اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
وجد باحثون في جامعة ستانفورد أن من يعتبرون الرفض العاطفي دليلاً على عيب في شخصيتهم يظلون أسرى الماضي. فتغير الصورة الذاتية نحو السلبية بعد الانفصال يطيل أمد الألم ويزيد الخوف من العلاقات المستقبلية.

يعكف عالما النفس في جامعة ستانفورد، لورين هاو وكارول دويك، على بحث حول سبب بقاء بعض الأشخاص أسرى لماضيهم العاطفي، بينما يمضي آخرون قُدُمًا في حياتهم بعد فشل العلاقة بأقل قدر من المعاناة على ما يبدو. وخلال بحثهما، فحصا مئات القصص الشخصية عن انتهاء العلاقات. طلب هاو ودويك من أشخاص أن يتحدثوا عن مرة تعرضوا فيها للرفض في علاقة عاطفية، ثم أن يكتبوا عن هذا السؤال: ما الذي استفدتموه من هذا الرفض؟
ذا أتلانتيك — «ما الخطأ الذي حدث؟» هذا هو السؤال الذي عادة ما يستحوذ على الأشخاص بعد انتهاء علاقة مريرة. عندما يحاول الأشخاص الإجابة عن هذا السؤال، فإنهم عادة ما يخلقون قصصًا جديدة عن علاقتهم. كما أنهم يحللون الأحداث التي أدت إلى انتهاء العلاقة، ويستخدمونها لبناء سردية متماسكة. في بعض الأحيان، يمكن أن يكون نسج القصص هذا إيجابيًا، ويساعد الأشخاص على إضفاء معنى على الأمور المرة التي حدثت والتعامل معها. لكن أحيانًا أخرى، يمكن أن تكون عملية نسج القصص سلبية، وبدلًا من تخفيف الألم، تزيده حدة.
أجريت أنا وزميلتي، كارول دويك۱، بحثًا حول سبب بقاء بعض الأشخاص أسرى لماضيهم العاطفي، بينما يمضي آخرون قُدُمًا في حياتهم بعد فشل العلاقة بأقل قدر من المعاناة على ما يبدو. وخلال بحثنا، قرأت مئات القصص الشخصية عن انتهاء العلاقات. تقدم هذه القصص أدلة حول ما يضع الفرد في إحدى هاتين المجموعتين.
في بحثنا، طلبت أنا ودويك من أشخاص أن يتحدثوا عن مرة تعرضوا فيها للرفض في علاقة عاطفية، ثم أن يكتبوا عن هذا السؤال: ما الذي استفدتموه من هذا الرفض؟ كانت إجابات بعض الأشخاص توحي بوضوح أن الرفض قد حدد شخصيتهم: لقد اعتقدوا أن شريكهم السابق قد اكتشف شيئًا غير مرغوب فيه حقًا بشأنهم. على سبيل المثال، كتب أحد هؤلاء الأشخاص: «كان كل شيء يسير على ما يرام حتى توقف فجأة عن التحدث معي. لا أعرف لماذا؛ لكني أعتقد أنه اكتشف أنني عنيدة جدًا، وهذا الأمر أخافه وجعله يهرب.» وكتب آخر: «أدركت أنني حساسة جدًا وأنني أبعد الناس عني خشية أن يبعدوني هم عنهم. هذه الصفة سلبية، وتثير غضب الناس وتجعلهم يبتعدون.»
في هذا النوع من القصص، يكشف الرفض عن عيب خفي. هذا العيب يجعل الأشخاص يشكون في نظرتهم إلى أنفسهم أو يغيرونها. وعادة ما يرسمون صورة سامة لشخصيتهم؛ بحيث تلوث الصفات السلبية العلاقات الأخرى أيضًا. كتب أحد المشاركين في البحث: «أدركت أن جزءًا من شخصيتي يدمر سعادتي.» واعترف آخر: «مشاعري مجروحة وأشعر بأنني منبوذة. أحاول إقناع نفسي بأن الذنب لم يكن ذنبي وأن النقص كان من الطرف الآخر؛ لكن
لا جدوى من ذلك، وما زلت أشعر بعدم الكفاءة.»
كانت العديد من هذه القصص شبيهة بالقصص التي كنت أسمعها من أصدقائي بعد انتهاء علاقاتهم. كان لب الكلام متشابهًا: «لماذا لم أكن أستحقه؟» أو «هل هناك مشكلة ما بي؟» عندما يرى الأشخاص شريكهم السابق في علاقة جديدة، عادة ما يسألون أنفسهم: «ما الذي يمتلكه الطرف الجديد ولا أمتلكه أنا؟»
بعد انتهاء العلاقة، من ردود الفعل الصحية تمامًا أن يفكر الأشخاص فيما تعلموه من العلاقة السابقة وما يريدون تحسينه في العلاقة التالية. لكن هذا السلوك الصحي يمكن أن يتحول إلى سلوك غير صحي، وذلك إذا بالغ الأشخاص فيه كثيرًا ونفوا قيمتهم الكلية.
