اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الإقبال الواسع على نيتشه في إيران، بينما لا تزال نصوص كلاسيكية غربية كثيرة غير مترجمة، أمرٌ يستدعي التأمل. فالنظرة النيتشوية، بنقدها للعقلانية والديمقراطية، تنطوي على أبعاد كارثية لمجتمع يمر بمرحلة انتقالية من التقليد إلى الحداثة.

لطالما كان موقع فكر نيتشه ضمن البراديغمات ما قبل الحداثية والحداثية وما بعد الحداثية موضع جدل ونقاش.
يعتبره بيتر تشايلدز وجون ليتشت فيلسوفًا حديثًا. وقد صنف لورانس كاهون آراءه ضمن مرحلة ما قبل الحداثة في مجموعته القيّمة «من الحداثة إلى ما بعد الحداثة»، بينما يرى أن «نيتشه هو الفيلسوف الذي أثّر في ما بعد الحداثة أكثر من أي فيلسوف آخر»(1). ويعتبره ديفيد ليون فيلسوفًا ما بعد حداثيًا «كان ما بعد حداثيًا قبل أن توجد ما بعد الحداثة» (2)، كما أن جياني فاتيمو، الفيلسوف الإيطالي البارز، الذي يتناول آراء نيتشه في القسم الأخير من كتابه نهاية الحداثة، في مقال «العدمية وما بعد الحداثة في الفلسفة»، يقدمه على هذا النحو نفسه بوصفه مؤسس ما بعد الحداثة.(3)
بقدر ما رسمت عبقريته المتجهة نحو الجنون نهاية مأساوية لحياته، بقدر ما كان تيار فكره وتأثيره خلال فترة حياته مخيبًا للآمال وغير منصف.
وبالطبع، ربما لا يمكن اعتبار عصر حياة نيتشه مذنبًا من هذه الناحية؛ ذلك أن نيتشه كان يرى عصره عاجزًا عن فهم أفكاره، ومن هذه الناحية قدم نفسه كفيلسوف مبكر بأوانه يحمل تأملات مبكرة بأوانها. واعتبر «هكذا تكلم زرادشت»، تحفته التي لا نظير لها، كتابًا للجميع ولا لأحد. أما المجموعة التي نُشرت بعد وفاته تحت عنوان «إرادة القوة» فقد وصفها بأنها سياسة القرنين القادمين، وفي مقدمة «المسيح الدجال» اعتبر الكتاب ملكًا للأجيال القادمة.
«هذا الكتاب لا يخص إلا القلة. ربما لم يولد أي منهم بعد. إنهم على الأرجح قراء يفهمون زرادشتي. كيف كان يجوز لي أن أحصر نفسي بأولئك الذين توجد لهم اليوم آذان صاغية؟ إن بعد غدٍ وحده هو ملكي. حياة بعض الأشخاص تبدأ بعد موتهم.»(4)
فهل حان الآن، وبعد أكثر من قرن على وفاته، وقت فهم أعماله؟ لقد أجاب تاريخ الفكر في العالم الغربي في القرن العشرين على هذا السؤال. إن التأثير الذي تركته أفكار نيتشه على أعظم فلاسفة العصر الحديث يظهر إقبال وفهم أفكاره في القرن العشرين.
كما كان نقد وتفسير آرائه دائمًا في بؤرة اهتمام أهل الفكر في العقود الماضية. ومن هنا، كانت نبوءة هذا العبقري باهتمام القرون القادمة به صحيحة تمامًا. ولكن هل كان من الممكن تعميم هذه النبوءة على بلد مثل إيران؟ بالنسبة لثقافة ومجتمع يقعان خارج سياق إنتاج الفكر ونقده، ويعتبران بهذا المعنى ثقافة هامشية، هل يمكن أن يكون التركيز المكبّر على هذا المفكر «طبيعيًا» ومعبرًا عن التزامن الحتمي لاهتمام العالم بهذا المفكر؟
في حين أن الأسس والبنى التحتية الأساسية والكلاسيكية لعالم الفكر الغربي لم تحظَ بعد بالاهتمام في إيران، وأن العديد من النصوص والمصادر الكلاسيكية والمؤثرة في الفكر الغربي لم تُترجم بعد، وأن العديد من الفلاسفة الغربيين البارزين لا يزالون مجهولين بالنسبة للإيرانيين، فإن الإقبال الواسع على ترجمة أعماله وتقديمه يمكن أن يكون مدعاة للتأمل والتفكير. نيتشه هو الفيلسوف الوحيد الذي تُرجمت ونُشرت جميع أعماله تقريبًا في إيران؛ وهو تيار بدأ بترجمة جزء من «هكذا تكلم زرادشت» في الستينيات وبلغ ذروته في السنوات الأخيرة.
