اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
سعى الدكتور حسين هوشمند، في تبيينه لمفهوم العدالة لدى جون رولز، من خلال شرح مبادئ كالحريات الأساسية وتكافؤ الفرص، إلى إظهار كيف يمكن بلوغ نظام سياسي عادل رغم التعددية العقلانية؛ لتكون النظرية دليلاً يُحتذى.

ما يسمونه العدالة
جلسة في تبيين مفهوم العدالة عند رولز
عُقدت ندوة "ما يسمونه العدالة؛ تبيين مفهوم العدالة في فكر جون رولز" بتاريخ ٢۶/ ۵/ ٩٧ بمبادرة من حزب اتحاد ملت إيران الإسلامية (منطقة فارس). وتُقام هذه السلسلة من الندوات تحت اسم جلسات الحوار والفكر.
تناول الدكتور حسين هوشمند، أستاذ الأخلاق المقارنة في جامعة كونكورديا الكندية، في هذه الجلسة شرح فكر جون رولز وخاصة مفهوم العدالة في فكره.
أوضح في البداية مشيراً إلى اختلاف الأنظمة السياسية في الماضي والحاضر: كان مفهوم النخبة بالغ الأهمية في الأنظمة القديمة، أما في الوقت الحاضر، ومع تزايد أهمية المجال العام في المجتمع والتأكيد على تنامي أهمية مفهوم الشعب؛ فقد حلّ الأمر العام محل المركزية النخبوية، ومن هنا ارتبط مفهوم العدالة ارتباطاً وثيقاً بمفهوم المجال العام.
السؤال الأول يتعلق بوظيفة الحكومات وحدود صلاحياتها. في الواقع، يجب تحديد إلى أي مدى يُسمح للحكومات بالتدخل في المجال الخاص؟ للإجابة على هذا السؤال، ينبغي القول إن وظيفة الحكومات تقتصر على تأمين وضمان الحقوق والحريات الأساسية للناس. بمعنى أن العدالة الاجتماعية والعدالة التوزيعية يجب أن تتحققا من خلال المؤسسات، لأن المجتمع الأخلاقي لن يتحقق إلا عندما تتحقق العدالة في المجتمع.
هذا السؤال هو السؤال الأساسي، وينبغي لنا بعد ذلك أن نتأمل في أسئلة حول مجال قدرات الحكومات، ومسؤولية المواطنين تجاه الدولة، وحقوق الأقليات، واللامساواة الاجتماعية.
وجدير بالذكر أنه، خاصة في النقاش حول اللامساواة مثل اللامساواة الجندرية، لا يمكننا الوصول إلى نتيجة إلا من خلال طرح مفهوم العدالة، لأنه فقط في مجتمع عادل سيتمكن كل شخص من السعي وراء أهداف حياته. ولتأمين هذه العدالة، يجب على الدولة أن تقدم خدمات متساوية للجميع بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين أو القومية... في مجالي الصحة والتعليم، وأن تؤمن الحدود الدنيا في هذين المجالين للأفراد الذين يحتاجون إلى مساعدة أكبر.
كان رولز يعتقد أنه على الرغم من أن القيام بالأعمال الخيرية لتأمين هذه الاحتياجات الأولية هو عمل محمود، إلا أن الأعمال الخيرية هي عمل موضعي وقصير الأمد، ولحل هذه المعضلات يجب أن نتجه نحو التأمل في كيفية إنشاء نظام قائم على مفهوم العدالة.
ثم شرع الدكتور هوشمند في شرح مفصل لنظرية رولز حول مفهوم العدالة وأقرّ قائلاً: صاغ رولز نظريته في عام ۱٩٧۱ بناءً على الأسئلة والنقاط المذكورة أعلاه. على الرغم من أن الأخلاق في الفكر الحديث والعلوم القائمة على الوضعية تُعتبر مسألة غير ذات أهمية، أو في أفضل الأحوال علماً من الدرجة الثانية، إلا أن رولز حوّل الأخلاق إلى علم من الدرجة الأولى. لكن رولز، على عكس كانط الذي شرح الأخلاق في المجال الفردي، ركز على الأخلاق الاجتماعية وحاول أن يُظهر أن المجتمع الأخلاقي هو مجتمع قائم على مفهوم العدالة.
