اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتناول مصطفى ملكيان في جلسة عن علم التصميم بمقاربة فلسفية الجذورَ المفهومية لهذه الظاهرة. ومن خلال شرحه لنظرية أفلاطون عن الميادين الثلاثة الباطنة للإنسان (المعرفي والعاطفي والإرادي)، يُمهّد الطريق للتفكير التصميمي.

أتقدّم بخالص التحية والاحترام إلى جميع السيدات والسادة الحاضرين؛ يسعدني أن أمضي ساعات بصحبة أصدقائي وأساتذتي الأعزاء، متحدثاً عن أمرٍ، وإن كان لفظه حديث العهد نسبياً، إلا أنه من حيث المفهوم والظاهرة نفسها، كان محط اهتمام البشر عموماً والمفكرين خصوصاً منذ أمد بعيد. وبالطبع، كما يعلم جميع الأصدقاء ولا حاجة أصلاً للقول، فإنني لا أملك أي معرفة بالتصميم وما يتصل به، لكن المنظور الذي أطرحه هو منظور نظري وفلسفي حول التصميم، دون أن أخوض في أيٍّ من تفاصيل المباحث المتعلقة به. لكن كيف شق هذا المفهوم، الذي يُعبَّر عنه اليوم بلفظ التصميم، طريقه إلى مدارك البشر، وما الذي جعل البشر يرون ضرورة أن يألفوا هذه الظاهرة ويتآنسوا بها شيئاً فشيئاً؛ حسناً، في رأيي أن هذه النقطة هي نقطة بالغة الأهمية.
إذا ما انتبه الأصدقاء تماماً إلى تلك النقطة الكامنة في صميم مفهوم التصميم وأساسه، فأظن أنهم سيستطيعون رؤية أمور كثيرة بضوء ونظرة جديدتين، وسيستطيعون أساساً التفكير بطريقة تصميمية في شؤون كثيرة لا تُصنف اصطلاحاً ضمن التصاميم. والآن، فإن التوضيحات التي سأقدمها ستجعل هذا الادعاء الأولي أكثر وضوحاً إلى حد ما للأصدقاء.
سأبدأ البحث في الواقع من العالم الغربي، ولكن من العالم الغربي القديم؛ أي من اليونان القديمة. أفلاطون، الذي لعلّه أعظم فيلسوف في العصرين اليوناني والروماني القديمين (العصر الهلنستي)، طرح نظريةً حول باطن الإنسان، وهذه النظرية، وإن أُدخلت عليها تعديلات جديدة، لم يعارضها أي مفكر من الأساس ومن الجذور حتى الآن. تلك النظرية هي أن باطننا نحن البشر، في مقابل ظاهرنا الذي هو بدننا والذي يراه أفلاطون ظاهرنا، باطننا الذي يمكنكم أن تعبّروا عنه بـ«النفس» و«الروح» أو أي تعبير آخر تريدون؛ ما هو في باطني في مقابل ما هو في ظاهري الذي يبدأ من بدني ثم يمتد ويتسع ليشمل العالم الخارجي برمته. يرى أفلاطون أن باطني يتكون من ثلاث ساحات. إذا تدبرتم كلام أفلاطون هذا، سترون أنه لا يحتاج حتى إلى استدلال فلسفي. إننا ندرك بالحدس أن أفلاطون كان على صواب. كان يقول: توجد في باطننا ساحة هي ساحة معتقداتنا، ساحة معارفنا، ساحتنا العقائدية-المعرفية. هذه ساحة من ساحات باطننا، وكثير من الأفعال التي تستخدمونها في اللغة تشير إلى تلك الساحة منكم. حين تقولون: «أنا أعلم أن كذا»، أو «أنا أشك في أن كذا»، أو «أنا أظن أن كذا»، أو «أخمّن أن كذا»، «لدي استدلال على أن كذا»، «أقدّر أن كذا»، «أحزر أن كذا» وكل الأفعال من هذا القبيل تعود إلى الساحة الأولى في باطنكم. كل الأفعال من هذا القبيل، والتي عددها كبير في كل لغة، تشير إلى الساحة الأولى في باطني وباطنكم. تُسمى هذه الساحة «الساحة العقائدية أو المعرفية» (Doxastic أو Cognitive)، هذه هي الساحة الأولى.
في داخلنا، بحسب أفلاطون، ساحةٌ ثانية هي «ساحة المشاعر والعواطف والانفعالات (Emotional أو Affective)». في تلك الساحة لا نعرف شيئًا ولا نعتقد بشيء. كلا. بل نستحسن شيئًا أو نستقبحه. نلتذ بشيء أو نتألم منه. نميل إلى شيء أو ننفر منه أو نخاصم شيئًا ثالثًا. ميلنا هذا ونفورنا وخصامنا مع الأمور تكوّن ساحتنا الثانية. يُعبَّر عن هذه الساحة بـ«الساحة الشعورية أو ساحة الـsentimental من وجودنا»، وأحيانًا بـ«الساحة العاطفية أو ساحة الـaffective من وجودنا»، وأحيانًا بـ«ساحة الانفعالات أو ساحة الـemotional أو ساحة الـemotive من وجودنا». حسنًا! كثير من الأفعال التي تُستعمل في كل حين تشير إلى تلك الساحة بالذات؛ مثلما حين أقول «أنا أعشق كذا»، «أنا أكره كذا»، «أنا أحب فلانًا»، «أنا أعادي فلانًا»، «أنا غاضب من كذا»، «أنا راضٍ عن كذا»، «يسرني أن...»، «يسوؤني أن...»، «يا ليت كذا»، و«لا قدر الله أن...». تفضلوا! حيثما كان الحديث عن العشق، والكراهية، والصداقة، والعداوة، والحقد، والرضا، والغضب، والطمأنينة، والقلق والاضطراب، والخوف، والأمل، واليأس، وكل مشاعرنا وعواطفنا، فإنها تقع في هذه الساحة الثانية. عدد هذه المشاعر والعواطف، خلافًا لما يتصوره إنسان عادي مثلي، كثير جدًا. بإحصاء قمت به، ميّز علماء النفس قرابة 85 شعورًا وعاطفةً وانفعالًا في داخلنا، ولو طُلب منا أن نعد مشاعرنا وعواطفنا، فإن الإنسان العادي عادةً لا يعرف أكثر من 18 أو 19 أو 20 عاطفةً وشعورًا وانفعالًا. على أي حال، هذه هي الساحة الثانية من كياننا. يمكننا أن نسمي هذه الساحة «ساحة المستحسنات والمستهجنات»، أو «ساحة المستلذات والمكروهات»، أو «ساحة اللذة والألم»، فكلها تجد في هذه الساحة الثانية نوعًا من المركزية والتركيز. هذه هي الساحة الثانية.
طبعًا، قام علماء النفس في أيامنا هذه بتدقيقات مفادها أن تلك المجموعة التي كان أفلاطون يعتبرها آنذاك ساحةً واحدة، وهي حقًا ساحة واحدة، لكن ينبغي في صلب هذه الساحة أيضًا التفريق بين المشاعر والعواطف والانفعالات. كلها ترتبط بتلك الساحة الثانية، لكن بينها فروقًا دقيقة ولطيفة. هذه أيضًا هي الساحة الثانية.
ثمة ساحة ثالثة فينا، وهي ساحة رغباتنا، التي كان يعبّر عنها بـ«الساحة الإرادية من وجودنا (Volitive أو أحيانًا conative من وجودنا)». تلك الساحة التي نريد فيها أشياء. تفضلوا!؟ هذه الساحة ترتبط بالفعل، ولو دققتم لوجدنا في اللغة أفعالًا كثيرة لهذه الساحة أيضًا: «أريد أن...»، «قررت أن...»، «هدفي هو أن...»، «مثلي الأعلى هو أن...»، و«دافعي من هذا الكلام أو هذا الفعل هو أن...». تعابير مثل الهدف، والنية، والقصد، والإرادة، والمثل الأعلى، وكل هذه التعابير تتعلق بالساحة الثالثة؛ الساحة التي نتعامل فيها في الواقع مع العمل، سواء أكان العمل من مقولة القول أم من مقولة الفعل. في الواقع، وبنفس الترتيب الذي كان يعتقده أفلاطون، حين نجمع بين حالتنا الاعتقادية-المعرفية وحالتنا العاطفية-الشعورية، تظهر عندئذٍ الرغبات، أي أن الجزء الثالث (الساحة الثالثة) هو حصيلة تمازج وتزاوج ساحتنا الأولى والثانية الداخليتين. افترضوا أنني «أعلم أن هذا ماء». هذا يتعلق بساحتي الاعتقادية. ومن جهة أخرى «ألتذ بشرب الماء»، وهذا يتعلق بساحتي الشعورية والعاطفية والانفعالية. حينئذٍ، هذا يدفعني إلى أن «أقرر أن أشرب الماء». في الواقع، إذا حدث تغير في الساحة الأولى والثانية، فلا بد أن يحدث تغير في الساحة الثالثة، غير أن مقدار التغير في الساحة الأولى والثانية متفاوت جدًا، وبطبيعة الحال تظهر نتيجة ذلك التغير في الساحة الثالثة بأنحاء مختلفة. هذه هي ساحاتنا الداخلية الثلاث.
بعد أفلاطون كان يضيف نظرية ثانية إلى هذه النظرية الأولى، وتلك النظرية الثانية هي أنه ما دام «داخلي وداخلك»، «نفسي ونفسك»، «روحي وروحك»، «ذاتي وذاتك» وأي تعبير نريد أن نستخدمه حتى لو قلنا «روحي وروحك»؛ فبالنسبة لبحثنا ليس المهم اللفظ الذي تختاره، بل المهم فقط أن تقول داخل نفسك لا خارج نفسك... كان يقول إن داخلنا، أنا وأنت، له ثلاث ساحات، والآن أنا أقول إن كل واحدة من هذه الساحات الثلاث متعطشة وجائعة لشيء ما، ولكي تروي هذا الجوع والعطش عليك أن تقدم لكل واحدة من هذه الساحات الثلاث طعامًا وشرابًا. طعام وشراب كل واحدة من هذه الساحات الثلاث يختلف عن الأخرى.
الساحة الأولى وهي ساحة وجودنا الاعتقادية-المعرفية، كان يقول إنها لا ترضى إلا بالحقيقة لا بشيء آخر. ساحتنا الاعتقادية-المعرفية متعطشة وجائعة للحقيقة، وهي فقط باحثة وطالبة للصواب (بمعنى الحقيقة)، وهذا معناه أنك في ساحتك الأولى ما لم تتيقن أنك وصلت إلى الحقيقة، تظل في سعي، ولا تجد سكينة ولا قرارًا. تظل ساحتك الأولى هذه في سعيها، ويبدو لها أنها لم تصل بعد إلى المقصد وإلى ما كانت تريده. ما لم أُطعم الجزء الأول من داخلي طعامًا وشرابًا اسمه الحقيقة، فإن هذا الجزء الأول مني لن يجد سكينة ولا قرارًا، وسيظل في سعي، وسيظل غير آمن. إذن أنا بحاجة ماسة إلى الحقيقة من أجل إرواء عطش أو جوع الساحة الأولى، وأحتاجها بشدة.
