مصطفى ملكيان: لا يمكننا التحرر من العنف والخداع إلا بالحوار. في المجتمع، تُحل أي مشكلة عبر ثلاثة طرق: أحدها الحوار، والثاني العنف، والثالث الخداع. فإذا تعطل الحوار في المجتمع، فإن البديلين اللذين يحلان محله هما العنف والخداع.
انعقدت الجلسة الشهرية التخصصية السابعة بعد المئة لمؤسسة باران تحت عنوان «الحوار ضرورة ثقافية» وبمحاضرة من مصطفى ملكيان في مركز رايزن للمؤتمرات الدولية. وفيما يلي نص كلمته:
إن المباحث التي يمكن طرحها حول الحوار، أو التي طرحها المفكرون، هي مسائل على قدر من التنوع والتكاثر بحيث إن مجرد فهرستها ليس في حدود مقدوري هنا. سأحاول أن أتناول خمس مسائل بشأن الحوار، وأن أطرح هذه المسائل الخمس بوضوح من منظوري الخاص.
يشير المبحث الأول إلى ماهية الحوار والإيضاح المفهومي للحوار، أي ما هو الحوار أساساً وما هي الفروق بينه وبين الظواهر المشابهة له. النقطة الثانية هي لماذا اكتسب الحوار هذه الأهمية البالغة في العالم من حولنا، وفي بلدنا وفي العالم، ولماذا احتدم النقاش حوله. النقطة الثالثة تتعلق بضرورة الحوار، أي ما هي فائدته، وهل تبلغ هذه الفائدة حداً يجعلنا نقر بضرورة الحوار، أم أن للحوار فوائد لكن لا يمكن الحديث عن ضرورته. النقطة الرابعة هي حول شروط الحوار، أي في أي ظروف ينبغي أن يُجرى الحوار، وما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الطرفين. والمبحث الأخير هو آفات الحوار التي يمكن أن تبعده عن أهدافه.
أولاً، بخصوص الإيضاح المفهومي للحوار، ينبغي أن أقول إن كل من يشتغل بعلم ما في أي علم، فهو يشتغل بواحد أو أكثر من هذه الأمور الثمانية: التعلم، التعليم، البحث، النقد، الدفاع، التعاون، التفاوض والإبداع. ويتشكل نسق العلم برمته من تركيب هذه الأنشطة الثمانية، وعندما تنعقد نطفة العلم فإنها تنمو رويداً بهذه الأعمال الثمانية. من بين هذه الأمور الثمانية، هناك أمر واحد هو التفاوض والحوار. عندما نتحاور، فإننا نتعاون مع بعضنا البعض لحل مسألة أو مشكلة، وهو ما يُسمى إجمالاً بالحوار، نتعاون في الساحة الاجتماعية والثقافية. يضيق نطاق تعريف الحوار قليلاً عن هذا التعريف، وبما أن هذا المعنى الضيق هو محل بحثنا، فسوف أتناوله.
نقوم أحياناً في حياتنا الشخصية بأعمال نصفها خطأً بالحوار، مثلاً نطلق أحياناً على أحاديثنا اليومية وصف حوار، أو حتى نسمي جدالاتنا حواراً. لكن الحوار هو نوع من التعاون في سبيل العلم، ولا يكتسب معناه إلا عندما نضيف إليه بضعة قيود.
