اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الفلسفة، على عكس العلوم، لا تتقدّم بدحض النظريات السابقة، بل تعود دوماً إلى الأسس الماضية؛ بحثٌ في أسباب أهمية تاريخ الفلسفة، وعلاقته بالتفلسف، ومنهجية التأريخ له، بمناسبة كتاب أنطوني كيني.

1_ لماذا يكتسب تاريخ الفلسفة أهمية؟ يتفق أصحاب الرأي في الفلسفة وتأريخ الفلسفة جميعًا على أنه ما من علم يرجع إلى ماضيه وتاريخه بقدر ما تفعل الفلسفة، وما من علم يحتاج إلى تاريخه وماضيه بقدر ما تحتاج إليه الفلسفة (دعونا الآن نغض الطرف عن كون الفلسفة علمًا أم لا). يقول تيموثي ويليامسون، أحد أبرز فلاسفة التحليل المعاصرين، في هذا الصدد: «في كليات الفلسفة، يُدرَّس تاريخ الفلسفة في أغلب الأحيان، أما في كليات الرياضيات أو العلوم الطبيعية، فلا يُدرَّس تاريخ الرياضيات أو تاريخ العلوم الطبيعية كثيرًا، أو لا يُدرَّس على الإطلاق» (Doing Philosopy, 98). ربما بالنسبة لنا نحن الإيرانيين، الذين غالبًا ما نبدأ تعلّم الفلسفة من تاريخ الفلسفات وكنا نفعل ذلك (في السابق، حين لم يكن لتاريخ الفلسفات التنوع الذي عليه اليوم، كان كتاب سير حكمت در أوروبا نقطة الانطلاق لتعلم الفلسفة للمهتمين الجامعيين وخاصة غير الجامعيين)، لا تكون مسألة ماهية تاريخ الفلسفة وسبب أهميته مطروحة بالقدر الذي هي عليه لدى الغربيين. لكن شئنا أم أبينا، وبسبب التخصص المتزايد لفروع العلوم وتخصصاتها، تحول تاريخ الفلسفة تلقائيًا إلى مبحث وموضوع قائم بذاته، وهو مطروح لدينا أيضًا كنقاش أكاديمي، ويخوض فيه باحثونا. يُعد المنهج التاريخي اليوم من أهم مناهج تعليم الفلسفة، وحتى لو تناولنا تعليم الفلسفة بطريقة موضوعية جدًا، فإننا مضطرون مع ذلك إلى عرض الآراء والأفكار والمسائل والمباحث وتقريرها وفق تسلسلها وتقدمها وتأخرها التاريخي.
أدى شيوع هذا الأسلوب بشكل كبير جدًا إلى دراسة وبحث منفصلين حول تاريخ الفلسفة، وقد تم تأجيج رواج هذا الشكل من تعلم الفلسفة لدرجة أنه يُنقل عن كواين قوله مازحًا: «المولعون بالفلسفة صنفان: أولئك الذين يهتمون بالفلسفة، وأولئك الذين يهتمون بتاريخ الفلسفة» (philosophy in History, 40). لكن هذا ليس السبب الوحيد لأهمية تاريخ الفلسفة. ثمة سبب آخر، وربما هو أهم الأسباب، ألا وهو رجوع الفلسفة نفسها المتكرر والدائم إلى تاريخها. في الواقع، الفلسفة، على عكس تاريخ العلوم، ليست تاريخ قطيعة وانهيار للنظريات. في كثير من العلوم، يعني التاريخ إبطال النظريات الأقدم وإثبات النظريات الأحدث والأصح، ونتيجة لذلك، يكون تاريخ ذلك العلم نوعًا من القطيعة مع الماضي، أما تاريخ الفلسفة فهو تاريخ الرجوع المتكرر إلى الماضي وإعادة التفكير بناءً على الأصول والأسس التي بُنيت في الماضي (الماضي هنا بمعنى الماضي التاريخي، لا بمعنى شيء مضى وانقضى زمانه). يكتب ماكنتاير (مواليد 1929)، الفيلسوف الأرسطي الجديد المعاصر البارز، في مقالة بعنوان «علاقة الفلسفة بماضيها» منشورة في كتاب بعنوان الفلسفة في التاريخ عن منشورات كامبريدج، حول الفرق بين تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم والأهمية الدائمة لتاريخ الفلسفة: «في الفلسفة، ولأسباب باتت الآن بديهية، فإن قبول أن الفلسفة الحالية هي التي تحدد ما يُعتبر فلسفة بالية[1] هو أمر مميت لمشروعنا بأكمله.
