اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يستخلص مصطفى ملكيان، بعد أن يُعطّل الروايات والافتراضات المسبقة، النظام الأخلاقي المستقل للقرآن. وإثر نقده لأعمال إيزوتسو ودرّاز، يُحدّد منهج البحث في فهم الوقائع الإنسانية من منظور القرآن قبل القيم.

أُلقيت محاضرات «النظام الأخلاقي للقرآن» التي درّسها مصطفى ملكيان عام 1370 هـ.ش على مدى ست جلسات. النص الكامل متاح أدناه، وملف PDF متاح للتحميل في نهاية الصفحة.
.
.
نريد أن نرى لو كنا والقرآن فقط، أي نظام أخلاقي ينبثق من هذا الكتاب؟
في هذا البحث لن ندخل في قسمين:
أولاً: لن ندخل في الروايات.
ثانياً: لن ندخل في مجموع المعلومات السابقة على القرآن والمتعلقة بالأخلاق (من نظريات الفيثاغوريين في الأخلاق إلى نظريات سقراط... وصولاً إلى الرواقيين وحتى زمن القرآن).
سبب عدم التطرق إلى آيات القرآن
لماذا لا ندخل في الروايات؟ لعدة أسباب:
فيما يخص الروايات، حجم العمل واسع جداً، وهو خارج عن طاقتي في هذا الوقت الضيق. إذا أردنا أن نلمّ بها جميعاً، فعلينا على الأقل أن نطالع كتاب بحار الأنوار كاملاً. لأن الأخلاق تسرّبت في كل أجزائه.
2- مشكلة الإسناد إلى المعصوم (ع)
ثمة تشكيك واسع في أن الروايات صدرت حقاً من فم المعصوم. وكونهم يقسمون الأحاديث إلى صحيح وموثق وحسن وضعيف... إلخ، معناه أننا لا نستطيع أن نجزم جزم اليقين بأن الغالبية الساحقة من الروايات هي من قول المعصوم.
رأيت مرة، إن لم أكن مخطئاً، في كتابات المرحوم محمد باقر الصدر (على ما يبدو في كتاب اقتصادنا) - وهو فقيه من الطراز الأول وأصولي قوي جداً - أنه يصرح بأنه في باب الأحاديث الفقهية أو كل الأحاديث (التشكيك من عندي، ولا فرق على أية حال، فلو قالها في الأحاديث الفقهية فهي تنطبق على غيرها من الأحاديث بالأولوية) يقول إن 5% فقط من الأحاديث هي موضع ثقتنا التامة. هذه إحصائية مروّعة جداً، إن صحّت.
أما بخصوص القرآن فهذه المشكلة غير موجودة. قطعية القرآن، وكونه قطعي الصدور وقطعي السند، لا يمكن قياسها بالروايات إطلاقاً. بلا مبالغة، إن كان هناك كتاب واحد في العالم كُتب/جُمع قبل ظهور صناعة الطباعة ولم يطله التحريف يقيناً، فهو القرآن. لا أقول هذا لأني مسلم. أحد المفكرين المؤرخين والفلاسفة الإنجليز، السيد (H.B. Aetan)، يقول: "نحن على يقين بأن ما ورد في القرآن هو ما خرج من فم نبي الإسلام، أكثر من يقيننا بأن نابليون هُزم في معركة واترلو." هذا أمر بالغ الأهمية، وهو ما يقر به الجميع بأن القرآن بقي محفوظاً جداً.
3- في أحاديث الأئمة (ع) كان فهم المخاطب دائماً منظوراً.
المشكلة الثالثة هي أن أئمتنا كانوا يراعون باستمرار مستوى فهم وإدراك (اختلاف الفهم واختلاف الروحية) مخاطبيهم. ولهذا نرى في الموضوع الواحد ولو كان موضوعاً واحداً بالمعنى الدقيق، آراءً مختلفة في الظاهر. وهذا ليس عيباً بالطبع، إذ يجب مراعاة المخاطب، لكن هذا يصعّب الأمر على مقصدنا، ومن جهة أخرى نحن لا نملك حكمة هذه الإجابات المختلفة لأنهم لا يعيشون في زماننا.
لكن هذه المشكلة غير موجودة في القرآن، ففي القرآن روعي فهم البشر، لكن فهم عامة البشر، لا فهم كل فرد على حدة، ولهذا نرى رأياً واحداً.
4- مراعاة عدد أكبر من المخاطبين
إذا تناولنا الروايات، فإن ما نصل إليه لا ينفع إلا الشيعة. أي أن عدد المخاطبين يقل. أما إذا استخرجنا شيئاً من القرآن، فله مليار مخاطب، ولكن إذا مزجناه بالروايات، فسيقل مخاطبونا كثيراً.
التعريف ببعض الكتب المفيدة في مجال الأخلاق في القرآن
قبل الدخول في البحث، ثمة ملاحظة جديرة بالذكر، وهي أنه قد أُلِّفت كتب في هذا الموضوع، لكن إذا أردنا من بينها أن نعرف بكتبٍ أولاً: اطلعت عليها بنفسي، وثانياً: كانت كتباً مفيدة، فلا أعرف أكثر من كتابين:
1- البنية الدلالية للمفاهيم الأخلاقية - الدينية في القرآن
1) "البنية الدلالية للمفاهيم الأخلاقية - الدينية في القرآن" - البروفيسور إيزوتسو - ترجمة: فريدون بدرهاي
بعض نواقص كتاب إيزوتسو فيما يتعلق ببحثنا الحالي
اطلعوا على هذا الكتاب حتماً. بغض النظر عن هذا الدرس، الكتاب نفسه قيّم. إنه كتاب متين للغاية. لكن بالنسبة لتصورنا، فيه ثلاث نقاط ضعف:
1- غلبة البحث الدلالي وغياب الدراسات المفهومية والتطبيقية
أولاً: لقد تناول المؤلف الموضوع من منظور "دلالي" (Semantic)، ومقتضى هذا المنظور أنه لا يتناول المفهوم كثيراً. بتعبير آخر، لا يتناول ارتباط هذه المفاهيم بالواقع كثيراً. إنما يريدون اكتشاف الشبكة الدلالية للألفاظ. مثلاً، ينظر: كيف يرتبط "الشكر" وبأي نحو؟ جميع كتب إيزوتسو على هذا المنوال، وهو نفسه يقول في بداية كتبه: إني أدرس القرآن من هذا المنظور، وليس له تناول مفهومي أو تطبيقي.
2- تركيز البحث على المقارنة مع الأخلاق السائدة بين العرب.
لقد تناول المفاهيم الأخلاقية في تقابلها مع الأخلاق السائدة بين العرب في صدر الإسلام. يريد أن يرى كيف تختلف الأخلاق التي يقدمها القرآن عن أخلاق العرب آنذاك. إنه يحصر المدى الدلالي في العرف الجاهلي. لنفترض أنه يريد الحديث عن الكرم أو الشجاعة أو ...، فيقول: لنرَ كيف تختلف صورة الكرم في القرآن عن صورته عند العربي الجاهلي. الكرم من منظور العربي الجاهلي ومن منظور القرآن.
بالطبع، هذا النوع من الدراسة قيّم في حد ذاته، لكنه ليس مفيداً لغرضنا. لأنه كانت هناك مفاهيم أخلاقية لم تكن سائدة بين عرب الجاهلية وموجودة في القرآن، لكنها بطبيعة الحال لم تحظَ باهتمامه.
3- غياب المباحث الأنثروبولوجية
ثالثاً: الأسس الأنثروبولوجية للمنظومة الأخلاقية القرآنية غير موجودة فيه، بينما هي ضرورية.
2- المفاهيم الاخلاقيه في القرآن
المفاهيم الاخلاقيه في القرآن - عبدالله درّاز - ترجمه از فرانسه به عربي دكتر عبدالصبور شاهين.
بعض نواقص كتاب درّاز فيما يتعلق ببحثنا الحالي
في هذا الكتاب، ما ذكرناه عن الكتاب الأول غير موجود، لكن له نقطتا ضعف أخريان:
أولاً: السيد درّاز ليست لديه دقة نظر السيد إيزوتسو، رغم كونه مفكراً قوياً.
ثانياً: لقد تناول الأسس الأنثروبولوجية، لكن هذه الأسس اختلطت أحياناً بالأخلاق نفسها.
مقدمات بحث المنظومة الأخلاقية للقرآن
لكي ندرك المنظومة الأخلاقية للقرآن، ينبغي أن نتحدث عن قسمين:
1) الأمور الواقعية المتعلقة بالإنسان
(Human Facts)الحقائق الإنسانية
2) القيم المتعلقة بالإنسان
(القيم الإنسانية)
ومن المسلَّم به أن الأولى مقدَّمة على الثانية. ينبغي أولاً أن نرى: كيف ينظر القرآن إلى الإنسان أصلاً؟ ما الخصائص الروحية التي يثبتها للإنسان؟ ما نقاط القوة والضعف التي يراها فيه؟ إذا تُرك الإنسان وشأنه، فإلى أي اتجاه يميل أكثر أو أقل؟ كيف هي علاقة الإنسان بفعله؟ ما تأثير وجود الآخرين في الفرد الإنساني؟ ما تأثير موقف الإنسان من الله في حياته الدنيوية؟ من كم كائن أو قوة يُخدع الإنسان أو يُرشد؟
ثم، وفقاً لرؤية القرآن، ماذا ينبغي للإنسان بهذه الخصائص أن يفعل وماذا لا ينبغي له أن يفعل؟ ما الحالات التي ينبغي أن يتحلى بها، وما الحالات التي لا ينبغي؟ وهكذا...
إذا لم ننتبه إلى الوقائع الإنسانية من منظور القرآن، يبدو أن بعض القيم التي وردت في القرآن بشأن الإنسان لا يمكن الدفاع عنها. أخلاق القرآن لا تكون قابلة للدفاع إلا إذا قُبلت أنطولوجيا الإنسان القرآنية (كلاً وجزءاً). طبعاً، التوافق بين هذين الأمرين هو افتراض مسبق، وأسمى من ذلك هو ابتناء تلك القيم على الوقائع. وهذا الابتناء أرفع بكثير من مجرد التوافق.
لذا، ينبغي أولاً أن نُفهرِس الخصائص التي بيّنها القرآن للإنسان.
والسلام
.
.
الافتراضات المسبقة أو الآراء الأنطولوجية البشرية للقرآن:
يجب الانتباه إلى أنه ليست كل الافتراضات المسبقة للأنطولوجيا البشرية القرآنية ضرورية لهذا البحث. فعلى سبيل المثال، ما ورد في شأن خلق آدم من أنه خُلق من طين... إلخ، لا تأثير له في تناولنا للأخلاق القرآنية.
الافتراض المسبق الأول: الإنسان لا يتمتع بعلم كافٍ وافٍ
النقطة الأولى هي أن القرآن يعتقد أن "الإنسان (الجنس البشري، النسل البشري لا الفرد الإنساني) لا يتمتع بعلم كافٍ وافٍ". بتعبير آخر، العلم الضروري لتدبير شؤون حياة البشر بالقدر اللازم، لا يملكه البشر أنفسهم. هذا رأي بالغ الأهمية، وكثير من الأوامر والنواهي الأخلاقية تنبع من هنا.
يقول القرآن: "وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً" (من العلم، من المعرفة، لم تؤتوا إلا قليلاً). الخطاب في هذا النص خطاب عام، أي أنتم أيها البشر لم تُعطوا إلا قليلاً من المعرفة. هناك معارف كانت ضرورية لتدبير أمور حياتكم، ولكنها لم تُعطَ لكم. ستكون لهذا نتيجة، وهي: "بهذا العلم القليل، في كثير من الحالات، ما هو خير في الواقع نظنه شراً، وما هو شر في الواقع نظنه خيراً". هذه هي نتيجة العلم القليل.
عندما نظن الخير شراً، أو الشر خيراً، يكون لدينا علم غير مطابق للواقع، وهذا يعني "الجهل"، "الغفلة وانعدام الخبر". لأننا نواجه مجموعة واسعة وعميقة في آن، لكن معرفتنا لا تفي بذلك الاتساع والعمق، فالعالم يغيب عنا كماً وكيفاً. طبعاً، باستثناء آيات قليلة من هذا القبيل: "عَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون). هذه نتيجة المطلب الأول.
ثمة فجوة دائمة بين ما يريده البشر ومصلحتهم
من هذه النتيجة نفسها، المترتبة على تلك المقدمة، تترتب نتيجة أخرى: "ثمة فجوة دائمة بين ما يريده البشر ومصلحتهم". أي بين ما نريده وهو في الواقع مضر بنا، أو ما لا نريده وهو في الواقع نافع لنا، هناك دائماً فجوة.
إذا أردتم أن تكون الإرادة مطابقة للمصلحة، فلا بد من تحقق شرطين (الإرادة = المصلحة):
1) اعرف الخير والشر معرفة دقيقة. (دقيقة: علم مطابق للواقع بالخير والشر)
2) كن طالباً للخير نافراً من الشر.
حال إذا عرف شخص الخير والشر بدقة، ولكن مع ذلك لم تنطبق إرادته ومصلحته انطباقاً دقيقاً، فهذا يدل على أنه من الممكن أن يكون ذلك الشخص قد صُنع من الناحية النفسية بحيث يكون دائماً طالباً للخير نافراً من الشر. وفي هذه الصورة تكون معرفته معرفة مطابقة للواقع تماماً لكنه في الوقت نفسه لا يميل نحو الخير ولا ينفر من الشر. في مثل هذه الحالات يُفترض عدم تطابق إرادته ومصلحته. فالشرط الثاني لازم أيضاً. فإذا لم يتحقق هذان الشرطان أو لم يتحقق أحدهما، فلن تنطبق الإرادة والمصلحة بعد ذلك.
انتبهوا إلى أن المراد من "الخير" هنا هو "ما هو في الواقع في مصلحتنا". والمراد من "الشر" هو ما هو في الواقع مفسدة. فهذان الشرطان ضروريان لتطابق الإرادة والمصلحة. الشرط الثاني هو نظرية سقراط. كان يقول إننا من الناحية النفسية مصنوعون بحيث يستحيل أن نعتبر شيئاً خيراً ولا نميل إليه، أو نعتبر شيئاً شراً ولا نفر منه. فإن قيل لسقراط: فما بال هؤلاء البشر الكثيرين الذين يسيرون نحو الشر؟ كان يقول إنهم يخطئون في الجزء الأول (التشخيص الدقيق للخير والشر)، فما ظنوه خيراً وساروا نحوه ليس بخير، وما ليس بشر ظنوه شراً وانصرفوا عنه.
ما هو رأي القرآن في هذا الشأن (الشرط الثاني)؟
بما أن القرآن لم يقبل المطلب الأول، فمن غير المعلوم أيضاً أن يكون رأي القرآن مطابقاً لرأي سقراط في هذا المطلب الثاني - وهو ما سنتطرق إليه.
وسواء قبل القرآن هذا الشرط الثاني أم لم يقبله، فبما أنه لا يقبل الشرط الأول، فحاصل ذلك أن إرادتنا لا تنطبق على مصلحتنا. كثيراً ما أريد شيئاً هو في الواقع غير مرغوب فيه ولا ينبغي لي أن أريده، وأحياناً لا أريد شيئاً هو في الواقع مرغوب فيه.
آثار عدم انطباق الإرادات والمصالح
كون المصلحة غير منطبقة على الإرادة يظهر أثره في موضعين:
1- في النشاطات التي أقوم بها في الحياة اليومية (بهذه العلل والأسباب الطبيعية نفسها). كثيراً ما لا أتجه نحو الخير ولا أفر من الشر، لأني لا أعلم أن هذا خير وذاك شر.
2) في باب الدعاء. أطلب من الله شيئاً ليس في مصلحتي، أو أطلب دفع شيء ليس دفعه في مصلحتي.
المطلب الأول والثاني يختلفان كثيراً. المطلب الأول هو المسير الطبيعي لحياتنا. مسير نسلكه عبر المجاري الطبيعية. أما المطلب الثاني فهو التوسل بالقوى الماوراء طبيعية، أي مثلاً التوسل بذيل الله المتعال. في كلا الموضعين كثيراً ما يريد الإنسان وتترتب عليه آثار كثيرة.
إشكال على نتائج الافتراض الأول: إمكانية كفاية العلم الناقص للحياة الدنيوية
قد يُطرح هنا إشكال لا يمكن التطرق إلى المطلب الثاني قبل معالجته. وهو أننا نقبل من القرآن أن علمنا قليل، ولكن من أين لكم أن تقولوا إن كل العلم ضروري؟ لعل هذا المقدار الذي لدينا كافٍ. وما ليس لدينا ليس ضرورياً أن يكون لدينا. أي أننا لسنا بحاجة إلى ما لا نعلمه. فكون القرآن يقول: "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" إنما يكون مضراً بنا حين نكون بحاجة إلى أكثر من هذا القليل، ولكن لعل بهذا القليل تُقضى حاجتنا. فهذا القليل كافٍ لاستمرار الحياة.
يمكن القول في الجواب:
الجواب الأول: من وجهة نظر القرآن، العلم هو هدف في ذاته.
الجواب الأول - الذي لا أُصرّ عليه كثيراً - هو أنه قد يعتقد البعض أن القرآن يرى كمال الإنسان في العلم، وبهذا الفرض، فإن العلم القليل سيكون بالتأكيد سبباً في نقصان خُلق الإنسان وشخصيته. لأن كمال الإنسان إنما هو بالمزيد والمزيد من العلم. وبتعبير آخر، لو كان العلم وسيلة للعمل، لربما أمكننا القول إن العلم القليل كافٍ لتدبير شؤون حياتنا. (وهذا ما سنُزيله في الجواب الثاني) أما إذا صار العلم هدفاً في حد ذاته، فلا يمكن قول ذلك. لأن النقص في المعرفة يُفضي إلى نقصان في شخصيتنا.
الجواب الثاني: في نظام الوجود المتكامل، لا ينفع العلم الناقص شيئاً.
إذا كان نظام الوجود نظاماً متشابكاً - متداخلاً (Complicated)، لا ينفصل فيه جزء عن آخر، ولا يخلو جزء من التأثير والتأثر بغيره، فإن العلم الناقص لا يُجدي نفعاً، ولا يُفيد حتى في مقام العمل.
تصوَّر جهازاً عظيماً. إذا لم يكن في هذا الجهاز من جزء إلا وهو مؤثر في بقية الأجزاء ومتأثر بها (أي فعل وانفعال متبادل شديد ومؤكد بين الأعضاء)، ففي هذه الحال، إن الاطلاع الناقص على هذا الجهاز يُخلّ بكل ما أريد أن أفعله به. لأن الجهل بأي جزء منه يُؤدي إلى اختلال في العمل الذي أقوم به مع الأجزاء الأخرى. بمعنى أن المعرفة الناقصة بهذا الكل المتداخل، هي معرفة ناقصة بكل جزء منه. على عكس الكل غير المتداخل، الذي يمكن أن تنسجم فيه المعرفة الناقصة بالكل مع المعرفة التامة بجزء أو جزأين أو عدد (n) من الأجزاء. والحال أن الكون هو كل متداخل.
شواهد قرآنية تؤيد تكامل نظام الوجود
هل يستفاد هذا المطلب من القرآن؟ نعم.
1- الآيات الدالة على الحكمة الإلهية
من موارد ذلك ما قاله القرآن، بتعبير المتكلمين، في باب "الحكمة الإلهية". لم يستخدم القرآن لفظ الحكمة، لكن الآيات تُفيد المعنى نفسه الذي قصده الحكماء والمتكلمون من الحكمة الإلهية. يقول القرآن: "ما خلقنا شيئاً عبثاً"، "لسنا بأهل لعب"، "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ" ليس في فعلنا لعبٌ ولا لهو. فعل الله، الذي ليس إلا "كل العالم" أو بتعبير أدق "ما سوى الله".
