اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يفرّق حسين هوشمند بين التنوير الأقصى والتنوير الأدنى، ويدافع عن القراءة الثانية بوصفها مشروعاً لمراجعة التنوير الديني؛ مقاربةً تقوم على التفكير المستقل والحوار النقدي في المجال العام من أجل التعددية.

نحو تنوير أدنى:
مشروع لمراجعة التنوير الديني
حسين هوشمند
تسعى هذه المقالة، مع التمييز بين مفهومين للتنوير، يُعرفان بالتنوير الراديكالي أو الأقصى والتنوير المرن أو الأدنى، إلى شرح التنوير الأدنى والتعددي والدفاع عنه، وتقديمه كمشروع لمراجعة وإعادة بناء التنوير الديني - الذي مال الآن نحو التنوير الأقصى.
يُعد عصر التنوير (the Enlightenment) - الذي بدأ في القرن السابع عشر - من أهم فترات تاريخ الفكر البشري. ولا تزال قضايا هذا العصر ونتائجه، مثل توسيع نطاق الحريات الفردية وتحدي التقاليد، تتردد أصداؤها في العالم المعاصر. ومن بين فلاسفة هذا العصر، تأمل إيمانويل كانط هذه القضايا بجدية أكبر وتناولها في مقالته الشهيرة «جواباً على سؤال: ما هو التنوير؟» وفي بعض أعماله الأخرى.
لقد كانت ماهية «التنوير» موضع نزاعات جدية من قبل مؤرخي الفكر الحديث: فمن ناحية، يؤكد الكثير منهم على أن التنوير كان بداية عصر مناهض للدين ويهدف إلى إقصاء الدين من المجال العام، وأدى إلى ظهور الديمقراطية الليبرالية التي أنتجت حركات للدفاع عن حقوق النساء والمفكرين المغايرين، كما كان عصراً يبشر بالثورات العلمية والتكنولوجية. ومن ناحية أخرى، تعرض «التنوير» للازدراء أو الإدانة والإنكار التام من قبل طيفين متضادين: التقليدي (traditionalist) والتقدمي (progressive). يعتبر الكثير من المتدينين التقليديين التنوير وإرثه تهديداً خطيراً لمعتقداتهم وقيمهم، ويعتبره البعض تجسيداً للشيطان، وأفولاً للقداسة، واضمحلالاً للحقيقة. كما أن الكثير من المثقفين العلمانيين (غالباً من اليسار) يساوون بين التنوير والعنصرية والتمييز الجنسي والإمبريالية والعديد من المظالم التي تُنسب إلى العالم الحديث. وهم يدّعون أن السياسة الليبرالية، وهي نتاج التنوير، فردانية بشكل عام، وأن العلم الحديث أدى إلى هيمنة الكم أو إزالة الغموض عن العالم، وأن أخلاق الاستقلال الذاتي الجديدة التي حلت محل الأديان التقليدية هي سطحية وبلا روح.
ولكن كما ستتم الإشارة، فإن «التنوير» ظاهرة أكثر تعقيداً وتنوعاً بكثير مما يصفه المعارضون والنقاد. كان التنوير مزيجاً من عشاق العواطف وأنصار العقل، وأبطال النزعة الجماعية والمدافعين المتحمسين عن الفردانية، ونقاد الإمبريالية والمدافعين عنها، والعديد من وجهات النظر والنزعات الأخرى. كانط، بينما هو المتحدث البارز باسم العقلانية والفردانية، يتمتع بشخصية فكرية معقدة ولا ينكر بأي حال من الأحوال أهمية المجتمع والعواطف والمشاعر. فلسفة التنوير عند كانط متعددة الأوجه وذات أبعاد عديدة. لقد ورّث كانط لخلفه مفهومين للتنوير: من ناحية، يظهر في أعمال كانط مفهوم أقصى للتنوير، والذي بموجبه لا يستطيع الفرد المتنور أن يؤمن بالأديان التقليدية/التاريخية. ومن ناحية أخرى، سعى كانط إلى تقديم مفهوم أدنى للتنوير، والذي بمقتضاه يكون التنوير هو امتلاك تفكير مستقل والانخراط في حوارات حرة ونقدية في المجال العام، مما يتيح إمكانية ظهور ونمو وجهات نظر متعددة.۱ لقد تطورت هاتان القراءتان أو المفهومان المذكوران من قبل أنصار ومنتقدي فلسفة التنوير الكانطية في اتجاهات مختلفة. تعرضت القراءة الأولى لانتقادات شديدة بسبب غطرستها ورؤيتها لنفسها على أنها محقة، وبسبب استبدالها الفردانية الليبرالية بأساليب الحياة التقليدية، بينما وقفت القراءة الثانية - المنفتحة والمرنة - في وجه الادعاءات المتكبرة للنهج السابق.