بالطبع، ليس المقصود أننا نفتقر إلى الإبداع. لأنه بينما تستمد العلوم التجريبية تعريفها الوحدوي الأدنى من النقطة التي بلغتها الآن، يمكن للفلسفة أن تستمد تعريفها الوحدوي الأدنى المماثل من نقطة انطلاقتها. أي شخص يُعتبر فيلسوفًا ينبغي أن يُختبر في نهاية المطاف بمحك المعايير التي حددها أفلاطون» (Philosophy in History, 45). يعود سبب ذلك بالتحديد إلى أن الفلسفة، أولاً، تمتلك أطرًا وأسسًا إذا عمل أحد خارجها لا يُعتبر فيلسوفًا (مثلاً، الفيلسوف يتعامل دائمًا مع الأسس، حتى في الفلسفات المضافة، فإذا انشغل فيلسوف الأخلاق بالنصح بدلاً من الأسس، يُعتبر عالم أخلاق لا فيلسوف أخلاق)، وهذه الأطر متشابكة مع تاريخها على نحو لا يمكن إدراكها إلا من خلال تاريخها (لأن هذه الأسس نفسها هي التي تخضع لإعادة التفكير باستمرار). هذا الاشتراك هو الذي يبقي صلة الفلسفة بماضيها حية دائمًا. يكتب ويليامسون في كتاب فلسفهورزي (2018) في فصل بعنوان «استخدام تاريخ الفلسفة»: «عندما يشكك الرياضيون في الفرضيات الأساسية للرياضيات، أو الفيزيائيون في الفرضيات الأساسية للفيزياء، فإنهم يميلون إلى أن يُصنفوا ضمن الفلاسفة.
ولكن عندما يشكك الفلاسفة في الفرضيات الفلسفية الأساسية، فإنهم يظلون يُعتبرون فلاسفة. وبما أن الفلاسفة يعودون دوماً إلى الأسس، فإنهم يتشاركون مع أسلافهم البعيدين أكثر مما يتشاركون مع غيرهم» (Doing Philosopy, 109). غير أن أنطوني كيني، صاحب كتاب تاريخ الفلسفة الذي كان مناسبة لهذه المقالة، يُذكّر أيضاً بأهمية «المنهجية» في الفلسفة، ويشير إلى هذه النقطة الجوهرية بأن إحدى الأهميات الأساسية لتاريخ الفلسفة تكمن في منهجيته. فهو يكتب في مقالة بعنوان «تاريخ الفلاسفة وتاريخ الفلسفة» منشورة في كتاب بعنوان الفلسفة التحليلية وتاريخ الفلسفة (2005): «ما يجعل التاريخ أساسياً في الفلسفة، والفلسفة مهمة لمؤرخ الفلسفة، هو أننا، نحن الفلاسفة، على عكس الفيزيائيين وعلماء الفلك والأطباء وعلماء اللغة، لا نزال نسعى إلى تحقيق أهداف أرسطو وأفلاطون بالوسائل نفسها التي كانت متاحة لهم» (Analytic Philosopy and History of Philosophy, 16). وفي الواقع، «لا تفقد الأعمال الأصيلة الماضية أهميتها في الفلسفة، بل يتغير استخدامها الفكري» (المصدر نفسه، 19). يعتقد أنطوني كيني أننا نقرأ تاريخ الفلسفة لسببين: سبب تاريخي وسبب فلسفي. السبب الفلسفي هو أننا نرجع إلى تاريخ الفلسفة لحل المسائل الفلسفية (لاكتشاف المقاربات والابتكارات والمناهج والمسائل نفسها)، والسبب التاريخي هو الدخول إلى العالم الفكري للأقدمين (المصدر نفسه، 20)، وفي هذه الحالة يكون قصدنا الفضول واكتساب المعلومات. ومثاله على ذلك أننا لا نستطيع أن نكوّن فهماً صحيحاً لنقد أفلاطون وأرسطو للديمقراطية دون الإلمام بالمؤسسات السياسية في ذلك الزمان وتشكلها وبنيتها واستخدامها وتلقي الناس لها (المصدر نفسه، 24).