إذن فالكون = الله + فعل الله. فحين يقول ليس في فعلنا لعب، يعني أن كل ما صُنع لازمٌ للغرض الذي نريده (نحن الله) - وسنذكر ما هو ذلك الغرض -. ألا ترى أن مصمم المشروع حين يقول: ليس في مخططي هذا شيءٌ عبث، يعني أنك أيَّ ذرةٍ تضع يدك عليها، أستطيع أن أُريك أنها لازمة لذلك الهدف، ولا يمكن ألا تكون. كل ما صنعته مسخَّرٌ لذلك الهدف. فلا توجد ذرةٌ يكون وجودها وعدمها سواء في تحقيق الهدف.
حين يُصوِّر الله هدفاً لخلق نظام الكون كله، ثم يقول لم ألعب في هذا الفعل، ليس فيه شيء سدىً ومُهملاً، أتعامل مع كل شيء بعناية، يعني أن كل شيء مسخَّر لذلك الهدف. وجوده لازم للهدف وعدمه مُضرٌّ به. يعود هذا المطلب إلى "حكمة الله" و"كونه غير عابث". فالله لا يفعل الفعل العبثي (الذي يستوي وجوده وعدمه).
2- القرآن نفسه يُصرّح بأنه لا يوجد في الكون عضوٌ إلا وهو مسخَّر للكل
القرآن نفسه يُصرّح بأنه لا يوجد في الكون عضوٌ إلا وهو مسخَّر للكل، لم يُخلق في غير موضعه. ولأن بحثنا متجه نحو الأخلاق، فإننا نُبيّن هذا في بحث القرآن عن أفعال الإنسان. وهو قوله تعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" إذا عمل أحدٌ بمقدار وزن ذرة - الهباءة المعلقة في الهواء - خيراً، فسيراه، وإن عمل بمقدار وزن ذرة شراً، فسيراه.
أو أنه يستخدم في موضع آخر تعبير "خردل"، فلو كان هناك شيء بمقدار حبة خردل في مكان ما، فإنه لا يضيع أبداً. وقد ورد هذا في موضعين من القرآن، أحدهما في وصايا لقمان وهو تعبير في غاية العذوبة. إذ يقول لابنه: "يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ" (إذا وُجد شيء بثقل حبة خردل، سقط على صخرة أو في السماوات أو في الأرض، أو قُذف في مكان ما: فإن الله تعالى يحضره، فهو حاضر عنده، لأنه لطيف (دقيق النظر، فلا تغيب عنه الأشياء الصغيرة) وخبير. هذه الآية لا تنظر إلى القيامة، ولا تنظر حتى إلى الفعل الإنساني. ولكن الآية التالية تنظر إلى القيامة.
"وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" (لقد وضعنا كل الموازين ليوم القيامة، وهذه الموازين جميعها موازين قسط، فلا تُظلم نفس شيئاً، وإن وُجد شيء في مكان ما بمقدار ثقل حبة خردل، أتينا به. وكفى بنا حاسبين).
ما يهمنا في هذا البحث هو أعمال البشر. فالقرآن يريد أن يقول إنه لا شيء في هذا العالم قابل للضياع.
تعبير الغربيين عن المؤيد القرآني الثاني
عادة ما يعبر الغربيون عن هذا بمصطلحين. الأول: أنه لا يضيع شيء في العالم. وبتعبير آخر: كل شيء قد جاء ليبقى. لم يأتِ شيء ليذهب. غير أن كون كل شيء يبقى لا يتنافى مع كون كل شيء هالك إلا الله تعالى. فقولنا إن كل شيء يبقى هو كلام، وقولنا إن كل شيء يبقى في عالم ما هو كلام آخر. كل شيء يبقى، غير أن هذا البقاء قد يكون بالانتقال من عالم إلى عالم آخر. أما بالنسبة إلى العالم الراهن فهو هالك. والمصطلح الآخر الذي يقولونه (وهو الأكثر شيوعاً): "العالم ليس أصم ولا أعمى"، أي اعتبر نفسك في مواجهة العالم وكأنك تواجه موجوداً سميعاً بصيراً تماماً. فكل ما يصدر عني يبقى، ولا يبتعد عني.
وهذا لا ينسجم إلا مع نظام العالم المترابط. فإذا كان مترابطاً، فلا يمكن لأي جزء أن يفنى، لأنه لو فني لفني الكل. والكل لا يفنى لأن الجزء لا يفنى. (وسنتناول هذا المطلب بالتفصيل).
لنعد إلى صلب الموضوع: إن كون معرفتنا قليلة، لا يعني أن بمقدور أحد القول إن معرفتنا، رغم قلتها، كافية. كلا، ففي ارتباطها بكلٍّ كهذا، فإن أي معرفة قليلة هي غير كافية (سأعود إلى هذه النقطة لاحقاً).
الافتراض المسبق الثاني: نفع أفعال الإنسان وضررها لا يصيبان إلا نفسه.
2) النقطة الثانية التي يعتقدها القرآن بشأن الإنسان هي: "لا يفعل أحد فعلاً يصيب نفعه أو ضرره موجوداً آخر، فكل المنافع والأضرار تصيب نفسه هو" - "لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ" أو "لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا".
أنتم لا تستطيعون إيصال نفع أو ضرر لأحد. افعلوا ما شئتم. (هناك آيات كثيرة في القرآن حول هذا الموضوع).
إذا كان الأمر كذلك، لكننا نرى أننا بفعلنا نوصل نفعاً أو ضرراً لآخرين. فعندما أجرح شخصاً ما، أكون قد أوصلت إليه ضرراً. وعندما أقدم خدمة، أكون قد أوصلت إليه نفعاً. إن حياتنا برمتها تظهر تماماً أننا نستطيع إيصال النفع والضرر للآخرين. فكيف يقول القرآن بهذا؟ هنا تُطرح النظرية القرآنية الثالثة في الأنثروبولوجيا:
الافتراض المسبق الثالث: من منظور القرآن، ليس هناك ما هو لنفعكم أو ضرركم إلا ما صدر عنكم اختياراً.
3) "من منظور القرآن، ليس هناك ما هو لنفعكم أو ضرركم إلا ما صدر عنكم اختياراً."
بعبارة أخرى، يختلف تعبير النفع والضرر في القرآن اختلافًا كبيرًا عما نستخدمه نحن. فالقرآن لا يعتبر كثيرًا مما نعده نفعًا أو ضررًا نفعًا أو ضررًا. إنما يكون الشيء نفعًا أو ضررًا فقط إذا كان ناشئًا عن فعلي الاختياري. وما عدا ذلك مما يعرض لنا فليس بنافع لنا ولا ضار بنا. وبتعبير آخر، لا ينبغي أن نجعل الآلام الظاهرية وعدمها معيارًا للشر والخير.
ما ليس بفعلي الاختياري ليس خيرًا لي ولا شرًا. فالمرض ليس خيرًا ولا شرًا. طبعًا هذه الأمور التي ليست بفعلي الاختياري يمكن أن تكتسب خيرية أو شرية بمعنيين آخرين، كلاهما يرتبط بالفعل الاختياري. ففي المرض مثلاً تُتصور خيريتان وشريتان ترتبطان كلتاهما بالفعل الاختياري:
أ) قد أكون قمت بفعل اختياري جعلني عرضة لهذا المرض. فهنا توجد شرية تعود إلى الفعل الاختياري لا إلى المرض.
ب) نوع آخر هو: ما هو رد فعلي الآن تجاه هذا المرض؟ رد الفعل الاختياري هذا يمكن أن يكون رد فعل خيري أو رد فعل شري.
الاختلاف الدلالي للخير والشر بين اللسان العرفي والأدبيات القرآنية
انتبهوا إلى أننا حين نقول إن المرض شر، والصحة أو الثروة خير، فهذا هو الخير والشر في اللسان العادي. أما هنا فنحن بصدد الحديث عن المعنى الذي يستخدم به القرآن الخير والشر. ونحن ندرك تمامًا أن الخير والشر يكتسبان معنيين.
يعتقد القرآن أن الخير والشر، أولاً، ليسا إلا صفة للفعل الاختياري الإرادي للإنسان. وثانيًا، في مقابل الأمور التي لا تندرج تحت هذه المقولة، يمكن تصور الخير والشر بمعنيين آخرين، يعود كلاهما إلى خير وشر الفعل الاختياري الإرادي:
1) ماذا فعلتَ حتى ابتُليت بالمرض.
2) ما هو رد فعلك تجاه المرض؟
ولهذا يقول القرآن إن الآخرين لا يستطيعون أن يفعلوا بكم شيئًا، فكل ما تفعلونه تفعلونه بأنفسكم. بمعنى أنني إذا جرحتكم، فبما أن الفعل الإرادي الاختياري قد صدر مني، فقد أصابني الضرر والشر، ولكن لم يصبكم ضرر. لأنه لم يكن فعلاً اختياريًا منكم. طبعًا موقفكم من الجرح هو فعل إرادي اختياري يمكن أن يكون خيرًا أو شرًا، وخيره وشره يعود إليكم أنتم. إذن ترون أن القرآن لا يعتبر الضرر الجسماني الذي أصابكم ضررًا. طبعًا قد لحق بكم نقص، لكن هذا ليس هو الشيء الذي كان القرآن يقصده بقوله: كل ما تفعلونه تفعلونه بأنفسكم.
سؤال: أليس تضييق دائرة الاختيار وتوسيعها سببًا لشر أو خير؟ عندما تضيق دائرة اختياري، تُنتزع مني إمكانية القيام بعمل نافع لي. ألا يسبب هذا ضررًا لي؟
جواب الأستاذ: لا، الضرر يتحقق عندما تكون الأرضية موجودة ولكنك تقوم بعمل سيئ، والنفع كذلك.
سأقول هذا لاحقًا في مقولات تالية، أن استكمال الإنسان ليس في أن يصل إلى مكان معين. الاستكمال هو أن يفعل ما يستطيع فعله حيثما يستطيع. هذا كل شيء. أنتم تقولون عندما تضيقون نطاق اختياري، لا تدعونني أصل إلى مكان ما. ولكن بالتعبير العصري، الوصول إلى مكان ما ليس هو الهدف، بل أن تكون في الطريق هو الهدف.
تذكير حول منهج دراسة القرآن بشأن بعض الألفاظ
علاوة على مسائل كثيرة موجودة من قبيل:
1- الاشتراك اللفظي،
2- اختلاف معاني ألفاظ القرآن حين نزولها ومعاني هذه الألفاظ نفسها عبر تاريخ اللغة العربية،
3- اختلاف معاني الألفاظ في القرآن مع المعاني التي تحملها هذه الألفاظ في اللغة الفارسية،
4- الفرق بين الاصطلاحات والألفاظ،
5- الفرق بين المعنى والوجه في القرآن، (نحن نخلط أحيانًا بين هذين)
6- باب الترادف (نظنّ أحياناً أن لفظين مترادفان، لكن لا ترادف بينهما، وبالطبع لا يوجد ترادف بالمعنى الدقيق في أي لغة، ومنها العربية، ومنها القرآن الكريم)
7- باب الحقيقة والمجاز، وهو أيضاً عائق أمام فهم القرآن. (أحياناً نأخذ كل شيء على معناه الحقيقي)،
8- تطور المعنى الدلالي للألفاظ في القرآن نفسه (لأن القرآن نزل على مدى 23 عاماً). مثل لفظة "إيمان"، و"إسلام"، إذا تجاوزنا هذه الأمور التي هي عوائق لفهم القرآن، فهناك نقطة أخرى وهي أن القرآن استعمل اللفظ أحياناً بالمعنى الذي كان يفهمه الناس في ذلك الزمان، وأحياناً كان يُلقي هو نفسه معنىً على ذلك اللفظ. ولا ينبغي الخلط بين هذين الأمرين. كثيراً ما يحدث أن يستعمل القرآن لفظاً كما كان يفهمه عرب صدر الإسلام، وأحياناً يُلقي هو معنىً. عندما يقول القرآن: "يا أيها الذين آمنوا، آمنوا" فـ (آمنوا) الأولى بالمعنى الذي كان يفهمه العرب. و(آمنوا) الثانية بمعنى الإيمان الذي يقصده القرآن. عندما يقول: يا أيها الذين آمنوا آمنوا، يعني أنكم ترون الإيمان هو الشهادتان، والقرآن يقول لهؤلاء الذين يرون الإيمان هو الشهادتان: آمنوا. هذا الإيمان الثاني ليس بمعنى الشهادتين، وإلا لكان تحصيل حاصل، بل هو بمعنى "المباشرة القلبية".
تطبيق النقطة المذكورة في بحثنا الحالي
وأحد الأمثلة هو في بحثنا هذا نفسه:
يقول القرآن: "ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم..." (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ...) والمقصود من "المصيبة" هو ما يعده الناس أنفسهم مصيبة. إن قول القرآن بأنه لا توجد ذرة من خير أو شر إلا وترونها، أو قوله إن نفع كل شيء وضرره يعود إليك أنت. لا تستطيع أن تنفع أحداً أو تضره. كل هذا يعود إلى أن التلقي القرآني للخير والشر يختلف عن التلقي العادي. من وجهة نظر القرآن لا يوجد إلا خير واحد وشر واحد، وهو الخير والشر الذي نلحقه بأنفسنا بأفعالنا الإرادية الاختيارية. لا يوجد خير وشر في مكان آخر. إذن فالخير والشر ينبعان من كيان الإنسان. وكأنه لا يوجد في عالم الواقع خير ولا شر. أنا هو الذي أستطيع، بالنظر إلى ذلك الموقف الكياني الذي ينبع مني، أن أجعل أشياء خيراً، أي أن أفعل شيئاً يعود عليّ بالنفع، وأن أجعل أشياء شراً، أي أن نفعل شيئاً يعود عليّ بالضرر. أي بتعبير آخر لا يوجد خير وشر طبيعي. كل الخير والشر هو خير وشر أخلاقي.
من وجهة نظر القرآن كل الخير والشر هو خير وشر أخلاقي.
عادةً يُقسّم الخير والشر إلى 3 أقسام:
1) الخير والشر الطبيعي (natural): الزلزال، البركان، المرض، الجفاف، الثروة، الصحة ...
2) الخير والشر الاجتماعي (Social): الحرب، الأمن
3) الخير والشر الأخلاقي (Moral): في التعبير الديني الذنب والثواب
في القسم الثاني من الخير والشر ثمة بحث حول ما إذا كان ينبغي إلحاق الخير والشر الاجتماعي بالخير والشر الأخلاقي أم الطبيعي؟ قال قوم إنه ينبغي إلحاقه بالقسم الأول، وقال آخرون بالقسم الثالث، وقال آخرون إنه لا يمكن إلحاقه بأي منهما، بل هو قسم مستقل.
نحن بناءً على هذا التفكيك الذي نقول فيه، إن الخير والشر (بالمعنى العادي) إما:
1) أن يكونا ناشئين عن فعل إرادي اختياري: أخلاقي (Moral)
2) أو عن أي طريق آخر غير الفعل الإرادي الاختياري: طبيعي (Natural)
وبناءً على ذلك فالخير والشر الاجتماعي إما أن يكون جزءاً من الأخلاقي أو جزءاً من الطبيعي. أي أن بعض أفراده جزء من هؤلاء وبعض أفراده جزء من هؤلاء، (وأنا شخصياً أعتقد بهذا التفكيك) نقول إننا إذا أردنا أن نتحدث بناءً على القرآن فلا يوجد إلا الخير والشر الأخلاقي. ولا يوجد أصلاً خير وشر طبيعي حتى نعده خيراً أو شراً.
والآن، إذا رأينا في القرآن أنه أُطلق على "المال" اسم الخير في مواضع عدة؛ مثل "فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ" أو "وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا"، فإن الخير هنا يُفهم بالمعنى العادي. لكن في نظر القرآن، لا يوجد إلا الخير والشر الأخلاقيان. وهو ما يسميه القرآن "ثوابًا" و"إثمًا". ولا يوجد خير وشر سوى هذين، وهما لا يُطرحان إلا في سياق الفعل الإرادي الاختياري. وعلى هذا الأساس، فالشرور كلها شرور وجودية.
الافتراض المسبق الرابع: لا يحدث أي تغيير إلا إذا كان هذا التغيير قد حدث في أنفسنا
4) "لا يحدث أي تغيير إلا إذا كان هذا التغيير قد حدث في أنفسنا" "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). هنا، تعلمون أن الاستثناء (حتى) بعد النفي يفيد الحصر. هذا يعني أن طريق تغيير وضعنا هو طريق واحد فقط، وهو أن نتغير نحن. هذا بالطبع يعبر عن واقع، وبالتالي لا يتضمن أمرًا أو نهيًا، لكنني أركز على هذه النقطة أكثر من أي شيء آخر.
في موضع آخر، للقرآن تعبير آخر: "وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ" (وضاقت عليهم الأرض بما رحبت). الأرض لم تتغير، بل موقفهم هو الذي ضيّق الأرض عليهم.
أو يقول: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا" (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا).
لو استقرأتم القرآن كله، لرأيتم أنه ما من عمل أو مصيبة تصيب أحدًا إلا ويُظهر القرآن جذرها في فعل إرادي اختياري.
لقد فعلتم شيئًا كانت نتيجته هذه. حتى في قصص الأنبياء، لا تُصوَّر ضائقة لنبي إلا ويُبين أن عمله هو الذي تسبب في تلك الضائقة. بالطبع، صُوِّرت في القرآن ثلاثة أنواع من المصائب، وفي حالة الأنبياء الأقوى أنها من باب "الابتلاء" (أحد تلك الأنواع)، لكن النقطة اللطيفة هي أنه لم يُظهر القرآن أن ضائقة قد اعترت أي نبي إلا بفعل من ذلك النبي نفسه.
- يقول القرآن: لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض. (الأعراف/ 96). "هذا يعني مثلاً أن المطر كان سيهطل أو... هذا فعل غير إرادي غير اختياري، لكنه نتاج الفعل الإرادي الاختياري للبشر. ما يحدث لنا، أيًا كان، ناشئ عن فعل اختياري.
العلية الدينية
هذا هو ما يسميه الغربيون "العلية الدينية". أي أن الشخص المتدين يؤمن بسلسلة من العلل والمعلولات، وهذه الارتباطات العلية والمعنوية ليست ارتباطات فلسفية دقيقة ولا ارتباطات علية ومعنوية تجريبية. هذا الأمر لا يمكن للعقل العادي فهمه: ما العلاقة بين التغيرات الجوية والفعل الاختياري للبشر؟ هذه العلية لا يفهمها إلا متدين. الآية "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" تقول هذا بالضبط: إذا أردتم أن يحدث تغيير في العالم الخارجي، فأحدثوا أولاً تغييرًا مرغوبًا ومناسبًا في أنفسكم.
بتعبير آخر، حتى لو أصابكم مرض، فإن استطعتم إجراء تحليل نفسي لأنفسكم، لرأيتم أن المرض أيضًا ناشئ عن نقص مصدره أنتم أنفسكم. بتعبير القرآن، كل مرض هو مرض نفسي. يقول القرآن: كل مصيبة تصيبك فمن نفسك، والمصيبة تعني المكروه.
إذا أردتم الهروب من المكاره، فعليكم إحداث تغيير في أنفسكم.
الفرق بين الخير والشر والمحبوب والمكروه من منظور القرآن
هنا يجب الانتباه إلى ضرورة التفريق بين "الخير والشر" و"المحبوب والمكروه". القرآن نفسه يقول إن المرض ليس شرًا، لكنه بالطبع مكروه. والهروب من هذا المكروه وغيره من المكاره يتوقف كليًا على الفعل
الإرادي الاختياري للإنسان.