لقد وُصف هذان المفهومان أو القراءتان للتنوير، على التوالي، بالقراءة الأقصى والقراءة الأدنى، وبعبارة أخرى، التنوير كعصر (period) والتنوير كعملية (process). يبدو أن الشاغل الرئيسي لكانط كان التنوير بوصفه عملية، لكن ما يُفهم غالباً من «التنوير» هو بوصفه عصراً. دعونا نلقي نظرة على هاتين القراءتين.
۱ «التنوير» بوصفه عصراً أو قراءةً قصوى
الإجابة عن سؤال «ما هو التنوير تحديداً؟» أمر بالغ الصعوبة. يكاد المؤرخون يختلفون حول كل نقطة تتعلق بما سُمّي بالعصر التاريخي المتميز (أي عصر التنوير). لكن ثمة قدر متفق عليه وجلي: منذ منتصف القرن السابع عشر، نشأت ثلاثة تيارات أو نزعات في الطبقات التحتية للمجتمع الأوروبي أدت إلى تحول مجتمع ديني جامد وهرمي، ذي تماسك اجتماعي قوي ومحصور في نظام الملكية المطلقة، إلى مجتمع فرداني بعمق، دينامي، منفتح، مساواتي، يؤمن بالديمقراطية الليبرالية ويسعى، بالاعتماد على العلم العلماني، إلى السيطرة على الطبيعة. وهذه التيارات هي:
أولاً، خمود نيران الحروب الدينية التي دامت مئة عام بين البروتستانت والكاثوليك، والذي ترافق مع إقرار مبادئ التسامح الديني من كلا الطرفين، ومهّد الطريق في النهاية لدعاوى منظّرين مثل توماس هوبز وجون لوك القائلة بأن الواجب الأول والرئيس للدولة هو ضمان وتأمين حقوق ومصالح أفراد المجتمع، لا تتبع المطالب الدينية وتحقيقها.
ثانياً، ظهور العلم الحديث بتأكيده على أن المعرفة تستند إلى الملاحظات التجريبية والبراهين الرياضية، لا إلى الامتثال والخضوع للسلطة (الدينية أو السياسية). وسرعان ما تجلت النتائج التي لا تُحصى للمعرفة التجريبية الجديدة: الإنجازات التكنولوجية العظيمة أو الثورة الصناعية. هيّأ فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت الأسس الفكرية لهذا التحول العظيم، ويُعد غاليليو ونيوتن من أبطال هذا التيار وأبرز ممثليه. ومن خصائص العلم الجديد أن الأبحاث العلمية تستند إلى قابليات يشترك فيها جميع البشر. وقد أدت هذه النقطة إلى نظرية مفادها أننا جميعاً نمتلك أساساً قابليات ذهنية متساوية، وعليه، ينبغي أن نتحمل مسؤولية معتقداتنا بدلاً من أن نثق ثقة عمياء بأقوال أولئك الذين يدّعون أنهم بلغوا وحدة مع الله أو روح الوجود.