2_ ماهية تاريخ الفلسفة: إحدى المناقشات الطويلة والقديمة حول تاريخ الفلسفة هي: هل يمكن اعتبار تاريخ الفلسفة فلسفة؟ هل تاريخ الفلسفة والفلسفة شيء واحد؟ وهل إذا اشتغل المرء بتاريخ الفلسفة، يكون قد اشتغل بالفلسفة ذاتها أم بالسير والأزمنة الماضية؟ ليو كاتانا (Leo Catana)، الأستاذ المشارك للفلسفة في جامعة كوبنهاغن، يهاجم في مقالة بعنوان «مسائل فلسفية في تاريخ الفلسفة» منشورة في كتاب الفلسفة وتاريخ الفلسفة (2013)، مقدمة محرري كتاب الفلسفة في التاريخ ويشكك في فرضياتهم. يقول إن مؤلفي كتاب الفلسفة في التاريخ ميّزوا في مقدمة الكتاب بين تاريخ الفلسفة وتاريخ الأفكار (intellectual history)، وادعوا أن تاريخ الفلسفة يتعامل مع مسائل الفلسفة لا مع السياقات (contexts)، وأن السياقات تُبحث في تاريخ الأفكار، وبعد نقده لوجهة نظرهم ورفضها، اعتبر أن مهمة تاريخ الفلسفة هي بحث كل من السياقات والمسائل معاً (انظر Philosophy and its History, 116). ويقول إن هذا الادعاء قائم على فهم غير مدروس للمسألة الفلسفية وتمييز مشكوك فيه بين العناصر الداخلية والخارجية في تاريخ الفلسفة، حيث تُعتبر المسائل في هذا التمييز عنصراً داخلياً لماضي الفلسفة، والسياق عنصراً خارجياً له (المصدر نفسه، 118). كما يهاجم ادعاء هانس يوهان غلوك (مواليد 1960) الذي يعتبر المقاربة القائمة على المسائل لماضي الفلسفة «متجانسة المشرب» مع الفلسفة التحليلية (المصدر نفسه، 117).[2]
وفقًا لهذا المنظور الذي نفترضه نحن أيضًا، فإن مسائل الفلسفة وتاريخ الفلسفة ليست منفصلة عن بعضها البعض، فالمسائل لها سيرة ذاتية يؤدي فصلها عن سياقاتها إلى سوء فهم في كليهما. المثير للاهتمام هنا أنه نظرًا لأن نظرتنا إلى الفلسفة الإسلامية كانت دائمًا قائمة على المسائل، فإن الاهتمام بتاريخ الفلسفة الإسلامية لم يتشكل لدينا حتى العصر الحديث، ولا يزال تاريخ الفلسفة الإسلامية يفتقر إلى تاريخ فلسفي متماسك وبارع يمكنه أن ينافس تواريخ الفلسفات الغربية (على الرغم من المؤلفات العديدة التي كُتبت الآن بهذا العنوان في الشرق والغرب). فعندما يصل المهتمون بتعلم الفلسفة الإسلامية إلى الكتب التقليدية مثل منظومة الملا هادي السبزواري أو بداية الحكمة للعلامة الطباطبائي (رَحِمَهُ الله) أو الأسفار لملاصدرا أو حتى الشفاء لابن سينا، فإنهم منذ البداية ودون أي خلفية مسبقة يصارعون مسائل ما بعد الطبيعة، وعلى سبيل المثال بداهة الوجود والاشتراك المعنوي له والأمور العامة. كما أن تواريخ الفلسفات الإسلامية الموجودة قد اكتفت بشرح الحياة وعرض موجز لآراء الفلاسفة، وتركت بيان أوجه التشابه والاختلاف والمباحث المقارنة والنقد ودراسة السياق على عاتق القارئ (ولا يفوتنا أن طريقة ملاصدرا في الأسفار جديرة بالإعجاب من هذا المنظور، فهو في كل مبحث يأتي بآراء السابقين وحتى أسماء الكتب ويقوم بتقييمها ثم يعرض استنتاجاته وإبداعه وابتكاره. ومع أنه يكثر من الإحالة إلى آراء وعقائد بلا مصدر - من قبيل: قيل إن... ورد في هذا الباب أن... - فإن طريقته في زمانه كانت جديرة بالإعجاب وبديعة للغاية). إذن، تاريخ الفلسفة ليس فلسفة محضة ولا تاريخًا محضًا. تاريخ الفلسفة هو بالضبط ما ينبئ عنه اسمه، مما يؤكد كونه تاريخًا وكونه فلسفة في آنٍ واحد.
