اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى ساسان حبيبوند أن الرأسمالية والاضطرابات النفسية في عصرنا ليستا علة «التعلق بالهوية» بل معلولتان لها. فالهوية، أي رؤية الذات من منظور الآخرين والتماس رضا المجتمع، هي ما يدفع الإنسان إلى عبودية الثروة والسلطة.

ساسان حبيب وند: ما تقرؤونه أدناه هو نص مقابلة أجريتها مؤخراً مع «مؤسسة باران». موضوع هذا الحوار هو علاقة الحياة المعاصرة بالظاهرة التي نسمع عنها مراراً تحت مسمى «أزمة الهوية». في هذا الحوار، تطرقتُ باقتضاب إلى تفكيك مفهوميْ ''الهوية'' و''أزمة الهوية'' وشرحتُ علاقتهما بمعضلات حياة الإنسان، لا سيما الحياة الحديثة.
تمهيد:
من جملة معضلات الحياة تحت ظلال عمالقة التكنولوجيا وفي خدمة رأس المال، مسألة الهوية. يعتقد كثيرون أن الانتحار والاكتئاب والمشاكل النفسية والروحية في عصرنا هي مسائل تنشأ من مشاكل تؤول إلى مسألة الهوية، أي أننا لا نعرف من نكون وماذا نريد. في حوارنا مع ساسان حبيب وند، بحثنا في الأزمات النفسية للعصر الراهن وعلاقتها بمعرفة الذات. حبيب وند هو مدرّس وكاتب وباحث في العلوم الإنسانية، ومجال اهتمامه وأبحاثه الخاص هو مسألة معرفة الذات.
١. إلى أي مدى يمكن ربط مشكلة تزايد الاكتئاب والاضطرابات الروحية والنفسية لدى إنسان اليوم بأزمة هويته؟
لا شك أن مشاكل مثل الاكتئاب والعدوانية والاضطرابات الروحية، بدرجة واسعة جداً، جذورها في مسألة الهوية. لكنني لا أظن أن هذا الأمر يقتصر على إنسان اليوم. لقد كانت مسألة الهوية وأزمتها موجودة على الدوام في التاريخ، وقد ولّدت الكثير من الشقاء والمعاناة. في هذا الشأن كلام كثير، وسأشرحه إن لزم الأمر.
٢. ما علاقة أزمة الهوية هذه بالسياسات الكبرى للحياة؟ أعني أننا مضطرون لتنسيق حياتنا وفق برامج وسياسات عمالقة الرأسمالية، أو أننا مجبرون على الخضوع لفضاء السياسات الليبرالية في الاقتصاد والعمل والسوق. هل يمكن أن تكون هذه الأنواع من السياسات سبباً في ذلك؟
المسألة هنا بالضبط. أولاً، لديّ إشكالية مع عبارة «أزمة الهوية». سأشرح ذلك، لكن برأيي أن هذا السؤال انطلق من نقطة خاطئة. الرأسمالية ليست هي العامل المسبب لمشكلة الهوية، بل مشكلة الهوية هي التي تسببت في معضلات جمة، من بينها الرأسمالية. لطالما كانت الهوية والتقديس المفرط للهوية عاملاً لنشوء الفرقة والكراهية والحرب والاستغلال والجوع وشقاءات التاريخ، ولا تزال كذلك اليوم. وأحد هذه التجليات القبيحة هو الاستعباد، وهي ظاهرة كانت موجودة دوماً، وقد اتخذت بالطبع في كل عصر شكلاً خاصاً بها، وشكلها اليوم هو الرأسمالية الجامحة.
