اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُشكّل التوتّر بين الدين والواجبات المدنيّة الديمقراطيّة الحديثة. وعلى نقيض الليبراليّة الشاملة التي تُخصخص الدين، يخلق جون رولز عبر طرحه «العقل العام» في الليبراليّة السياسيّة فضاءً أرحب لحضور المواطنين المتديّنين.

لقد شكّل التوتر بين الالتزام الديني وواجبات المواطَنة ماهية الديمقراطية الحديثة وسيرورتها. توصف الديمقراطيات الحديثة بتعدد المذاهب الشاملة الفلسفية والأخلاقية والدينية. تطرح هذه الحقيقة سؤالاً مهماً: «كيف يمكننا، على مر الزمن، أن نحظى بمجتمع عادل ومستدام يتألف من مواطنين أحرار ومتساوين، متأثرين بعمق بمذاهب دينية وفلسفية وأخلاقية معقولة ومختلفة؟»
طرح جون رولز في الليبرالية السياسية «فكرة العقل العمومي» التي بموجبها ينبغي على المواطنين تقديم مباحثاتهم السياسية الأساسية في إطار تصور سياسي للعدالة يقوم على قيم قبلها الآخرون بشكل معقول. تعني هذه الفكرة أن على المواطنين أن يكونوا مستعدين وقادرين على إظهار أن آراءهم السياسية يمكن أن تحظى بدعم «العقل العمومي»، أي الأسباب المشتركة والعامة؛ لأن المواطنين بهذه الطريقة يظهرون تعاونهم ولا يقصدون إجبار الآخرين على قبول أسباب لا يمكنهم تأييدها بشكل معقول.
يقتضي هذا الأمر منهم في المجال السياسي، ولأغراض مدنية مشتركة، أن يتجنبوا طرح خلافاتهم الميتافيزيقية والإبستمولوجية والأخلاقية والدينية العميقة والعصية على الحل حول حقيقة العالم والعقلانية والله والطبيعة البشرية. عليهم أن يسعوا إلى الإقرار بأهم الفضائل السياسية والمدنية كالتسامح والتعاون الاجتماعي القائم على الاحترام المتبادل، في ضوء نظامهم الأخلاقي-الديني أو بوصفها مكوناً له.
يقول رولز إن الفلسفة السياسية ينبغي أن تبحث عن أرضيات مشتركة قابلة للتحقق لعموم المواطنين. وبما أنه في المجتمعات المتعددة، لا يمكن لجميع المواطنين بشكل معقول أن يتشاركوا مذهباً شاملاً واحداً، فإن فكرة العقل العمومي عند رولز تخلق واجباً أخلاقياً ينبغي على المواطنين العيش ضمن حدوده ومرتسماته. تنصبّ هذه المقالة على تبيين نظرية رولز حول المدعيات الأساسية لليبرالية السياسية، وبخاصة فكرة العقل العمومي وعلاقتها بالمعاملة بالمثل التي تعد أساس المجتمع الديمقراطي.
ليبرالية التنوير من أهم الانتقادات الموجهة إلى الليبرالية، سعيها إلى محو الدين أو على الأقل خصخصته. تبدأ ليبرالية عصر التنوير بنقد الدين، وتعتبر نقد الأمور الأخرى كالسياسة والأخلاق والثقافة رهناً بنقد الدين. إجمالاً، تحكم ليبرالية التنوير بالمنع المطلق للمذاهب الدينية في المجال العام. لا يعد هذا التصور لليبرالية الحقائق الدينية جزءاً من الحقائق العامة، وينكر أن الدين من المصادر المعرفية التي يمكن الاستفادة منها في الخطاب السياسي.
يُنظر إلى التصور المذكور لليبرالية، الموسوم بالليبرالية الشاملة، بوصفه فلسفة حياة تمتلك مذاهب ميتافيزيقية وإبستمولوجية وأخلاقية، وتنافس الدين بادعائها امتلاك إجابة معقولة لعموم المسائل الأخلاقية والروحية والاجتماعية والسياسية للبشر.
ترى النظرة السائدة في تقليد الليبرالية الشاملة أن الدين ظاهرة غير عقلانية، وفي العصر الحديث الذي هو عصر العقلانية والنظرة العلمية للعالم وإزالة الأسطرة، ينبغي إقصاء الدين إلى المجال الخاص؛ لأن الحضور السياسي-الاجتماعي للدين، بوصفه ظاهرة تنتمي إلى العصور ما قبل الحديثة أو في أحسن الأحوال ظاهرة محدودة بالساحة النفسية للبشر، يؤدي إلى إشعال نار النزاعات الدينية والحروب الأهلية.
يرى المدافعون عن الليبرالية الشاملة أن الصراعات والنزاعات الدينية الدموية في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين في أوروبا، والتي نتجت عن حضور الدين القوي والكامل في المجتمع والسياسة، شاهد على مدعاهم. ويعتقدون أنه لتجنب مخاطر الدين وأضراره، من الأفضل منع حضوره في السياسة. وبحسب زعمهم، ينبغي للمجال العام أن يبقى علمانياً دوماً، وأن أي مسعى لإخراج هذا المجال من العلمانية سيؤول إلى عنف ديني.
