اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
عدّد مصطفى ملكيان في مؤتمر عن مولانا ستة مصادر معيارية: الأخلاق، والقانون، والدين، والعادات والتقاليد، وعلم الجمال، والبراغماتية. وهو يرى أنه لا يصدر أي فعل إرادي في حالة الوعي السوي دون 'ينبغي' باطنية.

انعقد المؤتمر الثالث لمحبي «مولانا» في يومي الخميس والجمعة (11 و12 من مهرماه). تعتزم هذه الندوة السنوية، بجهود مؤسسة «سروش مولانا»، أن تضع على مدار أكثر من عقد قادم مشروعاً مفصلاً من إعداد مصطفى ملكيان بعنوان «النظام الأخلاقي عند مولانا» محور مؤتمراتها. وفي الخطوة الأولى من هذا المسار، بدأ النقاش حول «الأخلاق ومصادر التشريع المعياري الأخرى» و«الفرق بين الأخلاق والآداب والعادات» بمحاضرة للأستاذ ملكيان في إيوان شمس، وفيما يلي تقرير عنها.
سأتحدث اليوم عن أحد بنود المخطط الإجمالي للنظام الأخلاقي عند مولانا، وسأناقش أيضاً الفروقات بين «الأخلاق» و«الآداب والعادات والعرف والتقاليد». لكن قبل أن أشرع في حديثي، أرى من الضروري أن أطرح كمقدمة لمحاضرات سيُلقيها السادة والأساتذة الآخرون خلال هذين اليومين بعض النقاط. ستكون هذه النقاط ليس فقط تمهيداً تحضيرياً لحديثي بل ستكون مفيدة أيضاً لفهم سائر المحاضرات. وإن كان من الممكن أن تُطرح نقاط أخرى في مباحث أخرى إضافةً لما أتناوله، فإنني أرى أنه ينبغي لي كأول متحدث أن أقوم بهذا التحضير المقدماتي.
لنبدأ الحديث من الحالات الطبيعية للوعي الإنساني. يجب أن نقول إن لا إنسان يقوم بعمل في حالة وعي طبيعية إلا وقد تحقق قبل الإقدام على هذا العمل في باطنه وضميره وأعماق ذاته «واجب» ما. وهذه نقطة تحتاج إلى توضيح. فعندما يُقال «حالات الوعي الطبيعي» فإن المقصود حالة يتمتع بها كل من يجلس هنا. في الواقع، إذا تمتع الإنسان بأربع خصائص في لحظة ما، قيل إنه يعيش في حالة وعي طبيعي: أولاً أن يكون حياً وليس ميتاً، وثانياً أن يكون يقظاً وليس نائماً، وثالثاً أن يكون واعياً وليس في حالة إغماء أو كوما، ورابعاً ألا يكون سكراناً «لا يعقل» غافلاً عما حوله.
يعتبر علماء النفس مثل هذه الشروط شروط «الوعي الطبيعي». وبالطبع، بجانب هذه الشروط، يعاني الإنسان من حالات «وعي غير طبيعي» استخرج علم النفس منها حتى الآن 21 حالة، لكن الإنسان عادة يقضي معظم حياته في الحالة الأولى أي حالة الوعي الطبيعي وليس في تلك الـ 21 حالة غير الطبيعية. والآن يثار السؤال عن أن الإنسان في حالة الوعي الطبيعي لا يقدم على عمل إلا بعد أن يكون قد تشكل في باطنه «واجب» ما. وهذا الأمر، حتى لو قبل عمل (مثل حمل كوب ماء) بمليار جزء من الثانية أو متأخراً جداً بعد وقوع عمل ما (مثل قطع علاقة إنسانية)، يكون قد نمى فيه حتى يقدم عليه. وهذه القاعدة تنطبق على جميع الأعمال «الاختيارية» للإنسان في حالة الوعي الطبيعي. والآن يطرح السؤال: من أين جاء هذا «الواجب» في ذهني؟ ما هو مصدره؟ وفي الإجابة على هذا السؤال نصل إلى نقاش يُعبّر عنه بـ «مصادر التشريع المعياري»: أي تلك المصادر التي ينبثق منها هذا «الواجب».