الساحة الثانية أي الساحة الشعورية والعاطفية والوجدانية؛ كان يقول إن طعامها وشرابها هو الجمال وحده. مشاعرنا وعواطفنا لا تهدأ إلا بالجمال، ولا تجد سكينة حتى تصل إلى الشيء الجميل؛ لكن الجمال من وجهة نظر أفلاطون كان واسعًا جدًا بالطبع. نحن عادة عندما نقول الجمال يتبادر إلى أذهاننا في الدرجة الأولى الجماليات البصرية، فنقول مثلاً «وجه جميل»، «إنسان جميل»، «زهرة جميلة» و«شلال جميل». طبعًا هذه الجماليات مهمة جدًا بنظر أفلاطون. ثم نذكر مثلاً الجماليات السمعية، فنقول مثلاً «الصوت الجميل للمغني الفلاني». وكأننا نطلق صفة الجمال على الجماليات السمعية التي تتحصل عن طريق السمع أيضًا؛ ولكن نصل إلى الشم، وهو أقل قليلاً، لكننا لا نزال نقول هذا الكولونيا وهذا العطر له رائحة جميلة. لكننا نستخدمها أقل. لكن أفلاطون قال إن لهذا أيضًا الدرجة نفسها من الجمال. وعندما نصل إلى الأذواق، نكاد لا نستخدم تعبير جميل، ولا نقول «طعم جميل» بل نقول «طعم لذيذ». نقول إنه لذيذ الطعم. لكنه كان يقول إن الجمال يرتبط بقوة ذائقتنا بالقدر نفسه الذي يرتبط به بقوة سامعتنا وسمعنا، وبقوة بصرنا وباصرتنا. وبالترتيب نفسه، لقوة لمسنا وحاسة لامستنا جمالياتها الخاصة بها. لم يكن أفلاطون يحصر الجمال حتى في حواسنا الخمس هذه، أو بتعبير القدماء حواسنا الخمسة، بل كان يأخذ نطاق الجمال أوسع وأوسع وأوسع من هذا، ولو أردت أن أشرح تلك الجماليات لابتعدت كثيرًا عن موضوع بحثي. لكن إذا دققتم، فكل هذه الجماليات الخمسة التي ذكرناها هي جماليات ندركها بحواسنا الخمسة، لكن أفلاطون كان يعتقد أن لدينا ذهنًا جميلاً أيضًا. بعض الأذهان جميلة، وبعضها أكثر جمالاً، وبعضها أقل جمالاً، ومكونات الذهن الجميل بنظره هي مكونات خاصة، إذا امتلكتموها من الناحية الذهنية صار لديكم ذهن جميل، وكان يذهب إلى أبعد من هذا، ولم يكن يوسعها حتى لتشمل الذهن فحسب. لديه بحث معقد جدًا وجذاب في الوقت نفسه، رغم أن بعض النقاط التي قالها أفلاطون عن الجميل لا يمكن الدفاع عنها من وجهة نظر بعض علماء الجمال؛ فمثلاً بعض علماء الجمال في زماننا يعتقدون أن الجمال يختص بالماديات فقط، ولا يمكن الحديث عن ذهن جميل إذا لم تعتبر الذهن ماديًا. لا يمكن الحديث عن نفس جميلة، لكن على كل حال أنا أقول خلاصة كلام أفلاطون دون الدخول في تفاصيله التي قد تثير اعتراضات. حسنًا! إذن الجمال هو أيضًا طعام وشراب ساحتنا الداخلية الثانية؛ أي ساحة مشاعرنا وعواطفنا ووجداناتنا.
وأما الساحة الثالثة من وجودنا، أي ساحة وجودنا الإرادية؛ فكان يقول إنها لا تهدأ إلا بالخير والصلاح. أي أن إرادتي وإرادتك لا تجد السكينة إلا حين تتيقن أنك قد بلغت بإرادتك خيراً ووصلت إلى صلاح. حسناً! تأملوا معي، كانت هذه نظرية حول ساحاتنا الباطنية الثلاث، وهذه الساحات الباطنية الثلاث هي «ساحاتنا العقائدية-المعرفية»، و«ساحاتنا الشعورية والوجدانية والعاطفية»، و«ساحتنا الإرادية». هذه نظرية. كانت نظرية حول المثل العليا الكامنة في دواخلنا، وتقول إن في دواخلنا ثلاثة مثل عليا؛ أحدها مثال الحقيقة أي الصدق، والثاني مثال الجمال أي الحسن، والثالث مثال الخير أي الصلاح. إنها تمتلك هذه المثل العليا الثلاثة، ولأن هذه المثل العليا الثلاثة هي مثل عليا كامنة في دواخلنا وفي نفوسنا نحن البشر، فإن الروح العامرة هي روح تمتلك هذه المثل الثلاثة معاً، بشكل متوازٍ وباعتدال وتوازن. وكلما نقص عندي واحد من هذه الثلاثة، كانت روحي أكثر خراباً بقليل من روحك التي تمتلكها أنت. لكن المهم عند أفلاطون هو أن هذه الثلاثة يجب أن تكون متوازية، ولا ينبغي لواحد منها أن يطغى على المثالين الآخرين، أو أن يطغى اثنان من هذه المثل الثلاثة على المثال الثالث. الإنسان الذي يمتلك روحاً عامرة هو إنسان يسير بهذه الثلاثة على نحو متوازٍ، وبطبيعة الحال، لأنه يريد أن يسير بها على نحو متوازٍ، فلا بد أن يسير بها في نوع من الموازنة والانسجام والتوازن معاً، وإلا إذا اختلت هذه الموازنة والتوازن والانسجام، فسيختل ذاك التوازي الأولي أيضاً. حسناً! بطبيعة الحال، الروح العامرة هي هذه الروح. إذن، نحن، أنا وأنت، باحثون عن هذه الأمور الثلاثة بنظر أفلاطون. والآن، لو سألتم: حسناً، نحن في الحياة باحثون عن آلاف مؤلفة من الأشياء الأخرى أيضاً. أنا باحث عن الثروة، وباحث عن القوة، وباحث عن المكانة الاجتماعية، وباحث عن الشهرة، وباحث عن المحبوبية، وباحث عن العلم. لدي سلسلة من الرغبات الأخرى؛ لدي رغبات أسميها «الرغبات الجسدية والبدنية»، ولدي رغبات هي «رغبات ذهنية». يبدو أننا لا نريد المعرفة فحسب، ولا نريد في ناحية المعرفة الحقيقة فقط، ولا في ناحية مشاعرنا وعواطفنا ووجداناتنا الجمال فقط، ولا في ناحية إرادتنا الخير فقط. يبدو أننا نريد أشياء أخرى كثيرة جداً. حينئذٍ كان أفلاطون، ومن بعده أرسطو (تلميذ أفلاطون) تبعاً له، يقول إن أي شيء آخر غير هذه الثلاثة تريدونه، إذا ما حللتموه، فسترون أنه بواسطة واحدة، أو وسيطين، أو ثلاثة، أو N من الوسائط، ينتهي إلى هذه الثلاثة ذاتها. تعالوا واكتبوا قائمة بكل ما تريدونه في الحياة، ثم ابدؤوا بالتحليل وقولوا مثلاً: أنا أريد الثروة. حسنٌ جداً! ثم تقول: لماذا أريد الثروة؟ هل أريدها لذاتها؟ سترون أنكم لا تريدونها لذاتها، بل نريد الثروة لشراء السيارة وشراء المنزل وما إلى ذلك. حسناً، فلننتقل الآن إلى السيارة والمنزل. لماذا تريدون السيارة، ولماذا تريدون المنزل؟! كان يقول: حين تقومون بهذا التحليل سترون أن كل تلك الآلاف من الرغبات التي كانت لديكم تبدأ بالتقارب شيئاً فشيئاً، وتتقارب وتتقارب، وفي قمة هرم هذا التقارب سترون هذه الثلاثة ذاتها. سترون أنكم كنتم تريدون الصدق، وتريدون الجمال، وتريدون الصلاح. أنتم في الواقع كنتم تريدون هذه الثلاثة. ومن هذا المنظور كان يسمي هذه الثلاثة «المطلوبات الذاتية»، ويسمي بقية رغباتنا «المطلوبات الغيرية»، أي أننا نريد تلك المطلوبات عدا هذه الثلاثة لتكون وسيلة توصلنا إلى هذه الثلاثة، ولتكون سلماً يرتقي بنا إلى سطح هذه الثلاثة، وتكون درجات نصل من خلالها بأيدينا إلى هذه الثلاثة. إذن، بنظر أفلاطون، كل رغباتنا الأخرى هي رغبات بالغير ورغبات غيرية؛ أي رغبات نمتلكها لكنها لتوصلنا إلى غيرها. أما هذه الثلاثة فهي مطلوبات ذاتية، مطلوبات بالذات. هذه نريدها لذاتها؛ بمعنى أنه إذا قال لك أحدهم: أنت تحب جمال هذه الزهرة إلى هذا الحد، لماذا؟ ماذا تريد أن تصل إليه من خلال حبك لجمال هذه الزهرة!؟ حينها لا يمكنك أن تقول شيئاً آخر. تقول: أنا أحب الزهرة الجميلة لأنها جميلة. فحسب. لم يعد للجمال وجه آخر بحيث تقول: رأيت الشيء الفلاني جميلاً وأحببته لأنه يوصلني عبر الجمال وبجسر الجمال إلى شيء آخر! كلا. الجمال هو المقصد النهائي في ناحية المشاعر والعواطف والوجدانات، وبالمثل الصلاح في ناحية الإرادة، وبالمثل الحقيقة في ناحية عقائدنا ومعارفنا. هذه الثلاثة كان يقول بها.
إذن، دقّقوا النظر، لدينا حتى الآن نظرية أنثروبولوجية ترى أن باطن الإنسان ينقسم إلى ثلاثة ساحات؛ ولدينا أيضًا نظرية في المُثُل العليا ونظرية في القيم تقول إن هناك ثلاث قيم من الدرجة الأولى، وبقدر ما تكون محرومًا من هذه القيم الثلاث، تكون متلهفًا ومضطربًا وساعيًا وغير هادئ وغير راضٍ. انتبهوا! برأي أفلاطون، كلما رأيتَ أنك تعاني من نوع من عدم الرضا عن الذات، ومن عدم الرضا عن حياتك، وأنك غير سعيد، أو في الحالات الحادة جدًا، تشعر بالمقت والكراهية لنفسك، فاعلم أنك قد أخطأت الطريق في أحد هذه الاتجاهات الثلاثة. هذه هي نظرية أفلاطون حتى الآن.
أرسطو، تلميذ أفلاطون، انطلاقًا من هاتين النظريتين، جاء وطرح رأيًا جديدًا يستند كليًا إلى هاتين النظريتين لأستاذه، وهو: إذا كان الأمر كذلك، فيجب علينا في الحياة أن نتعلم ثلاثة أشياء، بحيث إذا لم نتعلم أيًا من هذه الأشياء الثلاثة، فإن حياتنا ستعاني من عرج في موضع ما. قال: إن مجموع المعارف البشرية التي نحتاج إليها، أنا أرسطو أسميها «الحكمة»، ثم أقول إن الحكمة ثلاثة أقسام: الحكمة النظرية، والحكمة العملية، والحكمة الإنتاجية. في ثقافة المسلمين، لم تلقَ هذه الحكمة الإنتاجية الأرسطية ترحيبًا كبيرًا، وسترون لاحقًا كم كان تأثيرها، في رأيي، مدمرًا في العالم الإسلامي. لكن أرسطو كان يقول: إذا كان باطني يضم ثلاثة ساحات، وكل ساحة عطشى إلى شيء وجائعة إلى شيء، إذن يجب أن أتعلم ثلاثة أشياء. بالشيء الأول الذي أتعلمه، أُشبع جوع الجزء الأول من باطني، وبالشيء الثاني الجزء الثاني، وبالشيء الثالث الجزء الثالث. كان يسمي هذه «الحِكَم الثلاث». إذا تعلمتم هذه الحِكَم الثلاث، فستحيون عندئذ حياة حكيمة (برأي أرسطو)، أي حياة لم تعد فيها تلك المساعي والاضطرابات وعدم الاستقرار وحالات عدم الرضا عن الذات. الأولى هي الحكمة النظرية. كان يسمي الجزء الأول «الحكمة النظرية»، والجزء الثاني «الحكمة العملية»، والجزء الثالث «الحكمة الإنتاجية».