في سياق الليبرالية الشاملة، نشأ نوع من العلمانية النضالية وسيطر تدريجياً على الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية للإنسان الحديث. ينبغي البحث عن أحد الأسباب التاريخية لظهور وهيمنة هذا التصور للعلمانية في القرون السابقة، أي في عصر الهيمنة المطلقة للكنيسة الكاثوليكية على جميع أبعاد وزوايا حياة البشر. في تلك المراحل التاريخية، كانت الكنيسة تُعتبر المرجع والمصدر الوحيد الموثوق لتفسير النصوص الدينية، وكذلك أساس الشرعية السياسية ومعيار صحة النظريات الفلسفية والعلمية. بعبارة أخرى، كانت السلطة المطلقة للكنيسة تلقي بظلالها على الدين والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد.
في مقابل هذه الأحادية، تسعى الليبرالية الشاملة، مع وصفها للدين بأنه غير عقلاني، إلى كبح جماحه وتطالب بمحوه أو حصره في المجال الشخصي. في الفضاء الأكاديمي والتنويري المعاصر في الغرب، الاعتقاد السائد هو أن الدين بكل أنواعه وأشكاله هو سم للديمقراطية ويجب طرده من المجال العام؛ حتى أن بعض الفلاسفة مثل ريتشارد رورتي يدّعون أن الملحدين هم مواطنون أفضل لمجتمع ديمقراطي. هذا النهج تجاه الدين، بوصفه نهجاً ليبرالياً، غالباً ما تعرض لانتقادات من قبل المتدينين. في كتاب رائج بعنوان ثقافة عدم الإيمان نُشر ضد الليبرالية، ورد فيه: «يعتبر الفلاسفة السياسيون المعاصرون الخطاب العام علمانياً بالأساس ومقيداً بمقتضيات العقل والعقلانية، ومن الصعب إيجاد مكان للدين في ذلك العالم؛ ولهذا السبب يعادي بعض المتدينين التوجهات السائدة في الفلسفة المعاصرة».
قد نعتبر هذا الادعاء صادقاً بشأن الليبرالية الشاملة أو ليبرالية التنوير؛ ولكن وفقاً لأسباب سيتم ذكرها، فإن إطلاقه على قراءة مختلفة لليبرالية، وهي «الليبرالية السياسية»، غير مبرر؛ رغم أن الليبرالية السياسية تبلورت في أعمال وآراء فلاسفة مشهورين مثل تشارلز لارمور، وتيم سكانلون، وتوماس ناغل، وروبرت أودي، إلا أن الوجه البارز لليبرالية السياسية هو جون رولز.
في تتمة هذا المقال، مع الإشارة إلى المحاور الرئيسية لليبرالية السياسية عند رولز، وخصوصاً فكرة العقل العمومي، سنبين - خلافاً لما يُدعى - أن الليبرالية السياسية توفر مجالاً رحباً جداً للدين والمواطنين المتدينين في الخطاب السياسي. بالمقارنة مع منظري الليبرالية الآخرين، فإن نظرة رولز إلى الدين متعاطفة للغاية.
الليبرالية السياسية هدف رولز من تأليف الليبرالية السياسية (1993)، هو محاولة تثبيت النظام الديمقراطي في المجتمع المتعدد الحالي. من وجهة نظر رولز، أهم سمة للعالم الحديث هي تعدد المذاهب الفلسفية والأخلاقية والدينية المعقولة أو «واقعة التعدد العقلاني». هذه الواقعة هي وصف لوضع الحياة الاجتماعية الحديثة حيث يختلف حتى الأفراد العقلاء والأسوياء نفسياً فيما بينهم اختلافاً جاداً حول أكثر مسائل الحياة جوهرية.
يقول رولز إن تعدد المذاهب الشاملة العقلانية هو نتيجة طبيعية لحرية التفكير في ظل الأنظمة الليبرالية الديمقراطية. في العالم الجديد، الاختلاف في معتقدات وقيم المواطنين الأخلاقية والدينية أمر لا مفر منه؛ وتصور أنه في المجتمعات الحديثة يمكن لعموم الأفراد أن يتوصلوا إلى إجماع حول نظام أخلاقي واعتقادي واحد، يبدو أمراً مستحيلاً. ورغم أننا غالباً ما نعتبر معتقداتنا الفلسفية والأخلاقية والدينية صادقة ووجهات نظر الآخرين كاذبة، إلا أن هذا لا يقتضي أن نعتبر الآخرين غير معقولين في اعتقادهم بها. يكفي لفهم هذه النقطة أن ننتبه إلى التمييز المنطقي بين مفهومي الصدق والمعقولية؛ لا يمكن لوجهتي نظر متعارضتين أن تكونا صادقتين في آن واحد؛ لكن يمكن أن تكونا معقولتين.
