اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
نيتشه، بتحدّيه أُسس الفلسفة الغربية وانشغاله بمصير الإنسان، يُشكّل دليلاً لتشخيص أزمة الإنسان غير الغربي. فكره يتجاوز الفلسفة ليُطبَّق في الثقافة والفن، وينبغي تحليله فيما وراء الخير والشر.

نيتشه مفكر مثير للجدل إلى أبعد الحدود، وغير متوافق مع السائد، ومحفز للتفكير. لم يتناول أي فيلسوف في العصر الحاضر أو التاريخ المعاصر جذور المسائل العريقة في الفلسفة الغربية والقيم الحاكمة عليها بهذا الشكل، ولم يهاجم أسس هذا التوجه بهذه الجرأة. في الحقيقة، ترك تأثير فلسفة نيتشه في تحدي الأسس الفكرية والفلسفية للحداثة أثراً لا يمكن إنكاره في كافة المجالات الفلسفية والاجتماعية والثقافية. إجمالاً، يمكن اعتبار تحدي نيتشه لتاريخ الفلسفة الغربية نظرة جديدة للغاية وهدّامة للأسس. لأكثر من مئة عام، كان شخصية مثيرة للتأمل في مجال الفكر والثقافة، وكان فكره طريقاً لحل الغموض الموجود في التفكير الفلسفي الغربي. كان مارتن هايدغر يدّعي أن كل من يشتغل بالفكر، مضطر إلى سلوك هذا السبيل في ضوء أفكار نيتشه، سواء انطلق من معسكر متفق معه أو تناول أفكاره بنظرة مخالفة. نيتشه هو قبل كل شيء فيلسوف الحياة، ولا ينبغي اعتباره فيلسوفاً نظامياً متصلباً وجافاً وفجاً. لقد قامت كتابات نيتشه بفحص وتقصي أهم وأكثر مسائل اليوم إلحاحاً مع نظرة عابرة إلى تاريخ الفلسفة الغربية من عصر ما قبل سقراط حتى اليوم. لذلك، يرى أن التساؤل الوجودي حول هوية الإنسان لا يمكن فصله عن فهم التاريخ والأخلاق والسياسة والثقافة. في العصر الحاضر، أثارت فلسفة نيتشه في معظم الحالات اضطراباً وحيرة عجيبة في كافة المجالات، وفي العقود الخمسة الماضية وحتى وقت قريب، كان اعتقاد معظم المفكرين أنه لا يمكن اعتبار نيتشه فيلسوفاً جاداً، بل ينبغي اعتباره على الأكثر شاعراً مناهضاً للعقل ومؤمناً بالعرفان. وقد روّج لهذه النظرة عدد كبير من الباحثين في أفكاره.
لكن الأبحاث في العقدين الماضيين تسببت في إزالة غبار سوء الفهم وسوء التأويل عن أفكار نيتشه، وجعلت مقارباته تُتَبَع بجدية بنظرة جديدة. نيتشه مفكر همه مصير الإنسان في العالم المعاصر. يكفي أن نلقي نظرة، ولو عابرة، على مشاغله الرئيسية من أولى تفكراته حول الحيرة اليونانية (Agon) حتى سعيه لتبيين جينيالوجيا الأخلاق وفهم العدمية باعتبارها الوجه المميز لمرض الإنسان الحديث الأخلاقي، لندرك أنه قبل كل شيء مفكر جاد ومحترق القلب على مصير البشر.
لذلك، بالنسبة لمفكري ومثقفي هذه الأرض إيران، فإن دراسة وفهم هموم نيتشه الرئيسية ترشدنا إلى تشخيص الأزمة الراهنة للإنسان غير الغربي في علاقته بالحضارة الغربية. غالباً ما يتم تجاهل أفكار نيتشه لأنها لم تستطع إظهار التعاطف مع العواطف الديمقراطية اليوم، لذلك فإن المنهج القيمي في التعامل مع الأفكار المعاصرة يوضح لنا أهمية وعمق نظرته وبصيرته. من هنا، ليست فلسفة نيتشه وحدها، بل أسلوبه في التعامل مع مسائل الفكر، يمكن أن يُعتبر استراتيجية فعالة في إيجاد وفهم مقاربة مختلفة تجاه الأحداث الراهنة. أفكار نيتشه ليست ذات تطبيق فعال في مجال الفلسفة فحسب، بل في مجالات مثل علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ ونظريات حول الثقافة. نيتشه في جميع كتاباته متخذ موقفاً ومنخرط في صراع دائم ضد الثقافة العدمية وخصوصاً التسييس السطحي والفج. إنه يرفض أي نوع من التسييس الأحادي الجانب وذو البعد الواحد، لذلك يسعى بدلاً من الانشغال بتفسيرات سطحية لمسائل اليوم، إلى تشريح أعمق طبقات الثقافة التاريخية الغربية والتعريف بسياقاتها المولدة للأزمات.
يعتقد نيتشه أن عظمة الإنسان وجلاله تستلزم أن يُبنى المجتمع على أساس بنية ثقافية متماسكة. ويرى أن نوعًا من العبودية في خلق الثقافة أمر لا مفر منه. وهو يعلن صراحة في "ما وراء الخير والشر" أن خلق البشر السامي المقام لا يتوقف وحده على البنية الاجتماعية والعلاقات الاقتصادية السليمة، بل ينبغي أن تُستثار إرادة القوة في اتجاه الجلال والتعالي البشري، وبذلك تتحرر من قبضة العدمية الثنائية، وهذا لا يتسنى إلا في ظل انتشار الفن الشامل في المجتمع والثقافة. الفن الذي يبجله نيتشه هو الفن الذي يدعو أفراد المجتمع إلى التماسك والتضامن ويكشف لهم حقيقة وجودهم. لذلك يمكن القول إن التجربة التي يمنحنا إياها الفن هي تجربة وجودية. وهكذا فإن نظرة نيتشه إلى الوجود برمته ليست أسيرة في شرنقة الميتافيزيقا الغربية بأي حال، بل يبحث عن حقيقة الوجود في فينومينولوجيا الجمال والفن، ولذلك فهو يعد روح العصر قابلة للتنقية فقط في ظل الفن.
يسعى نيتشه من خلال طرحه لمفهوم الإنسان الأعلى (أوبرمنش) إلى أن يضع أمامنا وضعية تتحرر من كل أنانية ومادية ضيقة الأفق وتضع الإنسانية في معبر أشرف المطامح البشرية. وقد جرى التأكيد على هذه النقطة في جميع كتاباته وخاصة في كتاب "هكذا تكلم زرادشت".
يمكن القول إن نيتشه يضع أمامنا فكرًا راديكاليًا هدامًا حول طبيعة الإنسان بأسلوب جديد ونظرة جديدة. إن أعمق أفكاره توحي بأنه يطلب من مخاطبيه أن يخضعوه هو وفكره للتقييم فيما وراء الخير والشر، وهذا لا يعني أننا لا نستطيع نقد أفكاره وتقييمها قيميًا، بل يعني أن تلقي أفكاره ينبغي أن نعتبره أبعد من مجرد قول نعم ولا بسيط. علينا أن ننخرط في مقارباته ونتصدى لها بالتحدي، لأن ما هو أقل من التحدي والنزال لا يليق بالفكر.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
سپاسگذارم برای به اشتراک گذاشتن این مطلب .
در سطر سوم به "ارزشهای حاکم بر غرب" اشاره شده است. ای کاش قبل از ادامه بحثتون توضبح میدادبد که ابن ارزشهای حاکم بر غرب به طور تیتروار چیست؟