اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
نظّمت جمعية العلوم السياسية ندوةً عن جون رولز؛ وقارن حجاريان بين الإجماع المتداخل والعدالة عند رولز وبين تعاليم الإمام علي (ع) في نهج البلاغة حول الحقوق المتبادلة والجود والعدل.

محسن آزموده: من بين فلاسفة القرن العشرين، ولا سيما في جبهة اليمينيين والمفكرين الموسومين بالليبراليين، يُعد جون رولز (1921-2002م) بلا شك الشخصية الأكثر شعبية وجاذبية. إنه فيلسوف السياسة والأخلاق الأمريكي الذي لحسن الحظ لم تُترجم أهم أعماله فحسب، مثل «نظرية في العدالة» (ترجمة مرتضى نوري)، و«الليبرالية السياسية» (ترجمة موسى أكرمي)، و«قانون الشعوب» (ترجمة محمد فوجيان ومرتضى بحراني)، و«العدالة بوصفها إنصافاً» (ترجمة عرفان ثابتي) إلى الفارسية، وكُتبت أعمال كثيرة حول آرائه، بل إن أعمال وأفكار بعض أبرز تلامذته مثل توماس نيغل وجوشوا كوهين قد تُرجمت أيضاً إلى الفارسية وأصبحت معروفة لدى الجمهور الإيراني. والآن، وبعد مرور أكثر من 15 عاماً على وفاته، يحل رولز وأفكاره ضيفاً على طهران بجهود الجمعية الإيرانية للعلوم السياسية. يوم الخميس 22 آذر، نظّمت هذه الجمعية مؤتمراً دولياً ليوم واحد بعنوان «جون رولز: نظرة إلى العدالة والتنمية والسلام والديمقراطية». في هذا المؤتمر الذي شكّل الأساتذة جواد حيدري وقدير نصري وحسين هوشمند لجنته العلمية، وكان علي إسماعيلي أردكاني أمينه التنفيذي، قدّم عدد كبير من أساتذة وباحثي العلوم السياسية في إيران مقالاتهم، وألقى بعضهم بحوثهم في شكل محاضرات، يمكن أن نذكر منهم سيد علي رضا بهشتي وقاسم فنائي وحسين واله. كما قُدمت في هذا المؤتمر مقالات من توماس نيغل (بترجمة جواد حيدري)، وبول ويتمان (بترجمة أمير حسين خداپرست)، وجوشوا كوهين، في مجال نقد ومراجعة وتعريف أفكار رولز. في صفحة الفكر اليوم، سنقرأ ملخصاً لبعض المحاضرات إلى جانب تقديم مقالة سعيد حجاريان في هذه الندوة.
سعيد حجاريان
على مر التاريخ، سعى أفراد كثيرون من مواقع ونقاط انطلاق مختلفة إلى عرض آرائهم حول العدالة على المجتمع البشري. من الأنبياء والأولياء إلى الفلاسفة والعرفاء، بذل كل منهم جهوده وخلّف آثاراً. من بين هذه الآثار، اشتهر كتابان في إيران. أولهما كتاب «صوت العدالة الإنسانية» أو «الإمام علي (ع) صوت العدالة الإنسانية» لجورج جرداق عام 1956، والآخر «نظرية في العدالة» لجون رولز الصادر عام 1971. قصدي في هذه المقالة هو المقارنة بين آراء الإمام علي (ع) وجون رولز.