هذه هي نظرية القرآن: أن كل ما هو بغيض، وكل مرض (وهو من أبرز ما نبغضه في حياتنا) هو مرض نفسي. (سأتلو آياته لاحقًا) والمرض النفسي لا يكون إلا بـ«الذنب» (الفعل الإرادي الاختياري السيئ). وليس المقصود بالمرض النفسي ما يعتبره عالم النفس مرضًا روحيًا قد يكون اختياريًا (فالمهم في هذا المرض هو عصيان أوامر الله ونواهيه)، غير أن ثمة تفريقًا ينبغي الانتباه إليه.
هذا التفريق أجراه القرآن نفسه، حيث قسّم المصائب إلى ثلاثة أقسام:
1) مصائب هي من مقتضيات الحياة الدنيا.
2) مصائب تأتي من باب الابتلاء والاختبار.
3) مصائب هي رد فعل لأفعالنا الإرادية الاختيارية. (الفعل الاختياري أعم من أن يكون ماديًا أو معنويًا)
وحين يقول القرآن: «مَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ»، فرغم أن للآية إطلاقًا، إلا أنها بالنظر إلى آيات القرآن الأخرى تختص بالقسم الثالث فحسب. والمصيبة هنا ليست مرادفة للشر، بل مرادفة للأمر البغيض الذي لا نحبه.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن الالتفات إلى الذهن يصبح ضروريًا لإحداث أي تغيير في الحياة الظاهرية. وإذا خرجتم من القرآن، فستجدون هذا المعنى واردًا بكثرة في الروايات.
سؤال: هل يعلم الشخص نفسه من أي ظلمٍ أتته المصيبة التي حلت به؟
جواب الأستاذ: نعم، يقول القرآن إن الفاعل نفسه يعلم من أي ظلمٍ كان ذلك، وهو يدرك تمامًا ما الذي تسبب فيه. أما من منظور الناظر الخارجي، فلا يفهم ذلك. فقد كان يحدث للنبي أمرٌ ما، فيفهم هو تمامًا من أي بابٍ كان، ولكن الناس لا يفهمون أنه كان – مثلًا – من باب الابتلاء.
سؤال: هذا الالتفات إلى الذهن لا يرفع إلا مصائب القسم الثالث، أما البقية فلا.
جواب الأستاذ: نعم، ولهذا قلت إن تلك الآية، على الرغم من إطلاقها، تُخصَّص بالقسم الثالث.
الفرق المفهومي بين تكامل العالم ونظام العالم
سؤال: ما طرحتموه بخصوص الحكمة الإلهية في تبرير ترابط نظام الوجود، هل هو نفسه برهان النظم؟
جواب الأستاذ: نظام الكون الكلي يختلف عن نظام كل ظاهرة من ظواهر الكون منفردة. سؤالكم ينطوي على افتراضين مسبقين:
1- أن النظام يعني توجه الكل نحو الغاية – وهو أحد تعريفات النظام – 2- أن يكون المقصود هو نظام الكون الكلي، لا كل ظاهرة على حدة.
ما قلناه يُظهر أن الكل يتجه ويتوجه تمامًا نحو غايته وهدفه. وهو لا يُظهر أكثر من هذا. أما في برهان النظم، فإننا نضع نحن أهدافًا جزئية لكل ظاهرة على حدة. فنقول: العين للرؤية، ولأن الأغلبية الساحقة من العيون تبصر، فإن هذا يعبّر عن النظام.
لكننا لا نستطيع أن نحدد هذه الأهداف بأنفسنا، ومن الإشكالات التي أراها في برهان النظم، أنه يريد أن يثبت شيئًا يقول القرآن نفسه – بمعنى من المعاني – إنه لا يمكن إثباته.
فحين يقول القرآن نفسه إنكم لا تملكون علمًا كافيًا ووافيًا، فهذا يعني أنكم أنتم لا تستطيعون تعيين أهداف لكل ظاهرة على حدة، ثم تحددون بناءً على ذلك ما إذا كان الكل قد نجح في تحقيق ذلك الهدف، وبالتالي فالحكم بأن الكل منظم. وعندما نحدد نحن هذه الأهداف الجزئية، نواجه مشكلة: ما الهدف من العقرب؟ وما الهدف من البراكين والزلازل... إلخ؟
البرهان البعدي على النظام يعاني من إشكال. لكن الحقيقة هي أننا قبلنا هذه النظرية قبولًا قبليًا من القرآن، ولكننا لا نستطيع إثباتها بعديًا. لأن الإثبات البعدي يعني الاعتماد على العقل البشري فحسب، وهذا يتناقض مع قول القرآن إنكم لا تعرفون هذا الكل كما ينبغي أن يُعرف. ومتى عرفناه، لا نستطيع إحراز الهدف، وبالتالي لا يمكن إحراز كونه منظمًا.
أقبل قبلياً أن الله تعالى أولاً خلق الروح من أجل غاية x، وثانياً أنه قال: (ما خلقتُ هذا عبثاً)، وأن كل ظاهرة من ظواهر الكون مسخّرة لتحقيق تلك الغاية. فإن أنت أريتني شيئاً وسألتني: ما وظيفته؟ فعجزتُ عن الجواب، فإني لا أتخلى عن ذلك الاعتقاد، لأن دليلي كان قبلياً منذ البداية، ولأن الأمر كذلك، فإن عجزي عن أن أبيّن لك بطريق بعدي ما غاية هذا الجزء لن يكون ناقضاً لكلامي. أما إذا كان الاستدلال بعدياً، أي تحصيل غاية كل ظاهرة على حدة عن طريق العقل + تحصيل كون كل ظاهرة على حدة مسخّرة لتلك الغاية عن طريق العقل أو الحس والتجربة أو كليهما، فحينئذ تكون كل الظواهر منتظمة. وفي هذه الحال، إذا أريتني شيئاً لا غاية له وعجزتُ عن الجواب، وجب عليّ أن أتخلى عن اعتقادي.
وعليه، فإن الإشكال يرد على البرهان البعدي على النظام، لا على البرهان القبلي. وكل هذا بالطبع متفرع على أن تنظر إلى النظام بمعنى توجه الكل وانشداده نحو غايته.
.
.
بخصوص المحابّ والمكاره في الحياة، بُيّن أنه ينبغي من منظور القرآن الانتباه إلى نقطتين:
أولاً: لا ينبغي اعتبار "المحابّ" و"المكاره" مرادفين لـ"الخير" و"الشر".
ثانياً: تنشأ المكاره للإنسان لثلاثة أسباب:
أ) الابتلاءات
ب) سوء الأعمال
ج) النتيجة الطبيعية للحياة الدنيا
الابتلاء في المحابّ من منظور القرآن
بطبيعة الحال، لا يقع الابتلاء في المكاره فحسب، بل قد نُبتلى أحياناً في المحابّ - مع أن تركيزنا هنا هو على المكاره، أو بتعبير القرآن "المصائب". - نُبتلى لكي تُصقل وتُربّى سجيتنا وجوهرتنا، ولكي تتجلى جوهرتي لي أنا.
بحث الابتلاء وكيفيته من منظور القرآن
ثمة آيات كثيرة تؤكد على أن المصائب تكون أحياناً من باب الابتلاء:
أ/ 1- "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ" (البقرة، 155-156)
"ولنبلونكم بشيء من الخوف..." أي سنختبركم يقيناً[1]. تارة بالخوف (أي نحدث أمراً مخيفاً لنرى ماذا تفعلون)، وتارة بالجوع، وتارة بإدخال نقص على الأموال أو على الأنفس (نأخذ منكم ولدكم، أو نأخذ منكم أماً أو أباً أو...)، وتارة ندخل النقص على الثمرات (نجعل عملكم لا يدرّ عليكم عائداً. الثمرة هنا بمعنى "الدخل". نجعل أمراً بحيث لا يكون لكم دخل.)
نفعل هذا لنختبركم.
في اللغة العربية عموماً، وفي لغة القرآن خصوصاً، يُستعمل للاختبار لفظان:
1) البلاء و
2) الفتنة. لكن باعتبارين مختلفين.
إذا سُمّي الاختبار "بلاءً" فذلك لأنه لا يكون اختباراً ما لم تكن فيه مشقة ومحنة.
ففي هذه الكلمة نفسها، المشتقة من الباء واللام والواو، نوع من الشدة.
باعتبار آخر، سُمِّيَ الاختبارُ "فتنةً". الفتنةُ في الأصل تعني "الخداع". حين يُقال فلانٌ فنّان فتّان، أي فنانٌ خدّاع. في الاختبار يوجد عنصر الخداع هذا. لأن في أمر الاختبار طرفاً يجذب الإنسانَ إليه بالطبع. الناجح في الاختبار هو من لا يميل إلى ذلك الطرف. أحد جانبي الاختبار، الذي لا ينبغي للمُختَبَر أن ينجذب إليه تحديداً، فيه جاذبية، ولو لم توجد هذه الجاذبية لما وُجد الاختبار أصلاً. الاختبار يحدث على مفترق طريقين، أحدهما خدّاع جداً، والناجح هو من يسلك الطريق المقابل. هذا موجود في كل اختبار، فلا يُختَبَر أحدٌ قط بوضعه على مفترق طريقين ينفر من كليهما.
كون المرء على مفترق طرق، العنصر الأساسي في كل اختبار
في كل اختبار يوجد هذان العنصران - البلاء والفتنة - وبلاء الاختبار هو إلى حد ما نتيجة لكون الاختبار فتنة. لو لم يكن الخداع في أحد جانبي الاختبار، لما كانت هناك محنة في الاختبار أبداً. يرى المُختَبَر أنه يميل إلى أحد الطريقين، إلى أحد العملين، ولكن القيام بذلك العمل بالطبع يساوي الفشل في الاختبار. وهو ينفر - بالطبع - من الطريق الآخر، ولكن النجاح في الاختبار يستلزم السير فيه. إذن فالبلاء لا ينشأ فقط من الإتيان بالصعوبة. بعضهم في تفاسيرهم للفظ البلاء قدّموا تفسيراً مفاده أن استخدام القرآن لهذا اللفظ يعني أننا نُختَبَر حتماً بالمصيبة، كلا، بل نُختَبَر أحياناً بالسرّاء. كون عنصر المحنة موجوداً في البلاء لا يعني أننا نُختَبَر بالمصيبة فقط. ولكن سواء اختُبرت بالمكروه أم بالسرّاء، فإن المُختَبَر يقع في محنة. خلافاً لما قاله البعض، فإن حالة البلاء هذه ليست أبداً في أسباب الاختبار وعلله، بل البلاء هو في مورد الاختبار، أي المُختَبَر، فأسباب الاختبار، سواء كانت سرّاء أم ضرّاء، يقع المُختَبَر في المحنة في كلتا الحالتين.
نُختَبَر أحياناً بالجوع، وأحياناً بالخوف من الجوع. الاختبار بالجوع يختص بمن هو فقير، محتاج إلى قوت ليلته. أما الغني فيمكن أن يُختَبَر بالخوف من الجوع، وبالمناسبة فإن جميع الأغنياء يُختَبَرون من هذا الطريق. أي أنه يخاف في قرارة نفسه إن لم أفعل كذا، فقد تسوء حالي. إن لم آخذ الرشوة، ولم أرتكب الاختلاس والغلو في الأسعار... فقد تسوء حالي. هذا الخوف يوقعه في المهلكة. إذن لا ينتقل ذهنكم من الخوف إلى حيث، مثلاً، صوت مهيب يرتفع، أو زلزال وانفجار يحدث... كلا. نُختَبَر أحياناً بأخذ الشيء نفسه، وأحياناً بالخوف من أخذ ذلك الشيء. لهذا جاء الخوف في هذه الآية مقدَّماً على الجميع. تُختَبَرون أحياناً بالجوع نفسه، وبنقص الأموال والأنفس نفسه، وبنقص الثمرات نفسه، وأحياناً بالخوف من الجوع و... تقديم الخوف على هذه الأمور، لأن هناك نوعاً من العمومية هنا. ثم يقول القرآن بعد هذه الاختبارات: بشِّر الصابرين! الصبر عند الاختبار يُذكر كثيراً في القرآن. يقول القرآن: إن من الناس من لا يخسرون في الحياة، أولئك الذين يعملون بالحق، ويعملون بالصبر، ويؤمنون ويعملون الصالحات. لأن الصبر مؤكَّد عليه جداً، ينبغي أن أذكر ملاحظة بخصوص الصبر؛ (طبعاً سنتناول الصبر بالتفصيل في قسم أخلاق القرآن)
الفرق الدلالي بين "الصبر" والحلم والأنَاة
لا تخلطوا أبدًا بين «الصبر» والحلم والأناة. نحن في اللغة الفارسية نخلط بين الصبر والحلم. الحلم والأناة، بصرف النظر عن الفرق اليسير بينهما، يشتركان في أن رد الفعل الفوري والمتسرع إزاء وضع ما أو فعل شخص آخر يتنافى مع الحلم والأناة. الحلم والأناة يعني رد الفعل غير المتسرع. الشخص الذي حالما تُقال له كلمة جارحة، يرد فورًا بكلمة جارحة أخرى دون أن يتأمل كلام الطرف الآخر ومقصده، هذا الشخص لا يُسمى حليمًا اصطلاحًا. في اللغة العربية، من يفتقر إلى الحلم والأناة يُسمى «جاهلًا». (طبعًا استُعمل الجهل لاحقًا في مقابل العلم بمعنى عدم المعرفة، لكن الأمر ليس كذلك في أصل اللغة العربية وفي لغة القرآن. في اللغة العربية، في مقابل العلم توجد لفظة «غفلة» أي عدم الوعي)
«الصبر» يعني «عدم نسيان الهدف رغم كل العقبات» وهذا الهدف يمكن أن يكون أي هدف. عندما يحدد الفرد هدفًا لنفسه، تظهر له عقبات في داخله وفي الخارج. العقبات الداخلية والخارجية توحي إليه بأن يتخلى عن هدفه! إذا لم يأبه شخص بهذه الإيحاءات، فإنه يُسمى اصطلاحًا «صابرًا». بهذا المعنى، الصابر هو من لا يلقي السلاح أمام أي عقبة. والآن، أحيانًا يصبح الحلم نفسه أحد مصاديق الصبر، وهذا يحدث بكثرة في الحياة، حيث يكون ما هو مصداق للحلم مصداقًا للصبر أيضًا.
يقول القرآن: المفلحون في الامتحان هم الصابرون، لأنهم لم ينسوا الهدف، وجاذبيات الطرف المقابل التي كانت بمثابة عقبة لم تفتنهم. القرآن نفسه يعرّف الصابرين:
«الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ولا ينسون الهدف. نظير هذا في شأن المصيبة التي وقعت على سحرة فرعون يضرب القرآن نموذجًا: عندما آمن سحرة فرعون بموسى عليه السلام وهددهم فرعون، قالوا: قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ[2] (الشعراء/ 50) «لا بأس، إننا إلى ربنا منقلبون». وفي الأحاديث أيضًا ورد بهذا المعنى الكثير. إذا كان الأمر أننا إلى الله راجعون، فهذه المشاكل لا يمكن لأي منها أن يصبح عقبة في طريقنا... لن نرجع عن هدفنا.
أ/ 2- «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ» (محمد/31)
سنختبركم لنعرف المجاهدين، الساعين، وكذلك الصابرين (عندما يجاهدون يصلون إلى الصبر. في الحقيقة، المجاهدة تصبح علة للصبر. الصبر نتيجة للمجاهدة)
هذه الآية نفسها لا تقول إننا سنختبركم بالشدة أم بالرخاء. على عكس الآية السابقة...
أ/ 3- «وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» (الأنبياء/ 35-34)
ما جعلنا لأي إنسان الخلد (يُستعمل في اللغة العربية بمعنيي «الخلود» و«العمر الطويل جدًا» ويمكن أن يُفهم بكلا المعنيين)... أفإن مت فهم الخالدون؟ (يشير إلى أنه كلما مرض النبي، كان المخالفون يفرحون بأن النبي في طريقه للرحيل.) يقول القرآن: بما أننا لم نجعل الخلود لأي إنسان، فأنت ستموت قطعًا، لكن إذا مت فهم لن يبقوا، هم أيضًا سيموتون. أصلًا كل إنسان سيذوق الموت. لكن قبل الموت سنختبركم بالشر والخير، ولن تموتوا دون أن نختبركم. في هذه الآية ورد كل من «البلاء» و«الفتنة». لكن الفتنة جاءت من باب المصدر التأكيدي، والبلاء من باب الفعل.
نحن نختبركم بالشدائد وبالرخاء معًا. لكن انتبهوا إلى أن الهدف لا ينبغي أن يُنسى. إن مرجعكم إلينا.
أ/ 4- "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَکُمْ[3] أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" (الكهف/ 7)
قبل هذه الآية يقول القرآن: "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" (الكهف/ 6) لقد أتعبت نفسك يقينًا بما طلبناه منك، إنك تهلك نفسك (بخوع: هلاك) وتظل دائمًا تسعى وراءهم وتفني نفسك من أجل أن يؤمنوا. لأنك ترى هؤلاء لا يؤمنون بالقرآن (بهذا الحديث)، لهذا تهلك نفسك من شدة الغم والحسرة والأسف. ثم يعلم النبي بهذه الطريقة أنه لا يمكن لجميع من يتعرضون لتعاليمك أن يؤمنوا فورًا، كما تحب أنت. كلا، إننا في نفس هذه التعاليم نختبرهم. وبالتأكيد سيفشل أناس في هذا الاختبار، وهذا يعني عدم إيمانهم. إن إلقاء الآيات والتعاليم منك هو بذاته اختبار ينجح فيه أناس ويبقى آخرون غير ناجحين. يقول: إن ما في الأرض (الحياة الدنيا) قد زيناه للناس وجعلناه يبدو جميلًا في أعينهم. (وهذا يهيئ أرضية الاختبار لأن هؤلاء تعجبهم الثروة والشهرة والقدرة و...) لنبلو الناس أيهم أحسن عملًا. فلولا هذه الزينة لما تهيأت أرضية الاختبار.
كيفية العمل، معيار التقييم في نظر القرآن
جميع المفسرين هنا وفي نظائر هذا التنبيه قد أنصفوا الحقيقة، وهي أن القرآن لم يقل أبدًا: أكثرُ عملًا، بل قال أحسن عملًا. كمية العمل مطلقًا ليست ذات أهمية لاستكمال الإنسان، بل كيفية العمل هي المهمة.
وهذا مفيد لأولئك الذين وقعوا في أسر عبودية العمل وكثيرًا ما يوصون به الآخرين. (انتبهوا إلى هذه النقطة)
يشير الله تعالى إلى أنه يختبر الجميع فيقول بعد هذه الآية: "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا" (الكهف/ 9) أتظن أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا حالات استثنائية وعجيبة؟ كلا، الجميع يخضعون للاختبار.
أ/5- "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ" (العنكبوت /2)
"أيحسب الناس أنهم بمجرد أن يقولوا آمنا نتركهم ولا يُختبرون؟"
الفرق بين هذه الآية والآيات السابقة هو أن الاختبار هنا قد اقترن بالدعوى.