كان يعرّفها هكذا: الحكمة النظرية هي كلما أردت أن تعرف شيئًا فقط لكي تكون قد عرفته، لا لأي غرض آخر (أريد أن أعرف شيئًا ما فقط لكي أكون قد عرفته)، أريد أن أعرف الكتلة النوعية للماء لكي أكون عالمًا بها، أريد أن أعرف طول وعرض هذه الغرفة فقط لكي أكون عالمًا بهما، أريد المعرفة من أجل المعرفة. أعرف لكي أكون قد عرفت. هل توجد لدينا حقًا رغبة كهذه؟ نعم. المعرفة والحقيقة لهما قيمة بالنسبة لنا. أجل، الحقيقة تعني أن أعرف أن (أ) هي (ب) أو أن (أ) ليست (ب). أن أعرف أن (أ) تربطها بـ (ب) علاقة R أو لا تربطها علاقة R. معرفة هذا بحد ذاتها هي عطش روحي، لأن جزءًا من روحنا عطش وجائع إلى الحقيقة. كان يقول: إذا حققتم معرفة بالوجود وظواهر الوجود المختلفة، ولكن فقط لكي تكونوا قد حققتم المعرفة، فأنتم تتعاملون مع الحكمة النظرية. الحكمة النظرية تعني المعرفة فقط من أجل المعرفة. هل تنتبهون!؟ اليوم، عادة ما يُعبَّر عن هذه الحالة التي يريد فيها الإنسان المعرفة فقط من أجل المعرفة بهذا التعبير؛ يقولون إن أحد احتياجاتنا هو الفضول العلمي. الفضول العلمي يعني أريد أن أعرف فقط لكي أكون قد عرفت. لا أريد من خلال هذه المعرفة أن أحصل على أي شيء آخر يتجاوز ذلك. حسنًا، إذا كان الأمر كذلك، فلدينا الحكمة النظرية.
أما الجزء الثاني فكان يسميه «حكمة الإنتاج»، والجزء الثالث كان يسميه «الحكمة العملية». الحكمة العملية هي المعرفة من أجل التغيير. والحكمة الإنتاجية أيضًا هي المعرفة من أجل التغيير. إذن، الحكمة العملية والحكمة الإنتاجية تشتركان في المصير من هذه الناحية، حيث لا تريد أيٌّ منهما المعرفة من أجل المعرفة، بل تريدان المعرفة من أجل إحداث التغيير. لا تريدان معرفة شيء فقط لكي تكونا قد عرفتاه، بل تريدان معرفة شيء لكي تغيِّراه. هل تنتبه!؟
فلنضع جانباً المعرفة من أجل المعرفة، وهي الحكمة النظرية، ولنأتِ إلى هذين الاثنين. فكلاهما، سواء «الحكمة العملية» أو «الحكمة الإنتاجية»، معرفةٌ من أجل التغيير، وبالتعبير الأدق معرفة من أجل التغيير. أريد أن أعرف شيئاً لكي أغيّره. حسناً! إذا كان الأمر كذلك، فلماذا صارا اثنين إذن!؟ لماذا انفصلت الحكمة العملية عن الحكمة الإنتاجية؟ لأن تغيير ذلك الشيء يمكن أن يكون على نوعين من التغيير. أريد أحياناً أن أعرف شيئاً لكي أغيّره، ولكن تغييره يكون في اتجاه تحقيق المنفعة. وهناك وقت آخر أريد فيه أن أعرف شيئاً لكي أغيّره، وتغييره لا يكون في اتجاه تحقيق المنفعة، بل في اتجاه تجميل ذلك الشيء. إن تغيير شيء ما لكي يبلغ حالةً تعود بالنفع على البشر يختلف عن تغيير شيء ما لكي يُجمّلوه. كان يقول: إذا أردتم أن تعرفوا شيئاً لكي تغيّروه في اتجاه أن تصل منفعةٌ أو فائدةٌ أو نفعٌ من ذلك الشيء إلى البشر، فأنتم حينئذٍ تتعاملون مع الحكمة العملية. وإذا أردتم أن تغيّروا شيئاً لكي تجعلوه من خلال تغييركم إياه أجمل مما هو عليه، فحينئذٍ كنا نتعامل هنا مع الحكمة الإنتاجية. هذه الحكمة الإنتاجية؛ عندما تعاملنا مع فلسفة اليونان وروما القديمة منذ أواخر القرن الثاني الهجري عبر ترجمات الآثار اليونانية والسريانية واللغات المشابهة، فإن فلاسفتنا وحكماءنا تناولوا هذا القسم الثالث، أي الحكمة الإنتاجية، قليلاً جداً، ثم تركوه بالتدريج كلياً، وسأشرح ذلك لاحقاً. لذلك من هذه الناحية ترون في آثار فلاسفتنا وآثار متكلمينا وآثار حكمائنا، عندما يعرضون لنا ذلك الإرث الفكري لأرسطو، يقولون إنه كان يقسم الحكمة إلى قسمين: «الحكمة النظرية» و«الحكمة العملية». ولا يذكرون اسماً لـ «الحكمة الإنتاجية». هذه الحكمة الإنتاجية ترتبط في الواقع بالفن. غير أنه، كما أشار صديقي العزيز، فإن الفن في نظر أفلاطون وأرسطو كان يتعامل فقط مع الجمال. أما اليوم فقد تجدون آثاراً تُعتبر أعمالاً فنية، ومع ذلك قد لا نستطيع بحدسنا اعتبار تلك الآثار أعمالاً جميلة؛ لكن على كل حال، في نظرية أرسطو وأفلاطون كان الفن يتعامل مع الجمال.
حسناً! أريد الآن أن أقول هذا. نحن اليوم، بدلاً من أن نقول «الحكمة النظرية» و«الحكمة العملية» و«الحكمة الإنتاجية»، حوّلنا هذه الثلاثة إلى ثلاثة مفاهيم أخرى. الحكمة النظرية التي قال بها أرسطو صرنا نسميها «العلم» بمعناه الواسع. والحكمة العملية التي قال بها أرسطو صرنا نسميها «التقنية» بمعناها الواسع. والحكمة الإنتاجية صرنا نسميها «الفن». ولهذا فإنكم في جامعاتنا، في أي تخصص تشتغلون، إما أن يكون تخصصاً علمياً، أو تخصصاً تقنياً، أو تخصصاً فنياً. في الواقع، العلم بالمعنى الذي سأذكره الآن، بمعناه الواسع جداً، هو نفس ما نسميه «الحكمة النظرية»؛ المعرفة من أجل المعرفة. والتقنية هي المعرفة من أجل التغيير، ولكن التغيير في اتجاه تحقيق النفع والفائدة والمصلحة للبشر. والفن هو المعرفة من أجل التغيير، ولكن التغيير في اتجاه التجميل. إذن نحن الآن نتعامل مع العلم والتقنية والفن.
والآن دعوني أقدم توضيحاً حول هذه الثلاثة، وعندها سيبدو أن النقاش الذي ينبغي طرحه حول التصميم كجلسة أولى سيتضح أكثر.
في العلم، كما قلنا، المعرفة من أجل المعرفة. إنها الحكمة النظرية فحسب؛ المعرفة من أجل المعرفة. لكن العلم بالمعنى الذي نقصده يشمل هذه الأقسام؛ أحدها العلوم المنطقية الرياضية. لقد جمعت العلوم المنطقية الرياضية تحت مصير واحد ولا أريد الخوض في نقاش ذلك لأن فلاسفة العلم يعتقدون ويجمعون على أن المنطق والرياضيات ليسا في الواقع سوى علم واحد. الآن يقول البعض إن المنطق فرع من الرياضيات ويقول آخرون إن الرياضيات فرع من المنطق. كان لراسل نظرية في هذا الباب وللآخرين نظريات أخرى. إحالة المنطق إلى الرياضيات أو إحالة الرياضيات إلى المنطق أمران، لكن على أي حال يشتركان في شيء واحد وهو أن هذين الاثنين شديدا القرابة إلى حد أن أحدهما يجب أن يُردَّ إلى الآخر في نهاية المطاف. لذلك عندما كنت أقول إن العلم معرفة من أجل المعرفة؛ فأحد فروعه العلوم المنطقية الرياضية. وفرع منه العلوم الفلسفية. العلوم الفلسفية هي الفرع الثاني. وجميع فروع الفلسفة هي علم أيضًا؛ أي أنها معرفة على معرفة. جميع فروع الفلسفة المختلفة.
الفرع الثالث؛ العلوم التجريبية. سواء العلوم التجريبية الطبيعية وهي ثلاثة علوم مهمة أي الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء، أم العلوم التجريبية الإنسانية مثل علم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد. هذه أيضًا معرفة من أجل المعرفة حقًا. إذن فالعلوم التجريبية أيضًا، بما فيها العلوم التجريبية الطبيعية والعلوم التجريبية الإنسانية، تبقى علمًا؛ إنها معرفة من أجل المعرفة.
الصنف الرابع من العلم؛ العلوم التاريخية. العلوم التاريخية أيضًا معرفة من أجل المعرفة. التاريخ نفسه أحد العلوم التاريخية، واللغة أحد العلوم التاريخية، وقواعد اللغة علم تاريخي. هذه أيضًا في الواقع معرفة من أجل المعرفة. هناك علم آخر أيضًا هو معرفة من أجل المعرفة وهو العلوم العرفانية. العلوم العرفانية أيضًا معرفة من أجل المعرفة. أريد أن أعرف العالم لكي أكون قد عرفت العالم.
الآن؛ إذا أردنا، عدا هذه، أن نعتبر علمًا آخر باسم «العلوم الدينية والمذهبية»، فينبغي أن نتمكن من إيجاد موضعه أيضًا، لكنني شخصيًا أعتقد أن العلوم الدينية والمذهبية ليست فرعًا منفصلًا. فلنأتِ الآن ونذكر ما هو محل إجماع. إذن المعرفة من أجل المعرفة، أي العلم، تشمل العلوم المنطقية الرياضية، والعلوم الفلسفية، والعلوم التجريبية بما فيها الطبيعية والإنسانية، والعلوم التاريخية والعلوم العرفانية. في الواقع هذه تعرّفنا بالعالم فقط لإشباع فضولنا، وبتعبير أفلاطوني، لتكون قد أشبعت حب الحقيقة لدينا. نريد أن نعرف أن العالم يتمتع بثلاث صور وهيئات.