الإجماع المتداخل والعدالة العامة
طرح رولز فكرة تحت عنوان الإجماع المتداخل. تفيد هذه الفكرة أنه بغض النظر عن الرؤى الفلسفية والأيديولوجية والدينية، يوجد نواة منطقية وعقلانية في العقل الجمعي البشري ترشده كمواطن حر إلى نزعات عقلانية. ونتيجة ذلك أنه يمكن في كل ثقافة ودين إيجاد عناصر تتقاطع حول موضوع العدالة، وبالتالي يعزز الجميع يداً بيد الفكرة العامة للعدالة. أحد أشهر هذه العناصر وأهمها بلا شك هو القاعدة الذهبية «أحبب لغيرك ما تحب لنفسك». هذه القاعدة حاضرة عملياً في جميع هذه المذاهب والأديان والثقافات وكأنها ذات منشأ فطري. كما ورد في القرآن الكريم: «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» (آل عمران، 92). ونقرأ أيضاً: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا» (الإنسان، 8). بالطبع، أقامت المذاهب الأخلاقية المختلفة أسسها على دعائم متباينة وليس لها بالضرورة منشأ مشترك. فعلى سبيل المثال، تؤكد أخلاق الفضيلة على الفواعل الأخلاقية والتعلقات والطبع الفردي، وفي مقابلها تنظر أخلاق الواجب إلى نفس الفعل الأخلاقي وتعتبر الغاية هي الإنسان. وإلى جانب هذين، يقف النفعيون الذين يولون الاهتمام لنتيجة الفعل.
رالز متفائل بشأن الطبيعة البشرية ويعتقد أن البشر يمكنهم عمومًا التوصل إلى تفاهم حول موضوعات مهمة مثل الحرية والعدالة. كان كانط يعتقد في العقل العملي أن من مقتضيات الأخلاق والعدالة قبول وجود كيان يُدعى الله. لكن رالز يقف في مقابل ذلك ويقيم أدلة ويعتقد أنه حتى بدون هذا الكيان يمكن وصف الإنسان بأنه كائن أخلاقي. دليله الأول هو التطور التدريجي للأخلاق البشرية. إن إلغاء العبودية وإحقاق حقوق المرأة... إلخ، يُظهر أن البشرية قد سارت نحو التكامل وأصبحت أكثر أخلاقية. ودليله الآخر هو استدامة المنجزات الأخلاقية. يطرح رالز فكرة تحت عنوان «التوازن التأملي» (reflective equilibrium) ويشرح في إطارها كيف تصل الدوافع والمواقف، بناءً على عملية جدلية، إلى توازن مستدام وتُثمر العدالة. كما أن الإمام علي (ع) متفائل بمستقبل البشرية. وهو يرى هذا التفاؤل نتيجة للإيمان بالذات الإلهية، ويعتقد أن الله لم يخلق البشر عبثًا، وأنه قد أودع في طبيعتهم وفطرتهم دوافع تهديهم إلى الصراط المستقيم. في هذا النص، ومن خلال تسليط الضوء على عدة عناصر، أحاول أن أبين أن فكرة الإجماع المتداخل عند رالز تتوافق مع العديد من الأفكار التي طرحها الإمام علي (ع) في نهج البلاغة، وأن كليهما قدما وصفة عملية لإقامة العدل.
أولاً: الجود والعدل
في الحكمة 429 من نهج البلاغة، يُذكر الجود والعدل وتُجرى مقارنة بين هذين العنصرين. يقول الإمام علي (ع) في تلك الحكمة: «الْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ وَالْجُودُ عَارِضٌ خَاصٌّ» أي «العدل يشمل الجميع والجود ينفع فردًا بعينه» ثم يستنتج: «فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا» أي «العدل أشرف وأفضل». هذا التمييز موجود أيضًا في فكر رالز، عندما يفرق بين العدالة والمنح. يرى رالز العدالة مقولة مستمرة وبنيوية، ويضعها في مقابل اعتقاد شائع يعتبر مساعدة الآخرين وحتى دعم الدولة للناس أمرًا مقطعيًا، ويُسند الجود أساسًا إلى الجمعيات الخيرية والأفراد والمؤسسات المدنية.