يقول رولز إن مسألة الفلسفة السياسية الجديدة هي: أي تصور للعدالة يمكن تقديمه في عالمنا المتعدد الحالي بحيث يحظى بموافقة عموم المواطنين العقلاء؟ إن الليبرالية السياسية عند رولز لا تسعى إلى طرح فلسفة شاملة لجميع أمور وشؤون حياة البشر؛ بل هي مقصورة ومحدودة بفلسفة السياسة. موضوع الليبرالية الشاملة هو الإنسان بما هو إنسان، في حين أن موضوع الليبرالية السياسية هو المواطن (الحر والمتساوي). لا تقول الليبرالية السياسية شيئاً إيجاباً أو سلباً حول مفاهيم مثل هدف الحياة ومعناها، والحقيقة وماهية الإنسان. وعلى عكس الليبرالية الشاملة التي جعلت نقد الدين محور اهتمامها، فإن النقاش في الليبرالية السياسية لا يتمحور حول الدين أو العلمانية، بل إن موضوعها الرئيسي هو مشروعية واستقرار النظام العادل الديمقراطي في مجتمع تعددي؛ أي أنها تبحث في مسألة كيف يمكننا، مع الأخذ بعين الاعتبار واقع التعدد العقلي، ترسيخ وتثبيت نظام سياسي عادل قائم على التعاون الاجتماعي واحترام الحقوق والحريات المتساوية.
تمتزج الليبرالية السياسية بين المكونات الرئيسية لليبرالية الكلاسيكية، أي الحريات الأساسية (بما في ذلك الحرية الدينية وحرية التفكير والتعبير) والمساواة السياسية (التي تستلزم حق التصويت والمشاركة السياسية)، وبين مسألة أن مشروعية السلطة السياسية رهن بإقرار وتأييد المواطنين العمومي. وبالنظر إلى فهمنا للسلطة السياسية بوصفها سلطة المواطنين الأحرار والمتساوين، ومع الأخذ بعين الاعتبار واقع التعدد العقلي، فلا مناص من القبول بأن الحوارات الأساسية حول الدستور والمبادئ العامة للعدالة ينبغي أن تتم على أسس وأسباب تكون مقبولة لدى عموم المواطنين، لا أن تكون مقصورة على تقليد أخلاقي علماني أو ديني واحد.
الليبرالية السياسية، وإن كانت تفرض قيوداً على المواطنين المتدينين، إلا أن هذه القيود تشمل المواطنين العلمانيين أيضاً. يقول رولز إن المسألة الأساسية لليبرالية السياسية هي بحث إمكانية وكيفية توافق المذاهب الشاملة العلمانية أو الدينية مع الديمقراطية:
«طوال هذه المدة، شغلت ذهني مسألة مؤلمة في العالم المعاصر، ألا وهي: هل يمكن للديمقراطية والمذاهب الشاملة الدينية أو العلمانية أن تتوافق؟ وإذا كان بوسعها ذلك، فكيف؟» يقول رولز في الليبرالية السياسية إنه في كتابه نظرية في العدالة (1971)، لم يتم إيلاء واقع التعدد العقلي اهتماماً كافياً. كانت نظرية في العدالة قائمة على رؤية ليبرالية خاصة لفلسفة الحياة، متأثرة إلى حد كبير بفلسفة كانط الأخلاقية؛ أي رؤية تنظر إلى الإنسان بوصفه كائناً مستقلاً وذاتي الاستقلال ومكتفياً بذاته، وتسعى إلى تحقيق نظام سياسي ـ اجتماعي يربي عموم أفراد المجتمع وفقاً لهذه الفلسفة بالذات؛ لكن رولز يتساءل في الليبرالية السياسية: هل من الممكن تقديم «العدالة بوصفها إنصافاً» بشكل مستقل عن هكذا فلسفة؟
كان رولز قد حاول في نظرية في العدالة، التي تعد أفضل مثال لليبرالية الشاملة، صياغة الأسس الأخلاقية لـ «العدالة بوصفها إنصافاً» وفقاً لمبدأ الاستقلال الذاتي وبمحورية الفرد المستقل ذاتياً عند كانط؛ لكن رولز يميز في الليبرالية السياسية نظرية كانط حول الفرد عن مفهومها الميتافيزيقي، ويُطلق مبدأ الاستقلال الذاتي على المواطن الملتزم بأجهزة أخلاقية ـ دينية مختلفة.
وهكذا، فإن الليبرالية السياسية، باستبدالها المواطن محل الفرد، تبتعد عن الليبرالية الشاملة القائمة على الاستقلال الذاتي الأخلاقي للفرد. في الليبرالية السياسية، لا يتم الدفاع عن مبدأ الاستقلال الذاتي الأخلاقي، بل يتم التأكيد على فضيلة التعاون الاجتماعي القائم على مراعاة الحقوق المتبادلة. ينبغي لكل مجتمع منظم أن يمتلك نظاماً للتفاعل والتعاون الاجتماعي على أساس الإنصاف. وهذا الأمر يقتضي من المواطنين، بوصفهم أفراداً أحراراً ومتساوين، أن ينظموا سلوكهم السياسي وفقاً لمقتضيات المواطنة.
لذا، فإن مسألة الليبرالية السياسية هي: كيف يمكن للمواطنين الذين ينتمون إلى أنظمة فلسفية وأخلاقية ودينية مختلفة (قد يرفض بعضهم النظرة الليبرالية للإنسان والمجتمع والعالم) أن يتوصلوا إلى اتفاق حول التصور السياسي للعدالة؛ أي نظرية عدالة تقوم على فضائل مثل الإنصاف، والكرامة الإنسانية، والحقوق السياسية المتساوية، والحريات المدنية، وتكافؤ الفرص العادل، والمنافع الاقتصادية المتبادلة؟ للإجابة على هذا السؤال، يطرح رولز ثلاث أفكار أساسية هي: التصور السياسي للعدالة، وفكرة الإجماع المتداخل، وفكرة العقل العمومي، والتي سيتم شرحها.