في شأن «عدد» مصادر التشريع المعياري، هناك آراء متباينة في وجهات نظر مختلفة، لكن برأيي الشخصي، يمكن أن نحصي ستة أنواع من مصادر التشريع المعياري. أولاً: الأخلاق، ثانياً: القانون، ثالثاً: الآداب والعادات والعرف والتقاليد، رابعاً: الدين والمذهب، خامساً: الفكر المصلحي، وسادساً: الجماليات. ومعنى ذلك أننا إذا دقّقنا في كل «واجب» ينشأ لإنجاز عمل ما، نجد أن هذا «الواجب» ينبثق من أحد هذه «المصادر الستة». فمثلاً عندما ننوي حضور مجلس ما، ينشأ فينا «واجب» هو أنني «يجب» أن أتصرف بتواضع في هذا المجلس. وعندما ننوي التحدث، ينشأ فينا «واجب» هو: «يجب» أن أقول الحق.
لكن من أين أُلهم إلينا هذا «الواجب» بأن أتصرف بتواضع و«الواجب» بأن أقول الحق؟ الإجابة هنا أن هذا الاعتقاد منشؤه «أخلاقي»: لقد وصل هذا «الواجب» من مجال «الأخلاق» إلى باطننا. بعبارة أخرى، لولا «العيش الأخلاقي» ولولا «الكون الأخلاقي» ولولا «البقاء الأخلاقي»، ما كانت مثل هذه الاعتقادات لتتولد فينا.
فمصدر مثل هذه الاعتقادات هو «الأخلاق» التي تُعتبر أول مصدر من مصادر التشريع المعياري.
مصدر القيمة الخلقية الدائم هو «الحقوق». كل «الواجبات» التي تنبثق من داخلنا بسبب أننا نعيش في بلد معين ونريد أن نخضع أنفسنا لنظام قانوني حقوقي لتلك الجماعة والتصرف وفقاً لمقتضاه، فهي «واجبات حقوقية». ومن البديهي أن القانون يبين «الحقوق» وليس الأخلاقيات.
أما المصدر الثالث للتقنين فنسميه «الدين والمذهب». إذا قلتَ لنفسك أن عليّ أن أقيم الصلاة، أو أؤدي العشاء الرباني، أو أبكي عند جدار الندبة، فهذا يدل على أنك مسلم أو مسيحي أو يهودي، وأنت تفعل ذلك لأن دين الإسلام أو دين المسيح أو دين اليهود أمرك بإتيان هذه الأعمال. كل ما ينبثق من هذه «الواجبات» في الإنسان ليس من «الواجبات الأخلاقية» ولا من «الواجبات الحقوقية-القانونية»، بل إن هذه «الواجبات» تنبع من الدين والمذهب، وما يسمى بالآداب والمناسك والشعائر. هذه «الواجبات» عادة ما تظهر نفسها في «الفقه» الخاص بدين ومذهب ما.
المصدر الرابع للتقنين هو «الآداب والعادات والأعراف والتقاليد». أن من «الواجب» عدم البقاء في البيت يوم الثالث عشر من فروردين، أو يجب قضاء هذا اليوم في أحضان الطبيعة، أو يجب القفز فوق النار في ليلة الأربعاء الأخيرة من السنة، أو أن أغني أغنية معينة - هذه «الواجبات» ليست «واجبات أخلاقية»، ولا «واجبات حقوقية-قانونية»، ولا «واجبات دينية-مذهبية». بل إنها تنبع من قلب «الآداب والعادات والأعراف والتقاليس» في مجتمعي بوصفي «إيرانياً». فلو كنت يابانياً، لكانت آداب وعادات تلك الجماعة تفرض عليّ التزاماً ب«واجبات» أخرى.