الحوار هو نوع من معالجة المسائل النظرية أو المشكلات العملية. في مقام النظر نريد أن نرى كيف هي أحوال ظاهرة معينة، أن نحصل على معرفة. ومن أجل أن نحصل على المعرفة، فإننا في مجال المسألة نتعامل مع النظر، أما في مجال المشكلة فنتعامل مع العمل. هناك لا تكون المعرفة من أجل المعرفة، بل المعرفة من أجل التغيير. نتعرف على ازدحام طهران لكي نغيره، ونتعرف على ظاهرة الفقر لكي نتدخل فيها تدخلاً بشرياً، لكي نقوم بتدخل في اتجاه مصالح البشر ووفقاً للمعايير الأخلاقية والحقوقية. في مثل هذه الحالات نواجه مشكلة لا مسألة. «المسألة» في اصطلاح فلاسفة العلم تُطلق على عالم النظر، و«المشكلة» على عالم العمل. إذا عالجنا مسألة نظرية أو مشكلة عملية مقترنة بهذه القيود الثلاثة، يصبح ذلك هو الموضوع الذي هو محل بحثنا الآن، وهو نفس ما طرحه السيد خاتمي في الساحة السياسية في إيران. هذه المعالجة يجب أن تكون أولاً ذات جانب جمعي واشتراكي، وبتعبير أدق أن تكتسب جانباً جمعياً. النقطة الثانية هي أن هذه المعالجة الجمعية لا ينبغي أن تكون معالجة في مقام العمل، بل معالجة في مقام النظر، أي بدلاً من أن نتوجه إلى مشكلتنا العملية، نعالج المسائل النظرية نفسها كمقدمة لا مناص منها لتلك المشكلات العملية. وبالطبع، بناءً على عملنا النظري، يذهب آخرون ويقومون بالعمل العملي. النقطة الثالثة هي أن المعالجة النظرية يجب أن تكون معالجة استدلالية، إذ يمكن أن تكون هناك معالجات بأشكال أخرى كالمعالجات العاطفية والجدلية، ولم تعد تُسمى تلك حواراً. عادة ما يكون موضوع هذا الحوار مسألة نظرية أو مشكلة عملية اجتماعية لكي يتحقق الحوار.
أما لماذا اكتسب الحوار هذه الأهمية اليوم، فيبدو أن أربعة عوامل في العالم الجديد قد تسببت في تفعيل الحوار. أول ما أعطى أهمية لبحث الحوار هو نظرية خفاء الحقيقة، فلو كانت حقيقة الأمور جلية، ولو كانت الحقيقة، كما قال القدماء، شيئاً يمكن إدراكه بالعقل الصريح والواضح، لما كانت هناك حاجة إلى الحوار.
نظرية عدم وضوح الحقيقة هي نظرية بالغة الأهمية في نظرية المعرفة في عصرنا، ومفادها أن الحقيقة عصية المنال، ليست سهلة الإدراك، وليس الأمر بحيث يستطيع المرء بقليل من العلم وقدرة يسيرة على التفكير وفهم محدود وتجربة ضئيلة أن يجد الحقيقة بشأن موضوع أو مسألة أو مشكلة ما، فالحقيقة أمر نادر الوجود وعزيز وشديد الصعوبة، وهذا هو النقيض التام للإيديولوجيات، لأن تعريف الإيديولوجيا في رأيي هو: مذهب أو تقليد أو حركة أو نزعة تعتقد أن الحقيقة جلية، وأن تلك الحقيقة هي لدينا. وبقدر ما أبتعد عن نظرية وضوح الحقيقة، أبتعد عن التفكير الإيديولوجي، وأقبل على الأفكار بدلاً من الإيديولوجيا. أي إلى معتقدات تتنافس فيما بينها في مقاربة الحقيقة. إن نظرية عدم وضوح الحقيقة هي نظرية، وإن كانت قد نضجت ببطء وتدريج على امتداد الثقافة البشرية، إلا أنه منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر تقريباً فصاعداً في الغرب، صُرّح بوضوح أننا لا نتعامل مع وضوح الحقيقة، فالحقيقة أمر بالغ الصعوبة وعزيز المنال، وإن حالفنا الحظ في هذه الظروف وبلغنا حقيقة ما، فإن ذلك لا يتسنى إلا بالتعاون، وإلا فليس لنا بمفردنا مثل هذه القدرة. هذه النظرية بذاتها تمنح الحياة لنظرية عدم وضوح الحقيقة، فأولئك الذين يعتبرون الحقيقة جلية، حين تخالفهم بشأن حقيقتهم الجلية تلك، يقولون إن في نطفتك أو لقمتك شكاً، أو أن فطرتك الإلهية والإنسانية قد اختلت. فإذا اعتقد المرء أن الحقيقة بادية بصراحة ووضوح، فلا شك أن أولئك الذين لا يقبلون هذه الحقيقة يُعتبرون معاندين. يقول: كيف يرفض البعض ما هو واضح ولا يقبلون الحقيقة الصريحة؟ فإذا كانت الحقيقة في كل شيء مثل 4=2+2، حينئذٍ إن لم يقبل أحد هذه الحقيقة، يُقال إنه يعاند الحق والحقيقة. أما إذا قبلنا أن بشراً بكل صدق وجدية توصلوا إلى مطلب ما لكنهم لم يستطيعوا اكتشاف الحقيقة بشأنه، نكون عندئذٍ قد لجأنا إلى نظرية عدم وضوح الحقيقة، وكل أولئك الذين لم يبلغوا تلك الحقيقة لا عيب ولا غبار على عملهم من الناحية الأخلاقية، ولا يمكن توجيه أي نقد لهم من الناحية الحقوقية والاجتماعية. هذه النظرية هي الرأي الأول الذي يجعل الحوار ضرورة، لأنه بناءً على ذلك، لا تقع الحقيقة في شبكتي وحدي أو شبكتك وحدك، ولكن حين نلقي جميعاً الشبكة معاً في الماء، فلعلنا نبلغ الحقيقة.\n\nوهناك نقطة أخرى تتمثل في مسألة التخصصية التي جعلت الحوار ضرورياً. فكلما ازداد تقسيم العمل العلمي، وصلنا إلى ضرورة تقسيم العمل الاجتماعي. هذا الأمر جعل كل واحد منا يلتفت إلى نقطة واحدة، ويبقى غافلاً وجاهلاً بنقاط أخرى لأنها ليست من تخصصنا. والآن، بما أن موضوعاً ما ليس من تخصصنا، أو أننا نتعامل مع مسألة أو مشكلة ذات أبعاد مختلفة، فإن أفراداً مختلفين بتخصصات مختلفة يلزم أن ينظر كل منهم إلى هذا الموضوع من بُعد واحد. كان تقسيم العمل الاجتماعي ضرورة من ضرورات الحياة البشرية، ولا مفر منه البتة، لكنه في الوقت نفسه جعل كل شخص يرى نقطة واحدة بوضوح، لكنه لا يرى أية نقطة أخرى حتى بشكل غير واضح.\n\nأما النقطة الثالثة فهي أن المجتمع البشري، بسبب الديناميكية التي هي، كما يقول علماء الاجتماع، من مقتضيات عصرنا، قد خرج في كل مصداق من مصاديقه عن التجانس، ونتيجة الديناميكية الاجتماعية أنه لم يعد لدينا مجتمع متجانس، وما من مجتمع إلا وفيه ألوان مختلفة، وأعراق مختلفة، وأقوام وقبائل مختلفة، وأديان ومذاهب ومشارب و"إزمات" مختلفة قد صار لها أعضاء. أي أن مواطني المجتمع، رغم كونهم مواطنين في مجتمع واحد، إلا أنه لا تجانس بينهم البتة، ولأنه لا تجانس بينهم، فليس لديهم وجهة نظر مشتركة بشأن حل مسائلهم المشتركة، ولكل منهم مصالح ومنافع ليست بالضرورة متوافقة، وفي هذا المجتمع يجب حسم المسائل المشتركة بالتعاون، وهذه هي الديناميكية الاجتماعية التي، وإن كانت لها محاسن كثيرة، إلا أن إحدى صعوباتها هي أنه لا يمكن ببساطة تغليب رأي على سائر الآراء وترتيب الأثر العملي عليه، إلا إذا تدخل المواطنون الذين يصيبهم من رواج هذا الرأي عملياً نفع أو ضرر بأنفسهم.\n\nأما السبب الرابع فهو أن مفهومين قد اكتسبا قيمة في عصرنا لم يكتسباها بهذا القدر في أي عصر مضى. في الأخلاق الاجتماعية، أحدهما مفهوم التسامح والآخر مفهوم الديمقراطية.\nالمداراة تعني ليس فقط تحمّل أسلوب حياة الآخرين وفكرهم، بل تعني الرضا بأساليب الحياة والأفكار الأخرى لدى الآخرين، وعندما تكتسب هذه القيمة في مجتمعنا وتكتسب الديمقراطية قيمتها بالتوازي معها في مجتمعنا، أي أن الكلمة الأخيرة ينبغي أن يقولها أولئك الذين يصيبهم نفعها أو ضررها، فإن العقلانية والأخلاق تقتضيان معًا أن يكون لنا دور في إقرار قانون ما، أو لائحة ما، إلخ. إذا نظر المرء من منظور أخلاقي وعقلاني، فلا يمكنه أن يعترض على أنه إذا كان من المقرر أن يعود نفع التنظيمات الاجتماعية والمقررات الاجتماعية علينا ويعود ضررها علينا أيضًا، فينبغي لنا أن نقول إننا نقبل هذا القانون أو لا نقبله، ولهذا الغرض ينبغي أن نتحاور ونرى، إجمالاً، أي تنظيم سيكون أقل ضررًا علينا. إن اكتساب المداراة والديمقراطية قيمتهما - حيث للمداراة جانب اجتماعي وثقافي أكثر، وللديمقراطية جانب سياسي أكثر - قد أوجد هذا الاقتضاء بأن يتوسع الحوار أكثر فأكثر، لأن المداراة والديمقراطية لا معنى لهما بدون حوار.