أما في الفن؛ وقد قلتُ «الفن» تمييزاً له عن العلم. الفن هو معرفة لا من أجل المعرفة ذاتها، بل معرفة من أجل تغيير الشيء الذي أعرفه. تغييره وتحويله. تلك العلوم التي ذكرتُها تقتصر على التعريف والإبانة فحسب، ولا تتجاوز ذلك، أما الفن فلا. إنه يُعرِّف ويُبيِّن من أجل أن يُغيِّر. دعوني أذكر بعض الفنون؛ الطب فن. لماذا؟ لأن الطبيب يعرفك لكي يغيرك. أنت مريض والطبيب يريد أن يحوِّل هذا المرض إلى صحة؛ إذن فالطب فن. لماذا؟ لأن التغيير هو ما يهم الطبيب. الطبيب لا يأتي ليعرفك لمجرد أن يكون قد عرفك. إنه يريد أن يعرفك لكي يغيرك؛ إذن فالطب فن. سأستخدم مثال الطب هذا أولاً لغرض آخر، ثم أتطرق إلى فنون أخرى وأضرب لها أمثلة. الطب فن، ولكن لكي تصبح ماهراً في هذا الفن، عليك أن تتعلم عدة علوم. أليس كذلك!؟ فعلى سبيل المثال، يجب أن تعرف علم الأحياء وهو علم (علم الأحياء ليس فناً، انتبهوا؛ إنه علم. معرفة من أجل المعرفة)، ويجب أن تعرف الفسيولوجيا وهي علم، ويجب أن تعرف التشريح، وهو ما نسميه «الأناتومي». يجب أن تعرف علم الدم، ويجب أن تعرف علم الأعصاب. هذه عدة علوم، انتبهوا! ولكن إذا أراد طبيب ما أن يكون طبيباً، فعليه أن يعرف تلك العلوم. ومن هنا أريد أن أستنتج أنه لا يوجد فن إلا وهو بحاجة إلى عدة علوم. هل تنتبهون!؟ إذن الفرق بين الطبيب وعالم الفسيولوجيا هو أن عالم الفسيولوجيا يعرف الجسد لكي يكون قد عرف وظيفة الجسد. هذا فحسب. أما بعد ذلك، إذا وضع معرفته هذه تحت تصرف الطبيب، حينها يستخدمها الطبيب لتغيير الجسد. وعلى هذا المنوال، فإن الأناتومي وعلم التشريح هو علم للعلم؛ أي معرفة من أجل المعرفة، ولكن عندما يتم التشريح على نحو جيد، توضع حصيلة عمل المشتغلين بالتشريح والمشرِّحين تحت تصرف الطبيب. إذن، عندما يُشخِّص عالم أناتومي ومشتغل بالتشريح ومشرِّح بنية الجسد، ثم يأتي عالم فسيولوجيا ويُشخِّص وظيفة الجسد، فحسناً، لا شك أنه عندما أعرف وظيفة جسدك وأعرف بنية جسدك أيضاً، حينها إن كنتَ مريضاً أستطيع أن أغيرك، إما بأن أحدث فيك تغييراً بنيوياً وإما بأن أحدث فيك تغييراً وظيفياً. هل تنتبهون! عندما أجري لك عملية جراحية، أحدث فيك تغييراً بنيوياً لأنني أقطع قطعة من أمعائك؛ ولكن عندما أعطيك دواء (أسقيك شراباً، أحقنك بإبرة، أعطيك حبوباً وأعطيك كبسولات) أحدث فيك تغييراً وظيفياً. لكنني في النهاية قد غيرتك، إما بنية جسدك وإما وظيفة جسدك. ولكن كلا الأمرين كان بفضل أنني استطعت أن أستخدم حصيلة عمل علماء الأناتومي والفسيولوجيا. وعلى هذا المنوال، يستخدم الطبيب أيضاً حصيلة عمل علماء الأعصاب وعلماء الدم.
ضربتُ هذا المثال فقط لكي أستخلص منه حكماً عاماً، وهو أنه لا يوجد أي فن يمكن للمرء أن يجد فيه كفاءة إلا إذا التفت إلى عدة علوم. حسناً! إذن فالطب فن.
لنضرب مثالاً لفن ثانٍ؛ جميع أنواع الهندسة هي فنون. المهندس يعرف لكي يغير. لكن الفرق بين المهندس والطبيب هو أن الطبيب يعرف جسد الإنسان ليغير جسد الإنسان، بينما المهندس يعرف الطبيعة ليغير الطبيعة. لماذا يغيرها؟ لكي ينفع البشر. يجب أن أكون قادراً هنا على شق طريق في الطبيعة يعود بالنفع على البشر. حينها أصبح مهندساً مدنياً. عليَّ الآن أن أعرف الطبيعة لأفهم كيف أغير هذه الطبيعة، أي بأن أزيل مثلاً جزءاً من هذه الغابة وأشق مكانه طريقاً أو أبني جسراً على نهر. جميع أنواع الهندسة هي فنون أيضاً. جميعها تعرف الطبيعة لتغير الطبيعة. لكننا في كل هندسة نسلك طريقاً في تغيير الطبيعة. ولكن، كما احتاج الأطباء إلى علوم، يحتاج المهندسون أيضاً إلى أن يعرفوا الفيزياء وأحياناً الكيمياء والميكانيكا والهيدروليكا. هذه كلها معرفة من أجل المعرفة، انتبهوا، ولكنني إن كنتُ سأغير الطبيعة، فيجب أن أكون قادراً على استخدام تلك المعارف. إذن فالهندسة أيضاً فن.
ولنذكر فناً ثالثاً وهو الإدارة. الإدارة هي معرفة المنظمة لأجل تغييرها. سواء كانت إدارة سياسية أم إدارة اقتصادية أم إدارة ثقافية. أي نوع من الإدارة، سواء كانت منظمة على مستوى عالمي، أو على مستوى أمة أو بلد، أو على مستوى محافظة أو مقاطعة، أو منظمة اقتصادية وأي نوع من المنظمات... يريد المديرون تغيير هذه المنظمة. حسناً! المدير كفرد يحتاج إلى عدة معارف، أي يحتاج إلى عدة علوم. أي أن المديرين لكي يتمكنوا من تغيير منظمة ما، سواء كنتُ أنا مدير مصنع، أو كنتَ أنت مدير مؤسسة تجارية، أو كان شخص ما مدير وزارة، أو أي شيء... إذا أردتُ التغيير، يجب أن أستخدم العلوم. عادةً ما تحتاج التغييرات الإدارية إلى علم النفس، بل وتحتاج إلى علم الاجتماع، وهما من العلوم. وتحتاج إلى الاقتصاد، وهو أيضاً من العلوم. وتحتاج إلى الإحصاء، وهو علم كذلك. وتحتاج، إلى حد ما (إلى حد ما بالطبع وليس كثيراً)، إلى شيء يُعبَّر عنه بـ "الأنثروبولوجيا". يستخدم المديرون هذه العلوم لتغيير منظمتهم. وهذا في الواقع نوع من التغيير.
إذن، ذكرتُ الآن ثلاثة فنون كبرى على سبيل المثال: 1) الطب الذي يغير بدنك. يعرفه لكي يغيره. 2) الهندسة 3) الإدارة.
الأخلاق هي فن أيضاً. في الأخلاق، أريد أن أغير نفسي. أريد أن أعرف نفسي لكي أغير نفسي. لهذا فإن الأخلاق فن أيضاً. ما الفرق بين الأخلاق وعلم النفس؟ يقول عالم النفس: الإنسان هكذا هو؛ أما الأخلاق فتقول: هكذا ينبغي أن يكون. ينبغي أن يكون، أي أن يحدث في داخل الإنسان شيء، تغيير ما. الأخلاق هي تغيير. لذلك نحتاج في الأخلاق أن نسأل علماء النفس عن الإنسان: أي كائن هو؟ حتى نتمكن بعد ذلك من تغييره.
وكما أن كل فن يحتاج إلى عدة علوم، فالأخلاق كفن تحتاج أيضاً إلى عدة علوم، ومن بين هذه العلوم التي تحتاج إليها الأخلاق بشدة، هناك 4 علوم في المرتبة الأولى. أولها وأهمها علم النفس. وفي المرتبة الثانية علم الاجتماع. وفي المرتبة الثالثة الأنثروبولوجيا، وفي المرتبة الرابعة علم القيم (الأكسيولوجيا). هذه أربعة علوم أُعطيت لنا معرفةً لأجل المعرفة. الآن، أنا أستخدم هذه المعارف لأجل التغيير. لكنني في الأخلاق أريد أن أغير نفسي فحسب.
والآن، هل نريد في الأخلاق أن نغير الآخرين أيضاً؟! هذا محل نقاش. أنا شخصياً أعتقد أنه لا، نحن في الأخلاق نريد أن نغير أنفسنا؛ لكن البعض قالوا: لا، نحن في الأخلاق نريد أن نغير الآخرين أيضاً، وليس أنفسنا فقط. (تلك قضية أخرى لسنا بصددها الآن). إذن، الأخلاق فن أيضاً. فهذه الفنون لم تكن معرفة لأجل المعرفة، بل كانت معرفة لأجل التغيير، ولكن تغييراً في اتجاه جلب النفع للإنسانية وللبشر.
لكن لدينا أمر ثالث أيضاً، وهو ليس علماً ولا فناً. إنه "الفن الجميل" (الهَنَر). في الفن الجميل أيضاً، المعرفة هي لأجل التغيير، لكن التغيير لم يعد في اتجاه جلب النفع، بل في اتجاه الجمال. كل من يمارس الفن الجميل، إذا تبنى نظرة تشاؤمية للعالم، يعتقد أن العالم قبيح وأنه جاء ليقلل من قبح هذا العالم. وإذا تبنى نظرة تفاؤلية، يعتقد أن العالم جميل وأنه جاء ليزيد من جمال هذا العالم. لكن سواء جئتُ لأقلل من قبح العالم، أو جئتُ لأزيد من جمال العالم، فإن عملي هو الفن الجميل. إذن، الفن الجميل يريد أيضاً أن يغير العالم، لكن ليس لجلب النفع؛ بل فقط لكي يُقلَّل من قبح هذا العالم أو يُزاد في جماله.
تنقسم هذه الفنون في داخلها، منذ القديم ومنذ زمن أرسطو نفسه، إلى قسمين كبيرين: الفنون المكتوبة والفنون غير المكتوبة. الفنون المكتوبة هي مجموعة ما يُسمى بالأدب. في الواقع، الأدب هو الفن المكتوب، سواء كان جنس الشعر، أو جنس الرواية، أو جنس القصة القصيرة، أو جنس كتابة السيناريو، أو كتابة المسرحية، أو كتابة المذكرات، وكل هذه أجناس مختلفة من الأدب، وكلها تندرج تحت الفن المكتوب. ومن الجهة الأخرى، لدينا 8 فنون غير مكتوبة. طبعاً، أقول 8 فنون غير مكتوبة لأن خبراء الفن عالمياً يعتبرون حالياً 8 فنون فقط عالمية، وقد يُعترف بفن آخر غداً أو بعد قرن من الزمان ضمن الفنون العالمية. لكن هذه الفنون العالمية الثمانية (بترتيب معين) هي: الرقص، والموسيقى، والرسم، والنحت، والعمارة، والتصوير الفوتوغرافي، والمسرح، والسينما. كل هذه فنون غير مكتوبة.