المصدر الخامس للتقنين هو «علم الجمال»، الذي يُعتبر مصدر «الواجبات الجمالية». هذه «الواجبات» تنبثق من حسنا تقديرنا للجمال وتعبدنا له. نتذكر أن أفلاطون كان يقول إننا في أعمق طبقات «الروح» نحن نعشق ثلاثة أشياء فقط: أولاً نحب الحقيقة، وثانياً نحب الخير (الصلاح والنبل)، وثالثاً نحب الجمال. وكل ما نطلبه طوال الحياة غير هذه الثلاثة أشياء نتخذه وسيلة للوصول إلى أحد هذه الأحب الثلاثة. هذه المطالب الثلاثة «ذاتية» في الإنسان، أما سائر المطالب فهي «عارضة» وتوصلنا بواسطة واحدة أو أكثر إلى هذه المطالب الثلاثة «بالذات». وعلى هذا النحو، بفضل «حب الجمال» الذي هو جزء لا يتجزأ من روح الإنسان، تتشكل سلسلة من «الواجبات» في داخلنا. الاهتمام بالطهارة (وراء جانبها الأخلاقي في عدم آذاء الآخرين بالنجاسة والأوساخ) أو الظهور الحسن (كترتيب الشعر أو تسريحه، أو كوي الملابس أو مراعاة توافق ألوانها) ينبع من حسنا الجمالي. الإحساس الذي يقول لنا أن نجعل العالم أجمل مما هو، أو بتعبير متشائم، ألا نجعل العالم أقبح مما هو. سواء كنا متفائلين أم متشائمين، النتيجة العملية واحدة.
السادس والأخير من مصادر التقنين الاجتماعي هو «حساب المصلحة». سلسلة من المعتقدات التي تنبثق منا بحكم أننا نحسب المصلحة، ننظر للعاقبة، أو بتعبير مولانا «ننظر للعاقبة» أو ننظر للآخرة. الصيغة المنطقية ل«حساب المصلحة» هي كالتالي: أياً كان الهدف الذي تختاره - صغيراً أم كبيراً، قليل الأهمية أم كثيرها، حاسماً في المصير أم مؤقتاً - في الحياة، فإن «واجباً» يقع على جميع الوسائل التي توصلك إلى ذلك الهدف: «واجبات حساب المصلحة». فلنفترض أن هدف طالب دراسات عليا هو النجاح في امتحان الدكتوراه في الفلسفة. إذاً ستحصل عليه سلسلة من «الواجبات». يجب عليه أن يقرأ كتباً عن ديكارت وكانط وابن سينا وغيرهم، لكن إذا تخلى عن هدفه فستنهار كل تلك «الواجبات» التي كانت تحكم الوسائل المؤدية إلى تحقيق ذلك الهدف.
على أساس ما قيل، يبدو أن كل «واجب» ينعقد في الإنسان ينشأ من واحد من هذه المصادر الستة للتقنين الاجتماعي (الأخلاق والحقوق والدين والمذهب والآداب والعادات والجمال وحساب المصلحة). فتأمل بنفسك: هل هناك «واجب» ينشأ من مصدر سابع أو ثامن؟ فإذا كان الأمر كذلك، يجب أن نضيفه إلى هذه القائمة.
معرفة الفرق بين هذه 6 مصادر للتشريع الأخلاقي فيما بينها لها ثلاث فوائد مهمة. بعبارة أخرى، أن نعلم أن هذه المصادر الستة لها كفاءة خاصة وتتطلب درجات إلزام متفاوتة، وأن عددها لا يمكن أن يُختزل فرضاً إلى خمسة مصادر أو مصدرين، يترتب عليه ثلاث فوائد: الفائدة الأولى أننا نفهم أن «الأخلاق» تختلف عن المصادر الخمسة الأخرى للتشريع. أهمية فهم هذه النقطة تكمن في أنه من رأيي: جميع من اعتبروا الأخلاق «نسبية» قد خلطوا «الأخلاق» مع 5 مصادر أخرى وقالوا «الأحكام الأخلاقية ليست مطلقة». حال إن انتبهنا، نرى أن جميع الأمثلة المستخدمة من قبل «النسبيين الأخلاقيين» في إثبات قولهم مستمدة من مجالات القانون والعادات والتقاليد والدين والمذهب وما شابه. إذاً الأهمية الأولى لهذا التمييز هي إنقاذ الأخلاق من النسبوية وإيصالنا إلى «إطلاق» الأخلاق. وهو أن الأحكام الأخلاقية - فعلاً - ليست مقيدة ومشروطة بل لها إطلاق: أي أن الأحكام الأخلاقية تبقى واحدة في جميع الأزمان والأماكن والأحوال والظروف.