ثانيًا: أخلاق الفضيلة والحقوق المتبادلة
لقد عارض كل من الإمام علي (ع) ورالز أخلاق الفضيلة. منشأ المنح والجود هو الفضيلة، والكرم أساسًا أمر شخصي ولا يمكن تعميمه على الحكم. وقد تحدث رالز أيضًا عن العدالة المؤسسية، لأنه يرى أن كون الدولة كريمة يفتقر إلى المعنى. ومن هنا يُطرح فكر كل منهما في مقابل فكر أرسطو. كان أرسطو ينفي من جهة البخل ومن جهة أخرى الإسراف، لكنه كان يظن أن العدل ناتج عن الكرم، وقد أُعيد إنتاج هذه النظرة في إيران بعد الجمهورية الإسلامية. من جهة أخرى، قبل الإمام (ع) مبدأ العقد، وكما نرى في صفين (الخطبة 207 من نهج البلاغة) تحدث عن الواجبات المتبادلة بين الدولة والشعب، واعتقد أن واجبات الدولة والشعب متبادلة وأن الحق ليس طريقًا ذا اتجاه واحد. يقول: «لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ» أي «لا يُقرر حق لصالح أحد على آخر إلا وقد تقرر عليه لصالح آخر نظير ذلك الحق». هنا يتم الفصل بين مفهومي الحق (right) والواجب (duty) ويسيران متوازيين ومتبادلين، سواء في العلاقات الصغرى أو بين الشعب ودولتهم الوطنية والمشروعة؛ لذا يمكن استنشاق عقود من أقوال وأفكار الإمام علي (ع). وإن كان علينا أن نعترف بأن مفاهيم مثل المواطن الحر والمساواة القانونية... إلخ، تنتمي إلى العالم الحديث ولم تكن موجودة قبل 1400 عام. لكن طرح الحقوق المتبادلة بين الطبقات العليا والدنيا في نهج البلاغة هو أريج لا أظن أنه قد وصل إلى الأنوف في كلام وآثار أفراد تلك الفترة. رالز أيضًا عقداني، وفي كتابه «الليبرالية السياسية» ومن خلال تقديم تفسير جديد وإكمال فكر أصحاب العقود الاجتماعية، يقرأ هذه المقولة بوصفها تنظيمًا اجتماعيًا يمهد للعدالة. وهو بالطبع يدرك أن الظروف قد ترجح كفة الميزان لصالح جماعات وأفراد معينين، ولهذا يؤكد أن مثل هذا العقد بعيد عن الإنصاف. لذا يتحدث عن الوضع الأصلي (original position)، وهو افتراض تزول في ضوئه الامتيازات الأولية وأشكال التحيز المختلفة، وتُهيأ العدالة تدريجيًا. لأن الأفراد يختارون موقعهم في كمال الحرية والمساواة، ونتيجة لذلك يتحقق شرط الإنصاف.
البته اختلافی هم میان حضرت امیر(ع) و رالز وجود دارد. رالز تحت تاثیر كانت در بحث وظیفه 3 منشأ ماوراءالطبیعه، شهود و احساسات(sentiments) را دخیل نمیداند در حالی كه حضرت امیر(ع) ماقبل كانتی است لذا با ماوراءالطبیعه و فطرت همدلی و همراهی دارد.
سوم: عدالت در عمل
در همان خطبه 207 نهجالبلاغه آمده است: «الْحقُّ أوْسعُ الْأشْیاءِ فِی التواصُفِ و أضْیقُها فِی التناصُفِ» یعنی «حق هنگام وصف و گفتوگوی با یكدیگر فراخترین چیزهاست و در زمان عمل و كردار، تنگترین چیزها». در این عبارت، تئوری و عمل از یكدیگر تفكیك شدهاند و این امر نشان میدهد كه حضرت امیر(ع) گفتاردرمانی را مردود میشمارد. رالز هم بنیانهای عدالت را از وضعیت انتزاعی خارج كرده و در آثار خود نسخهای اجرایی ارایه داده و به مرور اندیشههای خود را حك و اصلاح كرده است. وی برخلاف اندیشمندان پیش از خود به دنبال بر هم زدن وضع موجود و ساختن جامعهای جدید نبوده است بلكه در پی آن است، ساختارها و كنشها را بر اساس رویكردی عدالتمحور اصلاح كند.