ثالثاً، أولت الحركات الدينية البروتستانتية الراديكالية، مثل البيوريتانيين، أهمية بالغة للقيم الجزئية في الحياة اليومية - التي كانت مهملة من قبل. كان ويليام بيركنز، الواعظ البيوريتاني، يقول إنه لا فرق عند الله بين غسل الأطباق، وتلميع الأحذية (إذا اقترنت بنية حسنة) والوعظ الديني. فالله يباركها جميعاً. وضعت هذه النظرية (إلى جانب التيار الثاني) خاتمةً على النظام الهرمي السائد، وروّجت لأخلاق مساواتية قوية. كما ترتب عليها نظرة جديدة إلى العالم مفادها أن كل واحد منا يستطيع أن يبحث عما هو قيّم بالنسبة له، بدلاً من الاتكال على تعاليم عقلاء القوم - لا سيما الأولياء الدينيين أو الاجتماعيين.
أدت التيارات المذكورة إلى نشوء عالم فقدت فيه السلطة التقليدية وأهمية تعاليمها، وحلّ العلم العلماني محلها. شعر الأفراد أن بإمكانهم نقد أو إنكار التقاليد الاجتماعية - ذات الطابع الدوغمائي أو بنية السلطة الفارضة. ومن هنا، طُلب من السلطة السياسية (الدولة) المنتخَبة من الشعب أن توسع نطاق الحريات الفردية.
ورغم أن هذه التيارات كانت قد بدأت منذ القرن السابع عشر، إلا أنها أثمرت في القرن الثامن عشر، وقد وُصف هذا القرن بأنه العصر الذي عبَر بأوروبا من «ظلمة» الدوغمائية الدينية، واللامساواة الاجتماعية، والنظام السياسي المطلق، والفهم المحايد عن الطبيعة، نحو «نور» الفكر الحر، والمساواتية، والليبرالية، والإنجازات المذهلة للعلوم التجريبية الجديدة.
الوصف الذي قدمناه حتى الآن لـ«عصر التنوير» موضع اتفاق بين مؤرخي الفكر الحديث، لكن المسألة التي تميّز بين وجهات نظرهم هي: أي جوانب هذا التحول العظيم أكثر أهمية؟ بعض المؤرخين يعتبرون «التنوير» أمراً مناهضاً للدين أساساً، كُرّست جهوده كلها لإزالة سلطة الكنيسة.۱
يرى آخرون أن الحصة الكبرى من «التنوير» تكمن في معتقداته الأخلاقية والسياسية التي جعلت الديمقراطية الليبرالية ممكنة، وأدت إلى ظهور حركات للدفاع عن حقوق النساء والأقليات الدينية والإثنية وكذلك الفقراء.۲ وتعتبره فئة أخرى من المؤرخين عصراً قام أساساً على النمو العلمي والتكنولوجي؛ إذ أدى تطور العلم وإنتاج المحاصيل الزراعية والصناعية على مدى قرنين إلى تراكم الثروة في البلدان الأوروبية.
في التقاليد ما قبل الحديثة، وُصف التنوير بأنه خروج من ظلمة الجهل أو الغفلة المطلقة التي تصوَّر أن البشر وقعوا في أسرها. وكان الاعتقاد السائد أن الفرد يبلغ التنوير عندما يزيح الحجاب (maya)، فيدرك حينئذ أن الكثرة وهم، وأن الروح أو الفردية الكونية وحدها هي الحقيقية. أو كان يُظن أن الشخص الذي يدرك المعاني الباطنة للنصوص المقدسة يكون قد بلغ التنوير (أو الإشراق). فنحن في «الظلمة» عاجزون عن تصحيح أخطائنا؛ كل جهودنا ومساعينا في البحث عن الحقائق الأخلاقية والروحية تقع في الضلال، ولا نستطيع حتى أن نعرف إن كنا نسير في الطريق الصحيح أم الخاطئ. قد يصل أحدهم إلى حقيقة ما نادراً، لكننا غالباً لا نعرف كيف نجد الحقيقة ونتجنب الخطأ. من هنا، فإن بلوغ التنوير أو «الإشراق» (enlightenment) يستلزم نوعاً من التغيير الجذري في المعتقدات. فالتنوير أو الإشراق لا يتوقف على