لكن فقدان شريك يمكن أن يجعل المرء يقع بسهولة في فخ اليأس من ذاته. تُظهر أبحاث عالم النفس آرثر آرون وزملائه أنه عندما يكون الأفراد في علاقة حميمة، فإن «ذواتهم» تمتزج بذوات شركائهم. بعبارة أخرى، نحن نعتبر شريكنا العاطفي جزءًا من أنفسنا، فنخلط بين سماتنا وسماته، وبين ذكرياتنا وذكرياته، وبين هويتنا وهويته. في مقياس صُمم لتحديد مدى قرب العلاقة، يطلب فريق آرون من الأفراد أن يتصوروا أنفسهم كدائرة وشريكهم كدائرة أخرى، ثم يُظهروا مدى تداخل هاتين الدائرتين.
إلى حد ما، يمكن أن يكون تداخل الذوات جزءًا إيجابيًا للغاية من أي علاقة. فعندما يتعرف الأفراد على شريك عاطفي جديد، يمضون فترة سريعة ينغمسون فيها في اهتمامات شريكهم وهويته، ويتبنون آفاقًا جديدة، ويوسعون نظرتهم للعالم. إحدى أعظم متع العلاقة هي أنها تُعرض الأفراد لأشياء خارج نطاق برامجهم المعتادة، موسعة بذلك إحساس المرء بذاته.
لكن هذا يعني أيضًا أنه عندما تنتهي العلاقة، فإن فقدان شريك عاطفي يمكن أن يؤدي إلى حد ما إلى فقدان الذات. في إحدى الدراسات، عندما طُلب من الأفراد كتابة سيرة ذاتية قصيرة عن أنفسهم بعد التفكير في انتهاء علاقة، استخدموا كلمات محددة أقل لوصف أنفسهم. كما أنه كلما شعر الأفراد بأنهم ينمون أكثر خلال العلاقة، قل الضرر الذي لحق بصورة الذات۲ لديهم بعد الانفصال.
في بحثنا، كان أطول حزن أبلغ عنه الأفراد بعد الرفض العاطفي مرتبطًا بالحالات التي تسبب فيها انتهاء العلاقة بتغيير سلبي في صورة الذات لديهم. كما أن الأفراد الذين أقروا بأن الرفض جعلهم يشككون في هويتهم، غالبًا ما أبلغوا أنهم عندما يفكرون في الشخص الذي رفضهم، كانوا أكثر
انزعاجًا. كان ألم الرفض الذي حدث قبل سنوات لا يزال كامنًا في وجودهم. في حديثه عما جناه من هذا الرفض، قال أحد المشاركين في البحث: «ألم عاطفي ثقيل. هذا الألم يمنعني أحيانًا من النوم ليلاً... لقد مرت عشر سنوات؛ لكن هذا الألم لا يزال باقيًا.» عندما يكشف الرفض حقيقة سلبية جديدة عن الفرد، يصبح عبء الألم أثقل وأكثر كآبة.
عندما يرتبط الرفض ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الذات، عادة ما يخافه الأفراد أكثر. وفقًا للتقارير، يميل الأفراد في العلاقات مع شركاء جدد إلى حماية أنفسهم أكثر و«بناء الجدران». كتب أحد المشاركين في البحث: «أشعر أنني أقيد نفسي باستمرار في العلاقات المحتملة في المستقبل، خوفًا من أن أُرفض مرة أخرى.» هذه الفكرة القائلة بأن الرفض يكشف عيبًا، تجعل الأفراد يقلقون من أن هذا العيب قد يظهر مرة أخرى في علاقات أخرى. إنهم قلقون من أن العلاقات المستقبلية ستفشل أيضًا، ويعلنون عن خوفهم: مهما حاولنا، لا يمكننا العثور على شخص جديد يحبنا.
في بعض الحالات أيضًا، يبدو أن الرفض يغير موقف الأفراد من العلاقة العاطفية بشكل جذري، ويمنحهم آراء تشاؤمية حول الطبيعة الجوهرية لهذه العلاقات؛ كما كتب أحد الأفراد: «بالنسبة لي، كان هذا الرفض أشبه بفتح صندوق باندورا۳، وأصبحت مفاهيم مثل الحب والثقة أوهامًا لم تكن موجودة حقًا على الإطلاق.»