النقطة الثالثة التي أردت قولها هي فائدة الحوار وضرورته. لقد دارت نقاشات كثيرة بشأن فائدة الحوار وضرورته، وسأشير فقط إلى الآراء الأكثر أهمية. أول ما يمكن قوله عن فائدة الحوار يعود إلى الحوار نفسه لا إلى مضمون الحوار. وكما يعلم المتخصصون في علوم الاتصال، فإن لـ«القول» آثارًا ووظائف، ولـ«المقول» آثار ووظائف أخرى، ولا يمكن التعرف على هذين بحكم واحد. لو أن صديقًا يشعر تجاهك بالألفة، جاءك - على سبيل الفرض - وأخبرك بآلام حياته ومعاناتها، فإنك بالطبع تتألم من مقولاته، لكنك تسعد بقوله إياها لك، وتقول في نفسك: من الجيد أيضًا أنه قال لي مثل هذه الأحاديث لا للآخرين، فهذا يعني إذن أنه يشعر تجاهي بألفة.
في الحوار، أول أثر ونتيجة إيجابية للحوار هو الحوار نفسه، لا حاصل ما يتحاور بشأنه، وهو أن المتحاورين عادة ما يصبحون أقرب إلى بعضهم بعضًا من الناحية العاطفية والاجتماعية، بصرف النظر عما يتحاورون حوله.
النقطة الثانية هي أنني عندما أتحاور أفهم حقًا مع من أتفق ومع من أختلف. وبتعبير آخر، فإن الكثير من صداقاتنا فيما بيننا ناتج عن أننا لا نعرف آراءنا، والكثير من عداواتنا فيما بيننا ناتج أيضًا عن أننا لا نعرف آراءنا، فنحن نختلف أو نتفق مع بعضنا بعضًا بناء على وهم عن آراء بعضنا بعضًا في أذهاننا.
عندما يحدث الحوار، فإن نقاط القرب والبعد ومواطن الاختلاف والاتفاق في الرأي تجد واقعها على الأقل. الفائدة الثانية للحوار هي أننا نطلع على عقائد بعضنا بعضًا، حتى إذا كانت هناك اصطفافات اجتماعية، فلا تكون في فضاء ضبابي، ونكون حقًا أصدقاء أو أعداء لبعضنا بعضًا.
الفائدة الثالثة هي أنني أفهم مواضع اختلافي معك، فكل إنسان قد يختلف مع آخر في ثلاثة مواضع: مرة نختلف حول الوقائع، ومرة حول القيم، ومرة حول الواجبات. وللأسف، في بلدان مثل بلدنا حيث لا يوجد فضاء للحوار، لا نعرف في كثير من الأحيان في أي واحد من هذه المواضع الثلاثة نختلف مع الطرف المقابل، ذلك أن طريقة حسم الاختلافات في هذه المواضع الثلاثة مختلفة جدًا عن بعضها بعضًا. مرة يكون اختلافنا حول ما إذا كان مرشح رئاسي ما ثريًا أم ليس ثريًا، فتقول أنت إن مقدار ثروته n تومان، وأقول أنا إن مقدار ثروته m تومان، هنا الاختلاف حول الواقع. لكن مرة أخرى لا نختلف حول الواقع، ونعتقد كلانا أن مقدار دخله وثروته كذا وكذا، وكلانا يقول إن ذلك المرشح ثري. لكننا نختلف من حيث القيمة حول ما إذا كان من الجيد أن يكون مرشح الرئاسة ثريًا أم لا، فهنا الاختلاف حول القيمة، وهنا يدور النقاش حول ما إذا كان ينبغي أن نعتبر هذا الواقع الذي اتفقنا عليه خيرًا أم شرًا. ومرة أخرى لا نختلف حول القيمة أيضًا، أي أن كلانا يعتقد أنه ثري، وكلانا يعتقد أنه من الجيد أن يكون ثريًا أو من السيئ أن يكون ثريًا، لكننا لا نعرف ماذا ينبغي أن نفعل حيال كون مرشح الرئاسة ثريًا. في كل المسائل الاجتماعية التي تطرأ، سواء في مؤسسة الأسرة، أو التعليم والتربية، أو الاقتصاد، أو السياسة، أو العلم والتقنية والفن، أو الحقوق، أو الأخلاق، أو الدين والمذهب، ينبغي أن نعرف إن كان الاختلاف الذي يطرأ حول الوقائع أم القيم أم الواجبات، لأن حسم كل واحد من هذه له منهجيته الخاصة.