إن التحدي بين النظرة التاريخية والنظرة الفلسفية وتغليب إحداهما على الأخرى يؤدي إلى فهم ناقص وتفكير منحرف حول العصور والأفكار (مثل أولئك الذين، دون أدنى فهم للمسائل الفلسفية، يشككون في مسألة المبادئ ويتوهمون أن العلوم التجريبية قادرة على تقويض المسائل الفكرية الأساسية للبشر). وهذا هو رأي أنطوني كيني في كتابة تاريخ الفلسفة أيضًا. فهو يعتقد أن «المهمة التاريخية تجبر مؤرخ الفلسفة على التعبير عن رأيه الخاص حول الموضوعات. وذلك لسبب هو أن يبين لماذا كان لمفكري الماضي مثل هذه الآراء، وأيضًا لكي يتأمل في القضايا التي أتى بها المفكرون ضمنيًا في استدلالاتهم، وكذلك لكي يقيم تماسك ومتانة النتائج التي توصل إليها أولئك المفكرون.
لكن تقديم الدليل على الاستنتاج الفلسفي، واكتشاف القضايا الخفية في البراهين الفلسفية، وكذلك التقييم المنطقي للاستنتاجات الفلسفية، كل ذلك يؤدي إلى حيوية الأنشطة الفلسفية. ونتيجة لذلك، فإن أي تاريخ فلسفة مهم يجب أن يكون هو نفسه تمرينًا في الفلسفة. تمامًا كما هو تمرين في التاريخ» (تاريخ الفلسفة الغربية، ج1، 35). يكتب جون كاتينغهام (1943) عن هذا المنهج الذي يتبعه كيني: «على عكس كتابات العديد من فلاسفة اليوم الذين يتجاهلون علاقة الفلسفة بماضيها أو يقللون من شأنها، قرر أنطوني كيني أن يركز معظم أعماله في الأربعين عامًا الماضية على بضع شخصيات محورية في تاريخ الفلسفة. لقد أدرك كيني أن
يرى أنطوني كيني أنه لكي نكتب تاريخ الفلسفة، ينبغي أولاً أن نعرف معنى تاريخ الفلسفة، ثم نجيب عن سؤال: هل تحقق الفلسفة أي تقدم أصلاً؟ لأن كتابة تاريخ لشيء لم يحقق أي تقدم وبقي على هيئته الأولى هو عمل لا معنى له، بل هو مستحيل. ومعنى تاريخ الفلسفة، في نظره، «يتوقف على ما يعتبره المؤرخ جوهرياً في الفلسفة» (Analytic Philosopy and History of Philosophy, 14). ثم يضع فرضين ويدرسهما معاً: الأول أن نعتبر الفلسفة علماً، والثاني أن نعتبرها فناً. ماذا لو اعتبرنا الفلسفة علماً؟ العلم (Science)، كما نراه في العلوم التجريبية، هو معرفة واكتساب معلومات وإجراء اكتشافات. في العلم، تبطل النظريات الجديدة باستمرار النظريات الأقدم، والنظرية الجديدة، باكتشاف معطيات ومعلومات جديدة، وبمزيد من الانسجام مع المنظومات العلمية المتقدمة الأخرى، وبقدرة أفضل على الإجابة عن المسائل، تؤدي إلى تقدم علمي. من وجهة نظر كيني، إذا كانت الفلسفة علماً بهذا المعنى، فيلزم أن تكون المنظومات الفلسفية الجديدة قد أبطلت المنظومات الفلسفية السابقة، وأن تكون الحالة الراهنة للفلسفة هي أفضل حالاتها وأكثرها تقدماً.
