اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يعتقد نيتشه، بحسب ملكيان، أن الإنسان لا يمتلك عقلاً ولا روحاً تمكنه من بلوغ الحقيقة كاملة. فعقولنا تنتقي الحقائق وفقاً لحاجاتها، وأرواحنا لا تطيق احتمال الواقع؛ ومن ثم فإن الحقيقة خادمة للمصلحة.

يقول نيتشه إن مثال الفلاسفة مع الحقيقة، هو مثال الشاب الريفي الذي قدم للتو إلى المدينة وواجه امرأة سيئة السمعة، مخضرمة ومتمرسة. هذا الشاب الريفي، بسبب سذاجته، يظن أنه عندما تبتسم له هذه المرأة، فإنها قد عشقته وهامَت به. يظن أنها ستهب له كامل وجودها. حينها يرتبك قائلاً: يا للعجب، إنها مغرمة بنا! ويتوهم بشأن قدره ومنزلته ويقول في نفسه: كم أنا وسيم، وكم أنا فارع الطول! ولا يدري أن تلك المرأة هذه هي مهنتها. إنها ليست مغرمة بأحد، وهي على هذه الحال مع الجميع. تبتسم للجميع. الفيلسوف مع الحقيقة هكذا تماماً، يظن أنه قادر على الإيقاع بالحقيقة في شباكه. أحياناً تبتسم له الحقيقة، فيتوصل مثلاً إلى واقع ما، وغاية ما في الأمر أنه توصل مثلاً إلى أن «الماء يغلي عند درجة المئة» وأن «العصير حلو». في الواقع، برأي نيتشه، لا يمكننا أبداً، لا ذهنياً ولا روحياً، أن نبلغ الحقيقة. أولاً، إن أذهاننا منشغلة على الدوام بالانتقاء. فعندما تُعرض عليها الحقائق، لا تتقبل إلا تلك التي تلبي احتياجاتها. ولهذا السبب تختلف نسبة الاقتناع بالبرهان الواحد من شخص لآخر. لماذا ترى برهاناً ما مقنعاً، ولكنك حين تقدم هذا البرهان نفسه لصديقك، يقول لك: إن قلبي لا يطمئن إليه.
برأي نيتشه، البنية الذهنية لدى البشر مختلفة. لنفترض أن إنساناً تعرض في حياته الدنيا للظلم باستمرار، ولم تكن لديه القدرة قط على الدفاع عن نفسه. وكلما تصدى للدفاع عن نفسه تلقى صفعة أخرى. إنه يعلق كل أمله على الحياة بعد هذا العالم ويقول: بعد هذا العالم، هناك عالم سيعاقب فيه الظالم. هذا الشخص سيتصدى لأي برهان يسعى لإثبات أن «لا حياة بعد الموت»، وسيُظهر رد فعل طبيعياً ولن يستطيع القبول. فإن قَبِلَ، فستنهار بنيته الروحية. فإن كان مثل هذا الشخص فيلسوفاً، فسيوظف كل جهده العقلي لإثبات الأدلة المحكمة على المعاد. انظر إلى الطرف الآخر من المسألة. شخص كمعاوية مارس كل أنواع اللهو والظلم والملذات في حياته. فإذا قيل له إن هناك عالماً آخر سنعاقب فيه، فإنه سيقاوم الإيمان بعالم المعاد. وإذا ما ثبت وجود معاد، فسيفقد توازنه الروحي. لا خيار أمامه إلا أن يسعى لرد أدلة الإيمان بالمعاد بطريقة ما. إذن، نحن لسنا محايدين تجاه الحقائق. إذا رأينا أن قبول رأي ما يمنحنا وضعاً روحياً مرضياً، فإننا نرحب بإثباته، وإذا رأينا أنه يؤدي إلى وضع روحي غير مرضي، ننفر منه.
أما من الناحية الروحية، فكان نيتشه يعتقد أن الإنسان لا يطيق تحمل جميع الحقائق أصلاً. فالحقيقة لها حضور هش ومحطم. وهذا يشبه ما كان يقوله عرفاؤنا أيضاً من أن البشر لا يملكون سعة الصدر لسماع كل الآراء والنظريات. كان مولانا يقول: قال مريد لمرشد: أخبرني بكل أسرار عالم المُلك والملكوت. فقال له: حتماً، ولكن بشرط أن تأخذ هذا الصندوق الذي أعطيك إياه إلى السوق أولاً وتسلمه لفلان، ويجب ألا تفتحه في الطريق. قال المريد في نفسه وهو في الطريق: ما الذي في هذا الصندوق؟ وأخيراً لم يصبر وفتحه، فكان فيه فأر، وما إن فُتح الباب حتى قفز خارجاً وهرب. وعندما قص القصة على المرشد، قال له المرشد: لم تتحمل أن يبقى هذا الفأر مختبئاً في هذا الصندوق نصف ساعة، فكيف تتوقع مني إذاً أن أبوح لك بكل الأسرار.
كان نيتشه يقول إن أرواحنا لا تطيق مواجهة الحقائق أصلاً. طاقتنا الروحية كبشر أقل من أن تستطيع تقبل جميع الحقائق. إذا تبنيتم هذه الرؤية القائلة بأن «الحقيقة خادمة للمصلحة»، فحينها سترون أن الجميع نسبياً على هذه الشاكلة؛ فمثلاً، إذا عُرض عليكم برهانان: أحدهما لإثبات وجود الله والآخر لنفي وجود الله (لنفترض ذلك)، فإنكم بسبب معتقدكم، تسعون جاهدين إلى تقديم دليل نفي وجود الله بطريقة تدقيقية لإظهار عيب فيه وتقولون إنه مختل. أما أدلة وجود الله، فلا تدققون فيها كل هذا التدقيق. أما إذا كان شخص ما على عقيدة مخالفة لعقيدتنا، فإنه سينقل كل التدقيقات التي نجريها نحن على أدلة نفي الله إلى أدلة إثبات وجود الله.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
حقیقتا تفکر کردن سخت و طاقت فرساست.
بله علم حصولی چون از جنس صورت است، قطعاٌ راه دشواری است اما علم حضوری یقینی تر است