چهارم: بازتوزیع
پارهای از مفسران عبارت «ما رایت نعمه موفوره الا و فی جانبها حق مضیع» را به حضرت امیر(ع) نسبت دادهاند. این عبارت بیان میدارد، مال و مكنت فراوانی جمع نمیشود، مگر آنكه در كنار آن حقی ضایع شده باشد. در سندیت این عبارت محل شك و تردید است و چنین برداشت میشود كه باید اموال سرمایهداران را ستاند و میان فقرا توزیع كرد، ایدهای در ضدیت با سرمایه و انباشت آن. اما حضرت امیر(ع) در حكمت 320 نهجالبلاغه عبارتی مشابه و البته تعدیل شده را به كار برده است:«إِنالله سُبْحانهُ فرض فِی أمْوالِ الْأغْنِیاءِ أقْوات الْفُقراءِ فما جاع فقِیرٌ إِلا بِما منع بِهِ غنِی واللّهُ تعالى جدُّهُ سائِلُهُمْ عنْ ذلِك» یعنی «خداوند سبحان در داراییهای توانگران، روزیهای بیچیزان را واجب گردانیده پس بیچیز گرسنه نماند مگر به سبب آنچه توانگری به او نداده و در روز رستاخیز خداوندی كه بزرگ است، ایشان را از این كار مواخذه و بازپرسی میكند» این عبارت با نوزدهمین آیه سوره الذاریات همخوانی دارد:«و فی أمْوالِهِمْ حقٌّ لِلسائِلِ و الْمحْرُومِ» یعنی «و در اموالشان برای سائل و محروم حقی معین بود.» در این مورد هم مجددا رالز و حضرت امیر(ع) با یكدیگر همعقیدهاند. حضرت معتقد است در بخشی از اموال ثروتمندان مال فقیران قرار گرفته است. رالز هم میگوید بازتوزیع ثروت در جهت برابری تا زمانی ادامه مییابد كه فقر مطلق محرومترین افراد بهبود یاید زیرا به زایل شدن ثروت بر اثر افراط در بازتولید التفات دارد. رالز تصریح میكند برای برپایی عدالت لازم نیست، قله را تخریب كنیم و به دره برسیم و همه چیز را تسطیح كنیم و جامعهای بیطبقه بنا نهیم زیرا وی انباشت ثروت به طرق قانونی و اخلاقی را محترم میشمارد.
در ضرورت توازن میان مطالبات
من بين الحالات الأربع المذكورة، أحاول تطبيق مبحث إعادة التوزيع على مجالات أخرى. يعتقد الكاتب أن إقامة توازن بين أعلى نقطة، سواء أكانت الأكثر ثراءً أم الأكثر راديكالية... إلخ، وأدنى نقطة، سواء أكانت الأكثر فقراً أم المحافظة أم الواقعية... إلخ، قابل للتعميم على أي مجال. فعلى سبيل المثال، تعمل الناشطات النسويات الطليعيات في إيران حالياً على غرار النسويات الروسيات. ويمكن إقناع هذه المجموعة بتجميد مطالبها لفترة والالتفات إلى الطبقات الأدنى. يشبه هذا الإجراء تنازل الشرائح العشرية الاقتصادية العليا لصالح الشرائح الدنيا. اليوم، تطرح بعض النساء على مستوى المجتمع مطالب طليعية كالمسيرات بلا حجاب، لكن في الوقت نفسه تتعرض شريحة من النساء للضرب داخل المنزل ولا يجدن حتى الإذن بمغادرته، وهناك من يسعين وراء حق الحضانة، ومنح الجنسية لأبناء النساء الإيرانيات من زواجهن بأجانب. لذا ينبغي إقامة توازن بين هذين النمطين من المطالب واتخاذ خطوة إلى الأمام. والأمر سيان في السياسة؛ فالبعض يريد احتلال القمة بينما يطالب الناشطون البيئيون والدراويش والعمال... إلخ بحقوقهم الأساسية. وهذا الموضوع سارٍ وجارٍ حتى في المستويات العليا من الحكم. فعلى سبيل المثال، تعاني بعض مناطق إيران من الفقر أو تطالب بالاحتياجات الأولية تحت تأثير الكوارث الطبيعية. والإجمال أنه إذا ما نما مجتمع ما وتمت تلبية حقوقه الأساسية، حينها يمكن السعي فيه وراء المطالب الطليعية، على نحو ما يقول رولز في كتابه «الليبرالية السياسية»: «أفكاري تتعلق بالمجتمعات المنظمة والمتطورة ولا تصلح لكل المجتمعات».