ونتيجة لذلك، تتفوق المؤلفات الجديدة على المؤلفات السابقة، ونتجاوز أفلاطون وكانط ونحيلهما إلى التقاعد (المصدر نفسه، 15) (وهو ادعاء رفضناه في السطور الأولى من المقالة واستشهدنا عليه بقول ماكنتاير ووليامسون). لكن ماذا لو كانت الفلسفة فناً؟ بما أن الأعمال الفنية في الفن تحتفظ دوماً بقيمتها وأصالتها، ولا يصبح أي عمل منها منسوخاً أو باطلاً، فإن جميع الأعمال الفلسفية تكتسب أصالة وتكون جميعها في عرض واحد؛ «في هذه الحال، بقراءتك لديموقريطوس يمكنك أن تمارس التفلسف كما تفعل بقراءتك لديفيدسون» (المصدر نفسه، 16). ونحن نعلم أن الأمر ليس كذلك، إذ لا أحد يضع أعمال السفسطائيين في مرتبة واحدة مع أعمال أفلاطون وأرسطو وغيرهم. والآن، ما دامت الفلسفة ليست علماً ولا فناً، فكيف يمكن اعتبارها حائزة على تقدم وتدوين تاريخ لها؟ يقول كيني إن المشكلة الأولى في كون التقدم في الفلسفة غير محسوس هي أنه حين تُحل مسألة فلسفية، لا يعود أحد يعتبرها مسألة فلسفية (المصدر نفسه، 18)، وقد ساق أمثلة كثيرة على هذا الادعاء في مقدمة تاريخ الفلسفة وفي المقالة التي هي مصدرنا. يقر أنطوني كيني بأربعة أشكال للتقدم في الفلسفة: علاجي، وسياقي، وتفسيري (هرمنيوطيقي)، وتحليلي (المصدر نفسه، 20).
التقدم العلاجي هو معالجة أمراض الفكر في كل عصر. ومثاله على هذا الشكل من التقدم هو إزالة أفلاطون للغموض عن كلمة «to on» اليونانية التي استخدمها بارمنيدس، حيث كان هناك غموض في ما إذا كانت تعني «يكون» أو «كائن» أو «موجود» أو «وجود» أو «كون»، وقد أوضح أفلاطون بتصنيفاته هذه المسألة بالقدر الكافي، ولم يترك ذريعة لمزيد من الالتباسات (انظر: تاريخ الفلسفة الغربية، 32). التقدم السياقي (contextual) هو شكل من التقدم نكتشف فيه تطبيقات الأعمال الفلسفية الأصيلة ونستخدمها بالنظر إلى الموقع والسياق الذي نعيش فيه. والتقدم التفسيري هو شكل من التقدم نصل فيه، بالنظر إلى مقدار معلوماتنا وفهمنا الراهن للعالم والمسائل، إلى فهم أحدث للأعمال الأصيلة الماضية. وبما أن الفلسفة ليست علماً بل فهماً (أي أننا مثلاً حين نفهم قانون العلية والمبدأ الأول للعالم والمسائل الأنطولوجية، نكون قد توصلنا إلى نوع من الفهم للعالم، لا أننا حصلنا على معلومات علمية محددة)، فكلما توصلنا إلى فهم أحدث للعالم، نكون قد تقدمنا في الفهم، وفي الواقع في الفلسفة. أي أن كل منظومة فلسفية هي نمط فهم للعالم يختلف عن الأفهام السابقة، وهذا هو عين التقدم الهرمنيوطيقي. والتقدم التحليلي هو التقدم في تحليل اللغة. «إذا قبلنا هذا الادعاء بأن الفلسفة هي أساساً إيضاح اللغة، فهناك مجال كبير للتقدم» (Analytic Philosopy and History of Philosophy, 19). ومثاله التحليلات اللغوية الشائعة في الفلسفة التحليلية.