تنبهنا هذه الآية إلى أن الاختبارات نوعان:
1) اختبارات بلا دعوى
2) اختبارات مع دعوى
عمده آزمايشها در قرآن، لفظش، اِشعار به آزمايشهاي نوع اول دارد. شما بدون آنكه دعوي چيزي را كرده باشيد مورد آزمايش واقع ميشويد تا به خود شما نشان داده شود كه چه جوهرهاي داريد، روح شما تا چقدر جلو رفته است و تا چه حد استكمال نيافته، ناگاه فرد ادعاي موفقيتي در جهتي كرده است، آنگاه براي آنكه به او بفهمانند، ادعاي درستي نكرده، او را ميآزمايند. از نظر تجربي هر چه انسان ادعا كند بيشتر مورد آزمايش و ابتلاء واقع ميشود (در همان جهت ادعا). اين تجربه متديّنان فقط نيست، انسانشناسان فراوان در كتابهايشان اين نكته را بيان داشتهاند. در هر چه ادعا كنيد (مثلاً ادعا كنيد كه ثروت يا شهرت براي من اهميت دارد يا ...) خود را در جهت فلان ادعا در معرض آزمايش قرار دادهايد. بههمين جهت علماي اخلاق توصیه ميكردند كه موفقيتهاي خود را بيان نكنيد. چون بيان همان و آزمايش همان. حال آنكه به خدا اعتقاد دارند اين را به خدا نسبت ميدهند و آنها كه ندارند به نظام جهان اين را نسبت ميدهند كه هيچ ادعايي بيآزمايش گذاشته نميشود. (اگر خيلي بيرونگرا نباشيد و در احوال خود اهل تأمّل باشيد اين را به تجربه درميِيابيد) اين آياتي كه در زمينه آزمايش (قسم اول مصيبتها) خوانديم نمونهاي از آيات فرواني است كه بر اين نكته دلالت دارند. اما البته دلالت اين آيات بر اين نكته واضحتر است.
مصیبت هایی که برای آزمایش نیست و نتیجه ی سوء عمل است.
دسته دوم مصيبتها از اين جهت براي ما پيش ميآيد كه نتيجه سوء عمل ما به ما چشانده شود. به چه منظور؟ قرآن ميفرمايد سود اين مطلب در اينست كه بعيد نيست كه بازگرديد. البته لزومي برقرار نيست، اما زمينه براي بازگشت آماده ميشود.
آیات ناظر به دسته ی دوم مصیبت ها
ب/1- "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ- فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ" (فصلت/ 16-15)
اما قوم عاد، در زمين به ناحق كبريايي هستند. استكبار اينها به اين صورت بود كه گفتند[4] چه كسي از ما قويتر است؟ آيا اينها نميدانستند خدايي كه آنها را آفريده از آنها نيرومندتر است. ميدانستند اما براي انكار راه ميپيمودند. ما بر آنها يك باد سختي[5] در روز شومي فرستاديم [اين مصيبت را چرا بر آنها وارد كرديم؟] براي آنكه عذاب خزي[6] را به آنها بچشانيم. خواري را به آنها بچشانيم. (چون ميخواستند بگويند ما قوي هستيم ما نشان داديم كه چقدر خوار و زبون هستند و در برابر بادي نميتوانند بايستند) تا نشان دهيم كه از آنها نيرومندتر هم هست. اما البته عذاب آخرت از اينهم خواركنندهتر و رسواكنندهتر است."
اين نكته كه در باب قوم عاد گفته شده در باب قوم ثمود هم بيان شده[7] است.
ب/2- " وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى، دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (سجده/ 21)
قرآن در اينجا يك قاعده كلي را در باب تمام كسانيكه همواره راه فسق را ميپويند و دائماً نوعي سركشي، نافرماني نسبت به خدا دارند، بيان ميكند. قرآن ميفرمايد دو نوع عذاب براي كار اينها داريم:
1) عذاب اكبر: عذابهاي آخرت
2) عذاب ادني: عذابهاي دنيوي
يُعبّر القرآن دائمًا عن عذاب الآخرة بـ "العذاب الأكبر" (أعظم عذاب أو العذاب الأعظم). والعذاب الأدنى هو المصائب التي نُصاب بها في هذه الدنيا.
"لَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (السجدة/ 21). لم يُذكر في أي موضع من القرآن هدفٌ لمصائب الدنيا سوى هذا الهدف. ففي جميع المصائب الدنيوية الهدف هو "الرجوع". والشواهد القرآنية في هذا الجزء كثيرة جدًا.
المصائب التي يقتضيها العيش في هذه الدنيا.
الصنف الثالث من المصائب هو نتيجة الحياة في هذا العالم، وهو من مقتضيات العيش الدنيوي. يصاب بها النبي والقديس والكافر... كل من يحيا في هذه الدنيا، وكما تشمله آلاف القوانين الطبيعية، يشمله هذا القانون أيضًا.
مثل ماذا؟ مثل الشيخوخة وأمثالها.
الآيات الناظرة إلى الصنف الثالث من المصائب
1- "وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ" (يس/ 68)
(هذه الآية هي أكثر ما يؤكد عليه المفسرون) لا استثناء فيها، يقول القرآن: "نحن نطيل أعماركم ولكننا نتعامل معكم بالتنكيس[8]". شيئًا فشيئًا نأخذ ما أعطينا. مسار الحياة هكذا: إلى حين يمنحنا الله باستمرار القوة والطاقة والذاكرة والذكاء واهتمام الآخرين... ولكن بعد فترة تُسلب منا هذه العطايا الواحدة تلو الأخرى. وفي موضع آخر ورد تعبير "أَرْذَلِ الْعُمُرِ" (أحط مرحلة من العمر):
2- "وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ" (النحل/ 70)
"والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئًا إن الله عليم قدير."[9]
في بيان القرآن، ما نزلت مصيبة على فرد أو قوم إلا وكانت فلسفتها واحدة من هذه الثلاث. لا تظنوا بالطبع أن انحصار المصائب في هذه الثلاثة حصر عقلي، كلا، بل هو استقرائي. لكن القرآن، الذي هو أساس عملنا هنا، قد بيّن استقرائيًا هذه الثلاثة فحسب. ليس هناك حصر عقلي البتة، غير أننا لم نهتدِ إلى شيء آخر غير هذه الثلاثة حتى الآن. لم يذكر أحد غيرها، ولكن لو ذُكر شيء آخر فلن ننفيه.
إبستمولوجيا أنواع المصائب من منظور القرآن
* الآن، كيف لنا أن نعرف أيَّ نوع من هذه الأنواع الثلاثة هي المصيبة التي تحل بنا؟
الحقيقة أن طريق تشخيص هذه الأنواع الثلاثة صعب للغاية. لا توجد سوى قرائن وإمارات.
فيما يخص مصائب الصنف الثالث، يمكن لعمل إحصائي أن يُظهر أن هذه المصائب من النوع الثالث، وذلك بأنه إذا عمّت مصيبة ما ولم يُستثنَ منها فرد أو مجتمع، أمكننا القول إنها مصيبة من مقتضيات هذه الحياة الطبيعية. هذه الدراسة الإحصائية لم تُجرَ بعد بالطبع، لكن المفكرين البروتستانت عملوا كثيرًا في هذا المجال ليفهموا أي المشكلات لا مفر منها، وهم يريدون ذلك لكي لا يقدم المبشرون الدينيون توصيات للناس في هذه الحالات.
بيان خصائص الإنسان من منظور القرآن
" لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ" (فصلت/ 49)
لا يمل الإنسان من الجشع[10] [من هذه الناحية لا يعتريه أي تعب] لا يكلّ الإنسان في طلب المزيد من المال[11]، لكن إذا أصابه نقصان استولى عليه اليأس والقنوط[12]. وإذا مسه شر استولى عليه خوف شديد جداً، ويصبح عرضة للاضطراب. "وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ" (فصلت/ 51) عندما ننعم على الإنسان بنعمة يعرض عنا وينصرف إلى شأنه[13] (لا ينظر خلفه ليرى أن الله هو الذي أعطاه هذه النعمة) ولكن عندما يصيبه شر يكتب إلينا رسالة طويلة عريضة (عريض = واسعة)، ويطلب أشياء كثيرة. وقد وردت خاصية الجشع هذه في آيات أخرى أيضاً.
الأهم من الجشع هو "العجلة" (كون الإنسان عجولاً). لماذا هي أهم؟ لأن الجشع يمكن توجيهه نحو الخير، أما العجلة فلا. يمكن دفع الجشع بالتربية والتعليم نحو المعنويات. وقد فعل القرآن ذلك إذ يقول: "فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ" تسابقوا في أعمال الخير[14]، طبّقوا الجشع هناك. إذن فهو قابل للإصلاح وتغيير الوجهة. أما كون الإنسان عجولاً فلا يمكن تبريره لا في المعنويات ولا في الماديات.
الهلع والعجلة متقاربان. لماذا؟ قد تكون جشعاً ولكنك تتأنى، وقد تطلب المزيد (أكثر مما لديك) وتطلبه سريعاً. هذا الطلب العاجل يوقع الإنسان في ألف مهلكة أخلاقية. (سأذكر في القسم الأخلاقي القرآني الصفات المذمومة الناتجة عن العجلة)
يقول القرآن: "خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" (الأنبياء/ 37)
خُلق الإنسان عجولاً. سنريكم آياتنا فلا تستعجلوا.
هذه العجلة تجعلنا نتوقع فجأة نتائج أعمالنا (سواء ذات الأهداف المادية أو المعنوية) أبكر مما ينبغي أن تصلنا. وهذا بذاته (توقع الأمر العاجل) يجرنا إلى سلسلة من ردود الفعل غير المرغوبة. أحد ردود الفعل هذه هو أنهم حين يُقال لهم إن لم تسمعوا لرسالة الأنبياء ستصيبكم مصيبة كذا، يقولون فوراً: لا، لقد كذبناكم ولكننا لم نقع في ضيق. هذا بذاته كان يؤدي إلى ألا يفهموا رسالة الأنبياء فهماً عميقاً. وردت في القرآن حالات كان منكر النبي يقول فيها: إن ما تقولونه مترتب على تكذيبكم، لم ينزل بنا، وبما أن الأمر كذلك فقد ادعيتم كذباً. إذن فأول أثر لعجلة الإنسان هو تكذيب دعوة الأنبياء.
.
.
*تتمة الحديث في الخصائص الأنثروبولوجية في القرآن
موقف الإنسان تجاه المسرات والمضار
يعتقد القرآن أن الإنسان يتخذ سلسلة من المواقف تجاه إقبال المسرات، وسلسلة من المواقف تجاه الشدائد، وسلسلة من المواقف المشتركة في وقت السراء والضراء معاً.
6) الخاصية المختصة بالإنسان وقت الشدة - من وجهة نظر القرآن - هي "اليأس". (سنذكر حكم القرآن القيمي بشأن هذا اليأس في قسم أخلاق القرآن)
7) السمة الخاصة بالإنسان في حالة الرخاء هي:
1) نسيان الشدائد والمواقف في أوقات الشدة
2) العُجب بالنفس واعتبار كل شيء نتيجة لعمله وسعيه
3) الطغيان على الله.
السمة العامة في حالة الرخاء والشدة
8) السمة العامة للإنسان في حالة الرخاء والشدة هي:
1) الكفر،
2) التفكير العادي والمعتاد. أي أننا لا نرى إلا المجاري العادية للأمور. ولا نعتقد بمجارٍ غير عادية للأمور. نوع من التفكير العادي، التفكير المألوف. (كل هذه الحالات تعرضت للذم الشديد، ومن الناحية الأخلاقية، فإن انحطاطنا يعود عموماً إلى هذه السمات).
* دراسة سمات الحالات المذكورة في القرآن:
1- "وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" (يونس/ 12)
"حين يمس الإنسان ضر، في أي حالة كان، مضطجعاً أو على جنبه أو قاعداً أو قائماً، يدعونا بشدة. ولكن عندما نكشف عنه ضره، يمضي في سبيله. وكأن لم يصبه ضر قط.
كون الإنسان يدعو الله في وقت الشدة ثم ينسى الله عند انكشاف الشدة، قد عُبّر عنه في آيات أخرى من القرآن بـ"الكفر".
هذا تضرع يكون، لشدة ما يترتب عليه، عين الجحود والكفر (حالة الكفر هذه هي نفس الحالة المشتركة الموجودة في وقت الرخاء أيضاً).
هذه النقطة تتعلق بالشدة. أما النقطة التي تحصل في وقت الرخاء فهي حالة "النسيان". ؟؟
- حتى بمعزل عن موقف القرآن - إنه لأمر منحط ومخالف جداً. أحد أسباب ثمرة انحطاطنا المعنوي هو هذا. ولهذا تقول مدارسنا العرفانية: اذكروا في الرخاء حالة الشدة.
2- " وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء... (هود 10 و 9)
حين نحدث في حياة الإنسان انفراجاً (تعبير "أَذَقْنا" تعبير لطيف يريد أن يلفت النظر إلى أن كل رخاء يُعطى لكم، هناك رخاء أعلى منه في خزينة الرحمة الإلهية، فلا تظنوا أن الرخاء كله هو هذا، اطلبوا المزيد) أذقناه رحمة من رحماتنا ثم نزعنا منه هذا الرخاء فيصاب بحالة من اليأس والكفر.
عند نزع الرخاء، أي الشدة، ينسب الله تعالى للإنسان صفتين عند إقبال الشدة: اليأس والكفر.
الكفر من الصفات المشتركة في حالة الرخاء والشدة. في القرآن كله، كلما جاءت صفة اليأس، كان متعلقها "الرحمة الإلهية". أي أن الفرد يظن أنه بعد الشدة لن يحصل يسر مجدد. ييأس من رحمة الله. لكن إذا خلقنا، على خلاف توقعه (لأنه كان يائساً)، حالة من الرخاء بعد الشدة، إذا أعطيناه نعمة بعد شدة يقول: ذهبت السيئات عني."
نكته مهم در اينجا اينست كه يك اشتباه اينست كه انسان گمان ميكند كه ديگر تمام بديها از او بازگرفته شده است و اشتباه و خطاي ديگر اينست كه گمان ميكند بديها خودش رخت بربسته نه اينكه بديها را خدا بُرد. (نميگويد اذهب السيئات عنّي بلكه ميگويد ذهب السيّئات عنّي) و اين خطاي دوم مصداق كفر است. خطاي اول باعث ميشود انسان به فَرح دچار شود چون ميانديشد كه ديگر اين خوشي با دوام خواهد ماند و ميگويد بديها ديگر از هستي من رخت بربسته است. بر اين خوشي غره ميشود گمان نميكند كه همچنانكه حالت ناخوشي قبلي به اين خوشي كنوني بدل شده است، حالت خوشي كنوني هم ميتواند حالت ناخوشي در پي داشته باشد. بههمين جهت
"ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله (تنتفعوا من سير السفن) لتبتغوا من فضل الله. (يجعل الله لكم وسيلة تذهبون بها إلى مكان، وهناك ينفعكم أحد، ويمنحكم نعمة. جمال كلام الله هنا أنه يقول: أجعل لكم وسيلة تذهبون بها إلى مكان أمنحكم فيه نعمة، أي أن الفاعل لكل شيء هو الله) إنه كان بكم رؤوفاً رحيماً[15]. فإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه (ضلَّ[16] من تؤمنون الاّ ايّاهَ) وعندما يصيبكم الضر يهرب كل شيء غير الله من صفحة وعيكم (لأنه يعلم أن وجوداً آخر يمكنه أن يعينه) ولكن عندما ينجيكم الله إلى البر تعرضون والإعراض/الإدبار ناشئ عن العصيان والتمرد.) هكذا يكفر الإنسان. (النسيان بعد التضرع هو كفر ومصداق للكفر) إلى هنا، تبين الآية الكفر والنسيان بعد زوال الضر. لكن السمة الأخرى التي تعبر عنها هذه الآيات هي سمة "التفكير المألوف". لماذا عندما نصل إلى البر تطمئن قلوبنا؟ هل يختلف البحر عن البر؟ التفكير المألوف يقول لنا إن الخطر في البحر أكثر منه في البر. نشعر بالخطر في السيارة والطائرة و... أكثر مما نشعر به ونحن على الأرض. هذا هو التفكير العادي. اعتبار الأشياء التي تحدث دوماً على نحو معتاد أصلاً. يقول القرآن هذا أحد مآزقكم. نعم قد يُستنتج في إحصاء أن الأخطار التي تهدد الإنسان في البحر أكثر منها في البر، وبالطبع ليس الأمر كذلك، هذا من تفكيرنا الساذج.) ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فهذا هو مجرى الحياة العادي، ولا ينبغي أن يضلنا هذا فنظن أن هذه الأمور هي أصل الحياة. يشير القرآن إلى هذه النقطة في هذه الآيات.
أليس الله بقادر على أن يشق الأرض فتنهار بكم؛ أليس الخسف في البحر فقط؟ أليس الله بقادر على أن يحدث أثراً خلاف المألوف؟ هل أمنتم من أنه حين تبلغون البر تماماً[17] أن يخسف الله بكم.
هل أنتم في أمان من أن يهطل عليكم خطر عواصف من البر[18]؟ فتجدوا لكم حافظاً حينئذ؟ هل هذا محال؟ إن اعتبارنا هذا محالاً ومستبعداً هو بسبب كونه مألوفاً! هل أنتم في أمان (من أن يعيدكم الله إلى البحر نفسه الذي نجاكم منه من قبل، ويرسل عليكم إعصاراً يحطم السفن[19]، فيغرقكم بسبب كفركم (يشير القرآن إلى أن ذلك التضرع الذي يعقبه نسيان في وقت الرخاء هو كفر) إن فعلت هذا فلا أحد يستطيع محاسبتي. لن تجدوا لكم علينا به محاسباً يطالبكم بمصلحتكم.
ما تركز عليه هذه الآيات (الآيتان 68 و 69) هو ما تعرف به: "التفكير العادي هو أحد مهلكات الإنسان." أن يعتبر المجريات العادية أصلاً ويألفها ويحصل منها على أمن.
قولهم: اطلب المراد من خلاف ما جرت به العادة / فإني جمعت شملي من ذلك الشعر المشوش؛ يعني أن العادات تخيب آمالكم. هذا خلاف ما جرت به العادة، أي عدم الأنس بالأمور العادية وعدم الأمن بها وعدم اعتبارها أصلاً، ضار بحسب قول العرفاء لأنه ينسينا الله. ولكن إذا قلنا إن القرآن نفسه يمكنه أن يأتي بخلاف هذه الأمور العادية، فحينئذ يتوكل الإنسان على الله تماماً. عندما تدل كل الظواهر على أنني في ضيق أقول في لحظة يستطيع الله أن يزيل كل هذا، وعندما أكون في رخاء أيضاً، أعلم أنه في أي لحظة يمكن أن يُسترد مني هذا الرخاء وهذا خلاف العادة. لأن الظواهر تقول إن الرخاء تام. ولكن إذا ألفتم الأمور العادية، لا تذكرون الله في وقت الضيق لأن الظواهر تقول لا إمكان للانفراج فيحدث اليأس، وفي وقت الرخاء أيضاً لا تذكرون الله لأن ظواهر الأمور تشهد بأن هذا الرخاء لا ينتهي. الأنانية (وهذا أيضاً انقطاع عن الله)
الله يتصرف وفق السنن غالباً، لكن هذه السنن لا تقيد يديه.
أما إذا استقبلتم خلاف المعتاد، فلن تصابوا باليأس ولا بالغرور. أجل، الله يتصرف وفق السنن غالباً، لكن هذه السنن لا تقيد يديه.
حين يقول الله عن اليهود: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ"[20]
فلهذا السبب، لو كنتم على دراية بكلام اليهود لعلمتم أنهم كانوا يرون الله خاضعاً للقوانين التي سنّها وأجراها بنفسه، وكأنهم رأوا يد الله مغلولة بالأغلال. يقول القرآن: بل أيديهم هم مغلولة؛ ويدا الله مبسوطتان تماماً.
هذه النقطة التي أولها العرفاء وبعض علماء الأخلاق (مثل محمد الغزالي) اهتماماً بالغاً: هي في الواقع نقطة كلامية بالغة الأهمية أيضاً وقد نبه عليها المتكلمون لدينا. لكن عرفاءنا مثل مولانا وعين القضاة وأحمد الغزالي وغيرهم يذكرون هذه النقطة بتأكيد أكبر. إن عدم الاعتياد على الأمور المعتادة، لأنه يوجهنا إلى جهة واحدة (هي الله)، يبعث على الطمأنينة التامة. لأن القرآن يقول: "أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"، فالاضطراب والقلق لا يزولان عن العالم إلا حين نعلق قلوبنا بكائن واحد، وعندئذ نكون مطمئنين في كل حال. أما الاعتياد على الأمور المعتادة فيسلبنا سكينتنا وطمأنينتنا. (سيأتي هذا البحث لاحقاً في قسم أخلاق القرآن)
4- "وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا" (الإسراء/ 83)
حين ننعم على الإنسان يعرض وينأى بجانبه، وحين يمسه الشر يكون يؤوساً.