والآن أعود إلى حديثنا الأصلي؛ إذا كان الأمر كذلك، فكأن كلام أفلاطون لو أردنا ترجمته اليوم سيعني أنه إذا أردت لروحك أن ترتوي في الحياة، فيجب أن يسير العلم والتقنية والفن، ثلاثتها، في حياتنا بالتوازي. هل تتفضلون بالانتباه!؟ لأن العلم كان يُشبع حب الحقيقة الناشئ عن ساحتنا العقائدية-المعرفية؛ والفن كان يُشبع تلك الساحة الشعورية والعاطفية منا التي كانت تبحث عن الجمال والبهاء؛ والتقنية، التي كانت الأخلاق إحدى تقنياتها، كانت تُشبع ساحتنا الثالثة نحن البشر (ساحة إرادتنا ورغبتنا التي كانت تبحث عن الخير).
الآن، يناقش الأصدقاء هذا الأمر؛ عندما يُفترض أن تسير تلك الثلاثة، بتعبير أفلاطون، معاً، فهذا يعني أن عليّ أن أسير في حياتي بحيث لا تضر الحقيقة والخير والجمال بعضها بعضاً، ولا تضيق مساحة بعضها. وعدم تضييق المساحة هذا له أنواع، أحدها هو ألا يضيق الخير مساحة الجمال. أن يكون الخير والجمال معاً. ماذا يعني هذا؟ يعني أن أستطيع في أعمالي، بينما أنفعك، أن أقرن هذا النفع بالجمال. إن نفعتك فقط، فماذا فعلت لك!؟ أوصلت إليك الخير فحسب. لكن إن استطعت أن أقرن هذا بالجمال؛ دعوني أضرب لكم مثلاً... ما الفرق بين الحساء البارد والحساء الساخن؟ كليهما إذا أكلته أشبعني، إذن كلاهما يوصل إليّ الخير. لكن عندما آكل الحساء البارد أشبع لكن لا أتلذذ، أي أنني حُرمت من الجمال. وعندما آكل الحساء الساخن أشبع وأتلذذ معاً. الفرق بين الحساء البارد والحساء الساخن هو أن كليهما يشبعك وبالتالي ينفعك؛ لكن أحدهما ينفعك نفعاً جميلاً والآخر ينفعك نفعاً غير جميل. لأنني قلت إننا نطلق الجمال على حاسة الذوق أيضاً. الجمال يتعلق بالشم أيضاً.
ما الفرق بين الطباخ الجيد والطباخ المبتدئ وغير الماهر؟ الطعام الذي يطبخانه كلاهما يشبع الإنسان، وبالتالي إذا كانت مشكلة المرء الوحيدة هي الجوع، فلا فرق عنده إطلاقاً بين الطباخ الجيد والطباخ السيئ. يقول: كنا نريد أن نشبع فشبعنا. أليس هذا صحيحاً!؟ ولكن إذا لم تكن مشكلتك الوحيدة هي الجوع، أي أنك لا تموت من الجوع، ففي تلك الحالات تريد أن يرتفع عنك الجوع، وأن يكون ارتفاع الجوع هذا وزواله مقروناً بالجمال أيضاً. الجمال، إذا تذكرون، قلت إنه لذة وعلم. تريد أن يكون جميلاً أيضاً؛ لذلك تقول إن الفرق بين الطباخ الجيد والطباخ السيئ هو أن كليهما أشبعني، لكن أحدهما أوصل خيراً مقروناً بالجمال، والآخر أوصل خيراً لكنه فاقد للجمال. لم يعد الجمال موجوداً فيه.
أنا كمعلم أكتب على السبورة، وعبر السبورة أعلم تلميذي الرياضيات. لكنني مرة أستخدم طبشورة تحدث صوتاً مزعجاً على السبورة. ومرة أخرى أستخدم طبشورة لا تحدث صوتاً. في كلتا الحالتين أنا أوصل الخير إلى تلميذي، لكن الخير الثاني ليس خيراً مقروناً بالجمال، لأنني ألحق بالطرف الآخر إيذاءً يخدش الأذن. أنا أوصل إليه الخير لكن دون جمال. كم هو جميل أن تكون حقائقنا، ما دمنا قد قررنا أن تكون الحقيقة والخير والجمال معاً، مقرونة بالجمال. وأن تكون جمالياتنا مقرونة بالخير، وخيراتنا مقرونة بالحقيقة. التصميم هو هذه المصاحبة بين الخير والجمال من بين الثلاثة. هذا هو التصميم.
إذن يمكن للتصميم أن يكون له رفيقان آخران. تارةً يريد الحق والخير أن يتعانقا معًا. أليس كذلك؟ وتارةً يريد الحق أن يتعانق مع الجمال. وذلك شيء آخر. وتارةً يريد الخير أن يتعانق مع الجمال. التصميم يعني هذا. أي أنني بالتصميم أريد أن أحل مشكلتك، أي أن أوصل إليك نفعًا، وهذا هو الخير؛ وأريد في الوقت نفسه أن أوصل إليك هذا النفع بأجمل صورة ممكنة. أي أنني أريد أن أزوّج بين هذين الأمرين. أن أقرنهما معًا. أريد أن أجعلهما في مستوى واحد. هذا هو عمل التصميم في الواقع. إن التصميم يقوم بعملين معًا. بالطبع يمكنني أن أحل مشكلتكم. يمكنني أن أقدم لكم الماء في كأس قبيح جدًا. ويمكنني أن أقدم لكم الماء في كأس جميل جدًا. ماذا يفعل كلاهما؟ كلاهما كأسان، وعبر هذين الكأسين أوصلت إليكم خيرًا، لكنني حين أقدم لكم الماء في الكأس الجميل، أكون عندئذٍ قد قمت بإيصال هذا الخير مصحوبًا بإيصال الجمال. دعوني أضرب مثالًا آخر بالماء؛ أنتم عطشى. تعلمون أن الإنسان يرتوي بالماء البارد ويرتوي بالماء الفاتر أيضًا. حسنًا! تارةً أقدم لكم ماءً باردًا وتارةً ماءً فاترًا. في كلتا الحالتين ترتوون؛ إذن فقد أوصلت إليكم الخير. لكنني بالماء البارد أوصلت إليكم أيضًا جمال التذوق، أما بالماء الفاتر فلا تستمتع حاسة التذوق لديكم.
ما أجمل أن يكون المرء أولاً من أهل الحق، وأهل الخير، وأهل الجمال، وما أجمل أن يوصل الخير كلما أراد ذلك بأجمل صورة. هل تلتفتون إلى ذلك؟! أتذكر أنهم كانوا يروون في سيرة الإمام الحسين أنه كان إذا أراد مساعدة فقير، قبّل يده أولاً ثم أعطاه المساعدة. هذا يعني أنني أقدم الحقيقة بشكل جميل. يمكنني أن أعطيك المال، فيكون خيري كاملاً؛ لكنني حين أقبّل يدك أكون قد قرنت خيري هذا بالجمال. الخير الجميل. الخير الجميل هو مفهوم التصميم. لذلك، وبتعبير ما قاله، يمكنني أن أمتلك تصميمًا حتى لتخطيط الشارع. أن أمتلك تصميمًا يعني أن أفعل شيئًا يضمن إنجاز تخطيط الشارع، وأن يتم ذلك بأجمل صورة. والآن، ماذا ينبغي أن نفعل لأجل ذلك؟ مع الأسف، لقد أطلت في المقدمة حتى أنني لم أصل إلى ذي المقدمة؛ لكنني سأشير إلى هذه المقدمات عينها لأجل أن أقول: ما الذي ينبغي فعله ليكون إيصالنا للخير مصحوبًا بالجمال؟ سأشير فقط إلى مجموعة من النقاط؛ أي أنني في الواقع دونت 8 نقاط لكنني لا أستطيع إلا أن أشير إليها وأذكرها لكم.
النقطة الأولى الموجودة هي أن الفن قد نال اليوم تحررًا ونال أَسْرًا. تعلمون أن الفن حتى وقت متأخر من تاريخ البشرية كان تحت تصرف البلاطات وتحت تصرف فاحشي الثراء. هؤلاء وحدهم كانوا ينعمون بالفن، وهؤلاء وحدهم كانوا يستطيعون توظيف الفنان ليخلق أعمالاً فنية. جميع الأعمال الفنية، سواء أكانت فنًا مكتوبًا أم فنًا غير مكتوب، كانت حتى وقت متأخر، أي حتى ما قبل حقبة الحداثة، حكرًا على أصحاب السلطة السياسية وأصحاب الثروة (ولا سيما الثروات الطائلة نسبيًا). كان الفنانون في خدمة هؤلاء.
في الحقبة الحديثة، خرج الفن شيئًا فشيئًا من تحت نير أصحاب السلطة السياسية أو نير أصحاب الثروات الطائلة، وبتعبير أستخدمه أحيانًا، صار فنًا سوقيًا؛ أي أن الفن صار في متناول يدي أنا أيضًا، أنا الذي لست صاحب سلطة ولا صاحب ثروة. أنا أيضًا يمكنني الآن أن أستخدم الفن. يكفيني أن أشتري قرصًا مدمجًا وأستخدمه. لكن هل تعلمون كم كان ذلك الصوت الذي أسمعه الآن بشراء قرص مدمج ببضعة آلاف من التومانات صعب المنال قديمًا!
لطالما نبهت إلى هذه النقطة لكي نعرف قيمة وقتنا. طلب ملك فرنسا من فولتير، الفيلسوف والمفكر الفرنسي من الطراز الأول، وصفة لحياة طيبة. فكتب رسالة إلى ملك فرنسا قال فيها إن أردت أن تحيا حياة طيبة فعليك أن تفعل هذه الأمور. وقد نُشرت تلك الرسالة. إنها رسالة رائعة حقًا. إن فولتير يقترح على ملك فرنسا حياة مثالية وواقعية في آنٍ معًا. فكتب ملك فرنسا رسالة إلى فولتير نُشرت هي الأخرى. وفي تلك الرسالة، وبحسب تعبيره، يشكر فيلسوف بلاده الكبير شكرًا جزيلًا ويقول إن إرشادك لي كان مفيدًا جدًا؛ لكن بعض فقرات إرشادك لا يمكنني تطبيقها عمليًا. منها هذه؛ يقول: لقد قلت إن على كل إنسان أن يستمع إلى الموسيقى نصف ساعة في اليوم. يقول: حسنًا، هذا ليس في وسعي. أنا أستطيع أن أحضر أوركسترا كل يوم لتعزف أمامي. أي أن ملك فرنسا لا يستطيع ذلك لأنه في ذلك الزمان كان لا بد من الموسيقى الحية، ولم تكن الموسيقى غير الحية ذات معنى، ولا يستطيع ملك فرنسا أن تأتي له أوركسترا لتعزف كل يوم. انتبه الآن! نحن نتمتع اليوم بما هو فوق تصور ملك فرنسا، أنا وأنت، لأننا لسنا بحاجة إلى ثروة لهذا العمل، وبقرص مدمج واحد نفعل الشيء نفسه. أمر لم يكن ممكنًا حتى لملك فرنسا.