أشدد كثيراً على هذه الفائدة الأولى بأننا لكي نبين «عدم نسبوية» الأخلاق يجب أن نفصلها عن المصادر الخمسة الأخرى للتشريع.
الفائدة الثانية هي أننا لا «نخدع» أنفسنا. أي أن لا نظهر واجباً واحداً في نظرنا بصورة أخرى. فمثلاً لا نعتقد أننا إن لبسنا ملابس معينة فنحن متدينون. لأن تلك الملابس تتعلق بعادات وتقاليس وأعراف وعادات هذا المجتمع ولا علاقة لها بالدين والمذهب. لا نظن أن الصيام مثلاً مرادف للأخلاقية أو أن القوانين بدلاً من طبيعتها القانونية الحقوقية المستمدة من الدين والمذهب. بعبارة أخرى أن لا نحسب ما هو من قبيل الالتزام بالدين والمذهب على أنه نوع من الالتزام بالقانون والحقوق، بينما الالتزام بالقانون والالتزام بالدين ليسا متساويين.
أما الفائدة الثالثة للتمييز والتحديد الدقيق بين المصادر الستة فهي أننا نكتشف أنه في حالة التعارض بين مصدرين، أي منهما يجب أن نختار؟ بينما لو لم يكن هناك تمييز وكان هناك تصور موحد للمصادر الستة، كان التعارض يسبب الحيرة والارتباك.
قد تحكم الأخلاق عليّ بأن يجب أن أفعل عمل «ألف» والمذهب قد يحكم بأن يجب أن أفعل عمل «باء». إذا لم أدرك أن هذين «الواجبين» جاءا من قطاعين مختلفين وظننت أن مثلاً كليهما جاء من قطاع «الأخلاق» أو كليهما من قطاع «الدين والمذهب» فسأكون حائراً بشأن ماذا أفعل بواجبين متناقضين من قطاع واحد وأي منهما أختار؟ لكن إذا علمت أن هذين «الواجبين» جاءا من قطاعين مختلفين وأيضاً علمت أنه كلما حدث تعارض بين مثل هذا «الواجب» و«الأخلاق» يجب أن أختار جانب «الأخلاق»، عندئذ أتحرر من الارتباك. وكذلك في التعارض بين «واجب» الدين والمذهب و«واجب» العادات والتقاليد يجب أن أختار جانب الدين والمذهب وأجعل العرف والعادات تابعة للدين والمذهب لأن له التزامات أقوى. وبنفس الطريقة في التعارض بين قطاع «الأخلاق» و«الحقوق»، يجب أن أجعل الحقوق تابعة للأخلاق.