قرأنا هذه الآية سابقاً في باب هلع الإنسان. وقد أوردناها الآن لمناسبة موضوع البحث في ذلك اليوم.
5- "وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ..." (الزمر/ 8)
حين يمس الإنسان ضر يدعو ربه منيباً إليه، ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل. (نسي دعاءه من قبل) ينسى دعاءه.
6- "فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (الزمر/ 49)
حين يمس الإنسان ضر يدعونا، ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم. (وهي صفة الغرور) وقد ورد هذا أيضاً في شأن قارون حين طلب منه مؤمن عشر ماله فقال: هذا مال أعطانيه الله أفأعطيه عشره؟ ولكن كلا الأمرين (الضراء والسراء) فتنة (اختبار في السراء والضراء) ولكن أكثرهم لا يعلمون.
7- "وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ" (الشورى/ 48) حين نذيق الإنسان منا رحمة يفرح بها، وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور.
8- "أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى - إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى" (العلق/ 7 و 8)
يقول تعالى إن الإنسان حين يستغني يطغى. ذلك لأن الغني يعني عدم الحاجة، والاستغناء يعني الشعور بعدم الحاجة أو وجدان عدم الحاجة. من منظور القرآن، لا يوجد إنسان هو مصداق للغني؛ المصداق الوحيد للغني هو الله تعالى. حينما يتوهم المرء أنه غني، فإنه يطغى.
9- "إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ[22]و[23]- وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ- وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ" (العاديات/ 8-6)
الإنسان في مواجهة الله يتصف بحالة من الجحود، إنه شديد الجحود لربه. وهو نفسه على ذلك لشهيد. لكنه شديد الحب للملذات. (الخير هنا ليس له معنى قيمي وأخلاقي، بل يعني التمتع المادي الذي أوضح مصاديقه المال). الإنسان شديد الحب للمال والملذات.
هذه الآيات الثلاث نالت بحثاً واسعاً من قبل المفسرين والعرفاء وعلماء الأخلاق، وهي آيات عميقة جداً.
خصائص الإنسان في القرآن هي خصائص إحصائية.
* ملاحظة: الخصائص التي يعددها الله تعالى للإنسان هي جميعاً خصائص إنسانية، لكنها ليست لازمة لا تنفك عنه. ليست أي من هذه الخصائص كذلك. جميع الخصائص هي خصائص إحصائية (Statistical) للإنسان. مثل كل ما يقال في العلوم. القوانين التي تُذكر في العلوم هي من هذا القبيل. (بناءً على قانون علوم التغذية، يجب على كل إنسان أن يوصل إلى جسمه مقداراً معيناً من السعرات الحرارية وإلا أصيب بعارض. لكن ذلك الناسك الذي لا يأكل في الأسبوع إلا لوزة واحدة، لا يصيبه أي عارض) أي أنه يقول بخصوص هذا الموضوع إن أغلب الأفراد غالباً هم هكذا، وهو ما عبرت عنه في هذا القانون. (قانون إحصائي)
كل ما ذكره القرآن عن خصائص الإنسان؛ يحمل هذه الحالة الإحصائية. والدليل على ذلك هو أنه يقدم حلاً للخلاص من هذه الحالة. سنتطرق إلى أن طريق النجاة من هذه الحالة يراه القرآن في الإيمان والعمل الصالح. مثلاً بعد ذكر هذه الخصائص يقول: «إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» أو «... إِلَّا الْمُصَلِّينَ» أو «إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ».
إذن فهذه الخصائص ليست لازمة لا تنفك عن الإنسان، لكنها في الوقت نفسه ليست سهلة المقاومة.
اختيار الإنسان في ظل تعين المجتمع من منظور القرآن
س: هل يمكن القول إن نظام الخلق هو نظام يستلزم وجود المذنبين (بناءً على اختيار الإنسان)؟
الأستاذ: النقطة المثيرة للاهتمام هنا هي أنك إذا نظرت إلى النظام الاجتماعي، يرى مدير المجتمع أنه إذا لم يكن في المجتمع أطباء ومهندسون وعمال... إلخ، فإن التعليم لا ينتظم. وبناءً على ذلك، يوفر الأرضيات للاختيار نحو كل من هذه المهن كي يحافظ على توازن المجتمع، وألا يصبح الجميع أطباء مثلاً... إذن هو يريد ذلك في النهاية، لكنه يخلق هذه الدوافع ويترك المجتمع لحاله. في المآل يصل المجتمع إلى حد التوازن. لكن هذا التوازن لا يخلق جبراً على أفراد الأفراد، وإن كان هناك جبر يحكم المجتمع. (إذا أصبح الجميع أطباء، تقل الحاجة إليهم، فيقل دخل الأطباء، فيقل الميل نحو الطب، ومن جهة أخرى تزداد الحاجة إلى التعليم بشدة، فتزداد قيمة عمل المعلم، فيزداد الرغبة في التعليم... توازن اجتماعي). هذا الأمر لا إشكال فيه لأنه لا يحكم الفرد. وبالتالي لا يسلب الاختيار من الإنسان.
في نظام الخلق توجد مثل هذه الحالة أيضاً، فإذا كان الجميع مثل أبي ذر فلا شك أن النظام الاجتماعي سيختل، وكذلك إذا كان الجميع مثل معاوية. لذلك قدّر الله أن يكون في المجتمع توازن ليحفظ استقراره. لكن هذا ليس جبراً. لأنه صحيح أن وجود كلا الفئتين لازم، ولكن انتمائي لأي الفئتين: يتوقف عليّ أنا. أنا من يحدد ذلك (المجتمع مجبر تماماً أما الأفراد فلا).
ولهذا السبب يقول المتكلمون أيضاً في باب القضاء والقدر إن وجود المذنبين والمحسنين مقضي ومقدّر إلهي، أما دخولي أنا في أي الفريقين، فليس مقضياً باقتضاء إلهي حتمي، وليس جبراً.
المجتمع المتعالي من منظور القرآن
س: ما هي أولى خصائص المجتمع المتعالي؟
للمجتمع المثالي خاصيتان:
1) كل من يريد أن يسلك طريق الكمال فطريقه ممهد وسهل / ويواجه أقل قدر من المزاحمين. 2) كل من لا يريد أن يسلك طريق الكمال يلقى جزاء أعماله، / فالظالم يلقى عقابه.
وعليه فالمجتمع المثالي ليس مجتمعاً جميع أفراده معصومون، فهكذا مجتمع لن يتحقق له توازن ولو مرة واحدة. حتى مجتمع الإمام الحجة (عج) ليس كذلك (فما دام الإنسان مختاراً، يوجد المذنب والمحسن على حد سواء) لكن في المجتمع المثالي يكون النظام الحقوقي الاجتماعي معصوماً، ولكن هذا لا يعني عصمة الأفراد واحداً واحداً.
والسلام
.
.
الأوصاف التي وردت للإنسان في القرآن ليست بالضرورة أوصافاً لجميع البشر بلا استثناء.
ملاحظة: الأوصاف التي وردت للإنسان في القرآن ليست بالضرورة أوصافاً لجميع البشر بلا استثناء. ولكن أغلب الناس على هذه الشاكلة. أحياناً حين يُنقل وصفٌ ما يُعلم من نفس الوصف أن المقصود ليس كل إنسان، وأحياناً يُصرّح بهذه الملاحظة (بـ "إلا" أو ما شابهها) مثل قوله تعالى: ... إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا أو ... إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. على أية حال، أوصاف أغلب الناس هكذا، وأغلب الناس يعني (99%) من البشر هم على هذه الشاكلة.
تتمة الحديث في خصائص الإنسان من منظور القرآن
خاصية أخرى للإنسان هي خاصية "الضعف".
قلنا سابقاً إن الإنسان من منظور القرآن يعاني من منقصة في خاصية العلم. ولكن بالإضافة إلى ذلك، يعاني الإنسان من نقصان ومنقصة في ناحية القدرة أيضاً:
يقول القرآن: "... خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا" (النساء/ 28). ضعف الإنسان أمر ملموس في الحياة كلها، ولكن مقداراً منه يصبح ملموساً ومحسوساً في وضعيات خاصة. بمعنى أن الإنسان يشعر ببعض نقاط ضعفه، ويكتشف البعض الآخر في وضعيات خاصة. فالأمر ليس أن لنا علماً حضورياً بضعفنا، بحجة أنه ضعفنا وبالتالي لا يمكن أن يغيب عنا أبداً. لكن الأمر ليس هكذا. نحن لا نحيط بكل نقاط ضعفنا. يجب أن تحصل أوضاع وأحوال كالشدائد والمصائب، أو اقتراب الموت، أو مواجهة من هو أقوى منا، أو الابتلاء بأمراض مستعصية أو لا علاج لها و... حتى يُنبَّهنا إلى نقاط ضعفنا.
بحث الضعف الأخلاقي للإنسان في الآية الأولى
بعض الكتّاب المتنورين أرادوا أن يستنتجوا من هذه الآية الضعف الأخلاقي للإنسان أيضاً. (بالإضافة إلى الضعف الجسدي والنفسي) التعريف الدقيق للضعف الأخلاقي بتعبير "سقراط" هو أن "تظهر في الإنسان حالة تجعله مع علمه بأن 'أ' خير لا يفعله، ومع علمه بأن 'ب' شر يفعله."
بحث الضعف الأخلاقي للإنسان في الأخلاق وفلسفة الأخلاق
وفي درس الأخلاق أيضاً يُطرح بحث دقيق في باب الضعف الأخلاقي وعلاقته بالإرادة.
كان سقراط يعتقد أن الإنسان لا يعاني من ضعف أخلاقي. أي أنه من المحال أن يعلم الإنسان خيرية أمر ثم لا يفعله، أو يعلم سوء أمر ثم يفعله. فكلما فعل شيئًا فقد اعتبره خيرًا، وكلما امتنع عن فعل شيء فقد اعتبره سيئًا.
وكان أرسطو أول المفكرين الذين أصروا بشدة على الضعف الأخلاقي للإنسان، وقال إننا خُلقنا بحيث نعاني حقًا من هذا الضعف. أي أننا نعلم أن أمرًا ما خير لكننا لا نفعله، ونعلم أن أمرًا ما شر لكننا نفعله.
تعلمون أن الضعف الأخلاقي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإرادة. كيف يمكن أن يعتبر المرء شيئًا خيرًا ولا يريده؟ وكيف يمكن أن يعتبر فعلًا سيئًا ويريده؟ ما الذي يحدث في الإنسان؟
رد إسناد معنى الضعف الأخلاقي إلى الآية المعنية
والآن، هل القرآن حين يقول "خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا" يقول قول أرسطو هذا؟ هل ورد فيه قول أرسطو أم لا؟ قول أرسطو، سواء كان صحيحًا أم خاطئًا، لا يُستفاد من هذه الآية القرآنية، لماذا؟ لأن مصطلح الضعف الأخلاقي لم يكن مفهومًا من كلمة "ضعف" في صدر الإسلام. لاحقًا، حين اطلع المسلمون على هذا الخلاف بين سقراط وأرسطو، عبروا عن هذا المصطلح بـ "الضَّعْفُ الْخُلُقي". أما عند نزول الآية فلم تكن كلمة "ضعف" تُفهم بمعنى الضعف الأخلاقي. لذا فإننا لا ننسب هذا المعنى إلى الآية – لسنا بصدد الحكم على ما إذا كان الإنسان يعاني من هذه الحالة أم لا، بل نقول إن هذا المعنى لا يُستفاد من الآية.
الضعف الأخلاقي من منظور القرآن
هذه الحالة من الضعف الأخلاقي وردت في القرآن بلفظ "كفر". وسنتناول أن الكفر نوعان: كفر نظري وكفر عملي. والكفر العملي هو عين ما ذكرناه: أن يعلم المرء أن أمرًا خير فلا يفعله، أو يعلم أنه شر فيفعله.
السمة العاشرة: "الكفر" و"الظلم"
10- سمة أخرى نُسبت إلى الإنسان، هي "الكفر" و"الظلم".
" إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" (الأحزاب/ 72)
في هذه الآية، وهي متشابهة بالكامل، نُسب إلى الإنسان كونه ظلومًا جهولًا.
بعض النقاط المبهمة في آية الأمانة
بضع نقاط: ورد في هذه الآية أننا عرضنا "الأمانة" على السماوات والأرض والجبال،
1) هل يمكن نسبة الأمانة إلى الجمادات أيضًا؟
2) ما هي هذه الأمانة؟ (الأمانة هي كل ما يُعطى لكائن مؤتمن، وعليه فإن العلم والإرادة مفترضان مسبقًا)
3) لماذا الحديث عن "حمل" الأمانة وقيل إنهن أبين أن يحملنها، هل الأمانة تُحمل أم تُقبل؟ هل ينبغي الحديث عن حمل الأمانة وعدم حملها أم عن رفضها وقبولها؟
4) كيف كان إباؤهن؟
5) قال تعالى: وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، أي خفن منها. يقتضي أن يُقال خفن أولًا ثم أبين، لكنه قال: "فأبين وأشفقن منها"
6) يقول: "لكن الإنسان قبلها، الإنسان حملها"
هل كانت الأمانة قد عرضت على الإنسان؟ كيف قبل شيئًا لم يُعرض عليه؟ هل هذا الحمل واعٍ أم غير واعٍ؟
وفقًا لرأي الفلاسفة، الحمل غير واعٍ، لكن العرف يقولون إنه كان واعيًا. (لو كان واعيًا، والآن قد نُسي، فلا ينبغي أن يُحاسب عليه)
7) كون الإنسان ظلومًا جهولًا، هل هو علة لقبول هذه الأمانة؟ أم معلول لقبولها؟ أم لا علاقة له بهذين الأمرين؟
بحث في المقصود بالأمانة في الآية المذكورة
الأمانة هي وديعة تراعى فيها ثلاث نقاط:
1) كونها مؤقتة، يجب إعادتها.
2) أنتم تقبلون أخذها.
3) أنتم تقبلون عدم استهلاكها.
والسؤال الآن: ما هي هذه الأمانة؟
قال بعضهم: الأمانة هي الحرية (الاختيار)، وقال آخرون: هي العقل، وذهبت جماعة إلى أنها ولاية الأئمة الأطهار... ولكن الحقيقة هي أنه لا يمكن فهم ماهية هذه الأمانة من الآيات.
وهناك احتمال آخر، وهو أن تكون هذه الأمانة هي الروح الإنسانية. وهذا هو الاحتمال الوحيد الذي لا يرد عليه إشكال انعدام الوعي، لأن امتلاك الروح يساوق الوعي والحرية، ولأنه لم يكن هناك وعي قبل إعطاء الروح، فبطبيعة الحال لا يتذكر، وبناءً على ذلك، تنحل مسألة أننا لم نكن نملك وعياً. نعم، لم نكن نملك وعياً، وعندما أُعطينا الروح صرنا واعين، وكون الإنسان ظلوماً جهولاً يقتضيه الروح لا الجسد.
على أية حال، قيل في هذه الآية إننا ظالمون جداً (ظلوم)
نُسب الظلم إلى الإنسان في مواضع كثيرة من القرآن، لكن يبدو أن المقصود في كل موضع هو ظلم خاص.
- "وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ" (إبراهيم / 34)
وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار.
* في اللغة الفارسية نطلق لفظ "نعمت" على كل ما هو خير، أما في اللغة العربية فالنعمة هي كل شيء حسن يعطيه الآخر لي.
- "وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ" (الحج/ 66)
- "وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ" (الزخرف/ 15)
الفرق الدلالي بين "كفر" و"كفران"
* في اللغة العربية، "كفر" و"كفران" من أصل واحد لكنهما مختلفان: كفر = الستر، ولهذا يسمى "الفلاح" في لغة القرآن والعرب "كافراً"، لأنه يستر الحبة في الأرض (اعجب الكفّار نباتُه: يعجب الفلاحين نباته). كفران = عدم الشكر. عدم الشكر يعني "عدم إظهار الفعل المتناسب مع النعمة تجاه صاحب النعمة". وهذا في الواقع ستر للنعمة، إخفاء للنعمة. استُعمل "الكفران" بمعنى "عدم الشكر" بكثرة في القرآن والروايات. أما "الكفر" فلم يُستعمل بمعنى "الستر" بل استُعمل بمعنى اصطلاحي، وهذا المعنى الاصطلاحي هو ستر الحق وله بعدان:
1) البعد النظري: أي أن أعلم أن "ألف هي باء" صحيحة، ولكن أنكرها، والعكس بالعكس.
2) البعد العملي: أن يعرف عملاً ما على أنه خير ولا يفعله، والعكس بالعكس. (وهو الضعف الأخلاقي نفسه)
(كلا البعدين مستعمل في القرآن والروايات)
والآن، ولهذا السبب (الاختلاف بين لفظي كفر وكفران) فإن معنى الآيات التي استُعملت فيها مشتقات «ك - فَ- ر» إشكالي. مثلاً في الآية 34 من سورة إبراهيم التي نُقلت، لا ندري هل "كفّار" صيغة مبالغة من كفر أم من كفران. طبعاً إذا التفتنا إلى سياق الآية، فبما أن الحديث عن النعمة يمكن القول إن كفران أكثر تناسباً.
الفرق بين مصطلح الكافر في الفقه والقرآن
** ملاحظة: نحن نأخذ الكافر بمعنى الخارج عن دين الإسلام (طبعاً بالمعنى الفقهي)، ولكن من الناحية الكلامية ليس كل خارج عن دين الإسلام كافراً. لأن الخارجين عن دين الإسلام صنفان:
1) آنها كه ميدانند گزارههاي دين اسلام راست و برحق است اما انكار ميكنند، اينها حق را پوشاندهاند كافر
2) آنها كه از دين اسلام خارج هستند اما جداً و واقعاً نميدانند كه گزارههاي دين اسلام مطابق با واقع است، اصلاً خبر ندارند. اينها كافر نيستند چون چيزي را نپوشاندهاند. اينها گزارههاي دين اسلام را قبول ندارند اما كافر نيستند. چون حق را نپوشاندهاند.
به تعبير ديگر اگر "كفر" به معناي پوشاندن حق است، متفرع بر علم به حق است. اگر اصلاً خبر ندارم كه حق است تا قبول نكنم كافر نيستم. البته از نظر فقهي اين هم كافر است اما "فقه" علمي است كه بعد از اسلام پديد آمده و بنابراين نميتوان گفت در قرآن اصطلاح فقهي كافر بهكاررفته است. پس عليرغم آنكه آنچه فقه در باب خارج از دين اسلام ميگويد كاملاً صادق است و احكام فقهي هم بر آن بار ميشود، اما گمان نكنيد كه هر كس در اصطلاح فقهي كافر است، از نظر كلامي هم كافر است يعني چون قرآن به كفار جهنم را وعده داده است، جهنمي خواهد شد. (البته احكام فقهي بر هر دو دسته بار ميشود.)
اصطلاح كافر (خارج از دين اسلام) در فقه يك منقول فقهي است، و يك سري احكام هم براي او گفتهاند (نجس بودن، تحريم ازدواج با او و ...) اينها درست است اما وعدههايي كه در قرآن به كفار داده شده است براي هر خارج دين اسلام صادق نيست. چرا؟ چون در قرآن كافر معناي منقول فقهي را ندارد. كافر در قرآن يعني آنكه حق را ميپوشاند (حق را تميز داده و انكار ميكند) و البته چنين كسي جهنمي خواهد بود. اما اين به اين معنا نيست كه هر خارج از دين اسلامي جهنمي خواهد شد.