أ) التصور السياسي للعدالة نظراً لتعدد التقاليد الفلسفية ـ الأخلاقية والدينية في المجتمعات الديمقراطية، لا بد من تقديم صياغة لنظرية العدالة تكون قادرة على جذب اتفاق عام بين المواطنين الملتزمين بتقاليد فكرية وأساليب حياة مختلفة. هذه الصياغة المناسبة، التي يسميها رولز التصور السياسي للعدالة، تشتمل على ثلاثة جوانب: أولاً، أن هذا التصور للعدالة ينطبق فقط على البنية الأساسية للمجتمع. فعلى عكس النظريات الميتافيزيقية والأخلاقية للعدالة التي تُعمم على مقولة العدل الإلهي وسلوك الفرد أو خلقه، فإن نطاق التصور السياسي للعدالة يقتصر على المؤسسات الأساسية للمجتمع (المؤسسات السياسية والقضائية والاقتصادية). وبالتالي فهو ليس واسعاً لدرجة تشمل المعايير الناظمة للسلوكيات الفردية أو مثل الحياة العليا. من وجهة النظر هذه، العدالة هي تكليف عملي واجتماعي وليست مسألة ميتافيزيقية أو إبستمولوجية.
النقطة الثانية هي أن هذا التصور للعدالة مستمد من الثقافة السياسية لمجتمع ديمقراطي يألف مواطنوه أفكارها، والثالثة هي أنه بالنظر إلى الجانبين السابقين، فإن هذا التصور للعدالة هو تصور قائم بذاته؛ أي مستقل عن أي نظام أخلاقي شامل، سواء كان علمانياً أو دينياً. بعبارة أخرى، التصور السياسي للعدالة مستقل عن الأنظمة الفلسفية والأخلاقية من حيث المضمون والمحتوى وكذلك من حيث التبرير.
ب) فكرة الإجماع المتداخل تستند نظرية «العدالة بوصفها إنصافاً» إلى الفضيلة السياسية للتعاون الاجتماعي القائم على الاحترام المتبادل. إن الالتزام بمبادئ العدالة والسعي لتحقيقها يتطلب تضافر جهود المواطنين. يسمي رولز هذا الأمر فضيلة المدنية أو فضيلة المواطن الصالح. إن أهم عنصر في تثبيت النظام العادل في الليبرالية السياسية هو أن الدفاع عن مبادئ العدالة وفضيلة التعاون الاجتماعي القائم على الإنصاف ـ كمبدأ أساسي في نظرية العدالة ـ لا يقتصر على جهاز معرفي خاص؛ بل يمكن لأتباع الأنظمة الأخلاقية والدينية المختلفة، من خلال إعادة التفكير في تعاليمهم الشاملة، أن يؤيدوا ويصدقوا، بأسباب متنوعة، على مبادئ العدالة والفضيلة السياسية للتعاون الاجتماعي. على سبيل المثال، يفسر بعضهم هذه المبادئ بناءً على مفاهيم علمانية مثل الإنسان المستقل ذاتياً أو الغاية في ذاته، أو الفردانية أو السعادة البشرية، ويفسرها آخرون بناءً على التعاليم الدينية القائلة بأن الله خلق البشر أحراراً ومتساوين. وبهذه الطريقة، يصبح نوع من الإجماع المتداخل حول مبادئ العدالة، التي هي من لوازم تثبيت النظام الديمقراطي، أمراً ممكناً. إن وظيفة فكرة الإجماع المتداخل للتبرير السياسي لتصور قائم بذاته للعدالة جديرة بالتأمل من جانبين:
الأول هو أن المواطنين العقلاء يقبلون، من حيث المبدأ، أن تُطرح المفاهيم السياسية الأساسية في إطار العقل أو السبب العمومي؛ أسباب موجودة بوضوح في ثقافة سياسية ديمقراطية. بعبارة أخرى، يستخدم المواطنون في سلوكهم وخطابهم السياسي أفكاراً وفرتها لهم ثقافتهم السياسية المشتركة.
الثاني هو أنه في الليبرالية السياسية يُفترض أن المواطنين العقلاء يمكنهم استخراج أسباب لتصديق التصور السياسي للعدالة من مفاهيمهم غير السياسية، أي من تعاليمهم الشاملة. والمصداق التاريخي الذي كان رولز ينظر إليه للإجماع المتداخل هو اتفاق الكاثوليك والبروتستانت حول التسامح الديني في القرن السابع عشر. فقد حاولت كل من هاتين الفرقتين تقديم أسباب أخلاقية مختلفة للدفاع عن مبادئ التسامح. يعتقد رولز أن الإجماع المتداخل حول العدالة يمكن أن يصبح ممكناً بهذه الطريقة أيضاً.
ج) فكرة العقل العمومي وفقاً لفكرة العقل العمومي، فإن التبرير السياسي ليس قائماً على الحقيقة ولا موجهاً إليها؛ بل مع التسليم بوجود اختلافات في الرأي حول الحقيقة، فإن طرح هذه الفكرة هو محاولة لتبرير السلطة السياسية بما يتوافق مع العقلانية العمومية. فكرة العقل العمومي مدينة لتقليد العقد الاجتماعي، وتتعلق بتبرير السلطة السياسية دون الاعتماد على التعاليم الدينية، وهو ما كان مقبولاً لدى هوبز ولوك وروسو وكانط. وتعمل الليبرالية السياسية عند رولز على توسيع هذه الفكرة وتستقل بالتبرير السياسي للسلطة عن المنظومات الاعتقادية والأخلاقية الشاملة (سواء أكانت دينية أم علمانية) الموجهة نحو الحقيقة.