3_ منهج تأريخ الفلسفة: لقد ناقشنا بما فيه الكفاية أهمية التاريخ في الفلسفة والعلاقة بينهما، واتضح الآن بالقدر الكافي أن مؤرخ الفلسفة ينبغي أن يكون متمرّساً ومتخصصاً في كلا الأمرين، وألا يهمل أحدهما لصالح الآخر. يقول كيني إن مؤرخ الفلسفة يقوم بعملين: الأول، فحص مدى صدق الآراء وأسباب الاعتقاد بها وسرد عواقبها؛ والثاني، فحص الظروف البيئية والاجتماعية وشرحها بوصفها حقيقة تاريخية (المصدر نفسه، 20). إذا مالت كفّة ميزان المؤرخ إلى أحد الجانبين، تظل مهمته ناقصة. «لا ينبغي أن تؤدي النظرة الفلسفية إلى إغفال التاريخ، ولا أن تكون النظرة التاريخية فاقدة للمهارة الفلسفية فتقود إلى السطحية» (المصدر نفسه، 23).
من ترجح لديه كفّة التاريخ يعرض المسائل الفلسفية بسطحية، ويكتفي بمجرد السرد دون الخوض في عمق المسائل ومتنها. ومن رجّح الكفّة الفلسفية يغفل عن المواقف والعواقب وأسباب نشوء المسائل، تاركاً القارئ في حيرة: عمَّ نشأت هذه المسائل؟ ومن أي شيء انبثقت؟ ولماذا طُرحت؟ وما الذي آل إليه أمرها؟ «إن المؤرخين الذين لا يشتغلون بالمسائل الفلسفية التي أقلقت كتّاب الماضي، لا يدركون حقاً كيف كان أولئك الكتّاب يوجهون فكرهم. والفيلسوف الذي يتجاهل السياق التاريخي لعظماء الماضي، لن يستطيع بلوغ نظرة جديدة للمسائل المطروحة علينا اليوم» (المصدر نفسه، 24). إذن، ينبغي لمؤرخ الفلسفة أن يكون مؤرخاً فيلسوفاً وفيلسوفاً مؤرخاً كي يضطلع بكلا العملين. وبتعبير ويليامسون: «الحكم على الاتساق الداخلي لنص فلسفي معقد يتطلب مهارات فلسفية قد يفتقر إليها أولئك الذين يمتلكون فكراً تاريخياً لا فكراً فلسفياً» (Doing Philosophy, 104).
وبالطبع، فإن إيلاء التاريخ أهمية كبرى في تاريخ الفلسفة، والإكثار من البحث والتنقيب حول الأسباب والسياقات، ليس الشكل الوحيد من النزوع إلى التاريخ الذي يهدد تأريخ الفلسفة، بل يهدد الفلسفة نفسها. إن إضفاء الأصالة على التاريخ بمعنى التاريخانية والتطورية خطرٌ آخر ينبغي للمؤرخ النزيه أن يبرأ منه. أعني بذلك أن نتوهم أن للتاريخ وتاريخ الفكر مساراً واحداً وتقدمياً، يبلغ فيه الفكر والتفكير كمالاً لم يبلغه من قبل. والأمر نفسه ينطبق على سائر دعاوى التطور والتطورية بأشكالها (للهروب من هذه التهمة، يفترض التطوريون للتطور أشكالاً لا تكون التطورية التكاملية سوى شكل واحد منها). هنري كوربان، الذي يهاجم التاريخانية من موقف فينومينولوجي، يرى الفيلسوف متعالياً على التاريخ ومتسلطاً عليه، لا العكس؛ «حقاً، إذا كان فيلسوفاً، فإنه يمتلك سلطة على ما يُسمى خطأً بالزمان، في حين أن هذا الزمان ليس ملكاً له البتة، لأنه زمان الجميع المجهول الاسم والنسب» (فلسفة إيرانية وفلسفة مقارنة، 29). إنه يعتبر الإنسان متقدماً على التاريخ، ويحتج قائلاً: كيف يمكن لتاريخ بدأ مع الإنسان أن يتسلط عليه؟ «مع الإنسان يبدأ شيء اسمه التاريخ، وبالتالي فإن الإنسان يحمل معه، وبشكل جوهري، أمراً يتقدم على التاريخ إلى الأبد» (المصدر نفسه، 31).