في مجال أفكار رولز، ما زلنا في بداية الطريق ولا يزال أمامنا عمل كثير. مجتمعنا ليس منظماً. لقد تحدث رولز عن المجتمع المنظم. ينبغي لنا أن نكيّف فكر رولز مع مجتمعنا. فما لم نؤقلمه، لا يمكننا الاستفادة منه. ربما يكون بعض تلامذة رولز أفضل لنا وأكثر نفعاً لمجتمعنا. فرولز نثره ثقيل وأعماله صعبة، وهي علاوة على ذلك مخصصة لمجتمعات منظمة تماماً.
محلل في الشؤون السياسية
أكثر فلاسفة السياسة روحانيةً في تاريخ البشرية
في الرابع والعشرين من نوفمبر عام 2002، وبوفاة جون رولز عن عمر يناهز 81 عاماً إثر قصور في القلب، فقد عالمنا المحفوف بالمخاطر، بتعبير توماس نيغل (الفيلسوف المعاصر البارز وأحد كبار تلامذة رولز)، أهم فيلسوف سياسي في القرن العشرين وأكثر فلاسفة السياسة روحانيةً في تاريخ البشرية. لقد كان إنساناً شديد التواضع ومحبوباً، يخشى الشهرة ويبغضها، وكان يرفض باستمرار التكريمات التي تُمنح له. امتنع رولز عن التحول إلى شخصية عامة أو اسم إعلامي معروف، وهو ما كان متاحاً له بفضل نجاحاته. بعد صدور كتاب «نظرية في العدالة» عام 1971، الذي تشكلت أفكاره في خضم حرب فيتنام، أصبح هذا العمل مصدراً إلزامياً لطلاب الفلسفة والسياسة والحقوق، وهكذا أثّر رولز في عدة أجيال. يعالج كتاب «نظرية في العدالة» أساساً ما يسميه رولز المسائل التقليدية للنظرية السياسية الحديثة؛ مسائل حول مجالات الحريات المدنية الأساسية، وحدود الواجب السياسي، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية. لم يكتب رولز أبداً عن نفسه، ويكاد لا يوافق على أي مقابلة. كان يحظى بالعزة والاحترام لدى طلابه وزملائه. يصفه أصدقاؤه بأنه إنسان معقد وقلق نوعاً ما، ورغم أنه لم يدّعِ صراحةً كونه مؤمناً، إلا أنه حافظ على نزعة دينية أساسية. ويؤكدون أيضاً على تواضعه الخالي من الرياء وأدبه الاستثنائي. يقول أحد زملائه: «من الصعب جداً عليّ أن أعبر عما أشعر به تجاه رولز. لقد كانت لديه غريزة أخلاقية واجتماعية أرقى بكثير من كثير من الناس». وجدير بالذكر أنه في مجال أكاديمي يهيمن عليه الرجال، كان العديد من طلاب رولز البارزين من النساء.