يعتقد الليبراليون عموماً بأن تبرير السلطة السياسية رهن بأخذ معايير الحكم العمومي على محمل الجد. وبعبارة أخرى، يستلزم أن نأخذ في الحسبان معتقدات وقيم عموم أفراد المجتمع. نحن في حياتنا الشخصية وفي حياتنا السياسية نتصرف فقط وفقاً للأسباب التي نقبلها؛ لكن فكرة العقل العمومي تلزمنا أخلاقياً بأن تكون أسبابنا ووجهات نظرنا السياسية الأساسية معقولة للآخرين أيضاً عندما نخطو إلى المجال العمومي. تقول نظرية العقل العمومي إن تبرير السلطة السياسية يستلزم أخذ أسباب الآخرين على محمل الجد أو النظر من منظور الآخر. إن مبدأ النظر من منظور الآخر أو البحث عن أسباب ومعتقدات الآخرين يؤدي دوراً أساسياً في الفكر السياسي لليبرالية في العصر المعاصر. وقد أدى هذا الأمر إلى تحول التبرير السياسي للسلطة من منظور الحقيقة إلى تبريرها القائم على العقل العمومي.
في العصر المعاصر، لعل أفضل مثال لما كان كانط يسميه «الاستخدام العمومي للعقل» هو فكرة العقل العمومي عند رولز. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تختلف اختلافاً مهماً عما كان كانط يقصده بالاستخدام العمومي للعقل (وهو ما ستتم الإشارة إليه أدناه)، إلا أن رولز، مثل كانط، يعتقد أن المجال السياسي يتكون من أفراد أحرار ومتساوين، ويجب أن يروا بعضهم بعضاً على هذا النحو، وأنه إذا وافق جميع المواطنين، فإن هذا المجال يمكنه أن يستخدم قوته القسرية بشكل مشروع. وإن كان رولز يذهب إلى أبعد من كانط في هذا الصدد.
يعتبر رولز العقل العمومي بمثابة نوع من التعقل اللائق والمناسب للمواطن الحر والمتساوي. وهو يقول: «العقل العمومي هو سمة المجتمع الديمقراطي؛ إنه عقل المواطنين الذين يتمتعون بمنزلة المواطنة المتساوية.» هذه العقلانية أو التعقل تكون عمومية بمعانٍ مختلفة: أولاً، العقل العمومي هو العقل الذي يتخذ عموم الناس القرارات بناءً عليه. ثانياً، مضمونه ومحتواه عمومي: «ناشئ عن المُثُل والمبادئ التي تتضمن التصور السياسي (العمومي) للعدالة.» ثالثاً، هو عقل ذو اهتمام عمومي: «موضوعه المصلحة العمومية ومسائل العدالة الأساسية.» رابعاً، ينتهي إلى العموم؛ أي أنه مفتوح لإبداء الرأي من قبل جميع الناس: «مقبول لدى جميع المواطنين العاقلين والمعقولين.»
بهذا الوصف للعقل العمومي، ولا سيما النقطة الأخيرة، يؤكد رولز على محدوديات العقل أو الأسباب التي تُستخدم لتبرير القرارات السياسية. يتميز العقل العمومي عن العقل أو الأسباب غير العمومية التي يقدمها أعضاء الجماعات والمجموعات التطوعية المختلفة، مثل الكنائس والجامعات والمجتمعات العلمية والمتعلمة... والنوادي والفرق، لبعضهم بعضاً.
يقول رولز إن كل سبب هو بين الأفراد أنفسهم أو بيني؛ لكن نوع الأسباب التي نقدمها في المواقف البينية المختلفة يختلف باختلاف المعايير والأساليب المختلفة التي تستخدمها المجموعات المختلفة. السمة المميزة للعقل العمومي هي أنه يحكم أعمال المجتمع وإجراءاته التي يقضي فيها معظم البشر عادةً حياتهم كلها ولا يستطيعون تركها بسهولة؛ وهي إجراءات مقترنة بالقوة القسرية. إذا لم يتم العمل العمومي على أساس أسباب مشتركة يقبلها الجميع، فإن أولئك الذين قُيدت حريتهم بهذا الإجراء يحق لهم اعتباره استخداماً غير معقول للسلطة.
لذلك، فإن هذا الأمر يقتضي منا، حين نتحدث عن مسائل تتعلق بالبنية الأساسية لمجتمعنا، أن نضع جانباً المذاهب الشاملة العلمانية أو الدينية حول كيفية العيش. فنحن على خلاف جوهري حول تلك المذاهب، ولا يوجد ما يدعو إلى تصور أن هذه الخلافات ستُحل يوماً ما؛ ويعتقد رولز أن العقل يؤدي، على نحو حتمي، إلى مذاهب دينية وفلسفية مختلفة. وبالتالي، لا يمكن للمذاهب المذكورة أن تكون مصدراً للأسباب التي نتفق عليها جميعاً. ومن ثم، ينبغي ألا نتخذ الأسباب التي لا يتفق معنا الآخرون عليها أساساً نجبر المواطنين عليه. وهذا الأمر يجعل استخدام المذاهب الدينية، وكذلك المذاهب العلمانية كالماركسية أو النفعية، بوصفها أساساً للقرارات السياسية (فيما يتعلق بالدستور والمبادئ العامة للعدالة التي توجه قراراتنا السياسية) أمراً غير مبرر.