إذن، ما الذي يجعل إنهاء العلاقة صحيًا؛ بحيث يستمر الفرد في حياته بعدها بأقل ضرر عاطفي ممكن؟ في دراستنا، أقام بعض الأشخاص رابطًا أضعف بكثير بين الرفض والذات، ووصفوا الرفض بأنه قوة اعتباطية لا يمكن التنبؤ بها، وليس نتيجة لعيب شخصي. كتب أحد هؤلاء: «بعض الفتيات لا يبدين اهتمامًا. لا علاقة لهذا بك؛ المسألة ببساطة أنهن غير مهتمات.» وأشار آخر إلى أن الرفض لا يتعلق بقيمة الشخص: «لقد تعلمت أن شخصين يمكن أن يكونا شخصين جيدين؛ لكن هذا لا يعني أنهما ينتميان لبعضهما.» ورأى آخرون أن الرفض تجربة كونية: «الجميع يُرفضون. هذا جزء من الحياة.»
واعتبرت مجموعة أخرى أن إنهاء العلاقة فرصة للنمو، وعادة ما أشاروا إلى مهارات محددة تعلموها من الرفض. كان التواصل مضمونًا مشتركًا بينهم: أوضح الأفراد أن الرفض ساعدهم على فهم أهمية التوقعات الواضحة، وكيفية تحديد اختلاف الأهداف، وكيفية التعبير عما يريدونه من العلاقة. كتب مشاركون آخرون أن إنهاء العلاقة
ساعدهم على تقبل أنهم لا يستطيعون التحكم في تفكير الآخرين وأفعالهم. وتعلم البعض الآخر كيف يسامحون.
إذن، الفصل بين الرفض والذات يجعل إنهاء العلاقة أسهل عادة؛ بينما الربط بينهما يجعل الانفصال أصعب. لكن ما الذي يدفع الأفراد للقيام بأحد هذين الأمرين؟ تظهر أبحاث دويك وآخرين السابقة أن الأفراد عادة ما يحملون إحدى هاتين النظرتين حول خصائصهم الشخصية: إما أنها ثابتة طوال العمر، أو أنها قابلة للتغيير ويمكن أن تتحول في أي نقطة. تؤثر هذه المعتقدات على كيفية تفاعل الأفراد مع الشدائد. فعلى سبيل المثال، الأفراد الذين يعتقدون أن الذكاء ثابت هم أقل احتمالًا للاستمرار في المحاولة عند مواجهة الفشل مقارنة بأولئك الذين يعتقدون أن الذكاء يمكن تطويره.
عندما نطلب من الأفراد التحدث عن حالات الرفض السابقة التي مروا بها، نجد علاقة بين أولئك الذين يعتقدون أن الشخصية ثابتة وأولئك الذين يعتقدون أن الرفض يكشف عن ذواتهم الحقيقية. إذا كان المرء يعتقد أن خصائصه غير قابلة للتغيير، فإن إدراك خاصية سلبية يعني حكمًا بالسجن المؤبد. لكن الإيمان بالقدرة على التغيير يمكن أن يعني أن إدراك سمة سلبية يؤدي في الواقع إلى نمو الشخصية.
بعبارة أخرى، القصص التي نرويها لأنفسنا عن الرفض يمكنها أن تشكل طريقة تعاملنا مع هذه المسألة. لقد أظهرت الأبحاث السابقة أهمية السرد القصصي في مجالات أخرى بشكل جيد. على سبيل المثال، بعض مدمني الكحول الذين يخضعون للعلاج يروون قصصًا عن الخلاص يتعلمون فيها شيئًا من معاناتهم. هؤلاء الأفراد لديهم فرصة أكبر للإقلاع مقارنة بأولئك الذين يروون قصصًا بدون هذا المضمون. الروايات التي تصور القرارات المصيرية، بما في ذلك الزواج أو الطلاق أو تغيير المهنة، كحركة إلى الأمام نحو مستقبل مرغوب وليس هروبًا من ماضٍ غير مرغوب، ترتبط برضا أكبر في الحياة.
إذن، إحدى الطرق لتسهيل إنهاء العلاقة يمكن أن تكون بأن نأخذ بعين الاعتبار، بوعي، الروايات التي نبنيها حول هذه التجربة. قد يفكر شخص ما هكذا: لم أستطع التواصل جيدًا في علاقتي، وأعتقد أنني لا أستطيع الاختلاط جيدًا بالناس. يمكن أن تكون قصة أخرى على هذا النحو: لم أستطع التواصل جيدًا في علاقتي؛ لكن هذا شيء يجب أن أعمل عليه لتكون علاقاتي المستقبلية أفضل. ربما يمكن لعادة صحية تتمثل في مساءلة روايتنا الخاصة أن تساعدنا على خلق روايات أفضل. يمكن لهذه القصص أن تخلق مرونة أكبر في مواجهة الألم.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.