أساساً، إذا كان الأمر على هذا النحو بأن الفلاسفة وأفكارهم هي نتائج سببية لعملية تطورية (بأي شكل كانت)، فكيف يمكن تفسير ظهور فكرين وفيلسوفين مختلفين في سياق وزمان واحد؟ من هنا يقف المنهج التحليلي والمنهج الظاهراتي كلاهما في مواجهة التطورية ويتجنبانها. وفي هذه الحال سنقدر جهود المرحوم زرين كوب في دفاعه عن أن التصوف الإسلامي والأخلاق الناشئة عنه متجذرة في القرآن وليست نتاجاً لأفكار تسللت إلى الإسلام (غنوصية، بوذية، هندوسية وغيرها)؛ ذلك الجهد البحثي الجدير بالثناء الذي بُذل في كتاب بحث في التصوف الإيراني، وللسيد جلال ستاري أيضاً في مقدمة كتاب العشق الصوفي كلام مؤثر في هذا الشأن. وكأن أولئك المستشرقين الذين يبحثون عن علل تاريخية لتشكل العرفان الإسلامي عاجزون عن تصور أن ظاهرة ما يمكن أن تتشكل تلقائياً ومستقلة وفريدة في قلب التاريخ وتكون باعثة لتيار جديد. والمثال الذي يضربه تيموثي ويليامسون في عالم الفلسفة على ذلك هو منطق الموجهات. يقول: «تطور منطق الموجهات مستقلاً عن نظرية العوالم الممكنة عند لايبنتس. فقد استخدم بدلاً من التصورات الموجودة في ذهن الله، 'أوصاف الحالة' وهي تواريخ كاملة ومتسقة في الألفاظ... لو لم يتطور منطق الموجهات بشكل مستقل، لما أمكن إدراك فائدة العوالم الممكنة» (Doing Philosophy, 108).
4_ حول تاريخ الفلسفة لأنطوني كيني: تحدثنا في هذه المقالة بما يكفي عن منهج كيني في تاريخ الفلسفة وأوضحنا بأي مقاربة تناول تاريخ الفلسفة. والآن نشير إلى بضع نقاط أكثر تفصيلاً. يُعد تاريخ الفلسفة هذا من التواريخ النادرة للفلسفة التي كُتبت بقلم واحد وفي عدة مجلدات، ولهذا السبب يتمتع بجاذبيته الخاصة. لقد جمع في هذا الكتاب بين المقاربة الموضوعية والتاريخية، ففي بداية كل مجلد خصص فصلين أو ثلاثة للمراجعة التاريخية، ثم كتب الفصول التالية بأسلوب موضوعي. كل مجلد مخصص لحقبة تاريخية؛ غطى المجلد الأول الفلسفة القديمة، والثاني العصور الوسطى، والثالث بدايات الفلسفة الحديثة، والرابع الفلسفة الحديثة. ونظراً للموضوعات المهمة في كل حقبة تاريخية، فإن الفصول الموضوعية تشهد تغييرات طفيفة. فمثلاً، لم ترد فلسفة السياسة وعلم الجمال في المجلدين الأول والثاني، ونوقشت النظريات السياسية والجمالية لتلك الحقبة فقط في القسم التاريخي. وبالطبع، لديه سبب لذلك. يقول: «فمنذ زمن مكيافيلي ومور فقط، صارت المؤسسات السياسية في ذلك الزمان شبيهة بما يكفي بمؤسسات زماننا لكي تكون آراء الفلاسفة السياسيين ذات صلة بمباحث أيامنا» (مقدمة المجلد الثالث). في المقابل، لا يحتوي المجلد الثالث على فصل للمنطق، لأنه، كما يقول هو نفسه، لم يشهد المنطق في ذلك الزمان تقدماً يُذكر، وكانت جل المباحث منصبة على الميتافيزيقا ونظرية المعرفة وعلم النفس. أما علم الجمال فلم يرد إلا في المجلد الرابع.