يقول رولز إنه حين نقرر بشأن المسائل السياسية الأساسية للمجتمع، ينبغي أن نقصر أنفسنا على أسباب مستقلة عن المذاهب الفلسفية والأخلاقية والدينية الشاملة، وأن نعتمد فحسب على الأفكار والمفاهيم التي تشكل المجال السياسي. وفي نظره، فإن العقلانية العمومية تجري بكاملها في التصور السياسي للعدالة، وبذلك يمكن للأشخاص الذين يعتقدون بمذاهب شاملة مختلفة أن يعيشوا معاً باحترام وبصورة سلمية. وقد لا يكون كثير من هؤلاء الأشخاص مخلصين لليبرالية الشاملة – فقد يرون في أشياء أخرى غير الحرية والمساواة قيماً إنسانية أسمى.
دعونا نتعمق قليلاً في مقصود رولز من العقل العمومي. فهو يقصد به، بمعنى من المعاني، أسباباً نابعة من فكرة أن الناس ينبغي أن يُعتبروا أفراداً أحراراً ومتساوين. فبعض المبادئ والقوانين المستمدة من هذه الفكرة تُظهر التعامل مع الآخرين بوصفهم أفراداً أحراراً ومتساوين على نحو أفضل، وبعض المؤسسات ضرورية للحفاظ على هذه الحرية والمساواة؛ لكن هذا المعنى للعقل العمومي يشكل، بمفرده، أساساً هزيلاً للغاية للقرارات السياسية. فمفهوما الحرية والمساواة مفهومان غامضان ومحل خلاف إلى حد قد لا يمكن معه، بالاستناد إليهما، بلوغ اتفاق في الرأي حول المؤسسات التي نسعى إليها؛ لكن رولز يقول إن المجتمعات الديمقراطية تقوم على «ثقافة سياسية عمومية» جرى فيها تبيين وتحليل مفهومي حرية المواطنين ومساواتهم في وثائق ومستندات عديدة؛ وثائق تضفي المعنى على المجتمع الديمقراطي، كالدستور وإعلان الاستقلال الأمريكي؛ وكذلك وثائق تُستخدم في المدارس والجامعات والمحاضرات والبيانات الحقوقية وتؤول قيم المجتمع السياسية وتفسرها، مثل خطاب التنصيب وخطاب غيتيسبيرغ لأبراهام لينكولن، أو الرسالة الثانية في الحكم لجون لوك، أو رسالة في الحرية لجون ستيوارت ميل. هذه الوثائق تقدم تفسيراً غنياً لمعنى أن يكون المرء حراً ومتساوياً. وتوجد تفسيرات مماثلة في مجتمعات ديمقراطية أخرى.
علاوة على ذلك، يمكن للاستدلال السياسي أو العقل العمومي أن يستفيد من الطرائق الشائعة للوصول إلى نتائج أخلاقية وواقعية، أي «المعتقدات العامة المقبولة وأشكال الاستدلال في الحس السليم وأساليب العلم ونتائجه، حين تكون غير مثيرة للجدل». كما يمكن للحقائق والوقائع الكبرى حول التاريخ أو الطبيعة البشرية، التي تحظى بقبول واسع، أن تكون ذات فاعلية في العقل العمومي؛ أما الادعاءات المثيرة للجدل، كالنظريات الاقتصادية حول التوازن العام، فلا يمكنها ذلك.
بناءً على ذلك، ووفقاً لرؤية رولز، فرغم أننا لا يُسمح لنا بالاستناد إلى نظرية حول الحقيقة، أو الطبيعة البشرية، أو أسلوب الحياة الجيدة من أجل التبرير السياسي في المجتمع الديمقراطي، إلا أن هناك مصادر غنية وخصبة من الأسباب يمكن للعقل العمومي أن يستمد منها. ومن ناحية أخرى، يقول رولز إنه في المجتمع الديمقراطي المستقر، يميل أتباع المذاهب الأخلاقية والدينية الشاملة إلى التكيف مع مقتضيات العقل العمومي. وباستطاعتهم غالباً، من خلال توظيف الموارد ومن داخل تراثهم الفكري لتقديم مزاعمهم السياسية، أن يجدوا سُبُلاً لدعم البنية الأساسية للمجتمع ومقتضياتها. وإذا ما حدث ذلك، فإن أتباع تلك المذاهب يتوصلون إلى «توافق متداخل» حول البنية السياسية الأساسية للمجتمع ويُقرّون بها وفقاً لأسباب أخلاقية؛ وإن كان من الممكن أن يكون لكل مذهب أسبابه الأخلاقية المختلفة. وبالتالي، فهم يعرفون كيف يتعاملون ويتحاورون مع المواطنين الآخرين بصفتهم أفراداً أحراراً ومتساوين (فلديهم أساس أخلاقي قوي للقيام بذلك). ورغم أن بينهم اختلافات كثيرة وجوهرية حول المسائل الفلسفية والدينية، إلا أن بوسعهم أن يعتبروا بعضهم بعضاً معقولين في الأهداف السياسية.