تصحيح بضعة أخطاء محددة فحسب، بل هو تغيير في مجمل التفكير والأفكار. يصف مثل الكهف الشهير لأفلاطون عملية التحرر هذه من ظلمة الضلال والاضطراب الفكري نحو شمس المعرفة وصفاً جيداً. ويمكن ملاحظة أمثال موازية في تقاليد تاريخية أخرى: كثيراً ما تذكر تراتيل التوراة النور بوصفه حقيقة التعاليم الإلهية؛ وفي جميع الأوبانيشاد، استُخدمت استعارة الشمس والنور للإشارة إلى المعرفة بذاتنا الحقيقية (أو حقيقتنا الباطنة)؛ وفي أول خطبة منسوبة لبوذا، يأتي التنوير بمعنى الابتعاد عن ظلمات الانشغال بالذات، مما يجعل البشر يدركون حقيقة اللاذات (selfless)؛ وفي القرآن، عُبِّر عن الإيمان بالله بأنه خروج من الظلمات إلى النور. في جميع الحالات المذكورة، يقترن بلوغ الحقيقة بانتهاج أسلوب حياة أفضل: فمن خلال السلوك واكتساب البصيرة، يبلغ الإنسان الخلاص والتحرر من الألم أو الشر. في العالم القديم، التنوير هو نوع من الحكمة بكل ما تختزنه هذه الكلمة من دلالات أخلاقية وروحية، وبلوغه مرهون بالتسليم والانقياد لإرشاد الأولياء الدينيين.
يختلف الاستخدام الحديث لكلمة التنوير اختلافاً جوهرياً عن التنوير بمعناه التقليدي المذكور، وقد ظهر أساساً في مقابلته. يقول المؤرخون إن «التنوير» في القرن الثامن عشر كان يُطلق على حالة حل فيها الإيمان بالعلم الجديد – الذي أسسه بيكون وديكارت وغاليليو – محل الثقة والتسليم للأولياء الدينيين. في هذه الفترة، كان الاعتقاد السائد أن منظومة التفكير عند الأقدمين لم تكن تحوي أخطاء محددة – هنا وهناك – فحسب، بل كانوا يعانون من تفكير منحرف منهجي بحيث لم يعرفوا كيف يصححون أخطاءهم. في عصر التنوير، كان يُبشر بشكل جديد من التفكير يميز عقلانياً بين الصدق والكذب. النقطة الأساسية في التفكير الجديد هي أنه (على عكس التنوير القديم) لم يكن مختصاً ومقتصراً على اعتقاد ميتافيزيقي معين حول الله أو الطبيعة الإنسانية، بل كان يُعتبر معرفة يمكن بلوغها بمساعدة القابليات العقلية والعاطفية لدى جميع البشر. بعبارة أخرى، التفكير الجديد لا يقوم على المعاني الباطنة لمنظومة ميتافيزيقية، ولا يستلزم التسليم للمراجع والأولياء الدينيين.
وهكذا، يُقال إن «المتنورين» في القرن الثامن عشر كانوا يعتبرون التحرر من الظلمة (darkness) أو بلوغ التنوير بمنزلة إرادة موجهة نحو مساءلة، أو مراجعة، أو رفض بعض أو كل التعاليم الدينية التقليدية التي ترعرعوا عليها، وكانوا يطلبون من الآخرين أن يفعلوا مثلهم. بعبارة أخرى، كان التنوير في القرن الثامن عشر نقداً لتصور التنوير في التقاليد السابقة، وبشكل خاص حلت فردانية متضخمة – معرفياً وأخلاقياً – محل الانقياد للسلطة التقليدية. في هذه الفترة، كان الخروج من الظلمة يعني التخلي عن التقاليد الدينية ومراجعها.
2 التنوير بوصفه عملية أو قراءة حدّية دنيا
تعريف كانط للتنوير في مقالته القصيرة «ما التنوير؟» لا يستند إلى أي من التيارات الثلاثة المذكورة. فمن وجهة نظره، لا العلم الحديث، ولا القطيعة مع الدين، ولا الديمقراطية الليبرالية تشكل أساس التنوير، بل إن التنوير هو سعي الأفراد وجهدهم من أجل التفكير المستقل (thinking for oneself).