بههمين جهت اكثريت قريب به اتفاق غيرمسلمانان دنيايي ما از آن دستهاند كه اصلاً حق را تميز ندادهاند. يعني انكارش براساس علم نيست. (اگر پذيرش گزارههاي دين اسلام از سوي مسلمانان براساس علم و تحقيق و ... باشد انكار غيرمسلمانان هم براساس علم و تحقيق است اما اينطور نيست.) از اين نظر آن عذابها به اين قسم كفار (از نظر فقهي) مربوط نميشود مربوط به آن دسته است كه حق را تميز دادهاند و انكار كردهاند.
س: از نظر كلامي يعني از لحاظ سرنوشت او در آخرت؟
استاد: بله، چون سرنوشت در آخرت به فقه مربوط نميشود. فقه از هست و نيستها حرف نميزند و سرنوشت هر كس در آخرت از سنخ هست و نيستها است.
از آن طرف آنها كه داخل دين اسلامند (يعني از نظر شناسنامه مسلمانند) هم دو دستهاند:
1) حق را تميز داده و انكار ميكند جهنمياند.
2) حق را تميز نداده و انكار ميكند جهنمي نيست
حال اين تحقيق اين ميشود كه فقط صحبت بر سر اين است كه انسان حقي را تشخيص دهد و انكار كند هر كس ميخواهد باشد. مسلمان و غيرمسلمان. پس اسلام ظاهري و شناسنامهاي مهم نيست. (عرفا و شعرا براي بيان اين مطلب چون ميخواستند صريح نگويند ميگفتند كه اسماً مسلمانند اما تسليم حق نيستند "كافردل" هستند)
واقعيت هم اين است آنها كه اصلاً خبر ندارند گناهي ندارند. براي همين قرآن دائماً ميفرمايد كه در آخرت گفته ميشود كه "اكابر" (اكابرٌ مُجرميها) قوم را مؤاخذه كنيد براي همين است كه اينها حق را تميز دادهاند و انكار ميكنند. وگرنه بقيه دنبالهروي اينها هستند، اهل تميز نيستند. همانطوركه گفتيم مسلمانان هم كه اسلام را پذيرفتهاند با علم نپذيرفتهاند. آيا مسلمانان، تمام اديان را ديدهاند و در باب گزارههاي آن تحقيق كردهاند بعد درباره اسلام هم همين كار را كردهاند و بعد اسلام را پذيرفتهاند؟ هيچكس اين كار را نكرده، اين اصلاً در وسع هيچ انساني نيست. چرا اين را از پيروان ساير اديان ميخواهيم؟ آيا اين درست است كه بگوييم فقط پيروان دين اسلام از اين تحقيق (در باب اديان ديگر) معافند و بقيه ملزم به آن هستند؟
س: پس چرا در قرآن سرزنش شدهاند؟
استاد: آنچه سرزنش شده است تقليد نابهجاست.
س: شايد دليل الزام آنها به تحقيق براي اين باشد كه اسلام دين آخر است:
الأستاذ: إذا كان الأمر كذلك، فينبغي أن تخضع جميع الجماعات التي تدّعي المجيء بعد الإسلام (مثل البهائية) للتحقيق من قِبَل المسلمين. فتأخّر الزمان لا يجعل ديناً ما أكثر كمالاً، فقد يقول قائل إن الدين السابق أكمل من الدين اللاحق. فلا تلازم بين الأمرين (أو بين أي زمان والكمال).
- أساساً، لا يمكن الإتيان بدليل عقلي لا يقبل الخدش لأي قضية دينية، وما من أحد يصبح متديناً بدين ما من هذا الطريق.
في رأيي أن وظيفة كل إنسان - مسلماً كان أم غير مسلم - هي أن يجتهد في طلب الحق ما وسعه، وأياً كانت النتيجة التي ينتهي إليها هذا الطلب، فهو مصيب ومأجور. غير أنه ينبغي الانتباه إلى نقطتين:
1) أن يجتهد ما وسعه ليكون، بتعبير القرآن، قد «جاهَدَ حَقَّ جِهادِهِ». أن يجدّ ويجتهد حقاً في طلب الحق.
2) متى ما ميّز الحق، فليقبله وليعلن عنه، بصرف النظر عن أي اعتبار.
قد يكون نتيجة تحقيقه خاطئة، لكن وسع الإنسان لا يتجاوز هذا. والآن تصوّر إنساناً لا بد له، باستثناء ساعات قليلة للنوم والراحة وطلب المعاش، من أن يعمل باستمرار؛ فهذا الإنسان يكون التحقيق خارج وسعه. لذا لا تأخذوا معنى الوسع واسعاً جداً فتقولوا: حسناً، ليتنازل هذا الشخص عن ساعات نومه القليلة أيضاً، فهذا ليس في وسعه. فحتى أولئك الذين ينحصر عملهم كله في البحث في الدين، كم يستطيعون أن يعملوا؟ فكيف بمثل هذا الإنسان؟ ومع ذلك، فهذا الإنسان نفسه يعلم بقلبه أن الصدق خير من الكذب. هنا لا حاجة إلى تحقيق ولا يُقبل عذر، لأن هذه المسائل الأخلاقية - كحُسن الصدق وقُبح الكذب، وسوء الرشوة... إلخ - لا تنتمي إلى دين معين حتى يقول المرء إنه لم يستطع التحقيق في الإسلام مثلاً. هذه الأمور يشهد بها القلب.
س: إذا لم يكن هناك فرق عند الله بين مسلم طاهر حقاً ومسيحي طاهر حقاً أو بوذي طاهر حقاً، فما الفرق إذن بين تعاليم هذه الأديان؟
لُبّ الدين هو الأعمال الباطنية لا الأعمال الظاهرية
الأستاذ: يبدو أن الافتراض المسبق لهذا السؤال هو أن الصلاة مثلاً، بهذه الكيفية الخاصة الموجودة في الإسلام، توصل الإنسان إلى المقصد، بينما لا توصله إليه بكيفية أخرى. لكن لُبّ الدين هو الأعمال الباطنية لا الأعمال الظاهرية، وفي الأعمال الباطنية لا فرق بين الأديان.
ليست الصلاة والصيام... إلخ، هذه الأعمال الظاهرية هي ما توصلنا إلى الله، فبتعبير الإمام علي (ع): «ما أكثر الصائمين الذين ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والظمأ، وما أكثر القائمين الذين ليس لهم من قيامهم إلا السهر والعناء».
في جميع هذه الأعمال الظاهرية، المهم هو الباطن، وإلا فإن فيزياء أعمال المنافق لا تختلف عن فيزياء أعمال المسلم الحقيقي. ما يختلف في الأديان هو ظاهر الأعمال، أما باطن الأعمال فلا يختلف. أي أن باطن الصلاة، الذي هو عرض الراز والنياز، لا يختلف في الأديان. فإذا كان ظاهر صلاتي في غاية الزينة لكنه خالٍ من هذا الباطن، فلن أكون قد بلغت شيئاً.
يقول ألكسيس كاريل: «نقل لي قسّ أنه أقام يوماً مراسم بالغة الفخامة في الكنيسة، وبعد انتهاء المراسم رأيت فلاحاً رثّ الثياب لا يزال جالساً في آخر الكنيسة، فقلنا له: انتهت المراسم يا أبتِ. فقال: كلا، فالله لا يزال واقفاً هنا». هذا ما طُلب منا:
«غرض ز نماز آن بود كه پنهاني
حديث درد فراق تو با تو بگذارم»
التطابق الدلالي بين الضعف الأخلاقي وضعف الإرادة
س: إذا اعتبرنا الضعف الأخلاقي ناشئاً عن ضعف الإرادة، فربما يمكن استنتاج ذلك من آية «خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا» (بناءً على ما ذكرناه عن أرسطو).
الأستاذ: ضعف الإرادة هو نفس ما عبّرنا عنه باسم الضعف الأخلاقي، أي فعل ما نعلم أنه سيئ وترك ما نعلم أنه حسن، وبالتالي فضعف الإرادة هو عين الضعف الأخلاقي، وليس أن الضعف الأخلاقي ناشئ عنه.
الفرق بين ضعف الإرادة واختلاف وجهة النظر
ثمرة الضعف الأخلاقي ترتبط بالإرادة. بمعنى كيف نعرف أن شيئاً ما خير ولا نريده؟ أليست الإرادة متوجهة إلى ما نعرفه خيراً؟
جواب هذا الأمر هو أن الشخص أحياناً يعرف فعلاً ما على أنه خير لكنه يراه من منظور أعلى (وإن كان قد يخطئ في تشخيصه) شراً، أو يعرف فعلاً على أنه شر لكنه يراه من منظور أعلى خيراً. لكن الناظر بالطبع لا يلتفت إلى هذا الأمر. أي أنه لا يرى ذلك الشر الأعلى وذلك الخير الأعلى، ولهذا السبب لا يتفق الفاعل والناظر في هذا الشأن، ولا يمكنهما أن يتفقا، لأن العالم الروحي لفردين ليس متماثلاً أبداً. وبالاستدلال أيضاً لن يتحقق هذا التطابق، وبالتالي فإن هذا الاختلاف ليس مما يزول.
والفاعل حين يقوم بذلك الفعل الشر (من وجهة نظر الناظر) فهو يؤدي في ظنه فعلاً خيراً. أي أنه يرى الفعل الشر مصداقاً لخير أكبر (مثل شخص يسهر الليل. إذا قال له الناظر إن هذا الفعل مضر بالبدن، فهو يوافق على أنه مضر لكن لديه في نفسه داعٍ يجعل هذا الفعل، رغم ما فيه من ضرر، مصداقاً لخير أعلى). الناظر يرى فقط فعلاً هو مصداق "للشر"، لكن الفاعل يعتقد أنه قام بفعل هو بالإضافة إلى كونه مصداقاً "للشر" مصداق "لخير" أكبر أيضاً. (في هذه الحالات لا يكون الفرد مصاباً بضعف الإرادة).
س: إذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي لنا أن نشعر بالندم أبداً.
الأستاذ: وفقاً لأسس سقراط (منذ زمن أفلاطون)، يحدث الندم حين نتحير بين المؤقت والدائم، أو بين الأقل تأقيتاً والأكثر تأقيتاً، فنأخذ المؤقت وندع الدائم، أو نأخذ الأكثر تأقيتاً وندع الأقل تأقيتاً. عندما نأخذ النفع أو الخير المؤقت وندع النفع أو الخير الدائم، نشعر بالندم بعد ذلك.
مثلاً، الشخص الذي يدخن يستمتع بهذا الفعل (خير مؤقت) ويستمتع بصحة البدن (خير دائم) لكنه يندم بعد ذلك لأنه يرى أنه ترك الخير الدائم من أجل الخير المؤقت. أو بتعبير أكثر شيوعاً، أخذ الأكثر تأقيتاً وترك الأقل تأقيتاً. لم يكن سقراط يرى أن الندم ناتج عن أن يعرف المرء فعلاً خيراً ولا يفعله، أو يعرفه شراً ويفعله. في نظره، كلما قمنا بفعل ما، فذلك لأنه بدا لنا مصداقاً لفعل هو أكثر خيرية، وكذلك حين لا نقوم بفعل ما، فذلك لأنه بدا لنا مصداقاً لفعل هو أكثر شراً.
س: ما هو رأيكم أنتم؟ هل تنسبونه (الضعف الأخلاقي) إلى الجهل أم إلى الإرادة أم إلى شيء آخر؟
الأستاذ: نحن متفقون مع أرسطو في أن لدينا ضعفاً أخلاقياً، لكننا خلافاً لرأيه نعتقد أننا نعاني من الضعف الأخلاقي في حالات قليلة جداً، لا في أغلب الحالات. في بقية الحالات قد نخطئ، لكننا كنا نعتقد أثناء الفعل أننا نصيب. أو إذا تركنا الصواب كنا نعتقد أنه خطأ. إذن في هذه الحالات لا يكون الضعف الأخلاقي موجوداً.
نحن نقر بوجود الضعف الأخلاقي خلافاً لسقراط، وثانياً نرى أن الضعف الأخلاقي نادر خلافاً لأرسطو (الذي كان يراه غالباً). وفي حالات الضعف الأخلاقي، يرى المرء بالطبع خيراً في الفعل، لكنه لا يرى هذا الخير أكثر من الشر، ومع ذلك يقدم على ذلك الفعل. وفي حالات أيضاً يراه إجمالاً شراً ويقوم به، وهو يعلم أن شر الفعل أكثر من خيره. ومن الناحية الأخرى، في الفعل الذي لم يقم به، كان يرى الخير أكثر من الشر لكنه لم يقم به. (في هذه الحالات التي قام فيها بفعل شر، لم يره مصداقاً لخير أكبر، أو الفعل الخير الذي لم يقم به لم يره مصداقاً لشر أكبر، لأنه لو كان رآه كذلك لما كان ذلك ضعفاً أخلاقياً).
الندم يحدث في هذه الحالات (ذلك التبرير للندم الذي ذُكر سابقاً كان تبرير سقراط للندم، لكن حين لا نقبل أسسه، فبطبيعة الحال لا نقبل تبريره للندم أيضاً).
سقراط الذي لا يقرّ بوجود الضعف الأخلاقي لا يواجه هذه المشكلة أيضاً، وهي كيف لا تتعلق الإرادة بفعل يعلم الإنسان أنه خير، أو تتعلق بفعل يعلم أنه شر، لكن أرسطو يواجه هذه المشكلة.
كان سقراط يقول "الفضيلة قابلة للتعليم." لأنه إذا أخذنا بأساس رأيه القائل "كل من يفعل شراً لا يعلم أنه شر، ومن لا يفعل خيراً لا يعلم أنه خير،" - فبجعل الإنسان عالماً بالخير والشر، يمكن تعليمه الفضيلة. أما أرسطو فكان يقول إنها غير قابلة للتعليم. لأن العلم ليس سوى بُعد واحد من القضية، فأنا أحياناً أعلم أن فعلاً خير ولا أفعله، وأحياناً أعلم أنه شر وأفعله. الفضيلة ليست قابلة للتعليم بالكلية.
كان سقراط يعتقد من جهة أن "الضعف الأخلاقي غير موجود" (لأنه إن علم أن شيئاً خير فعله، وإن علم أنه شر لم يفعله) ومن جهة أخرى كان يقول في تبرير الندم "سبب ندم الإنسان هو اختياره خيراً مؤقتاً بدل الخير الدائم، أو خيراً مؤقتاً أكثر بدل خير مؤقت أقل". لكن وفقاً لرأيه هو نفسه، يستحيل على الإنسان أن يأخذ الخير المؤقت. فعندما يُقارن الخير المؤقت بالخير الدائم، والإنسان "سقراطي"، فإنه بطبيعة الحال سيأخذ الخير الدائم، لكنه يقول إن الندم يحدث عندما يأخذ الإنسان الخير المؤقت، فنقول إن كان يأخذ الخير المؤقت فهذا يستلزم أنه واقع في الضعف الأخلاقي. هذا التبرير للندم لا ينسجم مع أساس رأيه.
س: لكنه ينسجم مع أساس رأيكم.
الأستاذ: نعم، ولكن يوجد لنا تبرير أفضل وهو ما سبق بيانه.
س: لعل رأي سقراط هو أنه كان يظن أثناء الفعل أنه يأخذ الخير الدائم، لكنه رأى بعد ذلك أن الأمر لم يكن كذلك، ولذلك يندم.
الأستاذ: الندم لا يقع إلا في حالتين:
1) أن يعلم أن فعلاً خير ولا يفعله، أو يعلم أنه شر ويفعله (وهو عين الضعف الأخلاقي أو ضعف الإرادة)
2) أن يعلم أن فعلاً خير ويفعله، ثم يتبين له أنه أخطأ وأنه كان فعلاً سيئاً، والعكس.
هذا الندم الثاني يتعلق بنتائج الفعل لا بالفعل نفسه. الندم الأول يتعلق بالفعل نفسه، بالعمل.
مثلاً حين يعطي أب دواءً لابنه المريض، ثم - إثر رؤية أعراض تشديد المرض - يتبين أن الدواء كان خطأ، هنا يحدث الندم، لكن هذا الندم لا يتعلق بالفعل - لأن الأب أثناء قيامه بالفعل كان يعتقد جداً أنه يعطي ابنه الدواء الخاص بالمرض، ولذلك قام به بضمير مرتاح تماماً - بل يتعلق بنتائج الفعل. هذه الحالة تبدو بالطبع ندماً، لكنها في الواقع حالة "حزن" ترتبت على آثار العمل. ولهذا السبب يقول البعض إن هذا الندم من النوع الثاني ليس ندماً أصلاً، لأن الندم يتعلق بالفعل (هو صفة للفعل)، أما آثار الفعل ونتائجه فتجلب "الخوف" أو "الحزن" لكنها لا تجلب الندم. متعلق الندم هو الفعل، لا آثار الفعل ونتائجه.
في ذلك المثال الذي ضربته، ذلك الأب ليس نادماً على الفعل الذي قام به، لأنه كان مرتاح الضمير تماماً أثناء العمل. نعم، لو كان لديه أثناء العمل ذرة من احتمال الخطأ، لحصل له الندم، أما إن لم يكن الأمر كذلك فيحصل الخوف أو الحزن (بسبب نتائج الفعل) لا الندم...
س: إذا لم يكن الإنسان في أغلب أعماله مصاباً بالضعف الأخلاقي، فينبغي أن ينال البشر النجاة.
الأستاذ: النجاة ليست فقط بفعل العمل الصالح. فهناك أمران آخران مهمان في النجاة: 1) النية 2) القيام بأفضل عمل. النية موضوع مهم جداً، وهو غير مطروح أصلاً في مباحث أرسطو وأفلاطون وسقراط. هذا البحث بحث متأخر في فلسفة الأخلاق. من منظور الدين، مجرد القيام بالعمل الصالح لا ينجيني. النجاة متوقفة كلية على النية، وفضلاً عن النية، على القيام بأفضل عمل. (وليس فقط العمل الصالح)
من وجهة نظر عالم أخلاق، إذا قمت بالفعل الصواب، فهذا يكفي. أما من وجهة نظر الدين، فينبغي القيام بالأفضل. علاوة على ذلك، فإن مدخلية النية ليست محل إجماع من وجهة نظر فيلسوف الأخلاق، فبعض فلاسفة الأخلاق مثل سقراط أو أفلاطون أو أرسطو لم يقولوا بالنية أصلاً، والأمر الثاني (الأفضل) لم يقل به أحد على الإطلاق.
لو كان الخلاص في الدين معادلاً لما يُقال في الأخلاق، لكان ينبغي حقاً وفقاً لهذه النظرية أن يكون أكثر البشر ناجين، لكن الأمر ليس كذلك.
غاية ما يُقال في الأخلاق هو الصواب والخطأ، و"الصواب" يعني "الأفضل بين التعارضات" وهذا غير القيام بالفعل الأفضل. الأفضل أو الأحسن بين التعارضات يعني إذا كان هناك فعلان خيّران ولم يكن لنا بد من القيام بأحدهما، فينبغي القيام بالأفضل. أو إذا كان هناك فعلان سيئان ولم يكن لنا بد من القيام بأحدهما، فينبغي اختيار السيئ. "السيئ" هنا و"الأفضل" هناك يعنيان "الصواب".
أما في الدين فليس التعارض هو المهم فحسب، بل في الحالات التي لا يوجد فيها تعارض أيضاً ينبغي القيام بالأفضل. مهما تكن الحالات، سواء وجد تعارض أم لم يوجد، ومع أننا لسنا ملزمين بالقيام بفعل ما، ينبغي مع ذلك القيام بالأفضل.