عليك أن تمارس العدالة
توماس نيغل
ترجمة: جواد حيدري
يجيب رولز في ثلاثة من أعماله الخالدة عن ثلاث مسائل جوهرية في عصرنا. ففي كتابه «نظرية في العدالة»، كان موضوعه الرئيسي العدالة الاجتماعية، وقد أضفى على هذا الموضوع الشكل والهيئة اللذين يحظى بهما في نقاشات أيامنا هذه. المسألة الأساسية هي: إن توقعات كل شخص وفرصه في هذه الحياة تتأثر بشدة بالوضع والحال اللذين يولد فيهما دون أن يكون له أي خيار في ذلك. فالمؤسسات الأساسية لمجتمعه تحدد مكانته في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهذا يُدخل قدراً كبيراً من الحظ والثروة في حياة الإنسان، لكن هذا الحظ والثروة تحددهما مؤسسات هي، إلى حد ما، تحت سيطرة الإنسان. كوننا أبناء العبيد أو أبناء مالكي العبيد، أو أبناء العمال البسطاء أو أبناء الرأسماليين المتمولين، هو من جهة مسألة حظ وثروة محضة، لكن مؤسسة العبودية أو الرأسمالية هي من خلق الإنسان، ويمكننا أن نسأل أنفسنا، كأعضاء في مجتمع (وفي نهاية المطاف كنظام عالمي)، ما إذا كان الحظ والثروة، الجيد منهما والسيئ، اللذان يؤثران في الحياة وتخلقهما مؤسساتنا، مقبولين من الناحية الأخلاقية أم لا.
ويتناول رولز في كتابه «الليبرالية السياسية» علاقة ونسبة القيم السياسية بالقيم الأكثر شمولاً. ويولي رولز أهمية أكبر لحقيقة أن التعددية إزاء القيم الغائية أمر لا مفر منه. كان يقول إن الاختلاف الديني هو أهم أشكال التعارض حول القيم من الناحية التاريخية، ولذلك كان يعتقد أن محاولة فرض نظام قيمي شامل وواحد على المجتمع تؤدي حتماً إلى القمع. وهو يرى أننا بحاجة إلى الإنصاف ليس فقط في توزيع المنافع الاجتماعية والمادية، بل أيضاً في التصورات المتنوعة للخير. لذا فإن المتعاقدين في الوضع الأصلي محرومون من المعلومات المتعلقة بتصورهم الكامل للحياة الجيدة، وعليهم، بالنظر إلى هذا الوضع، أن يختاروا مبادئ قد يكونون أي شخص يمكن أن يخطر ببالك: من الناسك المتدين إلى الملحد الآثم.
نتيجة تطبيق حجاب الجهل في مجال القيم هي نظام قائم على التسامح. هذا النظام القائم على التسامح يصون بشدة حرية الأفراد والجماعات في السعي وراء غايات مختلفة في الحياة. وهذا، بحسب رولز، ليس مجرد تسوية مؤقتة، بل هو مقتضى الاحترام المتبادل. لا ينبغي أن يدفعنا حس العدالة إلى الرغبة في فرض تصورنا الخاص للخير على الآخرين رغماً عن إرادتهم، حتى لو امتلكنا القوة السياسية لفعل ذلك. في الواقع، ينبغي أن نرغب في أن نؤسس تبرير عنف الدولة على مجموعة محدودة من القيم السياسية البحتة، وأن نترك القيم الدينية الشاملة والغايات النهائية للحياة للنشاط الاختياري الجماعي والفردي.
وفي كتابه «قانون الشعوب»، يتبنى رولز نهجاً شبيهاً بنهج كتابيه السابقين إزاء العلاقات الدولية. يريد رولز أن يتناول مبادئ العدالة في العلاقات الدولية. وهو لا ينوي تطبيق مبادئ العدالة بين الأفراد على العالم بأسره، بل هدفه أن نسعى لأشياء مثل الحرية والمساواة والاحترام المتبادل لجميع المجتمعات. وهذا القول، في تصور رولز، يثمر قدراً من التسامح بين المجتمعات إزاء التصورات المختلفة للعدالة، بما في ذلك بعض التصورات غير الليبرالية «النبيلة».