النقطة الرابعة هي أنني أفهم نقاط ضعفي في الحوار، فمن غير الممكن ألا أنتبه إلى نقطة ضعفي في الحوار. الإنسان إذا دخل حواراً بصدق فسيكتشف حتماً نقاط ضعفه.
النقطة الخامسة هي أنني أكتشف نقاط قوة الآخرين أيضاً، فعندما أدرك نقاط قوة الآخرين يقل مقدار لجاجتي وإصراري على الموقف الذي أتبناه.
هاتان النقطتان اللتان ذكرتهما تؤديان إلى إضعاف أنواع النرجسية الفكرية لدي والتعصب؛ فالجمود والدوغمائية والخرافة والتفكير التمني وانعدام التسامح تضعف في نفسي. لأنني أفهم أن موقفي ليس قوياً كما كنت أظن، وموقف الآخرين ليس ضعيفاً كما كنت أعتقد.
الخاصية السادسة هي أننا لا نستطيع التحرر من العنف والخداع إلا بالحوار. في المجتمع، تُحل أي قضية بثلاث طرق: إحداها الحوار، والأخرى العنف، والثالثة الخداع. إذا عُطل الحوار في المجتمع، فإن البديلين اللذين يحلان محله هما العنف والخداع. أولئك الذين يريدون المضي في عملهم في فضاء خالٍ من الحوار، عندما يتعاملون مع الجماهير العريضة من الناس، يمضون في عملهم بالخداع، لأن الجماهير العريضة عادة لا تملك العلم الكافي ولا التجربة ولا القدرة على التفكير والفهم العميق لكي لا تُخدع. لذلك يمكن جر الجماهير العريضة من الناس في ذلك الفضاء الخالي من الحوار إلى الوجهة التي يريدونها. لكن هناك قسماً آخر من الناس هم أكثر تفكيراً وتجربة من أن يُخدعوا، هؤلاء نقصيهم بالعنف من الطريق. الشيء الوحيد الذي ينقذنا من انخداع عموم الناس هذا ومن تعرض خاصة الناس للعنف، هو فتح باب الحوار. بفتح هذا الباب، تقل قابلية العامة للانخداع، ومن ناحية أخرى لا يمكن التعامل مع الخاصة بالعنف. الحوار يقود العامة نحو التحول إلى خاصة ويزيد من عدد الخاصة، وعندها لا يمكن ممارسة العنف ضدهم. في مجتمع فيه ألف شخص من الخاصة يمكن التعامل معهم، لكن عندما يتجاوز عدد الخاصة مثلاً ألفين أو ثلاثة آلاف شخص، فإن حد سيف العنف يضعف.