المقصود من الإرادة في فلسفة الأخلاق
س: ما معنى الإرادة؟
الأستاذ: ما يُسمى "إرادة" في الفلسفة وفلسفة الأخلاق هو أمران:
1) ما أريده ويؤدي إلى الفعل
2) ما أريده ولكن يوجد مانع خارجي (خارج عن نفسي) يحول دون أن يؤدي إلى الفعل.
أما في الحالات التي نريد فيها القيام بفعل ما، ولكننا لا نقوم به (أي أن المانع داخلي) فهذا لا يُسمى إرادة، بل يُسمى "ميلاً".
س: ما هي النية؟
الأستاذ: قيل في ماهية النية ثلاثة أقوال:
1) إنها من مقولة "الفعل".
2) إنها من مقولة "الانفعال"، لكنه انفعال يكون دافعاً أيضاً (ليس انفعالاً محضاً) ولهذا عُدت النية من الدوافع.
3) حالة نفسانية تنشأ عند تهاجم الدوافع المتعارضة.
إن بحث النية بحث صعب حقاً. من حيث علم النفس الفلسفي، أفضل الأبحاث في هذا المجال قام بها "وليم جيمس". وبعده، دخل هذا البحث في نطاق علم النفس التجريبي.
النقطة الموجودة هي أنه إذا اعتقد شخص ما، من وجهة نظر كلامية، بأن النية قد أعطيت قيمة كاملة في الدين، فينبغي أن يعتبر النية من مقولة الفعل، وبالتحديد الفعل النفساني الاختياري، ويبدو أن هذا الأمر صحيح من الناحية الكلامية. لقد أعطيت النية قيمة كبيرة في الدين، وهذا الإعطاء للقيمة يختلف من المنظور الكلامي عنه من المنظور الفقهي. من المنظور الفقهي، النية هي التقرب إلى الله، وهذا يُقال فقط في العبادات. أما من المنظور الكلامي فالنية تُقال فيما يشمل العبادات والمعاملات معاً.
من المنظور الفقهي، إذا أديت الصلاة بقصد غير التقرب إلى الله فهي غير صحيحة، أما في رد الأمانة، مثلاً، فهذه النية ليست واجبة. طبعاً إذا كانت لديك هذه النية فستحصل على كمال نفساني أيضاً، ولكن حتى لو لم تكن لديك، فأنت على كل حال قد رددت الأمانة. أما من المنظور الكلامي فقيمة كل عمل بنيته، ولا ينبغي إغفال ذلك.
.
.
تكملة الحديث في أوصاف الإنسان من منظور القرآن
وصف آخر نُسب إلى الإنسان:
السمة الحادية عشرة: كون حياة الإنسان مفعمة بالمعاناة
11- "لا يمكن للإنسان أن يحيا بدون معاناة." (كون الحياة الإنسانية في هذا العالم مفعمة بالمعاناة)
لدينا في هذا الباب آية صريحة جداً في القرآن، وصيغة بيانها مؤكدة جداً جداً.
" لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ" (سورة البلد/ 4)
وكما قال المفسرون، لم يُقل إننا خلقنا الإنسان مُعانياً، أو خلقناه مصحوباً بالمعاناة، بل قيل: "خلقنا الإنسان في كبد". أي كأنه محاط بالمعاناة. لقد أحاطت به المعاناة ولا مفر له منها.
هناك آية أخرى في القرآن، لكن ثمة نقاش حول دلالتها على هذا المعنى. كثيرون استشهدوا بهذه الآية لهذا الادعاء: " يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ" (الانشقاق/ 6)
إذا أردنا أن نترجمها وفقاً لمقصدنا، ينبغي أن نقول هكذا: "أيها الإنسان، إنك في كدح حتى تلقى ربك." هنا فُسّر "كدح" بمعنى المعاناة، ولكن هذا هو موضع الشك والريبة، هل "كدح" في أصل اللغة العربية تعني المعاناة؟
عندما نترجم وفقاً لمقصدنا، يصبح معنى الآية: أيها الإنسان، هذه المعاناة مستمرة حتى لقاء ربك.
وطبقاً لهذا المعنى، يجب أن يعود الضمير "الهاء" في "ملاقيه" إلى "الله". (فملاقٍ ربَّك)
هذا التفسير يتوافق مع بحثنا، ولكن ما معنى ما قيل: "حتى تلقى ربك"؟
يمكن تقديم تفسيرين هنا:
1) يعني حتى تموت. لقاء الرب = الموت، زمن الموت: بناءً على هذا المعنى، يعني أنكم ما دمتم في الدنيا فلن تخلوا من المعاناة إلا أن تموتوا.
2) لقاء الله يعني شهود الله، وإدراك الله بالعلم الحضوري. بناءً على هذا المعنى، يمكن أن تقع المكاشفة في الدنيا أيضاً. ما دمتم في الدنيا ولم تبلغوا الحضور الإلهي معنىً روحياً، فأنتم في معاناة.
إشكال حول دلالة الآية على بحثنا الحالي
كل هذا الكلام متفرع على أن تكون "كدح" تعني المعاناة أصلاً. لكن عموم اللغويين لا يقبلون هذا. يقولون: "كدح" تعني السعي والجهد. "أيها الإنسان، إنك في سعي وجهد، وسيأتي يوم تلقى فيه أعمالك". (أي أن الضمير "الهاء" في "ملاقيه" لا يعود إلى الله، بل يعود إلى "كدح" (فملاقٍ كدحَك)). في هذا التفسير، لم يعد هناك حديث عن لقاء الله، بل يقول: انظر ماذا تفعل من أعمال، وانتبه لسلوكك وأعمالك. لأنك ستواجهها لاحقاً. انظر أي شيء ستلاقيه في المستقبل.
أي هذين التفسيرين والتعبيرين هو الأصح؟ هل ينبغي أن نأخذ "كدح" بمعنى المعاناة أم بمعنى السعي؟ إذا أردنا أن يتوافق مع لغة العرب (ويبدو أنه لا مفر لنا من ذلك)، فيجب أن نأخذها بالمعنى الثاني. في اللغة العربية، وحتى هذه القرون المتأخرة، لم تُستعمل "كدح" بمعنى المعاناة. عند نزول الآية، لم تكن "كدح" تعني المعاناة، إذن فهذه الآية ليست مفيدة لمقصدنا (إثبات المعاناة للإنسان).
المقصود من الحياة الإنسانية المصحوبة بالمعاناة
والآن، حتى لو تجاوزنا هذا الأمر وأخذنا "كدح" بمعنى المعاناة، فهل يمكن الدفاع عن المعنى الأول أصلاً، وهو أن الإنسان ما دام في الدنيا فهو في معاناة؟ يرى بعض الباحثين في الدين، ممن حققوا في اليهودية والإسلام (لأن هذا المطلب مشترك بين اليهودية والإسلام)، أن خروج آدم وحواء من الجنة يعني هذا المعنى الحقيقي (كون الحياة الدنيوية مولّدة للمعاناة).
الخروج من الجنة = الوقوع في مكان تقترن فيه المعاناة بكم.
في نظر هؤلاء، إن الخروج من الجنة هو تعبير مجازي أصلاً؛ فالهبوط يعني السقوط من أرض اللاعناء، ومقارنة العناء. إن كون الحياة في الدنيا مقرونة بالعناء لم يُصرَّح به في هذه الآية، ولكن صُرِّح بشيء آخر هو "العداوة". يقول القرآن: "بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ" وهو يعتبر هذه العداوة ملازمة للهبوط، فلا تعود الصداقة قائمة. (طبعاً، إن قول القرآن: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" يعني أنه وسط هذه العداوات، يظهر أحياناً بشر هم أصدقاء لكم ويدعونكم إلى الهدى، ومن يستمع لدعوة هؤلاء فلن يصيبه سوء. هذا كلام آخر.) وبهذا التفسير القائل بأن الخروج من الجنة له معنى مجازي، يمكن اعتبار هذه الآية أيضاً للمعنى نفسه (العناء في الدنيا). ولكن إذا أخذنا الكدح بمعنى السعي، فإن آيات أخرى كثيرة في القرآن تؤكد أننا سنلقى أعمالنا (بل وجزاء أعمالنا) يوماً ما. وبتعبير الفلاسفة، سنرى ملكوت أعمالنا.
والآن، "كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ" في معنى الكدح هذا (السعي) ماذا يعني؟ يعني أن جميع مساعي جميع البشر متجهة نحو الوصول إلى الله. هذا ادعاء قال به العرفاء. وقد أكد الإمام الخميني كثيراً في دروسه وأشعاره على هذا المعنى، وهو أن البشر، سواء علموا أم لم يعلموا، في حركة نحو الله. وتصوير هذا المعنى هو أن البشر يسعون وراء العلم المطلق، والقدرة المطلقة، والعصمة المطلقة، والمحبوبية المطلقة... إلخ، وإذا كانوا يسعون وراء هذه الأمور على نحو الإطلاق، فهذا يعني في الواقع أنهم يسعون وراء الله. ولو دققتم النظر، كما يقول، لرأيتم أن البشر، أياً كان ما يسعون إليه، يريدون دائماً بلوغ درجات أعلى منه، ولا يريدون التوقف في أي مكان، وهذا يعني طلب الأمور على نحو الإطلاق، وإذا كان الأمر كذلك، فإن مصداق هذه الأمور على نحو الإطلاق لا يتحقق إلا في الله. إن حالة عدم الارتواء من الرغبات لدى الإنسان هي حقيقة نفسية جدية. وهذا أمر أقبله، وكل من يتفحص حالاته الروحية يدركه.
إذن، بناءً على هذا، يصبح معنى الآية: أيها الإنسان، إنك في سعي نحو ربك.
حسناً، هل يصل هذا السعي إلى نتيجة؟ يقول القرآن: نعم، ففي "فَمُلَاقِيهِ" تم بيان المقصد وقيل أيضاً إن الإنسان يصل إلى هذا المقصد.
في هذا المعنى الثاني، يرى عامة المفسرين أن مرجع الضمير "الهاء" في "فملاقيه" هو الكدح. فأيهما أرجح؟
خلاصة القول في دلالة الآية الثانية
يبدو أنه في هذه الحالة أيضاً من الأفضل إعادته إلى "ربّك". طبعاً، إذا أردنا مراعاة أصول الأدب العربي، فيجب إعادة الضمير إلى أقرب مرجع - أي الكدح. ولكن إذا قال قائل إن الكدح هنا مفعول مطلق، فلا معنى لإعادة الضمير إليه (أي أن يقال إن الكدح هنا ليس مفعولاً به لكادح ليعود الضمير إليه، بل هو مفعول مطلق تأكيدي؛ "أيها الإنسان، أنت تسعى سعياً: و(بناءً على ذلك لا يعود الضمير إليه).
حسناً، يبدو أنه لا يمكن استخدام هذه الآية لغرضنا، فنحن والآية الأولى فقط.
الخاصية الثانية عشرة: "نزوع الإنسان إلى الخصومة"
"... وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا" (الكهف/ 54)
الإنسان أكثر شيء جدلاً.
"الجدل عند أهل اللغة العربية يعني الخصومة في طريق الباطل، العداوة من جهة الباطل. (مع أن الحق ليس فيه عداوة)
ولكن في زمن نزول القرآن، كان للجدال معنى أكثر اعتدالاً أيضاً، وهو النزوع إلى الخصومة.
ملاحظة: ما معنى هذه الآية نفسها؟ من الناحية الأدبية تحتمل معنيين:
1) الإنسان يجادل أكثر من أي شيء آخر.
2) الإنسان يجادل أكثر من أي عمل آخر.
في المعنى الأول، يبدو أنكم قد قبلتم بوجود كائنات أخرى غير الإنسان تجادل، غير أن جدل الإنسان أكثر منها. لقد أُثبت الجدل لكائنات أخرى أيضاً. (ولا عيب أدبي في هذا الفهم للآية)
أما في المعنى الثاني، فيُقال إن الإنسان يجادل أكثر من أي عمل آخر - والكائنات الأخرى ليست من أهل الجدل - فلا عمل إنساني يكثر ككثرة الجدل.
وبهذا، يكون المعنى الأول أوسع من المعنى الثاني. لأننا في المعنى الأول أثبتنا ممارسة الجدل لكائنات غير إنسانية، بخلاف المعنى الثاني. لكن بمعنى آخر يكون المعنى الثاني أوسع، لأنكم في هذا المعنى أثبتم للإنسان أعمالاً أخرى. أما في المعنى الأول فلم تثبتوا للإنسان عملاً آخر.
لا مانع أدبي من هذين المعنيين. لكن يبدو أن المعنى الثاني أوفق بالمراد (لا من الناحية الأدبية) فالمعنى الأول بعيد عن الذهن بعض الشيء. وافتراضه المسبق هو اعتبار تلك الكائنات الأخرى ذات علم وإرادة. (كأن يكون المراد الملَك أو الجن مثلاً، لكن لا ضرورة للذهاب إلى هذا المعنى.)
* الآن، ما معنى أن الإنسان يجادل أكثر من أي عمل آخر؟ هل يمكن استنتاج صفة عامة للبشر من هذه الآية؟ هل يمكن القول إن أغلب الناس يمارسون الخصومة في الباطل؟
النقطة الوحيدة التي قيلت ويمكن أن تقال هي أن "للحق مرارة، سواء الحق العملي أو الحق النظري، ولأن البشر عادة ينفرون من هذه المرارات، فهم في مقام العمل، لا في مقام النظر، لا يواجهون أنفسهم بالحق". يمارسون الخصومة في الباطل.
(سنتناول هذا المبحث في قسم الأخلاق القرآنية)
يبدو أن إثبات الخصومة كصفة للإنسان لا يستفاد من هذه الآية: سنقع في التكلف. وذلك لسببين، أولاً: قد يكون العنوان عاماً في الظاهر لكن المضمون خاص في الواقع. كما حين يقول القرآن: "قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ" فقد قال عامة المفسرين هنا إن المراد شخص بعينه. لعل هذا من تلك الموارد التي يكون العنوان فيها عاماً والمضمون خاصاً. فربما كان المراد إنساناً بعينه.
ثانياً: لو أخذنا العنوان والمضمون على العموم لصار فهم الآية عسيراً. كيف يمكن القول إن الإنسان في حياته يمارس الخصومة أكثر من أي عمل آخر.
الصفة الثالثة عشرة: صفة "الإمساك" في الإنسان
"قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا" (الإسراء/ 100)
هذه الصفة عامة. "يا أيها النبي [لجميع الناس] قل لو كنتم تملكون خزائن رحمة ربي لأمسكتم (جاءت بلام التوكيد 'لأمسكتم') خشية الإنفاق، لأن الإنسان خائف من الإنفاق أساساً. الإنسان شديد البخل والإمساك."
هذه الصفة مؤكدة في مواضع أخرى من القرآن. وهي قابلة للتوجيه تماماً من الناحية النفسية. فحب الذات البشري يقتضي الإمساك في الحقيقة. طبعاً لا يتعارض حب الذات مع عدم المبادلة، لأنه يشعر أن ما يعطيه أقل مما يأخذه. ومن هذا المنظور، فهذه المبادلة نوع من الإمساك أيضاً.
في موارد أخرى من القرآن عُرضت مصاديق لهذا الحكم الكلي (كما في شأن قارون مثلاً) لكني لم أجد آية أخرى تعبر عن حكم كلي.
لا يبادر الإنسان إلى الإنفاق (وليس فقط الإنفاق المالي، بل في أي مورد) إلا حين يعتقد، على الأقل في مقام التصور، أنه يعطي شيئاً سيتلقى أكثر منه عوضاً. وإلا فلا يصدر الإنفاق عن الإنسان.
الصفة الرابعة عشرة: طالب بلا مانع
بحث إمكانية إثبات الصفة الرابعة عشرة من منظور القرآن
توجد آية في القرآن لها أهمية كبيرة من حيث كيف ينبغي لنا أن نفسر مضمونها. وإمكانية الاستفادة من هذه الآية في هذا البحث أمر مشكوك فيه ومحل شبهة.
الآية المستند إليها في السمة الرابعة عشرة
تلك الآية هي التي يجيب بها القرآن أولئك الذين كانوا يسألون النبي: {أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} (متى يوم القيامة؟) فبدلاً من الإجابة، يتناول الدافع وراء سؤالهم فيقول: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} (سورة القيامة/ 5)
كونهم يسألونك عن وقت القيامة ليس لمعرفة متى تقوم، بل يريدون اعتبار القيامة نفسها أمراً بعيداً، وما الفائدة التي يجنونها من ذلك؟ يقول القرآن: {يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} - الإنسان يريد أن يفجر أمامه، ماذا يعني هذا؟ كل الكلام يدور حول "فجر" و"أمام".
معنى الفجر والأمام في الآية المذكورة
أ) أحد المعاني التي ذهب إليها بعض المفسرين - ومنهم الأستاذ مطهري - لهذه الآية هو:
"الإنسان يريد أن يشق ما أمامه". يبدو أنهم أخذوا "فجر" بمعنى الشق، و"أمام" مفعولاً به للفعل "فجر". وقد ورد "فجر" بمعنى الشق في مواضع أخرى من القرآن: {فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}. الإنسان يريد أن يشق ما أمامه = الإنسان يريد ألا يكون في طريقه مانع أو رادع.
بهذا المعنى يمكن استنتاج سمة نفسية للإنسان، وهي أن الإنسان تواق إلى انعدام الموانع. وهذا المعنى ينسجم أيضاً مع سياق الآية، حيث يدور الحديث عن البعث ويوم القيامة. يقول القرآن إن هؤلاء يريدون اعتبار القيامة أمراً بعيداً، لماذا؟ لأن الإنسان لا يحب المانع، والقيامة مانع لحرية الإنسان في العمل، إذ لا يستطيع بعدها أن يفعل ما يشاء لأنه سيواجهه في القيامة.
السيد الطباطبائي في تفسير الميزان لم يؤكد على هذا المعنى.
ب) "فجر" = تكذيب، "أمام" = ما سيأتي لاحقاً، كل ما هو آتٍ في المستقبل. وهذا عنوان عام لمضمون خاص هو القيامة. فعبارة {يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} تعني: "الإنسان يريد أن يكذب بالقيامة". (وهذا حكم كلي) هذا المعنى أنسب بكثير لسياق الآيات من المعنى السابق. لكن هناك إشكال واحد فقط، وهو أنه صحيح أن "فجر" في اللغة العربية يأتي بمعنى التكذيب، لكنه معنى قليل الاستعمال. أما الشق فهو المعنى كثير الاستعمال لكلمة "فجر"، وفي علم الأصول يقال إن اللفظ إذا كان له معنيان، فيجب الأخذ بالمعنى الأكثر استعمالاً.
خلاصة القول في السمة الرابعة عشرة
من هذه الناحية، ربما لا يمكن الإصرار كثيراً على هذا المعنى الثاني. علاوة على ذلك، فإن هذه الصفة ليست وصفاً أخلاقياً للإنسان - والبحث يدور حول الأوصاف الأخلاقية - فكون الإنسان تواقاً إلى انعدام الموانع يمكن أن يكون وصفاً أخلاقياً كلياً للإنسان، وهذا في حال أخذنا بالمعنى الأول للآية، لكن ليس من المتعين أن يكون معنى الآية هو المعنى الأول.
إذا أردنا أن نحكم أيهما أنسب لظاهر الآية، يبدو لي أن هناك وجه ترجيح لهذا الطرف ووجه ترجيح لذاك الطرف. وجه ترجيح القول الأول هو أنهم أخذوا "فجر" بمعناه كثير الاستعمال، وهذا غير موجود في المعنى الثاني. لكن في القول الأول، أُخذت كلمة "أمام" - وهي اسم مكان - مفعولاً به لـ "فجر"، وهذا قليل الحدوث في اللغة العربية. هذه نقطة ضعف القول الأول. لكن على أية حال، ربما لا يمكن استخلاص سمة تنافسية للإنسان، لأن كلا المعنيين محتمل.