في ظل هذه الظروف، السؤال المهم الذي يُطرح هو: ما سر الاهتمام بهذا المفكر في إيران اليوم؟ بينما يواجه المجتمع الإيراني أزمة في المطالعة، وتكون أرقام توزيع الكتب فيه كارثية، ماذا يحدث ليصل «هكذا تكلم زرادشت» إلى طبعته الخامسة والعشرين ويُباع بسرعة متصاعدة، بحيث يُعاد طبعه خمس مرات خلال العامين الماضيين فقط بأرقام توزيع عالية بمقاييس النشر الإيراني، وتصل «جينيالوجيا الأخلاق» إلى طبعتها الخامسة، وتجد أعماله الأخرى حكاية مماثلة.
في مجتمع لم يُقرأ فيه أفلاطون وأرسطو وهيغل وكانط وشوبنهاور ويُفهموا على نحو جيد بعد، فإن الظهور المفاجئ لفيلسوف تفكيكي مثل نيتشه الذي هو، بتعبير داريوش شايغان، «العملاق الهدّام الأبدي» يمكن أن يكون حافلاً بالحوادث ومثيراً للإشكاليات. في فضاء يصبح فيه حتى فلاسفة الغرب غير السياسيين أحياناً مطيّةً لسوء استخدام المنظّرين من أبناء البلد لتطبيق أفكارهم السياسية، فإن نيتشه، بوصفه مفكراً يُسلّم «كل شيء» إلى شفرة نقده الحادّة، ويسخر من أسس الأفكار الراسخة في العالم، ويوبّخ مفكري العالم الكبار بسمّ الابتسامة اللاذعة، يمكن أن يكون موضع تأمل وانتباه. من هذا المنظور ربما يعتقد عزت الله فولادوند أن «وضع قدم في مملكة نيتشه في حقل الفكر هو عمل بالغ الخطورة».(5)
الآن، شئنا أم أبينا، يبدو أن المجتمع الإيراني قد وضع قدماً في حقل هذا الخطر، وأصبح نيتشه الآن حديث المحافل الفلسفية. ما ينوي هذا المقال تقديمه هو صورة صغيرة لأبعاد هذا الخطر الكارثية. وفي هذا السياق، تم اختيار مفهومين من النطاق الواسع لفكر نيتشه لكي يتضح خطر النظرة النيتشوية من منظور هذين المفهومين على المجتمع الإيراني اليوم.
العقلانية والديمقراطية مفهومان تم تناولهما كثيراً في جسد فكر نيتشه. وهما مفهومان يحتاج المجتمع الإيراني اليوم أيضاً إلى الاهتمام بهما وتجربتهما بعمق؛ تجربة يمكن أن تجد مصيراً مختلفاً بالتأسي بأفكار نيتشه الطليعية.
يجمع العديد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع المعاصرين الذين يشكل المجتمع الإيراني موضوع دراستهم على أن المجتمع الإيراني الراهن يعيش مرحلة انتقالية؛ انتقال وحركة من بارادايم التقليد إلى بارادايم الحداثة.
حتمية هذه الحركة في العالم المعاصر ليست خافية على أحد تقريباً؛ لأنه في عالم، بتعبير زيغمونت باومان، «الحداثة فيه على وشك التحول إلى أول حضارة عالمية في التاريخ... بدخولها انقسم العالم إلى قسمين: الحديث وبقية العالم»(6)، لا يمكن تصور مفر من تجربة الحداثة؛ ولكن ما هي الحداثة التي نسميها ونحن مضطرون لتجربتها؟ الحداثة ليست مفهوماً بسيطاً وأحادي البعد يمكن تعريفه وتأويله بسهولة. الحداثة مفهوم معقد بأشكال مختلفة. الثورة التكنولوجية والتصنيع المتزايد، والعلمنة وفصل الأمر القدسي عن مجال الحياة الاجتماعية، والتنوير والمركزية الإنسانية، واستبدال المعرفة العلمية محل الوعي الميتافيزيقي، وشكل الحكم الديمقراطي في الفكرة السياسية الجديدة، هي وجوه مختلفة للحداثة. إن تعميم أي واحد من هذه الوجوه على كل الحداثة سيعطي مبدأً تاريخياً وماهية مختلفة للحداثة. ومع كل هذه الاختلافات والتمييزات، لا يزال بالإمكان العثور على عنصر مشترك في صميم جميع هذه الوجوه.