الآن دقق النظر؛ هذا الفن عندما صار في متناولي ومتناولك، ونحن لا نملك سلطة سياسية ولا ثروة طائلة؛ حسنًا، لقد تحرر من إملاءات أصحاب السلطة وأصحاب الثروة. صار في متناولي ومتناولك وتحرر من هذه الناحية. لكنه وقع في أسر جديد وهو: أنا الفنان، العمل الفني الذي أريد تقديمه لم يعد زبائنه البلاطات والأثرياء، بل زبائنه هم الجميع. ولأن زبائنه هم الجميع، فعلي أن أجتذب الزبون. ماذا يعني أن أجتذب الزبون؟ يعني أن علي في الواقع أن أنتج العمل الفني بشكل يكون له مشترٍ. سواء كان عملي الفني رقصًا، فعلي أن أرقص بالشكل الذي يعجبك، أو موسيقى، أو رسمًا، أو نحتًا، أو عمارة، أو تصويرًا فوتوغرافيًا، أو مسرحًا، أو سينما. أبحث عن زبون. فنان الماضي لم يعد يبحث عن زبون! ولذلك كانوا يعطونه المال، وهو كان ينتج ما يحلو له. أما الآن فأنا أبحث عن زبون لعملي الفني. وعندما أبحث عن زبون، فعلي أن أداعب أذواقكم وأدللها حتى يُباع إنتاجي الفني. وهذا هو ما يسمى اليوم بظاهرة الكيتش في الفن، أي التلفيق، أي الفن المبتذل، الفن الهابط. هذه الظاهرة لم تكن موجودة أصلًا من قبل. لم يكن لدينا كيتش في عالم الفن سابقًا، لكن الآن، لأن مستوى رغبات أكثرية الناس في مجتمع ما (طبعًا تختلف المجتمعات، لكن بشكل عام في كل المجتمعات) هابط. حسنًا، أنا أريد أن أجد زبونًا بين هذه الأكثرية من الناس؛ لذلك يصير فني سلعة كيتش وسلعة ملفقة. علي فقط أن ألفقها بشكل يجعلك تشتريها مني. هذا صحيح! هذه هي النقطة الأولى.
إذن، في الواقع، ما لم يكن موجودًا في الفن السابق، صار موجودًا في الفن الحديث وفي أيامنا هذه. أنت لو فتحت التلفاز ورأيت رقصة أو موسيقى تُبث وتشمئز منها، ثم قلت لزوجتك أو لطفلك: ما هذه الموسيقى أصلًا؟ يقول لك: لها زبائن. وأنا أقول الحق، لها زبائن. تلك الموسيقى التي تبدو لك فاخرة جدًا، وربما هي فاخرة فعلًا، لكن ليس لها زبائن. ابثها أنت نفسها ترَ أكثرية المشاهدين يطفئون تلفازهم. لذلك أنا فنان أبحث عن زبون، وبالطبع أقدم ظواهر هابطة ومبتذلة وملفقة ومجرد شيء يداعبك ويدللك. ورقصي كذلك. لدينا رقص فاخر، ولدينا رقص مبتذل. لكن إن كان زبائني يريدون رقصًا مبتذلًا، حسنًا، أنا الراقص أوجه رقصي نحو الابتذال ونحو التفاهة؛ أما إن كانت هناك نخبة من البشر يريدون رقصًا فاخرًا، فبالطبع يتجه الفنان نحوهم. لكن بما أن الأكثرية عادة رغباتهم هابطة، نجد هذا. احفظ هذا. هذه مقدمة حديثي الأولى، أن الفن يعاني الآن من هذه المشكلة، وهي أنه يمكن أن يتحول إلى فن فاخر وفن هابط. هذه ظاهرة جديدة حقًا في العصر الحديث.
علينا في الواقع أن نقول إن فنانينا تحرروا من أسر البلاطات والأثرياء ليقعوا في أسر البشر العاديين والبشر المتوسطين، وأغلب البشر متوسطون، وأغلبنا نحن البشر متوسطون. عندما أكون متوسطًا، حسنًا، يشتري مني الفنانون المتوسطون بضاعتهم، أيًا كانت بضاعتهم. هذه هي النقطة الأولى.
والآن النقطة الثانية. لكن من جهة أخرى؛ إذا كنتُ عاشقًا لكِ.... افترضوا أنني عاشق لكم، سواء كنتم ابني أو ابنتي، أو زوجتي، أو أبي، أو أمي، أو إنسانًا آخر، أيًا كان. في النهاية أنا عاشق لكم. إذا كنتُ عاشقًا لكم ورأيتُ يومًا أنك، يا من أنت معشوقي، قد وقع تضاد وتعارض بين رغباتك ومصلحتك، فماذا ينبغي أن أفعل؟ طالما أن ما تريده هو عين مصلحتك، وما هو مصلحتك تريده، فلا مشكلة لدي. سألبي لك رغبتك وأحقق لك مصلحتك في آنٍ واحد. لكن إذا أردت يومًا شيئًا يخالف مصلحتك، أو لم تُرد شيئًا يوافق مصلحتك، وبالتالي وقع تنافر بين الرغبات والمصلحة، فماذا ينبغي أن أفعل إذا كنتُ حقًا عاشقًا لك؟ يبدو أنه ينبغي أن أقدّم مصلحتك على رغباتك. أليس كذلك؟ أنتم عندما تكونون أبًا أو أمًا مشفقين على ابنكما، ويريد ابنكما ليلة الامتحان أن يذهب للعب كرة القدم أو مشاهدتها، فما يروق له بالطبع هو مشاهدة كرة القدم أو لعبها، لكن هذا ليس في مصلحته؛ بل مصلحته تقتضي أن ينال قسطًا وافرًا من النوم ليلة الامتحان. أليس كذلك؟ حسنًا، إذا كنتم حقًا عاشقين لابنكم، وأنتم كذلك، فحتماً ستأخذون منه رغبته وتضعون مكانها مصلحته. تقولون: مع أنني أعلم أنك تريد الذهاب للعب كرة القدم أو مشاهدتها، لكن لا. يجب أن تذهب لتنام. هذا هو الأمر. إنما الدهماء والمخادعون هم الذين يفضلون ما يروق للناس على مصالحهم. أما ذلك الشخص الذي هو حقًا خير للناس وعاشق لهم، فإذا سارت رغبات الناس ومصالحهم في اتجاهين متعارضين، فإنه حتمًا يضحي برغبة معشوقه في سبيل مصلحة معشوقه. المعشوق يعني ذلك الشخص الذي أحبه (أيًا كان). يبدو أن الأمر هكذا.
ذلك الشيء الذي يُسمى اليوم في الأدبيات السياسية «شعبوية» ونحن نتراشقه كشتيمة؛ هل تعلمون ما تعريفه الدقيق؟ الشعبوية هي تفضيل ما يروق للناس على مصالحهم. ما الذي يروق لكم أيها الناس؟ هذا ما سأعطيكم إياه ولو كان خلاف مصلحتكم. هل تنتبهون؟ الشعبوية هي أسلوب سياسي يرى فيه الشخص السياسي (الرجل السياسي أو رجل الدولة) أن مصالح الناس في هذا الاتجاه، لكن ما يروق لهم في هذا الاتجاه الآخر؛ ولكي يحافظ على سلطته ويحافظ على شعبيته لدى الناس، يقول: سأعطيكم كل ما يروق لكم. مع أن مصالحكم تضيع. أما الإنسان السياسي الشريف، فيقول: نعم، أعلم أن ما يروق للناس في هذا الجانب، لكن مصالحهم في الجانب الآخر؛ لكن إذا أثبت أهل الرأي والعلماء أن مصالح الناس في هذا الاتجاه، فأنا أفضل مصالح الناس على ما يروق لهم، حتى لو لم يصوتوا لي في الدورة القادمة. أليس هذا صحيحًا!
أريد أن أستنتج من هاتين النقطتين. أولاً، لماذا قد تسير مصالح الناس وما يروق لهم في اتجاهين؟ بسبب ما ذكرته آنفًا؛ لأننا متوسطون. الإنسان عندما يكون متوسطًا لا يستطيع أن يفهم أن مصلحته ينبغي أن تتطابق مع ما يروق له، وهذا يعني أن كل ما هو في مصلحتي ينبغي أن أريده، وكل ما أريده ينبغي أن يكون في مصلحتي. لكن السياسي عندما يتعامل مع هؤلاء البشر المتوسطين، حسنًا، قد يريد أن يسيء استغلال توسطية الناس هذه ويقول: سأعطيكم ما يروق لكم لكي تصوتوا لي في المرة القادمة، والمرة الثالثة، والمرة رقم N. أما إذا قدّم مصالح الناس على ما يروق لهم، حينها يشعر الناس أن ما يروق لهم لم يُعطَ لهم، ولا يفهمون أن هذا، يا عزيزي، كان في الواقع خدمة لهم.
حسنًا، الآن هذه النقطة نفسها التي تتعلق بالسياسي، أريد أن أكررها بشأن الفنان. أنا الفنان أبحث عن زبون. أليس كذلك؟ معظم زبائني هم من متوسطي الحال. إذن، إذا أردت أن أقدم لهم فنًا يلبي احتياجاتهم النفسية العميقة، فسينصرفون عني. لكن إذا قدمت لهم فنًا مبتذلًا لمجرد أن ينال إعجابهم فحسب، فسأجد زبائن. الآن، أنا الفنان، ماذا ينبغي أن أفعل؟ النقاش هو أنني إذا كنت أحب الناس، فيجب أن أمزج الجمال الفني بخير الناس معًا. أليس كذلك؟ الجمع بين الخير والجمال. إذا أردت الجمع بين الخير والجمال، فسأفقد زبوني، لماذا؟ لأن خيرك يكمن في أن يصل ذلك الصوت إلى أذنك، لا هذا الصوت الذي تريده. لكنك تريد هذا الصوت، وأنا كموسيقي أوصل إلى أذنك الصوت الذي تحبه، لا ذلك الصوت الذي يلبي سماعه احتياجاتك النفسية والعاطفية العميقة. الآن، لأجل هذه النقطة، يجب أن أتطرق إلى المطلب الثالث.