٣. كيف تعرّفون هذه العلاقة؟
حسناً، علينا أولاً أن نسأل: ما هي الهوية؟ في اعتقادي، الهوية هي رؤية الذات من خلال نظرة الآخرين. هويتي تعني كيف تنظر إليّ البيئة والمجتمع والعالم، وماذا يعتقدون بشأني، وكيف يقيمونني. هذا هو تعريف الهوية. وفي مقابلها تقع ماهيتي، أي حقيقتي الأصيلة بكل خصائصها وقدراتها وقيمها. لكن لماذا، بدلاً من الالتفات إلى ماهيتنا، تمسكنا إلى هذا الحد بهويتنا؟ لماذا نحن حساسون جداً إزاء هويتنا؟ برأيي أن السبب هو الشعور بالدونية والانكسار. المسألة هي أننا، بفعل تلقين البيئة، صدّقنا أن قيمتنا يحددها الآخرون. نحن، بفعل إيحاءات التربية والثقافة، نتصور أن الكيفية التي يرانا بها الآخرون هي ذواتنا. بعبارة أخرى، لقد خلطنا بين ذاتنا الحقيقية والأصيلة وبين هويتنا الخارجية ومظهرنا الظاهري. (وقد شرحت هذا بالطبع في أعمالي). من الواضح أن هذا الوضع يولّد في داخلكم، إزاء المجتمع الذي يمثل سلطة التقييم والحكم، شعوراً بالحقارة والضعف. ومن الطبيعي أنكم، لكي تشعروا بالقيمة، عليكم دائماً أن تثبتوا أنفسكم للمجتمع وأن تحصلوا على تأييد هذا وذاك، وأن تكونوا قلقين دوماً من ألا يتحقق هذا التأييد فتهووا في بئر الفراغ والعبث، أو ما تسمونه الأزمة. الأزمة تعني حالة التعليق، أي اللاتعيّن. وأزمة الهوية تعني أننا غير واثقين من ماهية هويتنا ومن هي ذواتنا. وبهذا المعنى، فالهوية ظاهرة تعاني الأزمة دوماً. في الواقع، الأزمة جزء لا يتجزأ من الهوية ولا تنفصل عنها. إن قول عبارة «أزمة الهوية» يشبه قولنا «الماء المبتل»! الابتلال جزء من ماهية الماء ولا ينفصل عنه. إن سبحتم في الماء فحتماً ستبتلون. تماماً كما أن التمسك بالهوية، نتيجته الطبيعية هي الوقوع في الأزمة.
٤. أنت تعتقد في الواقع أن الرأسمالية تتغذى وتنمو من مشكلة اسمها الهوية؟
نعم، الرأسمالية ومشكلات لا تُحصى أخرى. كما قلت، إن نشوء مختلف أنواع الفطريات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية هو نتيجة لوهم اسمه تقديس الهوية، وإحدى هذه الفطريات السامة هي بالطبع منظومة الاستغلال وتكديس الثروة المسماة بالرأسمالية. لماذا تولد الرأسمالية؟ في مناخ تكون فيه هويتي وقيمتي رهينة بموافقة المجتمع، والمجتمع يقف فوق رأسي دائماً كالأرباب ليقيمني، فأنا مضطر لإثبات نفسي بأي شكل كان والحصول على الموافقة من المحيط. أعرف جيداً أن من أكثر القيم حساسية التي يروج لها المجتمع هي القوة والثروة. في المجتمع، الفقر والعوز مدعاة لانعدام القيمة والخجل، وعلى العكس، الامتلاك والغنى مدعاة للفخر والعظمة والإعجاب. لذا فإن إحدى الأدوات المهمة للهروب من الحقارة وكسب القيمة هي التشبث بأكبر قدر ممكن من القوة والثروة. الإنسان المُهان لا يتورع عن إذلال الآخرين واستغلالهم. أنا، لإرواء عطش هويتي الذي لا يرتوي، أسعى بأي شكل كان إلى تكديس المال والثروة، ومن أجل هذا الهدف، أمارس بأشكال مختلفة الاستغلال الجسدي والفكري للآخرين وتجهيلهم، وبالطبع لا أتوانى عن نهب الطبيعة وتلويث البيئة وتدمير العالم. كان الاستغلال في الزمن القديم يُمارس بأداة السوط والجوع المفرط، أما اليوم فيُمارس بأداة "المداعبة" والشبع المفرط! لكن ماهية الموضوع واحدة. في الواقع، إن فكرة أن القيمة والعظمة والاحترام رهينة بامتلاك المال والثروة، قد لقنها المجتمع لذهني، وبهذا التصرف الأخرق، صنع مني ذئباً انقض عليه هو نفسه. برأيي، الرأسمالية هي النقطة التي يصبح فيها المجتمع الذي يُقيم الناس كالأرباب بالثروة والجاه، ضحيةً لعبد نفسه. في الحقيقة، قبل أن يستعبد الرأسمالي المجتمع، يكون المجتمع قد استعبده هو. من الواضح برأيي أن معنى ما نقوله ليس تبرئة الرأسمالية، بل امتلاك صورة صحيحة وواقعية عن هذه العلاقة المسمومة. الهدف هو الوعي بالماهية الحقيقية لسلوكياتنا ورؤية نتائجها الحتمية. ما لم نعرف جذور مشكلاتنا ومآزقنا بشكل صحيح، فإن حلها غير ممكن، وأي محاولة لن تكون حصيلتها سوى الدوران حول الذات.