العقلانية (rationalism) والإيمان بالعقل البشري هما المحور الغالب على جميع وجوه الحداثة، وقد ظهر في كل واحد من هذه الوجوه والأشكال بشكل مختلف. نيتشه، بلا مبالاة، يسوق العقل، الذي هو في قاموس الحداثة الأداة الوحيدة لمعرفة الحقيقة، إلى المسلخ، ولا يعدو أن يرى حصيلة المعرفة العقلية شيئاً سوى الخداع والتملق والسحر؛ لذلك من الطبيعي أن يفهم ويدرك مفكر مثل أندريه مالرو «عظمته في قدرته على مناهضة العقل».
صحيح بالطبع أن نقداً راديكالياً وهدّاماً كهذا لم يُفهم ويُستوعب في زمن نيتشه نفسه، لكن القرن العشرين كان قرن حضور وظهور هذا النقد المدمر. «منذ 1886 وحتى اليوم، تقدم النقد الفلسفي للحداثة في ظل فكر نيتشه. قبل ذلك كانت مقاربة الحداثة تنقد نفسها، وكانت تذهب أحياناً إلى حد إنكار كل شيء، وتناقش قدرات العقل البشري وعجزه، لكن بعد نيتشه، سار القياس والنقد في طريق جديد. تساءل بشكل راديكالي عن أساس العقلانية وأنكرها. تحدث عن نهاية الحداثة ومجيء زمن ما بعد الحداثة، وفي سؤاله عن الزمن الجديد، فكر مرة أخرى، وبطريقة أخرى، في فجر زرادشت.»(7)
التمايز الذي يتمتع به نقد نيتشه للعقلانية الحديثة بالمقارنة مع منتقدي الحداثة البارزين الآخرين، ولا سيما ماركس وفرويد، يكمن في أنه يهاجم أساس العقلانية ذاتها. فماركس وفرويد ينتقدان «منتجات» العقل الحديث وليس العقل الحديث ذاته، الذي ظهر في أشكال الرأسمالية واستعباد وعزلة الإنسان. وهما يؤمنان بشرعية العقلانية الحديثة ويبنيان بديلهما في مقابل هذه المنتجات الحديثة على أساس العقل الإنساني. لكن «نيتشه في الطليعة بين المفكرين المناوئين للتنوير، وبنقده الشامل للعقل، رفض هذا الادعاء التنويري القائل بتحقق أشكال عقلانية للحياة الفردية والاجتماعية.
برأيه، لا يستطيع العقل أن يحل محل القوة الموحدة للتقليد والدين، وأن يحدث التناغم بين الدوافع والنوايا المتضاربة للأفراد. العقل في الواقع قناع يغطي وجه إرادة القوة. إرادة القوة في لباس العقل تنتج أوهاماً مثل النظريات العلمية والقيم الأخلاقية الشاملة. بدلاً من أن يبين نيتشه إمكانية تحرر الإنسان من قصور الفهم الحديث للعقل ضمن أسر الحداثة، رفض جميع الافتراضات المسبقة للفكر التنويري بما فيها مفاهيم التحرر والعدالة. برأيه، الطريق الوحيد للنجاة من أسر الحداثوية هو كسر سحر الحداثوية ورفض أساس مشروع تعقيل المجتمع.»(8)
بما أن الفن في فكر نيتشه هو مفهوم سام وثمين، وبمعنى ما هو الملاذ الوحيد للإنسان المتألم، فإن بحث ماهية الفن وطبيعته في آراء نيتشه وكشف مكانة العقلانية في منظومة مفهوم الفن قد يكون له دور حاسم في فهم آرائه. «ولادة التراجيديا من روح الموسيقى» تعبر عن أفكار نيتشه بشأن الفن. ففي هذا العمل، يعتبر نيتشه الموسيقى فناً نبيلاً وسامياً يلهم خلق التراجيديا. برأيه، التراجيديا التي كانت تغلب على الأشكال الفنية والأدبية الأخرى في عصر اليونان القديمة تمثل أسمى جوانب الإنسانية.