وهو أن؛ غذاؤنا ليس فقط ما نأكله. الأشياء التي نراها هي غذاؤنا أيضًا. والأشياء التي نسمعها هي غذاؤنا أيضًا. والأشياء التي نشمها هي غذاؤنا أيضًا. فالرائحة هي أحد أغذية الإنسان. والأشياء التي نلمسها هي غذاؤنا أيضًا. لأن ما معنى الغذاء؟ كل ما يأخذه الإنسان من محيطه هو غذاء. ما معنى الغذاء؟ كون الشيء غذاءً يعني أنني أدخل شيئًا من المحيط إلى داخلي. حسنًا، نحن لا ندخل الطعام والشراب فقط إلى أجسادنا. نحن ندخل المرئيات أيضًا، وندخل المسموعات، وندخل المشمومات، وندخل الملموسات والمذاقات وكل شيء. أليس كذلك؟ حسنًا، إذا كنا ندخلها، وكانت هذه القنوات الخمس كلها تقوم بوظيفة حلقومنا، فعلينا حينئذٍ أن ننتبه إلى هذه النقطة: إذا أصيب طفلك بالزكام، وكان لا يتناول الدواء الذي يجب أن يتناوله، ويتناول المثلجات التي لا ينبغي أن يتناولها، فأي هذين الغذاءين تقدمه له؟ (إذا كنت تحبه). ستقول: مع أن طفلي يريد أن يأكل المثلجات، أي أنها تلائمه، ولا يريد أن يتناول الدواء، أي أنه لا يلائمه؛ لكنني أعلم أن مصلحته في تناول الدواء لا المثلجات. لذلك لا أعطيه المثلجات أبدًا وأعطيه الدواء. حسنًا! الآن، إذا أراد فنان أن يسمع مني، أنا الموسيقي، صوتًا يعجبه، لكن هناك صوتًا آخر يفيد نفسه، وينعشه عاطفيًا، ويثير فيه الأمل، ويزيد من طمأنينته؛ فأي هذين الصوتين يجب أن أقدمه له؟ كان المفترض أن يكون التصميم جمعًا بين الخير والجمال. أليس كذلك؟ أريد أن يكون الجمال مصحوبًا بالخير، وإذا أردت أن يكون مصحوبًا بالخير، فيجب أن أقدم لزبوني صوتًا يمنحه الطمأنينة النفسية، ويجعله متفائلًا، ويقلل من اضطراباته الوجودية، ويبقيه راضيًا عن نفسه، ويخفف من كراهيته لذاته، ويقلل من صراعه مع نفسه؛ يجب أن أقدم له هذا الصوت. لكن، حسنًا، إذا قدمت له هذا الصوت، فسأفقد هذا الزبون، لأن زبائني غالبًا يريدون ما يلائمهم هم. في الواقع، ما كنت أعبّر عنه حتى الآن بالتعارض بين الملائم والمصلحة، أريد الآن أن أعبر عنه بدقة بتعبيره النفسي: «التعارض بين الرغبات والاحتياجات». نحن نرغب في أشياء ونحتاج إلى أشياء أخرى. رغبات معظمنا ليست هي احتياجاتنا، واحتياجاتنا ليست هي رغباتنا. نرغب في شيء لكننا نحتاج إلى شيء آخر. نحتاج إلى شيء لكننا لا نرغب فيه. نرغب في شيء ولا نحتاج إليه فحسب، بل هو مضاد تمامًا لتلبية احتياجاتنا. حسنًا، هنا، بما أنني كنت سأكون فنانًا يريد الحقيقة والجمال معًا، وأن يحتفظ بهما جنبًا إلى جنب، فأنا حينئذٍ أريد أن أوائم جمالي وفني (موسيقاي أو رقصي أو غنائي أو أي شيء آخر) مع احتياجك، لا مع رغباتك. وبطبيعة الحال، سأفقد زبوني. التصميم في عالم الفن، إذا أُريد تطبيقه، فعلى الشخص أن يصرف النظر عن جلب الزبون فحسب، ويقول: أريد خيرك (أيها الزبون)، سواء أصبحت زبوني أم لم تصبح. لا أستطيع من أجلك، لكي تصبح زبوني، أن أتخلى عن خيرك وأعطيك شيئًا هو رغبتك لكنه لا يلبي احتياجك. الأمر واضح حتى هنا!
لذا إذا أردتُ أن أوظّف مبحث التصميم في الفن، فينبغي أولاً أن أكون قادراً على عدم الاكتراث بأحكام القيمة لدى الآخرين وألا أسعى إلى جذب الزبائن. وبتعبير حافظ، فإن سوق التباهي بالنفس يقع في الجانب الآخر؛ ينبغي ألا يكون همّي التباهي بالنفس لأبيعَ نفسي لكم. عليَّ أن أقول: لقد توصّلتُ إلى أن هذه الموسيقى، وهذا الرقص، وهذا الرسم، وهذا المسرح، وهذه السينما تُلبّي احتياجاتك الإنسانية. سواء أعجبك ذلك أم لم يعجبك، فأنا أنتج هذا الشيء ذاته، وبالطبع سأخسرك. إذن، أولاً، لكي أكون فناناً عانق الحقيقة مع الخير معاً، ينبغي ألا أعطي قيمة لأحكامكم القيمية وألا أكترث بها. هذه واحدة.
ثانياً، ينبغي ألا أخاف من العزلة بين زملائي. فالتفرّد والعزلة يبعثان على الخوف. في اللغة العربية يُسمّى الخوف الناجم عن العزلة «وحشة». ولا يُقال في العربية لكل خوف «وحشة»، بل الخوف الناجم عن أني صرتُ وحيداً. هذا ما يُسمى وحشة. ينبغي ألا تكون لديّ وحشة؛ أي ألا أخاف من أن أكون غريباً ووحيداً بين زملائي.
وثالثاً، ينبغي أن أعتاد على البساطة في العيش، لأني إن لم يكن لديّ زبائن فلن أحظى بحياة مترفة وأرستقراطية بعد ذلك. لأن زبائني سيكونون قلة، وقلة الزبائن تعني دخلاً ضئيلاً، والدخل الضئيل لا يمكن تدبّر العيش معه إلا ببساطة في العيش.
هذه ثلاث مشكلات تمنع الفنانين من أن يمزجوا الجمال بالخير معاً. يقولون: نعطي الناس ما يبدو في نظرهم جميلاً، حتى لو لم يكن فيه خيرهم. لأنهم لا يستطيعون عدم الاكتراث بأحكام القيمة لدى الآخرين. الجميع يهتفون بحرارة لذاك الفنان الزميل والمنافس لي، وقد يستهجنونني أنا، ولأني لا أريد أن أبقى وحيداً بين زملائي، ولأني لا أستطيع أن أعيش ببساطة. إن قول سبينوزا بأنه «لم يُحرز أي شرف دون بساطة في العيش» يعود إلى أني إن أردتُ بلوغ الشرف، فينبغي أن أكون بسيط العيش. وهذه في الواقع هي النقطة الثالثة التي أردتُ قولها.
لذا، في الواقع، أريد أن أقول حتى هذه اللحظة إنه ينبغي أن أفصل حاجة المتلقي عن رغبته، وأن أستجيب لحاجة متلقّي؛ تماماً كما أفعل مع طفلي الذي أريد له الخير. فإذا تعارضت حاجات طفلي مع رغباته، فإني بالتأكيد أُلبي حاجته ولا أكترث لرغباته.
أما النقطة الرابعة؛ فكلما لم أعطِ قيمة لما يروق لك وقدّمتُ لك ما يخالف ما يروق لك، فإنك تشعر بالعنف وتحسّ بأني مارستُ عنفاً ضدك. العنف (violence) بتعريفه الدقيق هو أن تقدّم لشخص ما يخالف ما يروق له. يبدأ الأمر من هنا وصولاً إلى تلك التعذيبات التي تُمارس في السجون. جوهر العنف هو أني لم أعطك ما يروق لك. هذا كل شيء. حسناً! إذا كان الأمر كذلك، فكأني إذن أمارس عنفاً ضدك، لأنك كنت تحب هذا الغناء وهذا الرقص، وأنا أقدّم رقصاً وغناءً آخرين. إذن، في الواقع، لم أُلبِّ ما يروق لك، فتشعر بأني مارستُ عنفاً ضدك. لكن هذا العنف هو عنف أطلقتُ عليه تعبير «العنف العاشق» و«عنف العشق». مارستُ عنفاً ضدك، لكن الفرق بينه وبين العنف الذي مارسه صدّام وستالين وهتلر هو أنهم مارسوا العنف نابعاً من كراهية للبشر، أما أنا فأمارس العنف لأني عاشق لك. حين يُمنع الطفل عن المثلجات يقول: أبي وأمي مارسا عنفاً ضدي. كنتُ أريد مثلجات لكنهم لم يعطوني إياها، بل وأكثر من ذلك، أجبروني على تناول الدواء. إنه يشعر بالعنف، لكن هذا العنف هو عنف عشق.
أحد المفارقات الروحية الخمس في العالم التي أحصاها الروحانيون، والتي يواجهها الإنسان الروحي، هي «عنف الحب». يبدو عنف الحب متناقضًا ظاهريًا. فهل يعقل أن يكون المحب عنيفًا؟! نعم. الإنسان الروحي قادر على العيش مع عنف الحب، ولا يستطيع تلبية ما يروق لكم. لو قلتُ الآن في جمعٍ إيراني إن أفضل أمة في العالم هم الإيرانيون، وأشجع أمة في العالم هم الإيرانيون، وأكثر الأمم فداءً وبسالةً ونبالةً وشرفًا هم الإيرانيون؛ لصفق لي هؤلاء السبعون مليونًا جميعًا. لا شك في ذلك، لأنه يروق لهم. لكن قد أقول، رغم أنني أحب وطنية مواطنيّ وأنا نفسي وطني، إننا لسنا الأشرف ولا الأشجع ولا الأكثر فداءً ولا الأكثر إيثارًا ولا الأنبل ولا أي شيء آخر؛ حسنًا، أنا هنا أفعل ما يصب في خير مخاطبي لكنه ليس مما يروق له. يشعر مخاطبي بعنفٍ من قِبَلي. يجب تقبل عنف الحب هذا. أنا في التصميم، إن أردتُ أن أكون مصممًا حقيقيًا وأن أضع الجمال في خدمة الخير والخير في خدمة الجمال، فعليّ أن أتعود على عنف الحب.
النقطة التالية هي: يا سيدي، أليس رضا الزبون شرطاً؟ الزبون يدفع المال لكي يتحقق رضاه. أليس هذا شرطاً؟ حسناً، ما الإشكال في أن يدفع المال مقابل ما يروق له؟ خذ أنت ماله وامنحه ما يروق له. وهو راضٍ أيضاً. تراضي الطرفين يكفي. هو راضٍ بهذا الرقص، وبهذه الموسيقى، وبهذه اللوحة. وأنت أعطه نفس الرقص، ونفس الموسيقى، ونفس اللوحة وخذ مالك مقابل ذلك. أليس تراضي الطرفين شرطاً؟ أقول: بلى. تراضي الطرفين يكون عندما يُقال للطرف الآخر إن هذا يلبي ما يروق لك ولكنه يضرك. إذا قيل له ذلك. أكثر أولئك الذين يحبون هذه الموسيقى التي تلبي ما يروق لهم ولكنها ليست في خيرهم، لا يعلمون ماذا تفعل الموسيقى بنفس الإنسان وأعصابه. ماذا يفعل منظر في لوحة تشكيلية أو مشاهدة فيلم سينمائي معين بنفس الإنسان؟! لا يعلمون. هذا يشبه أنك لا تعلم أن سيارتك تساوي 40 مليوناً. لم تذهب إلى بورصة السيارات منذ مدة ولا تعلم أصلاً أن سعر سيارتك قد بلغ 40 مليوناً. تظن أن سعر سيارتك 30 مليوناً. فأقول لك: يا سيدي! أنا أشتري سيارتك بـ 32 مليوناً. لا تكون راضياً فحسب، بل تكون فوق الرضا لأنك كنت راضياً ببيع سيارتك بـ 30 مليوناً وأنا الآن أدفع 32 مليوناً. الآن، إذا قلتُ إنني اشتريت سيارته برضاه، فهل ترون أنني قمت بعمل خيِّر أم لا؟! لا! لأنه لا يعلم أن سيارته تساوي 40 مليوناً ويظن أن أقصى سعر لسيارته هو 30 مليوناً. وأنا أدفع 32 مليوناً وقد منحته فوق رضاه؛ لكنه راضٍ لأنه لا يعلم. أما إذا قلت له: يا فلان، سيارتك تساوي 40 مليوناً ولكنني أشتريها بـ 32 مليوناً. حينئذ إذا رضي... هذا يُسمى رضاً. الرضا الناشئ عن عدم المعرفة ليس رضاً. عندما لا يدري المرء ماذا يفعل المسرح أو السينما بنفسنا وأعصابنا، وما هي الأعمال الإيجابية التي يمكن أن يقوم بها، وما هي الأعمال السلبية التي قد يقوم بها أحياناً، فإن رضاه بهذا المسرح لا يعفيني، أنا الفنان المسرحي أو أنا المخرج المسرحي أو أنا كاتب المسرحية، من ذلك الأمر الذي هو أنني يجب أن أريد خير مخاطبي. أن أقول إن الناس أنفسهم يريدون ذلك. الناس أنفسهم يريدون ذلك لأنهم لا يعلمون. لذلك أريد من هذه النقطة أن أنفذ إلى أن كون الزبون قد دفع المال بنفسه برضاه ورغبته، هذا لا يعفيك من مسؤوليتك الأخلاقية لأن الزبون لا يعلم ما الضرر الذي سيصيبه من بضاعتك هذه. هذا يشبه أن أبيعك طعاماً مسموماً وفاسداً، حتى لو لم يكن فساده بحيث يغير طعم الطعام، ولأنه لم يغير طعم الطعام فإنك تدفع ماله وتكون راضياً. لكنني أنا أعلم أنني أسلمك طعاماً غير صحي. رضاك هذا هنا لا يزيل تكليفي الأخلاقي. لكن الأهم من هذا؛ الزبون، بالإضافة إلى أنه يجب أن يعلم ما الضرر الذي يلحق به، قد أقول: لا! بل إن هذا الذي تريده ليس فيه ضرر عليك، بل هو خير لك، ولكن هناك منتج أكثر فائدة من هذا أيضاً. يجب أن يكون على علم بذلك أيضاً. يجب أن يكون على علم بأنه إذا كانت هذه الموسيقى التي يقدمونها لي مفيدة فعلاً، ولكن توجد موسيقى أكثر فائدة، فبطبيعة الحال لن يرضى بهذه الموسيقى المفيدة. أنا إذا قلت لك: هذا البرتقال الذي عندي ليس برتقالاً سيئاً على الإطلاق، بل هو جيد جداً؛ ولكن يوجد برتقال أفضل أيضاً. إذا رضيت بهذا بعد أن قلت لك إن هناك برتقالاً أفضل، فهذا صحيح؛ ولكن إذا كنت لا تعلم أن هذا البرتقال سليم، أو لا تعلم أن هناك برتقالاً أفضل.