قبل أن أذكر الفائدة الأخيرة للحوار، أطرح سؤالاً ربما فكر فيه الكثير منكم، وهو: إذا تحاورنا أنا وأنت، فهل يؤدي هذا الحوار إلى تقليل اختلاف آرائنا أم إلى زيادته؟
لنفترض أننا دخلنا الحوار بصدق وجدية لكي تنكشف لنا حقيقة، ولنفترض أننا تجاوزنا مصالحنا الشخصية والجماعية، إذا تحاورنا معاً بكل جدية يوماً كاملاً بليلة مقارنة بتحاورنا أسبوعاً، فهل تقل موارد اختلافنا أم تزيد؟ هناك نوعان من الإجابة على هذا السؤال، يقول البعض إن البشر كلما تحاوروا أكثر، يصبحون أكثر تقارباً، ويقول آخرون إننا كلما تحاورنا أكثر نصبح أكثر تباعداً. لكلا الموقفين استدلالاتهما. إذا زاد تقاربنا نصل إلى توافق اجتماعي، وإذا زاد تباعدنا يزداد تواضعنا الاجتماعي، فنفهم أننا لا نستطيع أيضاً أن نثبت رأينا، وسنجد له معارضين كثيرين. إذن عندما يفهم الجميع أننا جميعاً أقوياء أو ضعفاء بنفس القدر، نكتسب حينها تواضعاً، وهذا التواضع يصب في صالح التضامن الاجتماعي. إذن في اتجاه التضامن الاجتماعي، سواء أدى الحوار إلى التباعد أم إلى التقارب، فهو مفيد.
المبحث الرابع يتعلق بشروط الحوار. النقطة الأولى الموجودة هي أننا بمجرد قبولنا للحوار يجب أن نقر بنوع من المساواة الافتراضية، فقبول الحوار هو قبول بأنه كما أنني على حق في بعض المواقف وقد أكون على باطل في مواقف أخرى، فإن الطرف المقابل لي أيضاً على حق في بعض المواقف وقد يكون على باطل في مواقف أخرى. الفرق بين الحوار وما نسميه بكتابة المرافعة هو أنني في المرافعة أعتبر نفسي على حق وجئت لأدافع عن حقيقتي وأثبت بطلانك، وهذا ما يسمى في لغة العامة بالجدال. أما الحوار فهو أنني مستعد لأتعلم منك شيئاً، وفي المقابل يجب أن تكون أنت مستعداً لتتعلم مني شيئاً، ومعنى هذا أن كلينا قد قبلنا أن كلا الطرفين قد يكون مصاباً بباطل ما، وفي الوقت نفسه قد نكون على حق في بعض الأمور. لذلك فإن هذا التكافؤ من الناحية الذاتية هو شرط أي حوار، وإذا لم يتحقق، فنحن لا نتعامل مع حوار.
النقطة الثانية هي أننا في الحوار يجب أن نتمسك فقط بالاستدلال، ولا ينبغي أن يدخل أي شيء آخر بدلاً من الاستدلال في الحوار، ولا يمكننا استخدام القوى المحفزة والمكرهة، بل يمكننا فقط استخدام القوة المقنعة.
قوة الإقناع والاستدلال لدينا هي التي يجب أن تكون فعالة، وهنا تحديداً تلك المساواتية الأولية التي يجب أن نفترضها في الحوار، إذا كان لدى أحد طرفي الحوار قوة برهانية، فإنها تمنحه تفوقاً علينا. لذلك أنا أقبل كلامك تماماً فقط لأن هناك استدلالاً وراءه، ولا يمكنني أبداً في الحوار أن أقبل كلامك من جهة كونك شخصاً معيناً.
الاستدلالية تعني أن كلمات جميع أطراف الحوار يجب أن تؤدي، بواسطة واحدة أو اثنتين أو عدة وسائط، إلى تلك الأشياء التي قبلناها كمصادر للمعرفة وتوصلنا إلى الواقع أو تقربنا منه.
الشرط التالي في الحوار هو أنه لا يمكن التوسل بمرجعية لا تحظى برضا طرفي الحوار. لنفترض أنني مسلم شيعي وأجلس للحوار مع مسلم شيعي آخر، هنا إذا تمكنت من إسناد كلامي إلى أحد المعصومين الأربعة عشر الذين يعتقد بهم الشيعة، فمن حيث المبدأ يكون كلامي مقبولاً لدى الطرف الآخر، لأنني أحلت إلى مرجعية مقبولة لدى الطرف الآخر، ولكن إذا كنت شيعياً والطرف الآخر سنياً، فلا يمكنني بعد ذلك الإحالة إلى معصوم غير النبي. والآن عندما أجلس كمسلم للحوار مع مسيحي، فإن النبي والقرآن أيضاً لا يعودان مرجعية مرضية الطرفين، تماماً كما أن عيسى وكتابه السماوي ليسا بالضرورة مرضيين للطرفين.