نيتشه في تصنيفه الفريد للأنواع الفنية يستعير من أساطير اليونان القديمة. أبولون وديونيسوس هما ابنا زيوس، إله الأولمب، من أمهات مختلفة. «في ولادة التراجيديا، يستخدم نيتشه أبولون لرسم وتقديم مفاهيم رمزية مثل التناغم والتوازن والنظام والقانونية والشكل الكامل والوضوح والإضاءة والتفرد، كما يستخدم أسطورة ديونيسوس لإظهار القوى الحيوية المفرطة والحيوية والنشاط والتغير والتحول والإبداع والدمار والحركة والإيقاع والنشوء والوحدة.»(9)
رغم أن نيتشه يعتقد بحق أن الفن، وحتى التراجيديا، هما مزيج من العناصر الأبولونية والديونيسية، إلا أنه في مقام الاختيار يفضل الفن الديونيسي وبالتالي الغريزة على العقلانية. لذلك، عندما يمجد نيتشه التراجيديا وينسب إليها الموسيقى كمصدرها، وهي تتمتع بروح ديونيسية، وينظر إلى ديونيسوس باعتباره تجسيداً لاللاعقلانية والغريزة، يظهر عداؤه للعقل في ساحة الفن أيضاً.
التخريب الشامل الذي قام به نيتشه لسقراط وأفلاطون، بسبب نهجهما نحو العقلانية والاستدلال العقلاني، يعتبر من أبرز مظاهر عداء العقل في البنية الفكرية لديه. كما أنه في مناقشة الفن، يأخذ نيتشه جانب الغريزة ويعتبر العقل نحساً، كذلك في نقده الهدام لسقراط يجعل ابتكار الديالكتيك والجدل المنطقي الذي له أساس عقلاني ذريعة لتخريبه، ويعتبر أفلاطون مذنباً لعدم تكفيره للعقل، ومن هذا المنطلق يهاجم ديكارت في العصر الحديث أيضاً.
يؤكد نيتشه أن العقلانية ليست فقط عاجزة عن تحرير الإنسان وتحريره، بل هي أداة ووسيلة لتدمير مرض الإنسان. الرسالة والتعليم النهائي لنيتشه هو: رفض العقل وتحرير الغريزة. يمكن لهذا العداء الفوضوي للعقل عند نيتشه أن يكون محبباً وعلاجاً للألم. تدمير كل ما يأتي من الماضي كمشروع فكري «غروب الأصنام» وترك الإنسان في خلسة موجهة نحو الحتمية واللامبالاة، قد يكون جذاباً وحلماً للمواطن الإيراني. لكن يبدو أنه في هذه المرة أيضاً يجري الإملاء على سوء فهم هائل.»
تماماً كما يمكن استخراج الاتجاه الاجتماعي الهارب من تمثيلات مولانا وحافظ وعطار بدلاً من الحدس والإدراك والمعرفة السائدة في آثار هؤلاء العظماء، فإن معاداة نيتشه للعقل يمكن أن تُعبّر عنها بعدم المسؤولية والتمرد الاجتماعي. الحديث عن العبودية بصيغة أن في فكر حافظ ومولانا ونيتشه قناعاً على الطباع والمعنى. معاداة نيتشه للعقل لها جذورها في تنبؤه بظهور النيهيليزم، وهو المصير الحتمي للحداثة، وفي فكره يبدأ مع «موت الإله». الإنسانية والعقلانية المركزية للإنسان الحديث، التي يرى نيتشه أنها تبدأ مع سقراط، تنتهي في النهاية إلى موت الإله والنيهيليزم، ومن هذا المنظور يعتبر نيتشه سقراط مجرماً لا يُغتفر.