إذن أمران؛ الأول: أن زبوني، أنا الفنان، يجب أن يعلم ما هي الآثار النفسية الإيجابية والسلبية لهذا الأثر الفني ثم يرضى أيضاً؛ والثاني: أنه حتى لو لم تكن هناك آثار نفسية سلبية في أثري الفني، يجب أن يعلم أن هناك أثراً فنياً أفضل من هذا أيضاً، ثم إذا رضي... لكن عندما لا يعلمون هذا؛ أكثر الناس، بسبب توسطهم وبسبب مستواهم الثقافي المتدني، لا يعلمون، فلا أستطيع أن أطيب خاطري وأقول إنهم هم أنفسهم رضوا.
من هنا أود أن أنقد النقطة التالية أيضاً؛ وهي أن كون عمل الفنان خالياً من الإشكال من الناحية الحقوقية والقانونية لا يعني أنه خالٍ من الإشكال من الناحية الأخلاقية. انتبهوا! إذا قال أحدهم إن القانون (وسأضرب مثلاً على ذلك) قد حدد بنفسه أن هذا العمل يُعد إباحياً، والقانون نفسه قد منع ذلك، فكل ما هو دون هذا المستوى لا إشكال فيه لأنه لم يمنعه القانون، فهذا معناه أن العمل الذي أقدمه لا إشكال في تقديمه من الناحية الحقوقية-القانونية، ولكن ثمة أمور كثيرة لا إشكال فيها من الناحية الحقوقية-القانونية لكن فيها إشكال من الناحية الأخلاقية. لذلك لا يمكن الاستناد إلى المصوبات القانونية والقول: يا سيدي! العمل الموسيقي الذي قدمته قد أجاز القانون تقديمه.
أما النقطة التالية؛ فهي أنني إذا أردت أن أمزج الخير بالجمال، فمعنى ذلك أن علي أن آخذ احتياجاتك بعين الاعتبار. لكن ثمة نقطة ألطف من ذلك أيضاً. (اخرجوا من عالم الفن) هل يمكنني أن ألبي حاجة حقيقية لشخص يحتاجها فعلاً، ولكن بتلبيتي لهذه الحاجة أضر بخمس حاجات أخرى له؛ هل يمكنني أن أفعل ذلك؟ سأضرب مثلاً؛ أمسك بيد عجوز أو عجوزين لأعبر بهم من هذا الجانب من الشارع إلى الجانب الآخر، وأفترض أنني أريد الخير له حقاً. لكن هذا لا يبرر لي أن أدوس على قدمك وأنا أعبر به من هنا إلى هناك. أليس كذلك؟! أن أقول: يا رجل! ألا ترى؟ أنا أعبر بالعجوز. فيقول: يا عزيزي، إن إيصال الخير لهذه العجوز لا يمكن أن يتحقق إلا بشرط ألا تُلحق بهذا الإحسان عدة شرور بالآخرين. والآن، لماذا أقول هذا؟! كثير من العاملين في فن العمارة أو في التصميم يواجهون هذا الموقف حين يقول لهم صاحب المنزل: اجعل ديكوري الداخلي جميلاً، ولا شأن لي بالواجهة الخارجية! أتعلمون ما معنى هذا؟ معناه أن أوصل الخير إلي، ولا تكترث لأولئك في الخارج؛ نحن ثلاثة أشخاص نعيش في هذا المنزل، ليتعاملوا دوماً مع تصميم جميل، بينما يمر يومياً ما يقرب من 50 ألف شخص من أمام منزلي. لا يهم ذلك التصميم القبيح وذلك التصميم المثير للقلق الذي يتسم به منزلي! هذا معناه أن أوصل الخير إلي ولو كنت في طريق إيصال الخير إلي تلحق الشر بالآخرين. هل تلاحظون كم نولي نحن الإيرانيين أهمية لديكور منازلنا الداخلية، ولكننا لا نولي أي اهتمام لديكور منازلنا الخارجي الذي يراه المارة في أزقتنا وشوارعنا، لأننا نعتقد أننا وحدنا المهمون. الفنان الحقيقي يقول: أنا لا أفعل هذا. علي أن أفعل شيئاً يجعل هذه العمارة أو هذا التصميم يوصل الخير إليك وإلى أفراد أسرتك، وفي الوقت نفسه لا يلحق الضرر بالمجتمع. كثير من المباني الكبيرة التي قال عنها صديقي العزيز إنها شوهت هذه المدينة وتضغط على أعصاب سكان هذه المدينة لحظة بلحظة (وهذه نقطة مهمة أيضاً)؛ أتعلمون كم هو جميل داخل كثير من هذه المنازل!؟ المبنى جميل من الداخل. أولئك الأربعة أو الخمسة الذين يعيشون في المبنى يستفيدون، بالمناسبة، من جمال داخل منزلهم استخدامات عصبية-نفسية، لكن خارج منزلهم على نحو يثير القلق دوماً في نفس كل عابر. انتبهوا! لا ينبغي لكم بالضرورة أن...
يجري علماء النفس تجربة لغرض آخر، فيقولون: إذا ألقيتم ضفدعاً في قدر ماء يغلي، فإنه سيقذف بنفسه خارجاً بأي طريقة كانت. لكنهم يقولون: إذا ألقيتم ضفدعاً في قدر ماء بارد، ووضعتم الماء البارد على الغاز وأشعلتموه، فمع كل ثانية ترتفع الحرارة جزءاً من ألف درجة عن الدرجة السابقة، فيعتاد الضفدع على درجة الحرارة التالية. وفي الثانية التالية ترتفع حرارة الماء جزءاً من ألف درجة أخرى فيعتاد عليها، ويظل يعتاد ويعتاد ويعتاد حتى يصل الماء إلى درجة الغليان فلا يقذف بنفسه خارجاً؛ لأنه قد اعتاد على ذلك كثيراً.
لا تظنوا أن عالم النفس حين ينظر إلى عمارة طهران يقول: يا سيدي! هذا الشعب يصاب بالاكتئاب بسبب هذه العمارة، فتقولوا: كلا! أنا لست مكتئباً، وإن كنت مكتئباً فبسبب علاقتي بزوجتي أو أطفالي! كلا! نحن مثل ذلك الضفدع نتلقى باستمرار إيحاءات سلبية من هذه العمائر؛ لكننا من فرط ما اعتدنا وألفنا لا ندري أن هذا القلق الذي أعانيه، والذي يجعلني أسيء التصرف بلا سبب مع المراجعين في مكان عملي، ناجم عن المباني التي كنت أراها في الحافلة وأنا في طريقي إلى عملي. لكن الشخص نفسه الذي يبني هذا المبنى ويدمر أعصابي وأعصابك بواجهته الخارجية، لو دخلت إلى داخله فقد تجد فيه ديكوراً مريحاً جداً بالصدفة، ولم يخبره ذلك الفنان بأنني لا أستطيع أن أوصل الخير إليك هنا، لكنني مستعد لإيصال الشر إلى الناس هناك. لأنني لا أستطيع أن أمسك بيد عجوز وأركل قدمين بحجة أنني أمسكت بيد عجوز وأعبرها عرض الشارع.
لكن النقطة الأخيرة التي كنت أود طرحها، وهي مهمة أيضاً، هي: إذا لم يجتمع الخير مع الجمال يوماً، فلا شك حينئذٍ أن الخير مقدم على الجمال. يجب علينا ما استطعنا أن يكون إيصالنا للخير جميلاً وفنياً. لكن إذا حدثت لي ظروف ذات يوم حيث إذا أردت أن أوصل إليك خيراً فإن الجمال ....
دعوني أضرب مثلاً؛ أقف على جانب الشارع. تأتي سيارة من بعيد. تريد أنت الذهاب إلى وسط الشارع. أقول لك: يا سيدي/سيدتي! انتبه لا تذهب. وأعتذر منك أيضاً. أليس صحيحاً؟ لكن إذا كنت قد ذهبت إلى وسط الشارع وبقي نصف ثانية وتصدمك السيارة، فإني أدفعك إلى الجانب الآخر ولو بالركل. هنا لم يعد بإمكاني أن أقرن الخير بالجمال. هل تنتبهون؟ هنا قد ألكمك في صدرك، بل قد ينكسر ضلعان من أضلاع صدرك، لكني مع ذلك أوصلت إليك الخير لأني لم أسمح لك بأن تموت. هنا حدث لي وضع لم أعد أستطيع فيه أن أقرن الخير بالجمال.
ليست كل ظروف الحياة وأحوالها ظروفاً وأحوالاً أستطيع فيها أن أوصل الخير بأدب وجمال وفن. يجب أن تنصب كل مساعيَّ أولاً على أن أوصل إليك الخير، وثانياً أن أوصل هذا الخير إليك بشكل جميل. لكن هناك ظروف وأحوال لا يمكن فيها الجمع بين هذين الأمرين، وإذا لم يكن الجمع ممكناً، فمن بين هذه القيم العظيمة الثلاثة عند أفلاطون، الخير مقدم على الجمال.
.
.
بهمن ماه ۱۳۹۶؛ باغ کتاب تهران
برعاية مؤسسة سروش مولانا و designology
.
.
.
.
محاضرة مصطفى ملكيان في الجلسة الأولى من «علم التصميم»: القبح والجمال والأخلاق
محاضرة تورج صابريوند في الجلسة الأولى من «علم التصميم»: القبح والجمال والأخلاق
محاضرة تورج صابريوند في الجلسة الثانية من «علم التصميم»: الفلسفة وماهية التصميم
.
.
الفن
الفلسفة
الفن
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.