للتسامح حدود وثغور، ولا يمتد ليشمل المجتمعات الخارجة عن القانون التي تنتهك أبسط حقوق الإنسان الأساسية للأفراد الخاضعين لسيطرتها أو تعتدي على جيرانها؛ لكن بصرف النظر عن هذه المسألة، فإن التسامح يستلزم احترام السيادة، والالتزامات العرفية للقانون الدولي السائد، وكذلك احترام قوانين الحرب التي تشمل حماية المدنيين. ومع أن هذا التسامح يقتضي، في الظروف غير المواتية بشكل خاص، بعض المساعدات للبشر ولا يشمل مبدأ الفرق على الصعيد الدولي، فذلك لأنه يمكن، بحسب رولز، اختيار نوع من العدالة الاقتصادية إجمالاً ولا يمكن متابعتها إلا من خلال المؤسسات السياسية.
توماس نيغل (مواليد 1937، أمريكا) فيلسوف أخلاق وسياسة وأستاذ الفلسفة والقانون في جامعة نيويورك. وهو من أبرز تلامذة جون رولز. ذاع صيت نيغل بسبب نقده للاختزالية المادية، وهو موقف طُرح بشكل خاص في مقالته «كيف يكون المرء خفاشاً؟» (1974). لحسن الحظ، تُرجمت أهم أعمال نيغل مثل أسئلة قاتلة، والمساواة والتحيز، وإمكان الإيثار، وعلم الأخلاق، والعقل والكون، إلى الفارسية على يد جواد حيدري، أستاذ العلوم السياسية.
العقل العمومي
علي رضا بهشتي| من الأفكار التي طرحها جون رولز خلال العملية التطورية لنظريته عن العدالة بوصفها إنصافاً، كشرط مسبق حاسم لعدالة عمليات صنع القرار في مجتمع قانوني منظم، هي فكرة العقل العمومي. ثمة مباحث قيّمة حول توافق هذه الفكرة أو عدم توافقها مع نموذج الديمقراطية التداولية، والالتفات إليها مفيد في تبيين هذه الفكرة بشكل أدق، وقد استفدت في المقالة التي قدمتها لهذه الندوة من بعض النقاط البارزة للاشتراك والافتراق بين هذين النموذجين. يرى رولز أن الإجماع المتداخل العقلاني هو نتاج هذه الفكرة، ولكن يبدو أن الليبرالية السياسية الرولزية من حيث المضمون الأخلاقي أضخم من أن تكون محط اهتمام في مجتمعات ثقافية متعددة ومتنوعة. ومن هنا، فإلى جانب التقييم النقدي لوجهة نظر رولز، جرت محاولة لفتح طريق للاستفادة من هذه الفكرة إلى جانب تحفة رولز في التمييز بين الأمر العقلاني والأمر المعقول وحصر مجال السياسة في الثاني، وذلك عبر الفصل بين نوعين من السياسة. في الجزء الآخر من هذه الكتابة، تبين أن المقاربة المُعاد بناؤها لفكرة الإجماع المتداخل الرولزي تعيننا في قياس مدى ديمقراطية وعدالة القوانين الأساسية للبلدان وإصلاحها لزيادة مشروعيتها ومقبوليتها. بناءً على هذا الإطار النظري وبالنظر إلى أن النظام السياسي الحاكم في إيران قد تأسس على أساس الديمقراطية الدينية، فقد طُرحت إمكانيات تطبيق فكرة العقل العمومي على المواطنين الإيرانيين، هنا والآن، وجرى تقييم التوجه الكلي للدستور في الجمهورية الإسلامية؛ تقييم يتيح تحديد التوجه الكلي لإصلاحه من أجل بلوغ تجلّي الديمقراطية في البنى الأساسية للمجتمع الإيراني.
رولز ومنهج تبرير النظرية الأخلاقية
أبو القاسم فنائي|يُعد منهج تبرير النظريات الأخلاقية أحد الموضوعات المهمة، بل ربما أهم موضوع، في الإبستمولوجيا الأخلاقية. ومع ذلك، لم يتناول العديد من فلاسفة الأخلاق هذا الموضوع بشكل مستقل، بل إن وجهة نظرهم بشأنه انعكست في أعمالهم بشكل ضمني وفي ثنايا بحثهم للنظرية الأخلاقية التي دافعوا عنها. جون رولز هو أحد الفلاسفة الذين تناولوا هذا الموضوع في كتابه الشهير، نظرية العدالة، بإيجاز وبشكل مستقل إلى حد ما.