في فكر نيتشه، أي قيمة تنشأ فقط من العقل الإنساني حتماً ستؤدي إلى النيهيليزم. لكن النيهيليزم في نظر نيتشه ينقسم إلى قسمين: النيهيليزم السلبي والنيهيليزم الإيجابي. من الحيوي جداً لنا أن نتعرف على خصائص النيهيليزم السلبي. «هذا النيهيليزم يدمّر التطابق بين القيمة والغاية، وتضعف قوة الإيمان تدريجياً، والقيم التي لم تعد لها أي توافق مع الغاية تتصادم، وتبدأ حرب القيم. بعبارة أخرى، كل ما يعزي، كل ما يمنح السلام الظاهري والغموض، يدخل الساحة. النيهيليزم السلبي هو تمرد على كل محاولة لإضفاء نظام على الحياة والانغمار بشكل متزايد في الأنشطة الفارغة واللجوء إلى الاشتغالات المهنية، بحيث لا يبقى أي مثال أسمى سوى الجهد الدؤوب لحماية النفس والغاية من الحياة تُختزل في المثل الفارغة والحياة الرديئة والسعادة الظاهرية. هذا الفهم الذي يبدو غير ضار للحياة هو بلا شك حياة تحطت إلى الخمول.»(10)
عند نيتشه، الناس قسمان: «السُّوقة الكثيرون» الممتلئون بالخوف والكذب والنفاق والكسل والفتور، والأشخاص السامون الذين يتقيدون بالغريزة، الجسورون، المرحون، الأقويّاء، الانتقاميون والعازمون على الهيمنة. من وجهة نظر نيتشه، أخلاق المسيحية هي أخلاق هؤلاء السُّوقة ولتحقير الأشخاص السامين. من وجهة نظره، أخلاق المسيحية هي أخلاق وضيعة ودنيئة، وهي تسعى للسوقة أو ما يسميه هو «القطيع»، بحثاً عن الكرامة والمكانة، وغايتها النهائية تحطيم السمو والعظمة. مع سيادة الأخلاق المسيحية تتغير القيم الأخلاقية ماهيتها لصالح الأدنياء.
لأن العدالة في فكر نيتشه لها مفهوم مختلف عن أخلاق المسيحية، وهو يعتقد بعمق بأن «البشر ليسوا متساويين، هكذا تقول العدالة ولا يحق لهم أن يرغبوا فيما أرغب فيه»،(11) لذلك فإن تساوي جميع البشر (السُّوقة والسامين) داخل الأنظمة الديمقراطية هو خيانة عظمى للإنسان السامي.
أحد الانتقادات الجوهرية الأخرى لنيتشه للديمقراطية هو المساواة بين الرجل والمرأة. لأن في فكر نيتشه، النساء كائنات ضعيفة ولديهن «غريزة الدور الثاني»، لذلك لا يستحقن المساواة مع الرجال، وبما أن الأنظمة الديمقراطية تضع هاتين المجموعتين في مكانة واحدة، فإنها جديرة باللوم والإطاحة.
بهذه الطريقة يعتبر نيتشه كل ما يحمل صيغة من الميول الديمقراطية وضيعاً ودنيئاً ومعادياً للإنسان السامي، ويتبرأ منه بنفسه. نيتشه ينفي الديمقراطية بالكامل ويرفضها من الجذور ويختار بدلاً منها النظام الأرستقراطي (الحكم الأرستقراطي) الذي يرى فيه بيئة مناسبة لازدهار وتقدم السادة والأشخاص السامين؛ نظام يعارض بطبيعته الديمقراطية ويقوم على التمايز بين الأشخاص السامين والسُّوقة الكثيرين. هنا الإشارة إلى حالة مثيرة للاهتمام وتستحق التأمل حدثت في المجتمع الأمريكي بخصوص الفكر السياسي لنيتشه يمكن أن توضح حقيقة فكره أكثر.
هذا المثال يمكن أن يكون جديراً بالاهتمام للمجتمع الإيراني من حيث أن سوء الفهم بشأن المفكرين وأفكارهم كان دائماً أمراً شائعاً بين المفكرين الإيرانيين. الجدل واللفظاء الذي دار حول أفكار هايدغر وبوبر في السنوات الماضية في الأوساط الفكرية الإيرانية، والالتباسات وسوء الفهم التي طُرحت واستُنبطت من أفكار ونظريات هؤلاء الفلاسفة، أظهرت أن المجتمع الإيراني وحتى نخبته الفلسفية معرضة بعمق للالتباس وسوء الفهم.