يساوي كانط بين التنوير وعملية التعقل أو ممارسة العقل (reasoning) المنفتحة والمرنة، القائمة على مبدأين كليين: الأول، التفكير المستقل والبحث عن أسس جامعة لأفكارنا، والثاني، التوافق مع وجهات النظر المتعددة والأوسع. يقول بعض الشراح إن هذين المبدأين يوضحان مفهوم كانط للتعقل. يكتب كانط في نقد العقل المحض أن «العقل يفتقر إلى السلطة الاستبدادية»، وأن مرجعيته تستمد من توافق المواطنين الأحرار، الذين ينبغي أن يكون كل منهم قادرًا على التعبير عن تفضيلاته. ويضيف كانط أنه من العبث تمامًا أن نتوقع التنوير من العقل، وفي الوقت نفسه نصف مسبقًا الوجهة التي ينبغي أن يتخذها.۳
هنا، يتضح أن التنوير هو بحث لا نهائي عن المعرفة، ومن ثم فهو لا يصف ولا يبرر أي رؤية فلسفية أو دينية بعينها. لكن مفكري عصر كانط كان لديهم فهم مختلف للتنوير: فقد كانوا يرون أن التنوير يعني اكتناز المعارف النظرية والتجريبية وتوظيفها لحل المشكلات الحادة في المجتمع البشري، أو لوضع حد لسيطرة رجال الدين الجائرة التي استعبدت العامة بمعتقدات وهمية وخرافية.۴ تعريف كانط للتنوير بوصفه تفكيرًا مستقلاً لا يتوافق مع الفهم السائد في عصر التنوير.
في مستهل رسالة «ما التنوير؟»، يقول كانط: «التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه.» ويضيف أن «شجاعة المعرفة» أو «شجاعة استخدام الفهم الخاص» هي كلمة السر للتنوير. وفي الموضع نفسه، يُطرح موضوعان وفكرتان رئيسيتان: الأولى، أن ما يناهض التنوير ليس الجهل أو نقص المعرفة، بل عدم النضج الفكري الناجم عن الوهن في الشعور والإرادة. وعلاج هذا القصور هو تحمل مسؤولية معتقداتنا، لا اكتساب المعلومات أو تكديسها. الفكرة الثانية، أن القصور خطيئة ذاتية، وطريق التحرر منها مرهون بعمل ينبغي أن نقوم به بأنفسنا: لا يمكن للآخرين أن يوصلونا إلى التنوير؛ بل ينبغي أن نبلغه باستخدام فهمنا الخاص.
هل يعني كانط بالتفكير المستقل أن نفهم كل شيء بأنفسنا وحدنا؟ كما أوضح بعض الشراح، يرى كانط أن الشهادة (testimony)، المستقلة عن الحدس والاستدلال العقلي، هي أحد مصادر المعرفة. فمن اسمنا ومحل ولادتنا إلى الغالبية العظمى من سائر آرائنا ومعتقداتنا العلمية، كلها تستند إلى شهادة الآخرين. الشهادة هي مصدر مستقل للمعرفة، وبتجاهلها لا يمكن الحصول على كثير من معارفنا.۵ وعلى الرغم من أهمية الشهادة في نظرية المعرفة عند كانط، يجب أن نضيف أنه يعتقد أننا نحتاج دائمًا إلى معايير العقل لنميز بين المرجعية (authority) الموثوقة وغير الموثوقة.
لذلك، يفسر كانط التفكير المستقل بأنه بحث عن أسباب عامة لمعتقداتنا. وهذا يعني أن ننظر بدقة فيما إذا كنا سنعتمد، في ضوء الأسباب العامة، على الإدراك أو الشهادة، أو أن نطرحهما معًا لصالح الأحكام القبلية. ومن ناحية أخرى، من الضروري أن نحدد معايير تبين أن بعض مصادر الشهادة أكثر مصداقية من غيرها. وبشكل عام، ما دمنا نخضع موثوقية مراجعنا الفكرية لتقييم نقدي ونختار من بينها، فإننا نتمتع بالتفكير المستقل. هذا الأسلوب في الاعتماد على المراجع لا ينبع من الخوف منها أو من هيمنتها الاجتماعية، بل هو ثقة على النحو التنويري.