السمة الخامسة عشرة: كونه بصيراً
آية أخرى تثير الكثير من الشك والريبة هي قول القرآن: "
الآيات المستند إليها في السمة الخامسة عشرة
بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ - وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (القيامة/ 15-14)
"الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره"
ما معنى هذا؟ لفهم سياق الآية، نستعرض السورة من البداية:
"بسم الله الرحمن الرحيم
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) (من هنا فصاعداً يبدو أنها أوصاف القيامة) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) حين تبرق الأبصار، ويخسف القمر، وتُجمع الشمس والقمر.
(هذه سمات طبيعية للقيامة، ومن هنا فصاعداً يعدد السمات الإنسانية للقيامة)
يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15) يسأل الإنسان أين المفر؟ لا ملجأ، ليس إلا مستقر واحد هو الله، في ذلك اليوم يُنبأ الإنسان بما قدّم وأخّر. الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.
ترون أن سياق الآية يدل على أنها تختص بيوم القيامة. القرآن يقول سننبئه ثم يقول لا حاجة به إلى النبأ، هو نفسه عليم. إن كون الإنسان على علم تام بنفسه سمة دنيوية لا تُستفاد من هذه الآية. طبعاً الآية لا تنفي العلم بالنفس في الدنيا، إنها ساكتة في هذا الشأن. إنها تتحدث عن الآخرة.
إشكالات على الاستناد إلى آيات القرآن
يريد البعض أن يستنبطوا هذا كسمة دنيوية للإنسان، لكنه في رأيي لا يُستفاد من هذه الآية - سواء أكان القرآن يعتقد أننا في الدنيا أيضاً بصيرون بأنفسنا أم لا - فهذه الآية لا تُظهر إلا وصفنا الأخروي. علاوة على ذلك، استُخدم في هذه الآية لفظ "على" (بل الإنسان على نفسه بصيرة) وهذا اللفظ يفيد نوعاً من الضدية = لم يُقل لنفسه بصيرة، أي أن الإنسان يحكم ضد نفسه (لأن الفعل بَصُرَ عُدّي بـ "على").
الفحص العقلي للسمة الخامسة عشرة
والآن، بصرف النظر عن البحث القرآني والنقلي، هل نحن بصيرون بأنفسنا أم لا؟ إن كان المراد البصيرة على النفس، فهي موجودة. الملامة والندامة. فالندم نوع من إصدار الحكم ضد النفس (إعطاء رأي سلبي للنفس). وإن كان المراد البصيرة بالنفس، أي أن نكون على وقوف بما يجري في دواخلنا، يقول العرفاء إننا بصيرون بنفوسنا، غير أننا في كل مرحلة من مراحل السير والسلوك بصيرون بتلك المرتبة، ففي أي مرتبة نكون، نكون بصيرين بتلك المرتبة.
مثلاً، يحدث أحياناً أن يشعر المرء بالحزن. إنه يشعر بالحزن لكنه لا يعرف سبب نشوئه، لأن السبب واقع في طبقة أعمق من الطبقة التي يشعر فيها بالحزن. ولهذا يذهب الفرد مثلاً إلى الأخصائي النفسي والمعالج النفسي ليفهم أسباب الحزن. إنه يفهم الحزن لأنه واقع في ساحة تحضر فيها روحه في هذا الاتجاه، لكن سبب الحزن في ساحة أعمق، وما دام الفرد في هذه الساحة فلا سبيل له إلى تلك الساحة الأعمق.
بهذا المعنى ينبغي القول إننا لا نملك بصيرة تجاه جميع ساحات روحنا. نحن لا نبصر إلا الساحة التي نقف فيها. يقول العرفاء إنه يمكن بالطبع تجاوز الساحات واحدة تلو الأخرى. وبتعبير آخر، يقول العرفاء إن الإنسان يمكنه أن يكون عالمَ نفسِ نفسه - بالمعنى الدقيق للكلمة - أي أن يكتشف أعماقاً أكثر فأكثر باستمرار. من وجهة نظر العارف، فإن معرفة الذات أمر ممكن وفي وسع الإنسان (ولكن بالترتيب الذي ذُكر). والحكم في هذا الشأن متروك للعرفاء أنفسهم. لا يمكننا أن نحكم، ولكن إجمالاً، هذه النقطة مقبولة وهي أننا نستطيع زيادة مقدار معرفتنا بأنفسنا.
ثمة عوامل عديدة، في رأيي، يمكنها أن تؤدي إلى زيادة هذه المعرفة: (كل شخص ذكر بضعة عوامل منها، ولكنها جميعاً مؤثرة في رأيي)
في حياتنا اليومية، نحيا على السطح الظاهر من حياتنا. نعمل باستمرار ولا نملك مجالاً للتأمل إطلاقاً: لماذا تكلمت؟ لماذا صمتُّ؟ لماذا انزعجت؟ وهكذا... إن استمرار الحياة على هذا النحو قد تحقق بثمن الغفلة عن الذات. لو أردنا أن نتأمل في أنفسنا باستمرار لتضيّقت علينا الحياة. الأمر أشبه بمن يريد إصلاح محرك السيارة أثناء القيادة. هذا غير ممكن. فإما أن تقود وتترك المحرك على حاله، وإما أن تصلح المحرك وتكف عن القيادة. نحن عادة في حالة قيادة، وفي أوقات نادرة ننشغل بإصلاح المحرك. هكذا يمكن للحياة أن تستمر. إذا أردنا للحياة أن تجري حركتها الطبيعية، فلا بد أن نغفل. وكما يقول مولانا:
«أُسْتُن هذا العالم، أيها الروح، هو الغفلة
واليقظة لهذا العالم آفة»
ولكن لمعرفة الذات، ينبغي أن نخلو إلى أنفسنا أحياناً. بالتأمل في دوافع أعمالنا يمكننا أن نعرف أنفسنا رويداً رويداً. هذا هو ما يسميه العرفاء "مراقبة النفس". في حالة مراقبة النفس، نخرج من حالة كوننا "فاعلاً" وندخل في حالة "الناظر". في الحالات غير المراقَبة، نحن فاعلون، نحن في حالة عمل. ينبغي أحياناً أن نصير في حالة الناظر. هاتان الحالتان لا تجتمعان معاً.
* ملاحظة: كونك ناظراً بكثرة وجدية يجعل دوافعك صحيحة، وهذا يؤثر في مقام فاعليتنا. يصير الإنسان فاعلاً آخر.
بالطبع، هذا الحكم ليس مطابقاً للواقع دائماً، ولكن مع ذلك، فإننا بأحكام الآخرين - صحيحة كانت أم خاطئة - نعرف أنفسنا. الحكم الصحيح واضح، لأنه يصدر من موضع الناظر. بالنسبة لي، وأنا الفاعل، هو مفيد. سماع كلام الناظرين هو تكمله للكلام الذي أقوله عن نفسي. ليس هناك حادثة تكون فيها معلومات الفاعل وحده أو الناظر وحده كافية للتفسير. (يقول البعض إن الحكم إن كان صحيحاً فلا فائدة لي منه لأن لي به علماً حضورياً، وإن كان خاطئاً فمن الواضح أنه لا فائدة فيه، ولكن الأمر في الواقع ليس كذلك.)
ما الدرس الذي نتعلمه من الحكم الخاطئ؟ الحكم الخاطئ خاطئ، لكنه ليس بلا سبب في خطئه. هذه الخاطئية نفسها لها علة، وتلك العلة تعرّفني على نفسي. إنها تفهمني أن سلوكياتك الخارجية (التي كانت موضع حكم الآخرين) لا تطابق داخلك. (بالطبع، لا أنكر الأحكام التي تصدر عن غرض، ولكنها ليست حكماً أصلاً. إنها شبيهة بالحكم، لأن الحكم هو ذلك الإذعان الذهني، والإذعان الذهني لهذا الفرد ليس واحداً مع ما ينطق به لسانه.)
بتعبير الوجوديين، "المواقف الحدية"، أو بتعبيرنا الخاص، تلك المواقف التي تفقد فيها الحياة الاعتيادية وتنشأ حالة غير اعتيادية، في هذه المواقف نعرف أنفسنا. لو حدث زلزال الآن لعرفنا أنفسنا. هذا موقف حدي. مواجهة الموت موقف حدي جاد. وكذلك الحرب، أو مواجهة الحب، أو مواجهة جفاء الآخرين... إلخ، هي مواقف حدية جادة. بتعبير بسيط جداً، هذه المواقف التي ليست الحالة العرفية للحياة، والتي هي منعطفات الحياة، تعرّفنا على أنفسنا.
لهذه خاصية مزدوجة، خاصية عملية وخاصية نظرية.
بالتعبير الجميل لأحد المفكرين الغربيين: «عدم ارتكاب الذنب يصوّب الروح، والنظر إلى الروح يصوّبها أيضاً.» أولاً يصوّب الروح لأن الإنسان حين يذنب، تتشوّه روحه. حين لا يذنب تسلم روحه الأثر العملي لعدم ارتكاب الذنب
ثانياً يجعل نظرتنا إلى روحنا نظرة مطابقة للواقع الأثر النظري لعدم ارتكاب الذنب. نتعرف على سلامات روحنا وعللها بشكل صحيح. عدم ارتكاب الذنب مؤثر جداً في أن نعرف أنفسنا. وهذا التأثير مزدوج؛ لا نذنب تسلم الروح نفسها يصوّب النظر إلى الروح نتعرف على عيوب الروح بشكل أفضل فنتجنبها. لكن على كل حال، ينبغي أن نعرف الروح درجة درجة. لكن هل يأتي زمان نعرفها فيه كما هي حق معرفتها؟ يقول العرفاء: نعم. لا شأن لنا بهذا، لكن هذا طريق يمكن سلوكه لنعرف روحنا رويداً رويداً.
والسلام
بعض الأسئلة الختامية
س:...
الأستاذ: يمكننا أن نصل إلى معرفة الذات اللاواعية تماماً، وما فيه شك وريبة هو أن يكون المراد من الذات هو الذات الواعية والذات اللاواعية معاً.
س: ...
الأستاذ: الذنب يثير غباراً يجعل رؤية البُعد مستحيلة. تفقد الروح وضوحها لنفسها (لأن الروح هنا عالم ومعلوم معاً). إخماد الغبار يتحقق بثمن عدم ارتكاب الذنب (أو التقليل من ارتكابه).
- الإنسان المذنب ينفر من مواجهة ذاته. لا يخشى الإنسان عدواً مخيفاً أكثر من هذا. مواجهة الذات عمل في غاية الصعوبة. لأننا في مواجهة أي عدو آخر، أولاً نملك إمكانية التخلص منه، وثانياً لا نرى أنفسنا مقصرين في هذه العداوة. أما في مواجهة الذات، فأولاً لا مفر لنا من أنفسنا، وثانياً نبقى نحن المقصرين في كل هذه الأنواع من العداوات.
س: إذا أدى عدم ارتكاب الذنب إلى العُجب، فهل يصبح مانعاً للمعرفة؟
الأستاذ: هنا ليس عدم ارتكاب الذنب هو المانع، بل العُجب الناشئ عن عدم ارتكاب الذنب - وهو ذنب في حد ذاته - هو المانع. لكن كيف يمكن للمرء ألا يقع في العُجب مع عدم ارتكابه للذنب، هذا سؤال بالغ الأهمية والإجابة عليه صعبة أيضاً.
س: ألا يمكن أن يكون «الفجر» في «لِيَفْجُرَ أَمامَهُ» بمعنى الشق العلمي (أي يريد أن يعرف كل شيء)؟
الأستاذ: استُعمل الفجر بمعنى النفوذ والتغلغل في الحقائق في اللغة العربية. هذا تعبير جديد.
س: هل العلم المطلق من لوازم العصمة؟
الأستاذ: يتوقف ذلك على المعنى الذي نقصده من الذنب. إذا كان الذنب هو فعل ما أعلم أنه لا ينبغي فعله، وترك ما أعلم أنه ينبغي فعله، فالعصمة المطلقة لا تحتاج إلى علم مطلق. أما إذا كان الذنب هو فعل ما لا ينبغي فعله وترك ما ينبغي فعله، فالعصمة المطلقة تستلزم العلم المطلق.
.
.
[1]- في «لَنَبْلُوَنَّكُمْ» توكيدان.
[2]- «الانقلاب» في اللغة العربية لا يعني إلا «الرجوع». ليس فيه أي معنى للانقلاب الذي نفهمه اليوم في أصل الكلمة في اللغة العربية.
[3]- اللام في «لَنَبْلُوَنَّكُمْ» لام الغاية.
[4]- في القرآن، يُستعمل لفظ «قال» للسان المقال ولسان الحال معاً. وبالمناسبة، في أكثر الموارد يعود إلى لسان الحال. وفي الفارسية أيضاً حين نقول عن فلان إنه «قائل» بشيء، فمعناه أنه يعتقد به، وليس بالضرورة أنه يقوله.
[5]- ريح صرصر: ريح شديدة تلحق ضرراً كبيراً، وتدمر الأشياء.
[6]- خزي = مرادف الخزي في الفارسية
[7]- فصلت/ 17
[8]- "تنكيس" في اللغة العربية تعني "قلب الشيء"، "جعله مقلوباً" - رجلٌ منكوس = رجل مقلوب، إنسان مقلوب
[9]- كذلك في سورة الحج آية 5، ورد هذا المطلب بتعبير آخر.
[10]- "دعا" في الأصل بمعنى "الطلب".
[11]- "خير" هنا بمعنى "مال".
[12]- قُنُوط: شدة اليأس. قَنُوط: يائس (قُنوت: تواضع وخضوع)
[13]- "نأ بِجانِبه" لها معنى لغوي وهي اصطلاح. شخص يكون مع آخر ما دام محتاجاً إليه، فما إن تُقضى حاجته حتى يمضي في طريقه، وهنا تقول العرب: "نأ بجانبه"
[14]- سورة البقرة/ 148، كذلك في آل عمران/114، المائدة/ 48، الأنبياء/ 40، المؤمنون/ 56 و 61 وفاطر/ 32.
[15]- المحبة تختلف عن الرحمة. المحبة عامة وتشمل محبة العالي للسافل - ومحبة السافل للعالي - ومحبة الندّين لبعضهما، أما الرحمة فهي المحبة التي تشمل فقط محبة العالي للسافل. هذه المحبة هي أهم المحبات وأصفاها من الشوائب. أما الأقسام الأخرى فيمكن أن تشوبها شائبة. لكن إذا أحب العالي السافل، فلا شائبة فيها لأن العالي ليس بحاجة إلى السافل. ومحبة الله من هذا القبيل.
[16]- لفظة "ضلال" في اللغة العربية تعني الضياع. لكن لها ثلاثة مصاديق في القرآن، في ثلاثة مواضع يُعبّر القرآن بالضياع. 1) الضياع بالمعنى العادي أي عدم إيجاد الطريق، 2) الأشخاص الذين يتوقع الإنسان المساعدة منهم، يتفرقون من حوله ولا يهرعون لمساعدته، وخصوصاً في شأن المشركين يكثر هذا المعنى أنهم يتوقعون المساعدة من "الصنم" لكنهم في الشدة يُتركون وحدهم. ورد هذا التعبير في حالهم الدنيوية وفي حالهم الأخروية، حين لا يكونون حول الإنسان في وقت الشدة فكأنهم قد ضلّوا. وفي الآخرة يُقال للمشركين والذين كانوا يتبعون الشيطان: أين أعوانكم؟ وتعبير القرآن أنهم يقولون: ضلّ عنّا، لا يساعدوننا، قد ضلّوا.
3) عندما يخرج موجود من سنخ وعي الإنسان. إذا احتميتم في زاوية أثناء قصف العدو، فإن كثيراً من الأشخاص الذين كنتم تفكرون بهم في الحالة العادية يُمحون من مسرح الفكر. تصيرون لا تفكرون إلا في أنفسكم وزوجكم وأولادكم وأبيكم وأمكم وإخوتكم وأخواتكم. إذا اشتد الخطر يُمحى الإخوة والأخوات أيضاً من مسرح ضميرنا، وإذا ازداد الخطر يفرّ الأب والأم من صفحة وعيكم. وإذا بلغت هذه الشدة نهايتها لا يجد الإنسان في صفحة وعيه إلا نفسه. هذا التعبير النفسي ورد في القرآن بلطف شديد: إذا اشتدت الشدة جداً لا يبقى في صفحة وعي الإنسان إلا موجودان: الله وأنا. والله أبقيته لمساعدتي.
[17]- جانب البرّ: مساحة اليابسة.
[18]- حاصب في اللغة العربية: العواصف المصحوبة بالرمال والحصى و...
[19]- قاعدة ابن الريح = (قَصْف: تفتيت) الرياح التي تمزق السفينة إرباً إرباً
[20]- سورة المائدة، الآية 64.
[21]- ينبأ اليه. الإنابة: العودة. تأملوا هذه النقطة في القرآن. القرآن لا يقول متوجّهاً إليه (لا يستخدم لفظ التوجّه) إلا في موضع واحد، وفي سائر المواضع يستخدم لقب "الإنابة". الإنابة تعني أن الأصل هو أن تكون متوجهاً إليه، لكنك أدرت له ظهرك، فعليك أن تعود. التوجّه يعني الإقبال، وهذا يعني أنه أمامنا. أما حالة الإنابة فتعني أنك خرجت من الحالة الطبيعية (التوجّه إليك)، وبالتالي إذا أردت أن تراه مجدداً فعليك أن تعود. إذا كنت في الحالة الطبيعية، حتى لو كنت غافلاً، فإنك إذا أردت الخروج من حالة الغفلة تخطو نحوه، أما إذا كان الله خلف ظهري (حالة غير طبيعية) وأردت أن أتوجه إليه.
فعليّ أن أعود، وهذه العودة تُظهر ذنبين: 1) الغفلة، 2) السير في الاتجاه المعاكس. ولهذا السبب لا يستخدم القرآن لفظ "التوجّه" بشأن الله تعالى، بل يستخدم ألفاظ "التوبة والإنابة" أو "الرجوع" و"الصيرورة".
بتعبير آخر، الإنسان الذي هو في المسير قد يصيبه الفتور، لكنه على الأقل في المسير. أما الذي خرج عن المسير، فقد فتر وسار في عكس اتجاه المسير.
* ملاحظة: يستخدم القرآن بشأن العودة نوعين من الألفاظ: 1) الرجوع والصيرورة (يرجع إليه الأمور - ... إلى الله المصير...) 2) التوبة والإنابة
كلاهما بمعنى العودة، لكن الفرق بينهما هو أن الرجوع والصيرورة عودة وجودية وفلسفية وتكوينية. جميع البشر، كافراً كان أم مشركاً أم موحداً... سيعودون إليه. إنه أمر جبري واضطراري. أما التوبة والإنابة، فهي عودة نفسية وخُلقية وعاطفية. إنه أمر اختياري. بعض البشر يتوبون وبعضهم لا يتوبون.
[22]- لكنود: جحود، كنود: جحود
[23]- ورد هنا ثلاثة تأكيدات: 1) إنَّ في أول الآية، 2) لام لكنود، 3) تقديم لِرَبِّهِ على لَكَنُودٌ وهو علامة تأكيد في اللغة العربية (وفي الفارسية أيضاً) فكلما تأخر ما ينبغي تقديمه، وتقدم ما ينبغي تأخيره كان ذلك علامة تأكيد. كان ينبغي أن يُقال في الحالة العادية "لكنود لربّه" لكنه قيل هكذا، وفي الآية الثانية يوجد تأكيد بالطريقة نفسها.
.
.
التاريخ: سنة ۱۳۷۰
عدد الصفحات: ۶۹
تحميل ملف PDF من الخادم الأول | الخادم الثاني
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الدين
علم النفس
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.