عندما ينظر الإنسان إلى مثل هذه العلاقات المضحكة، ويرى التحليلات السطحية التي لا تزيد ماهيتها عن جعل الناس أكثر نوماً وتبرئتهم بشكل مخدر، يتذكر شعر مولوي حيث قال:
هيچ كس زير دُم خر خاري نهاد؟ خر نداند دفع آن، برمي جهد
بر جهد آن خار محكمتر زند عاقلي بايد كه خارش بر كند!
٥. في عالم اليوم، تلقننا أدوات مثل وسائل الإعلام والفضاء الافتراضي، من نوعية الملبس وخصائص المظهر وصولاً إلى سلوكيات معينة. الشركات التجارية الكبرى تعرّف أهداف حياتنا في إطار أهدافها. أنا، كإنسان يحتاج إلى أن يكون حراً، كيف يمكنني أن أمتلك هوية مستقلة في مجتمع يضغط علي ليلقنني هوية معينة؟
فيما يخص الهوية، سبق أن أوضحت رأيي. إن الانشغال بالهوية هو في الأساس انشغال عقيم وهدّام. أما الاهتمام بماهيتنا الأصيلة والحقيقية والسعي نحو نمائنا وازدهارنا فهو أمر آخر بالطبع. بخصوص الحرية، ينبغي أن ندرك أن طريق الحرية يمر عبر الوعي. الخطوة الأولى للتحرر من هذه العلاقات المريضة والمستنزفة هي إدراكها. لا يستطيع أحد أن يكبّل إنسانًا واعيًا وحكيمًا. إن أهم محرك لأي مجتمع هو ثقافته العامة. الثقافة العامة هي أقوى قوة مشكّلة للمجتمع ومحدّدة لمصيره. جميع الظواهر الخارجية (كالقانون، والحكومة، والصناعة، والفن، والثروة، والعلم، والحرية... إلخ) سواء أكانت جيدة أم سيئة، ليست سوى تجليات خارجية لهذه الثقافة وقيمها. إن قوة وقدرة الشركات والعمالقة الذين تذكرون أسماءهم تكمن في جهلنا وغفلتنا. إذا لم نرهن هويتنا بالملابس ذات الماركات، والسيارة ذات الثماني أسطوانات، والبيت الفخم، والأنف الذي خضع لعملية تجميل، ولم نقم بعضنا بعضًا بناءً على هذه الأمور التافهة، فلن تجد الشركات العملاقة سوقًا لتصريف منتجاتها المجنونة. وستضطر حينها إلى إغلاق دكاكينها، والبحث عن عمل مفيد بدلًا من الاستغلال والاستثمار وإشعال الحروب.
٦. إلى أي مدى يرتبط ظهور المشكلات النفسية والروحية بالفرد نفسه، وإلى أي مدى يرتبط حلها وإزالتها به؟
تقع المشكلات النفسية والروحية ضمن نطاق علاج الفرد لنفسه وسعيه لإيجاد حل لها بشرطين، وما يتجاوز ذلك يستلزم مساعدة الآخرين، بل وتدخلهم أحيانًا. الشرط الأول هو ألا تكون هذه المشكلات قد تجاوزت عتبة وعي الفرد وإدراكه، أي أن يكون الشخص نفسه مدركًا أنه يعاني من مشكلة، ومستوعبًا لخطورة المشكلة أو حدتها. والثاني هو ألا يكون الشخص واقعًا في خداع الذات ووهم الكمال، وألا يسعى إلى تنويم نفسه بمختلف الأشكال والوسائل. في هاتين الحالتين، يمكن للفرد نفسه أن يبادر إلى حل مشكلته والسعي لإيجاد مخرج لها، وهو في الأساس سيفعل ذلك بشكل طبيعي. وبالطبع، فإن طلب المساعدة والإرشاد في قالب الاستشارة والعلاج النفسي وما شابه ذلك يندرج ضمن هذا السعي لإيجاد الحل.
.
.
.
.
علم النفس
الفلسفة
علم النفس
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.