۱_ مبدأ الحريات الأساسية: كان يعتقد أن الحريات الأساسية يجب أن تُؤمَّن لجميع الأفراد بغض النظر عن الاختلافات، لكي تتاح لهم إمكانية الوصول إلى أهدافهم، وهذه الإمكانية هي ما يمثل تجلياً للعدالة. تشمل هذه الحريات حرية الوجدان (التدين أو اللاتدين)، وحرية الفكر والفن، وحرية العلم والفلسفة، وحرية المشاركة السياسية والملكية الخاصة. لكن رولز كان يضع قيداً عند حديثه عن الملكية الخاصة، حيث كان يعتقد أن هذه الملكية تكون حرة إلى الحد الذي لا يتسع فيه الفارق بين الطبقة الثرية والطبقة غير الثرية، وأن يتمتع الفقراء حتماً بالحد الأدنى من الإمكانيات التعليمية والصحية. كما يجب على الدولة أن تسعى للعمل على النهوض بوضع الفقراء.
٢_ يجب أن يتمتع جميع أفراد المجتمع بفرص منصفة ومتكافئة مثل حق العمل و...
ينبغي أن تحظى جميع الطبقات الاقتصادية والاجتماعية بالحق في السعي وراء مثلها العليا وأهدافها، ويتوجب على النظام السياسي توزيع هذا الحق بين الجميع توزيعًا عادلًا.
وينبغي للنظام السياسي أن يولي هذا الأمر اهتمامه لا في الدستور فحسب (كما يفعل الليبراليون) بل في الممارسة العملية أيضًا.
3_ قبول الفوارق: على الرغم من وجوب سعينا إلى تقليص الفجوة الطبقية إلى أدنى حد، إلا أن العدالة تقتضي أيضًا، على سبيل المثال، أن يكون هناك تفاوت في الأجر بين العامل والطبيب، لكن المسألة هنا تكمن في ضرورة ضبط هذا التفاوت. في الواقع، ومع قبول التفاوت في الدخل، إلا أنه ينبغي ألا يبلغ هذا التفاوت حدًا يكون فيه أحدهما في فقر مدقع والآخر في ثراء مطلق.
وأشار الدكتور هوشمندي في معرض حديثه إلى أن سؤال رولز سيكون في الواقع السؤال الفلسفي الأبرز في القرن الحادي والعشرين، وهذا السؤال هو:
كيف يمكن، في ظل التعددية العقلانية، التوصل إلى توافق حول نظام سياسي عادل؟
وبالطبع، تجدر الإشارة إلى أن استخدام قيد "العقلانية" يعود إلى أن النقاش وتبادل الآراء لا يمكن أن يتم إلا مع التقاليد التي بلغت قدرًا من العقلانية.
في الواقع، ثمة نوعان من الليبرالية: الليبرالية الشاملة أو الكاملة، والليبرالية السياسية التي هي محط نظر رولز.
في الليبرالية السياسية، يتم إرضاء المواطنين المختلفين عبر نظام ديمقراطي علماني، لكن هذا بحد ذاته رمز للاستبداد السياسي وكبت للتعددية، لأنه يُقترح للجميع نظام واحد.
أما النوع الثاني من الليبرالية، الذي يُسمى الليبرالية السياسية، فيسعى إلى ألا تُبرر قيمة العدالة بناءً على أي تقليد فكري محدد، بل يجب محاولة تقديم تصور سياسي للعدالة، لا تصور أيديولوجي.
ينبغي تبرير قيمة العدالة بناءً على البديهيات الأساسية الراسخة والمشتركة في المعتقد العام والثقافة العامة.
وعلى هذا الأساس، يوجه رولز نقدًا لحقوق الإنسان الليبرالية أيضًا. فهو يرى أن هذا الرأي لم يحترم التعددية الثقافية.
يعتقد رولز أنه لا يمكن اعتبار رأي واحد محدد ملائمًا لجميع البيئات، بل ينبغي، بناءً على درجة تطور البلدان، تحديد أنظمة لها تتمتع على الأقل بالحد الأدنى من العدالة والحرية.
وأكد الدكتور هوشمندي لاحقًا أن نظرية رولز هي نظرية للانتقال من حالة الديكتاتورية إلى حالة عادلة. وفي الحالة العادلة، تتسم الدولة بسمتين أساسيتين: الأولى، إرساء الحرية والعدالة في الداخل، والثانية، التعامل مع الخارج عبر السبل الدبلوماسية.
وشدد المتحدث في الختام على أن نظرية رولز في العدالة، في رأيه، هي نظرية اعتدالية تسعى إلى بسط قيمة العدالة عبر نقد الوضع القائم في الخطوة الأولى، والتنظير للخروج من هذا الوضع في الخطوة الثانية. كما أشار الدكتور هوشمندي إلى أن نظرية رولز، بما تنطوي عليه من سمات إيجابية، يمكن أن تُستخدم بوصفها نظرية تفتح الآفاق في سياسات إيران أيضًا.
وفي ختام الجلسة، أجاب الدكتور هوشمندي على أسئلة الحضور.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.