يقول كانط إن تقصيرنا في التفكير المستقل يكمن في أننا، بلا مسؤولية وبتقاعس، نُذيق الآخرين طعم السلطة الحلو بأيدينا، ومن ثم نمنحهم إمكانية تشكيل معتقداتنا. لذلك، فإن المنشأ الأساسي للاعتبار أو المرجعية (authority) هو نحن أنفسنا، حيث يستخدمه الآخرون ضدنا. إذا ما وضعنا اعتبار الآخرين أو مرجعيتهم موضع تساؤل، فسوف نرى أنه لا توجد أي قوة سحرية لدى المتخصصين والخبراء العلميين والدينيين، وعلينا أن نعتمد على المرجعية (أي علمهم وتجاربهم) بوعي، ما دامت هناك أسباب مقبولة للقيام بذلك. كما نكتشف أنه ينبغي لنا قبول مرجعية وخبرة أولئك الذين نعترف لهم بها بحرية (أي بوعي ومسؤولية). إن أهم ما يشغل كانط في رسالة «ما هو التنوير؟» هو طرح هذا السؤال الأخلاقي-الديني: كيف ينبغي أن نحيا؟ وقبل الإدلاء بأي ملاحظة أخرى، يؤكد كانط على أننا يجب أن نتعلم التفكير المستقل. إن نقد كانط الأساسي موجه للتقليد الأعمى أو الثقة المطلقة بالخبراء أو المراجع الدينية، وليس للاعتماد الواعي على معرفة أهل الاختصاص. وبالتالي، من وجهة نظر كانط، لا يتعارض التفكير المستقل مع الأخذ الجاد لآراء الآخرين وأفكارهم، واحترامها، والثقة المشروطة بها.
يطرح كانط في رسالة «ماذا يعني التوجّه في التفكير؟» (What is Orientation in Thinking, 1786)، مبدأ التفكير المستقل إلى جانب مبدأين آخرين: «فكّر في موضع الآخر» و«فكّر وفقاً لنفسك» أو «لا تناقض نفسك». ويطلق على مجموعة القواعد الثلاث هذه اسم «القواعد الإنسانية العامة». ويُسمّي كانط كلاً منها بعناوين خاصة: يسمي التفكير المستقل «مبدأ التنوير»، وقاعدة «العقل الذي ليس منفعلاً أبداً»، و«قاعدة التفكير بلا تعصّب»، والقاعدة المناهضة لـ«الغيرية» والمبدأ الذي يحررنا من «الخرافات». ومن هنا، يفترض كانط أن التنوير مرادف للتفكير الفاعل أو الاستقلال العقلي، ويستخدمه في مواجهة التعصّب والإيمان بالخرافات. أما القاعدتان الأخريان فيسميهما على التوالي، قاعدة التفكير «المنفتح والمتسامح» (broad_minded) وقاعدة «الاتساق أو التماسك» (consistency). يقول كانط إن التفكير بعقل منفتح يستلزم أن «نرى معتقداتنا من منظور الآخرين أو نعرضها لحكم الآخرين».
تشير القاعدة الأخيرة إلى أهمية المجال العام. لا يقصد كانط بالمجال العام المجال السياسي، بل يشمل حيزاً تتعطل فيه جميع هوياتنا التاريخية الخاصة، بما في ذلك هويتنا الدينية والسياسية، لنتمكن من تأملها وفحصها نقدياً. يؤكد كانط أن هذه النقطة ذات أهمية حيوية للحفاظ على هوياتنا الفردية: من الضروري أن نُعطّل هوياتنا الفردية في المجال العام، بوصفنا إيرانياً، وأستاذاً جامعياً، ومسلماً... إلخ، لنكون قادرين على تأملها وتدقيقها بدقة. أي يجب أن نكون قادرين على فحص المعتقدات التي نحملها في المجال الخاص، والأحكام التي نصدرها بناءً عليها. يقول كانط إننا في المجال العام نتحدث ونكتب لـ«مجتمع المواطنين العالميين»: للبشرية جمعاء لا لجماعة محددة. ويقول إن أي نص يُقدَّم بوصفه أثراً معرفياً يجب أن يخضع لحكم البشرية بأسرها، حتى لو كان مكتوباً لمخاطبين محددين.