ريتشارد رورتي، الفيلسوف الأمريكي البراغماتي الجديد البارز، يكتب مقالة بعنوان «وجاء نيتشه إلى أمريكا» وينتقد فيها فهم ألان بلوم من المنظرين الشهيرين من أتباع ليو شتراوس، الذي يقدم نيتشه في كتابه الشهير «نهاية العقل الأمريكي» بوصفه «الخطر الأخطر الذي يهدد الديمقراطية الأمريكية»(12). يعتبر ريتشارد رورتي في هذه المقالة ادعاء بلوم باطلاً ويرفضه؛ لكن على الرغم من ذلك، فإن الواقع هو أن الفكر الذي يهيمن على أمريكا وبنحو ما على العالم، ليس السياسات المنبثقة من أفكار رورتي، بل الهيمنة الناشئة من الأفكار المحافظة الجديدة لفيلسوفين مثل ليو شتراوس والمؤيدين لها مثل ألان بلوم - الذي يعتبر نيتشه بتفسيره الخاص فيلسوفاً معادياً للديمقراطية.
إذاً، مع الأخذ في الاعتبار جميع هذه المؤشرات والدلائل، يبدو أن فكر نيتشه، سواء المنبثق من نصوص أعماله أم من منظور نقاده ومفسريه في مجال الفكر السياسي، لا يستطيع أن يترك ثمرة مفيدة وعادلة للعالم الواقعي؛ خاصة إذا تم طرح هذه الأفكار وتأويلها في سياق غير مناسب واضطراب مثل البيئة الفكرية والفلسفية الإيرانية.
يناسب هنا أن نرجع إلى رأي داريوش شايغان: «الفيلسوف الذي أثر عليّ أكثر من أي آخر وظلت أكرم إنجازاته هو نيتشه. عندما كنت صغيراً جداً بدأت بقراءة أعمال نيتشه. ومنذ ذلك الحين أعدت قراءتها مراراً، وفي كل مرة شعرت أنني اكتشفت طبقات جديدة من آرائه. كأن خزانة رؤى هذا المفكر العميقة لا حدود لها.(13) لكنه أشار بحذق وبدقة إلى نقطة قد تكون حاسمة للمصير في فهمها لإيران اليوم.» برأيي فلسفة كانط بالنسبة لنا من حيث العقلية والنفسية «أكثر صحية وسلامة» من فلسفة الفلاسفة الآخرين الميتافيزيقيين الغربيين... الفكر الكانطي يبين الخطوط الحدودية والمناطق التي لا يجب على المرء بدون بوصلة أو خريطة أن يتحمل خطر الدخول إليها، وإلا كان ينتظره خطر الغرق في رمال صحراء الأوهام»(14)
بناءً على الأسباب المذكورة أعلاه، لا شك أن نيتشه هو الأخطر من بين هؤلاء الفلاسفة الميتافيزيقيين الغربيين لإيران، وبهذا المعنى يحمل أكثر الأفكار غير صحية للمجتمع الإيراني.
* نُشرت هذه المقالة سابقاً في العدد الأخير من مجلة «خردنامه همشهری» (العدد 15، خرداد 86).
.
.
1 - كوهن، لورانس، من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، تحرير فارسي: عبد الكريم رشيديان، دار نشر ني، الطبعة الرابعة ص 20
2 - ليون، ديفيد، ما بعد الحداثة، ترجمة محسن حكيمي، دار آشيان للنشر، الطبعة الأولى ص 22
3 - شايغان، داريوش، السحر الجديد: الهوية المجزأة والفكر الجوال، ترجمة فاطمة ولياني، دار فرزان روز للنشر، الطبعة الأولى ص 275
4 - نيتشه، فريدريش، الدجال، ترجمة عبد العلي دستغيب، دار بحث للنشر، الطبعة الأولى ص 27
5 - نيتشه، ص 17
6 - الحداثة والحداثوية (مجموعة مقالات) ترجمة وتحرير: حسين علي نوذري، مقالة: ما الحداثة؟ دار نقش جهان للنشر، الطبعة الثانية ص 30
7 - نيتشه في القرن العشرين (مجموعة مقالات) ترجمة عيسى سليماني، دار نگيما للنشر، الطبعة الأولى ص 302
8 - الحداثة والفكر النقدي، ص 3
9 - الانتقال من الحداثة ص 26
10 - الحداثة والحداثوية ص 44
11 - شايغان، داريوش، آسيا في مقابل الغرب، دار أمير كبير للنشر، الطبعة الرابعة ص 22
12 - هكذا تحدث زرادشت ص 141
13 - نيتشه في القرن العشرين ص 257
14 - تحت أسماء السماء، حوار داريوش شايغان مع رامين جهانبگلو، ترجمة ناز عظيما، دار فرزان روز للنشر، الطبعة الثالثة ص 145
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.