يقول رولز إن الالتزام بالعقل العمومي هو لغرض خاص، ولا ينبغي أن نمدّه إلى ما وراء المبادئ الأساسية للدستور والمسائل الجوهرية للعدالة ونُطبقه على «الثقافة الخلفية» أي المؤسسات التطوعية مثل الكنيسة أو الجامعة. كذلك، يقول رولز إن العقل العمومي ليس مجرد تأييد لنظريته في العدالة، بل إن الليبرالية السياسية تشمل عائلة من المذاهب (بما فيها الأخلاق التواصلية أو الخطابية عند هابرماس) التي تخلص للتصور السياسي للعدالة وتقوم على قيم يمكن توقّع أن يقبلها الآخرون بشكل معقول. علاوة على أن العقل العمومي يُلزم الجميع بواجبات أخلاقية لا قانونية. ومن هنا، فإن العقل العمومي عند رولز ليس مطابقاً لما يسميه كانط بالاستخدام العمومي للعقل. العقل أو السبب العمومي عند رولز هو سبب يقدمه الفاعلون في المجال السياسي وموجّه إلى مواطني مجتمع (أو جمهورية معينة)؛ أما الاستخدام العمومي للعقل عند كانط فهو عقل أو سبب لا يحدث لغرض أو وظيفة محددة، بل هو موجّه أساساً إلى البشرية جمعاء. والعقل العمومي عند كانط لا ينطبق على السياسة فحسب، بل على الدين والأخلاق والعلم. ورغم هذا الاختلاف، فإن تصور رولز للعقل العمومي مدين بعمق لأعمال كانط، خصوصاً فيما يتعلق بالتنوير. النقطة الأساسية عند كانط في تلك الأعمال هي أن العقل يتيح لنا أن نحمل معتقدات أساسية مختلفة تماماً، وفي الوقت نفسه يقتضي منا أن نسعى للحفاظ على مجال عمومي يُتيح إمكانية التمسك بوجهات نظر مختلفة، أو يمكننا فيه أن نؤمن بوجهات نظر مختلفة.
رولز هو وريث إرث التنوير الكانطي؛ لكنه ينتمي إلى التنوير الأدنى عند كانط، لا إلى التنوير الأقصى؛ يقول رولز إن الليبرالية السياسية تحاول ألا تُهين أي مذهب ديني أو علماني شامل، وهي من هذه الناحية مختلفة تماماً عن ليبرالية التنوير التي كانت تهاجم المسيحية الأرثوذكسية، بل ترفضها.
والأهم من ذلك أن رولز لا يعتقد أن العقل وحده قادر على تحديد طريق صحيح واحد أو أفضل أسلوب للحياة؛ بل يقول إن من خصائص العقل أنه عندما يعمل بحرية، فإنه يتجلى في مذاهب فلسفية ودينية شاملة متعددة ومختلفة. ويضيف رولز أن الاختلاف بين المذاهب الشاملة لا ينبع فقط من المصالح الفردية - الطبقية أو نتيجة لخداع الذات أو غيرها من العلل غير العقلانية؛ بل هو نتيجة للعقل العملي الحر في إطار المؤسسات الحرة. وبالتالي، فإن تعدد المذاهب الأخلاقية والدينية والفلسفية الشاملة المعقولة في المجتمعات الديمقراطية الحديثة ليس مجرد وضع تاريخي سينقضي قريباً، بل هو سمة دائمة للثقافة العمومية للديمقراطية.
لا يمكن أن يكون الرد على دعاوى الليبرالية الشاملة أو ليبرالية التنوير أكثر وضوحًا من هذا، تلك التي تنتظر اليوم الذي يصبح فيه جميع الأفراد مثاليين أو ماديين، موحدين هيغليين أو ملحدين، شيوعيين أو فردانيين راديكاليين. في الواقع، يتخلى رولز عن محاولته الأولى في كتابه «نظرية في العدالة» لتبرير العدالة وفقًا لأسس الليبرالية الشاملة، ويقول إن أي تصور معقول عن المجتمع السياسي الحديث لا يمكنه أن يتجاهل «واقعة التعدد العقلاني». ويضيف أنه يسعى الآن إلى تطبيق مبادئ التسامح التي سادت في القرن الثامن عشر على الفلسفة نفسها: دعوة الفلاسفة - أو فلاسفة السياسة على الأقل - إلى صرف النظر عن دعاوى الفلسفة في كيفية العيش، والانصراف بدلًا من ذلك إلى الدفاع عن البنى المؤسسية التي تجعل التعاون الاجتماعي بين أتباع المذاهب الشاملة المختلفة ممكنًا، وتطويرها. ومن هنا، ينبغي اعتبار الليبرالية السياسية معادلة للتنوير الأدنى.