ومن حيث الحداثة، يمكن اعتبار هذا الكتاب أحدث تاريخ للفلسفة في الوقت الراهن. فقد تتبع الفلسفة القارية حتى هايدغر، والفلسفة التحليلية الجديدة حتى أهم فلاسفة التحليل في العصر الحديث؛ ومن جملتهم برتراند راسل، وج. إ. مور، وفريجه، وفتغنشتاين، وجلبرت رايل، وستراسون، وكواين، وديفيدسون، وكريبكي. وألفين بلانتينغا هو آخر فيلسوف ديني تناوله بالبحث، وفي مبحث الأخلاق وصل إلى إليزابيث أنسكوم، وبيتر غيتش، وفيليبا فوت، وبرنارد ويليامز. وعن عدم إشارته إلى مذاهب مثل الرواقيين الجدد والهيغليين الجدد والكانطيين الجدد وغيرهم.. قال: «يجب أن أطلب من القارئ أن يضع في ذهنه أن هذا المجلد هو آخر مجلد من تاريخ فلسفة بدأ مع طاليس، ولهذا السبب فهو يختلف عن تاريخ فلسفة يبحث تاريخ الفلسفة المعاصرة بشكل مستقل».
مثلاً، لم أتحدث عن المدرسيين الجدد في القرن العشرين أو الكانطيين الجدد، وتحدثت قليلاً جداً عن الأجيال المتعددة للهيغليين الجدد. إن استبعاد هذه المدارس من كتاب مخصص لفلسفة القرنين الأخيرين، هو ترك لثغرة كبيرة في تاريخ الفلسفة. لكن أهمية هذه المدارس تكمن في أنها تذكّر العصر الحديث بأهمية فلاسفة الماضي العظام. فتأريخ الفلسفة الذي خصص سابقاً صفحات كثيرة للأكويني وكانط وهيغل، ليس بحاجة إلى تكرار هذه التذكيرات" (مقدمة المجلد الرابع). النقطة الأخيرة هي أنه رغم قوله في مقدمة جميع المجلدات إنه حاول تأليف هذا الكتاب لطلاب المرحلة الجامعية والمبتدئين المهتمين، إلا أنه استخدم في متن الكتاب المصطلحات الفنية، وبصفته فيلسوفاً، قدم تفسيرات وتعليقات وتحليلات مبتكرة ونقاطاً بديعة ومحققّة وتنويرية، بحيث إنه في تفسير آراء الفلاسفة، يحوي نقاطاً كثيرة للباحثين ودارسي الفلسفة من المستويات العليا (مثل الانتقادات التي وجهها إلى راسل، أو نقده للبراهين الخمسة لتوما الأكويني في المجلد الثاني، والذي ألف فيه كتاباً مستقلاً حول هذا الموضوع، أو البحث المستوفي الذي أورده في المجلد الأول حول أنطولوجيا بارمنيدس).
.
.
تاريخ الفلسفة الغربية، أنطوني كيني، ترجمة رضا يعقوبي، بنگاه ترجمة ونشر كتاب بارسه، طهران، 1398.
الفلسفة الإيرانية والفلسفة المقارنة، هنري كوربان، ترجمة جواد طباطبائي، انتشارات توس، طهران، 1369
أوائل فلاسفة اليونان، شرف الدين خراساني، انتشارات علمي فرهنكي، طهران، 1395.
الإيليون: بارمنيدس. زينون. ميليسوس، ويليام كيث تشيمبرز غاثري، ترجمة مهدي قوام صفري، انتشارات فكر روز، طهران، 1376.
Doing Philosophy, Timothy Williamson, Oxford, 2018.
The philosophers history and history of philosophy in Analytic Philosophy and History of Philosophy, Oxford, 2005.
The rilationshop of philosophy to its past in Philosophy in History, Edited by Richard Rorty, J. B. Schneewind, Quentin Skinner, Cambridge, 1998.
Philosophical problems in the history of philosophy: what are they? In Philosophy and its History,Edited by Moens Laerke, Justin E. H. Smith, Eric Schliesser, Oxford, 2013.
Cartesian Autonomy in Mind, Method, and Morality, Edited by John Cottingham and Peter Hacker, Oxford, 2010.
Philosophy and the Historical perspective, Edited by Marcel Van Ackeren, Oxford, 2018.
Early Greek Philosophy, John Burnet, Palala Press, 1908.
.
.
[1] . past
[2] . للاطلاع على وجهة نظر غلوك في هذا الشأن، انظر المقال
what have the historians ever done for us? في Philosophy and the Historical Perspective, Edited by Marcel Van Ackeren, Oxford, 2018.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.