بعد هذا الشرح الابتدائي حول المصادر الستة للتقنين الأخلاقي، وفقاً للاقتراح الذي قدمته لمنظمي المؤتمر، سأتناول في ست محاضرات الفرق بين «الأخلاق» والمصادر الخمسة الأخرى، وكموضوع أول سأتطرق بإيجاز قدر الإمكان في استمرار حديثي إلى الفرق بين «الأخلاق» و«الآداب والأعراف والعادات». يوجد أربعة فروق جوهرية بين «الأخلاق» و«الآداب والأعراف والعادات». الفرق الأول هو أنه إذا تغيّر أحد أنواع آداب وأعراف المجتمع فلا تحدث أي مشكلة في هذا المجتمع. مثلاً إذا كان من الرسم بيننا الإيرانيين حتى أمس أن نخلع القبعة احتراماً للآخرين وأصبح الإجماع اليوم على أننا نضع القبعة التي نحملها على رؤوسنا كعلامة احترام فلا تحدث أي مشكلة. أو لنفترض أننا نستبدل الذهاب إلى الطبيعة بثلاثة عشر يوماً في عطلة النوروز بخمسة أيام، أو أننا نتفق على يوم الاثنين الأحمر بدلاً من الأربعاء الأحمر، فلن يحدث أي شيء. في الواقع، إذا تغيّرت آداب وأعراف مجتمع ما واحداً تلو الآخر، بشرط أن يكون هناك إجماع عام على هذا التغيير، فلا تحدث أي مشكلة. لكن هل يمكن فعل الشيء ذاته مع «الأخلاق»؟ لنفترض أننا بدلاً من الصدق نمارس الكذب والرياء، وبدلاً من التواضع نتمادى في الكبرياء، وبدلاً من الوفاء بالعهد نخلف الوعود ونكسر المواثيق، وبدلاً من أن نكون أميناء نرتكب الخيانة في الأمانات، وبدلاً من أن نكون عادلين ومنصفين نصير ظالمين، وأننا على افتراض أن الجميع يقبلون هذه التغييرات، ففي مثل هذه الظروف سيختفي «الكيان الاجتماعي» من الوجود.
لأن استقرار الأحكام الأخلاقية ليس عقداً. ما كان عقداً يمكن تغييره بعقد (مثل الآداب والأعراف)، لكن ما ليس عقداً (الأحكام الأخلاقية) لا يمكن استبداله بأي عقد. بعبارة أخرى، «الأخلاق» ليست عقداً بين الناس بل تنبثق من جوهر الأمور الإنسانية وطبيعة البشر. في الواقع، القوانين الأخلاقية هي سلسلة من «الأمور التكوينية» وليست «التشريعية»: إنها سلسلة من الأمور الطبيعية وليست عقدية.
نتيجة الفرق الأول هي فرق ثان يجب أن نقول في بيانه: إن الأخلاق والآداب والأعراف لا تتعلق بالزمان والمكان والظروف بأي حال. أي إذا كانت سلسلة قواعد أخلاقية واقعاً أخلاقية - وليست مخلوطة بالحقوق والآداب والأعراف والدين والمذهب والنفعية وما إلى ذلك - فإنها تكون ملزمة في كل زمان ومكان وظرف، وسواء تم العمل بها أم لم يتم، فهي على عاتق الإنسان. بالطبع يجب أن نقول إن المكان والزمان والظروف، وإن لم تغيّر الأحكام الأخلاقية، فقد تجعل حكماً أخلاقياً «بلا موضوع» وهذا يحدث كثيراً. رأيتم أنه أحياناً يضعون تحت الزجاج على مكتب السوق هذه الآية: «فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً»، بينما كان يجب أن توضع آية مثل «أحل الله البيع وحرّم الربا». لأن مضمون الأولى صحيح وإن كان بلا موضوع بالنسبة للتاجر. لأن السوق ليس مجال جهاد ليكون المجاهدون أفضل بقيمة من القاعدين. في مثال آخر، أحياناً عندما يفقد موضوع حكم أخلاقي واقعيته، ظنّ البعض بنسبية الأحكام الأخلاقية. مع أنه إذا كان حكم «كن صادقاً» لا يجد موضوعاً عند الشخص الأبكم منذ الولادة، فلا نستنتج من ذلك أن «لا يجب أن نقول الحق». لأن قول الحق وعدم قول الكذب يجدان موضوعاً في حيث يكون ثمة «شيء يقال».
بينما «الآداب والأعراف» تابعة للمكان (بين دولتين وإن لم تنف بعض التقاطعات في المجتمعات المجاورة) والزمان (بين فترتين تاريخيتين) والوضع والحال (بين الفقراء والأغنياء).