من وجهة نظر رولز، يطلب منا العقل نفسه أن ندرك كيف يمكن للعقل أن يبرر ويوطد وجهات النظر الميتافيزيقية والإبستمولوجية والأخلاقية المختلفة. إن معقولية الأفراد تستلزم الالتزام بشروط دنيا حول كيفية الاعتقاد والتمسك بوجهات النظر الشاملة المتعددة: مجموعة من الشروط حول ما يقتضيه العام، أي ما نتشاركه مع الآخرين، من أن معقوليتنا رهن بأن نتعاون مع بعضنا البعض كأفراد أحرار ومتساوين، وأن نحترم حقوق شركائنا الذين يختلفون معنا في أمور أخرى. أولئك الذين لا يذعنون لهذا التعاون ويسعون بكل جهدهم لتسخير العالم من أجل الحقيقة الكاملة، ليسوا أفرادًا معقولين، وليس لليبرالية السياسية شأن بهم. وبهذا، فإن الكثير مما يطرحه رولز في الليبرالية السياسية يصب في صالح قراءة أدنى لتنوير كانط: أولًا، إن الشرح الذي يقدمه رولز حول أن التعقل وفقًا للهدف الذي يسعى إليه في كل نص أو سياق يمكن أن يختلف بشكل مبرر من سياق إلى آخر، يوفر أساسًا معرفيًا غنيًا للتنوير الأدنى التعددي. تتضمن الليبرالية السياسية مباحث عميقة وجديرة بالاهتمام حول لماذا نحمل في سياقات مختلفة تصورات مختلفة عن الفرد، ونعتبر وقائع مختلفة ذات صلة أو غير ذات صلة، بل ونقبل مفاهيم مختلفة حول الأحكام الصادقة أو المعقولة. توضح هذه المباحث كيف يمكننا بثقة أن نعتبر جوانب من تعاليمنا الأخلاقية أو الدينية معقولة من منظور ما، مثل تجاربنا الدينية، بينما لا نثق في أنها معقولة من منظورات أخرى. إن الإقرار بهذه النقطة يبين لماذا من المهم أن يفكر كل فرد باستقلالية، وكيف أن المجتمع الذي يفكر فيه كل فرد باستقلالية هو على الأرجح مجتمع يعتقد أفراده بمذاهب شاملة مختلفة. إن تفسير رولز لواقعة التعدد العقلاني يحول دون الاستنتاج بأن كل شخص معقول يجب أن يفكر مثلنا.
ثانيًا، إن فكرة أننا يجب أن نلتزم بمجموعة من المبادئ أو الشروط الدنيا لطرح دعاوينا السياسية، وأن نحترم الأفراد الذين يحملون وجهات نظر مختلفة - طالما أنهم يذعنون بدورهم لهذا القيد (أو المبادئ) الأدنى - كمواطنين أحرار ومتساوين، توفر نموذجًا لا بديل عنه للشروط السياسية المطلوبة لدفع التنوير الأدنى قدمًا. نحن بحاجة إلى مثل هذا الفضاء السياسي للحفاظ على السلامة الفكرية للمجتمع، والتعددية الدينية والسياسية، وتحقيق مجتمع ديمقراطي منظم. وإلا فلن يكون هناك أي ضمان لحرية التعبير عن مذاهبنا الشاملة وتطويرها، ولن نتمكن من أن تكون لدينا ساحة للنقاش الفكري كي نتحاور حول الاختلافات بين وجهات نظرنا ونمتحن معتقداتنا السياسية في مواجهة الاستخدام العام للعقل.
ملاحظات ختامية إن الديمقراطيات الحديثة لا تواجه فقط تعددية في المنظومات الدينية والأخلاقية، بل هي منغمسة في تعددية لا قياسية ومعقولة في آنٍ معًا. وهذا الأمر، الذي يخص المجتمعات الديمقراطية، يوفر امتيازات وإمكانيات هائلة من حيث نمو القيم والفضائل. ومن بين هذه الإمكانيات يمكن الإشارة إلى وجود مصادر متعددة للتأمل في الروحانية الإنسانية، وإلى الفضاء الاجتماعي المناسب لنقد وتصحيح المعتقدات الدينية. لا شك أنه قد يغيب أمر روحي أو ثقافي ذو أهمية في مجتمع كهذا؛ ولكن كما يقول رولز، لا يوجد مجتمع لا يغيب فيه شيء قيّم؛ في الواقع، إن المجتمع التعددي الذي ينمو في ظل أنظمة قائمة على الدستور الديمقراطي، يوفر من حيث المبدأ بيئة أفضل للدين مقارنة بالمجتمع الديني الأحادي.
إن النموذج الذي يقدمه رولز عن الليبرالية السياسية هو محاولة قيّمة للحد من التكاليف المفروضة على المواطنين المتدينين في المجتمع الليبرالي الديمقراطي إلى أدنى حد. إن قلب ليبرالية رولز السياسية هو فكرة العقل العمومي. العقل أو السبب العمومي هو مثال أخلاقي للمواطنة الديمقراطية، ويتعلق بأنواع الأسباب التي قد يقدمها [المواطنون] لبعضهم البعض بشكل معقول عندما تكون القضايا الأساسية قيد النقاش. يتحقق العقل العمومي عندما يلتزم المواطنون بالتبادل أو الفعل المتبادل: يجب أن يروا بعضهم البعض كمواطنين أحرار ومتساوين، وأن يكونوا على استعداد لتقديم شروط للتعاون الاجتماعي يمتلك الجميع أسبابًا وجيهة لتأييدها. يتوافق هذا المعيار مع ما يعنيه رولز بالإنصاف والاحترام المتبادل. من وجهة نظر رولز، المجتمع العادل يعني في المقام الأول "الاعتراف المتبادل". إن فكرة العقل العمومي هي الإجراء الذي يجسّد المواطنون من خلاله هذه الرؤية.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.