وجهة نظر رولز حول منهج تبرير النظرية الأخلاقية هي تركيب من منهجين مختلفين للتبرير، استُخدم كل منهما بشكل مستقل وبصورة أبسط من قبل فلاسفة الأخلاق قبله لتبرير نظريتهم الأخلاقية المقبولة لديهم. يسعى المنهج الأول، عبر التوسل بالحدوس الأخلاقية وما وراء الأخلاقية، إلى صياغة نظرية أخلاقية معينة ثم الدفاع عنها؛ دفاع يشمل نقد النظريات المنافسة أيضاً. أما المنهج الثاني فيسعى إلى توفير التبرير اللازم للنظرية الأخلاقية عبر التوسل بالعقد الاجتماعي. لكل من هذين المنهجين تاريخ طويل في فلسفة الأخلاق وبعض فروع الفلسفة الأخرى، كالفلسفة السياسية. يقدم رولز، في مقام صياغة وتبرير نظريته في العدالة والدفاع عنها، أولاً قراءة جديدة ومتقدمة لهذين المنهجين، ثم يقوم بتركيبهما معاً بشكل مبتكر. في المقالة التي قدمتها لندوة رولز، سعيت، إلى جانب مراجعة أهم وجهات النظر المنافسة حول منهج تبرير النظريات الأخلاقية، إلى شرح وتفصيل أبعاد ومكونات منهج رولز الابتكاري المختلفة، ثم تقديم اقتراحات في سبيل تكميل وجهة نظره، مع الأخذ ببعض الانتقادات المتأخرة.
قراءة مقترحة لنظرية الحكم بناءً على أسس الفقه الشيعي والتقليدي
حسين واله| في الشريعة الإسلامية، وفق القراءة التقليدية الشيعية للفقه وعلم الكلام، تم التعبير عن معايير الحكم الرشيد ومقاييس شرعية الحكومة. يمكن تقديم نظرية في الحكم تستند إلى أسس هذا الفقه والكلام، مع قراءة لفلسفة السياسة، تكون قريبة من مدرسة جون رولز. هذه النظرية، في أركان عدة، أكثر اكتمالاً مما هو سائد قانونياً ورائج في إيران اليوم، وفي بعض التفاصيل، تتضمن اقتراح قراءة أكثر سلاسة واتساقاً لبعض المشهورات الكلامية.
تتألف النظرية المقترحة من سبعة أركان، كل منها مستند إلى أدلة نقلية. ويمكن تدعيم جميع هذه الأركان بالاستدلال العقلي المحض أيضاً، ولكن لأسباب براغماتية، تم الاعتماد على الأدلة النقلية وتجنب الأدلة العقلية المحضة. وقد رُوعي في هذه النظرية: ضرورة الحكومة وأساس مشروعيتها، وشروط الرضا العام ومراعاة مبادئ العدالة في مشروعية تأسيس الحكومة وبقائها، والنطاق الأدنى لمجال الحكومة، والوظائف الذاتية والوظائف غير الذاتية للحكومة، والحقوق والواجبات المتبادلة بين الحكومة والمواطن، ولا سيما حق الاعتراض والعصيان المدني.
يمكن اعتبار بعض هذه الابتكارات على النحو التالي: الأدلة التي تؤكد عليها هذه النظرية توفر: 1- الطبيعة الخطابية للمعيار؛ 2- ضرورة المنهج البين-ذاتي لتعيين المعايير الرسمية؛ تعريف فوق-مذهبي لمبادئ العدالة في المجال السياسي، 3- التعددية ومحورية المواطنة بدلاً من الخصائص الشخصية الأخرى في بنية النظرية، 5- التداول الطبيعي وغير العنيف للسلطة و 6- التوفيق بين حق الاعتراض ووجوب الامتثال من خلال تفكيك (غالباً ما يُغفل) في موضوع هذين "الوجوبين".
.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.