لذلك فإن القول بأن كلامك غير صحيح لأنه لا يتوافق مع ديني، وفي نفس الوقت لا يكون لطرفي الحوار دين مشترك، هذا الكلام ليس كلاماً جديراً بالاستماع.
من الشروط الأخرى للحوار أنه لا يتم إلا في سياق من الحرية الكاملة. الأشخاص الذين يخافون، لأي جهة كانت، من الإفصاح عن آرائهم لا يمكنهم التحاور مع أحد، فهناك فرق بين من يقول في الحوار كلاماً ثم يتلقى أجره ومكافأته من جهة ما، وبين من يقول كلاماً يكون منذ لحظة النطق به مترقباً أن يأتوا ويعتقلوه. في الحوار يجب أن أعلم أنه لا ينبغي لشيء سوى برهان الطرف الآخر أن يمنعني. السياقات التي تشبه الحرية لا تصلح إلا لأولئك الذين يتحدثون في توافق مع هذه الشروط. هؤلاء لا يمكن القول عنهم إنهم يتحاورون بحرية.
النقطة الأخيرة التي أريد طرحها هي باثولوجيا الحوار. الآفة الأولى للحوار هي أن المتحاورين لا يميزون بين «المسألة» و«شبه المسألة» وينشغلون بمسائل ليست مسائل المجتمع بل هي شبه مسائل، المرحوم الدكتور علي شريعتي يقول في أحد أقواله إن كثيراً من الأوقات يطلق أشخاص كلمات كثيرة في جلسات لكي لا تجد تلك الكلمة التي ينبغي طرحها مجالاً للطرح.
في مجتمع تنهال عليه المسائل من كل حدب وصوب، من المخالف للأخلاق أن تدور الحوارات التي يراد إجراؤها في هذا المجتمع حول شبه المسائل. مشكلة الناس شيء آخر، ولكنني بدلاً من أن أذكر هذه المشكلة أقول: تعال لنتحدث معاً حول موضوع كذا.
كانت وظيفة التنوير، سواء في التقليد التنويري الألماني أو الإنجليزي أو الفرنسي، هي ألا يشغلوا الناس بشبه المسائل. في مجتمع يتساقط فيه حجر الفتنة من منجنيق الفلك، لا يمكن التوجه إلى مسائل واتخاذ مظهر تنويري بل وحتى إصلاحي، وهي ليست مشكلة مجتمعنا ولا مسألته. حصيلة الحوار في مجتمع ما يجب أن تكون شيئاً يتعامل معه جميع أفراد المجتمع. نحن للأسف قد نقع أحياناً في هذا الفخ، بأن يكون المجتمع قلقاً ومضطرباً من شيء آخر ونتحدث نحن عن موضوعات أخرى.
نقطة أخرى هي أنه يجب أن نؤمن بترتيب الأولويات حتى بين المسائل. سواء كان ترتيب الأولويات المازلوي ذاك أو ما طرحه علماء النفس الاجتماعي. النقطة الأخيرة التي أريد طرحها هي أنه يجب أن ننتبه دائماً إلى أن الحوار ليس له موضوعية، بل له طريقية، الحوار مهم بسبب آثاره ونتائجه، ولا ينبغي أن نكون عشاقاً للحوار بذاته، لأن مجرد التحاور ليس سوى الاطلاع على آراء الآخرين، وللاطلاع على هذه الآراء توجد طرق أخرى أيضاً.
.
.
محاضرة مصطفى ملكيان في الجلسة السابعة بعد المئة التخصصية لمؤسسة باران
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام.نمی دانم چگونه می شود به دور از تعارفات معمول،سپاس عمیق خودم را به شما چوانان برومند و فرزانه ی کشورم ابراز کنم.دوستان بسیار عزیزی چون آقایان رضا ایرانمنش ،علی کاشانی و عزیزان دیگری که نامشان را نمی دانم،ولی می دانم اداره و پربار کردن چنین سایتی چه مایه نیرو می طلبد.همینجا از نویسندگان فرهمند سایت همچون عزیزان :صدیق قطبی ،مسعود زنجانی و....نیز سپاسگزاری کنم که با مطالب و مقالات ارزنده شان بنده را مدیون خود کرده اند.