين الناس، لكي يتم بهذه الطريقة تهيئة الأرضية للسيطرة على المجتمع واستغلاله بسهولة.
هذا في حين أن التقدم والعدالة أو الظلم والفساد في أي مجتمع، إنما يخضعان في المقام الأول لثقافة الناس ووعيهم ونمط سلوكهم وعلاقاتهم. فليس من قبيل الصدفة أن الحكومات المستبدة والفاسدة تظهر دوماً في ثقافات يكون فيها الظلم والكذب وعدم احترام الحقوق بين الناس أنماطاً عادية وشائعة. وينبغي القول بالطبع إن النظام السياسي لبلد ما يؤدي دوراً واسعاً وذا شأن في تحديد أوضاع مجتمعه وظروفه، غير أن دور الناس وثقافتهم أهم وأكثر حسماً من أي عامل آخر، وهذه حقيقة لا يريد الظالمون والمستبدون أن يعيها الناس.
من أكبر عوائق الحرية والنمو العام في مجتمع ما أن يعزو أفراده تقدمهم وتخلفهم على السواء، حصراً، إلى القرارات السياسية وسلوكيات الحكام والسياسيين. فهذه الذهنية تجعل الناس في أي مجتمع لا يرون أبداً الدور الكبير والمهم الذي يؤدونه هم أنفسهم في مصيرهم، ونتيجة لذلك، يظل الناس في مثل هذه الحال ينتظرون حدوث تغيير في شيء هو انعكاس لطبعهم وسلوكهم هم. ونتيجة هذا الغفلة هي أن العقدة المستغلقة للشقاء والتخلف لا تنفرج أبداً في المجتمعات المتعبدة للحكومة. إن بداية التغيير والتحول في مصير مجتمع ما تبدأ من اللحظة التي يدرك فيها أفراده الدور المهم الذي يلعبونه هم أنفسهم في مصيرهم، ويبدؤون التحول والتقدم من الصدق والتعاون واحترام حقوق بعضهم بعضاً.
وهذا الموضوع يتجاوز بالطبع التعاملات الموضعية للحكومة مع الناس، في حالة أو بضع حالات. بل إن المسألة تتجاوز حتى ظهور نظام سياسي معين أو استمراره. فالحقيقة هي أن الحكومات تولد من رحم ثقافة الناس ونظرتهم إلى العالم، وسلوكهم وخطابهم ناشئان عن النظرة السائدة في فكر الناس وسيكولوجيتهم إزاء الإنسان وحقوقه ومكانته، ولا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك. إن التغيير في أي نظام سياسي أو التحول في سلوكياته، شاء أم أبى، هو معلول لتحول في فكر الناس وتوقعاتهم. فلننظر حولنا. لن نجد أي مؤسسة أو منظمة أو قانون أو سلوك أو نمط في أي مجتمع، لا يكون على الأقل متجذراً في ذهنية وسيكولوجية طيف واسع من أفراد ذلك المجتمع، ولا يعكس، بوصفه مرآة خارجية، ذلك الطبع الداخلي.
السبب الرئيسي لعدم تحقق التقدم والعدالة في المجتمعات المنكوبة بالظلم هو جهل العموم بهذه الصلة الجوهرية بين نظرتهم وسلوكهم هم، وبين البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحاكمة عليهم. إن بقاء عقدة الظلم والشقاء دون انفراج في مثل هذه المجتمعات يعود إلى أن غالبية الناس لا يقدرون على رؤية العلاقة بين سلوكياتهم وعلاقاتهم فيما بينهم، وبين سلوكيات الحكومة معهم، ونتيجة لذلك يظل الناس ينتظرون تغييراً في شيء يستلزم تغييراً في سلوكياتهم هم أنفسهم.
للأسف، فإن كثيراً من المثقفين والناشطين في الفضاء الفكري والثقافي للمجتمعات، بدلاً من نقد سلوكيات عموم مجتمعهم وبيان نقاط ضعفه وأخطائه، وهو السبيل الوحيد للخروج من وهدة الشقاء والتحرك صوب التقدم والحرية، ينشغلون، عن علم أو جهل، بتملّق الناس وإظهارهم بمظهر المظلومين السلبيين، وفي المقابل يظهرون 'الآخرين' على أنهم المذنبون في كل الإخفاقات والاضطرابات والآلام (وهي بالمناسبة طريقة تنتهجها الحكومات الظالمة والمخادعة أيضاً). وهذا الأسلوب، بالطبع، أسلوب مريح ومستساغ لإعفاء جماهير الناس من المسؤولية وإراحة بالهم من أن عناء التحول والبحث عن حل يقع على عاتق الآخرين. وهو بطبيعة الحال يكسب القائل وجاهة وشعبية، لكن في قلب هذا الاسترضاء المستعذب يكمن سم قاتل يُحقن في جسد ثقافة المجتمع ووعيه ونموه. إن مثل هذا الأسلوب لا يسفر إلا عن جمود المجتمع واستمرار المأزق المليء بالعذاب الذي تتخبط فيه المجتمعات غير المتطورة منذ مئات السنين.
وبالطبع، لا يعني كل هذا الكلام تبرئة الحكام وإعفاء الجهاز السياسي من المسؤولية في أي مجتمع. فلا شك أن النظام السياسي (شأنه شأن سائر البنى الاجتماعية) يؤدي دوراً كبيراً وواسعاً في كل أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية للناس، وهو مسؤول عن أخطائه ومظالمه وأوجه قصوره، لكن ما يُقصد هنا هو الإدراك الصحيح لموقع العلة والمعلول: فثقافة الناس ومستوى وعيهم هما العلة والبنية التحتية، وظهور الأنظمة السياسية والاجتماعية هو المعلول والبنية الفوقية.
مفتاح تحرر المجتمعات وتقدمها يكمن في إدراك هذا المبدأ الجوهري: إذا حدث تغيير في مستوى الوعي والمحبة والاحترام المتبادل بين الناس، فإن التحول في النظام السياسي سيحدث أيضاً بشكل حتمي، وإذا لم يحدث مثل هذا التغيير، فإن حلقة المعاناة والإحباط المغلقة لن تنفرج أبداً، كما نرى وكما لم تنفرج.
شكراً لصبركم.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بسيار مقاله خوبي بود. نگاه عميق و متفاوتتان به اين مسئله مهم جالب و قابل تامل است.