الفرق الثالث هو أن الآداب والأعراف مرتبطة كثيراً (لا أقول كلياً) بالأدوار الاجتماعية، لكن «الأخلاق» ليست مرتبطة كثيراً (لا أقول إطلاقاً) بالأدوار الاجتماعية. نحن بالإضافة إلى كوننا بشراً نتقمص في الحياة أدواراً: مثل دور الأب، دور الزوج، دور الصديق، دور المعلم، دور الموظف، دور عضو في جمعية معينة وما إلى ذلك. تلاحظون أن الآداب والأعراف تتحدث في الواقع في المقام الأول عن الأدوار، مثلاً الأب يكون مع ابنه بهذه الطريقة والابن مع أبيه بتلك الطريقة: الزوج مع زوجته هكذا والزوجة مع زوجها بهذه الطريقة: آداب الحرب أو السلم: آداب المأتم وما إلى ذلك.
فنرى أن الآداب دائماً تكون مضافة إليه. مثل آداب المعلمين أو آداب المتعلمين.
أما الأخلاق فليست مرتبطة بهذه الأدوار الاجتماعية بدرجة كبيرة. الأخلاق سلسلة من الأحكام الكونية. فالصدق والتواضع و... كل ذلك مستقل عن الأدوار التي يضطلع بها الفرد في المجتمع.
والفرق الرابع والأخير هو أنه حتى لو افترضنا أن شخصاً ما تمكّن من تغيير العادات والتقاليد، فيمكنه أن يعلّم أطفاله أنماطاً جديدة، وهم لن يبدوا من ناحية أولاً أي مقاومة نفسية تجاه «تعلّم» هذه العادات والتقاليد، وثانياً تجاه «احترامها» في مجال العمل. مثل تعليم العادة الجديدة للأحفاد بأن يذهبوا إلى حضن الطبيعة في اليوم الحادي عشر من فروردين بدلاً من اليوم الثالث عشر. وبما أن العادات والتقاليس في تحول وتغيير مستمرين والأجيال الجديدة تقبلها، لكن إذا قررنا في يوم من الأيام أن نقول الكذب بدلاً من قول الحق وأن نعلمه لأحفادنا أيضاً، فستلاحظون أنهم سيبدون مقاومة نفسية-عاطفية من تلقاء أنفسهم ولن يكونوا قادرين على قبوله.
ترون أنه مهما حاولتم بجدية أن تغيّروا الأخلاقيات باستخدام أداة «الوضع» و«المواضعة» و«العقد»، ثم تعلموها لأحفادكم، فإن الجيل التالي، رغم أنه لا يعلم عن أي شيء ولم يطأ هذا العالم إلا للتو، إلا أنه يبدي مقاومة. بعبارة أخرى، في حالة تغيير الأخلاقيات، يختل «الصحة النفسية» للأفراد، لكن تغيير العادات والتقاليد لا يشكل اعتداءً على روح وعقل الإنسان. بالتعبير الداروينيّ، هذه الأخلاقيات ضرورية لتطورنا، والقيام بتغييرها يشبه المقاومة ضد التطور البيولوجي للإنسان، ولهذا السبب لا تحتمل الأجيال اللاحقة مثل هذه المقاومة.
بعد ذكر ثلاثة فروق، أمضي الآن إلى ملاحظة أخرى وأنهي نقاشي بقول إنه إذا تعارض حكم مستمد من «العادات والتقاليد» مع حكم مستمد من «الأخلاق»، فماذا يجب أن نفعل؟ مثلاً العادة بين بني إسرائيل حيث كانوا يضحون بأبنائهم لله في مناسبات معينة. وكما أُشير سابقاً، في حالة التعارض بين «الأخلاق» و«العادات والتقاليد» في جميع الحالات بلا استثناء، يجب أن نرجح حكم «الأخلاق» على حكم «العادات والتقاليد». بشكل عام، من بين هذه المصادر الستة لوضع المعايير التي شرحناها، تتمتع «الأخلاق» بأفضلية على غيرها، وفي حالة التعارض مع أي من المصادر الخمسة الأخرى، يجب أن يرجح حكمها.
.
.
برعاية مؤسسة سروش مولانا
جريدة الاعتماد | 8 آذر 1394 | الصفحتان 8 و 9
.
.
.
.
الفلسفة
الأدب
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.