بعبارة أخرى، إذا كانت حياتنا قائمة على «نمط حياة خاص» (a way of life)، فمن الضروري أن ننظر إليه من منظور خارجي وغريب، ونسأل أنفسنا لماذا نعتبر نمط الحياة هذا ذا قيمة، أو بأي معايير أخلاقية نبرره. على سبيل المثال، سيكون من المفيد لثقافتنا الدينية أن ننظر إليها من الخارج ومن منظور الآخر. يتجاوز مثل هذا النهج المجال الخاص وينتمي إلى المجال العام. بشكل عام، من وجهة نظر كانط، يجب اعتبار المنظور العام معياراً واختباراً لتصحيح معتقداتنا - حتى معتقداتنا العادية.
وأخيراً، القاعدة الثالثة – لا تناقض نفسك – التي تُعد من أكثر القواعد بداهة، ويقول كانط إنها بالطبع أصعبها أيضاً، ولا تنمو في الإنسان كعادة (أو تصبح ملكة له) إلا عبر اكتساب مران طويل الأمد في تطبيق القاعدتين الأوليين. إن المعتقدات المتعصبة التي ورثناها عن الآخرين وقبلناها دون بحث وتأمل، وكذلك المعتقدات الشخصية المحصورة في تجاربنا الفردية، قد تؤدي في أوقات وأحوال مختلفة إلى معانٍ متعددة وغير متسقة. يقول كانط إنه لا يمكننا تجنب عدم الاتساق في معتقداتنا إلا من خلال نشاط ذهني يوازن بين التجارب الفردية ووجهات نظر الآخرين (أي المعتقد العام) وبالعكس.
والآن صرنا نفهم بشكل أفضل قصد كانط من ضرورة انسجام التفكير «الشخصي» و«العام». إن كوني ينبغي أن أفكر باستقلال يعني أنه لا ينبغي أبداً أن نسمح لعقولنا بأن تصبح منفعلة، وبدلاً من ذلك، ينبغي أن نسعى بعقل نشط وبأسباب معقولة إلى تقييم دعاوى الآخرين التي تُعرض علينا. لكن في الوقت نفسه، ينبغي أن نطابق طريقة التفكير هذه مع الموازين والضوابط المشتركة بين البشر – أي الضوابط العامة والمشتركة إنسانياً لا المعايير العرقية أو القومية أو الدينية أو المهنية – لكي يتحول هذا العمل تدريجياً إلى محك لمعتقداتنا. هذه الوصفة المزدوجة للتفكير تدفعنا في اتجاه يحفظ المبادئ العامة للتفكير والاستدلال – أي وجهنا المشترك مع الآخرين – دون أن نذعن بالضرورة لمعتقدات معينة. بعبارة أخرى، إن قصد كانط من التفكير المستقل هو الالتزام بمناهج تحصين المعتقدات لا الإقرار بمجموعة من المعتقدات الخاصة.
وهكذا، فإن التنوير يؤكد على كيفية معرفتنا لا على ماهيتها. بعبارة أخرى، التنوير هو التزام بأخلاق الاعتقاد (the ethics of belief). تشير القاعدة الثلاثية أعلاه إلى المبدأ الأخلاقي الشهير لكانط، أي الأمر المطلق/الإلزامي (imperative): لا تقبل إلا الدعاوى التي تكون قابلة للتعميم الكوني (كأساس للاعتقاد). يقول كانط إن هذا الأمر التوجيهي وهذا المبدأ الإلزامي ينبغي تطبيقهما على المعرفة القائمة على التجربة الدينية أو النص المقدس.
هل قصد كانط هو أننا بإجراء اختبار القابلية للتعميم الكوني، ينبغي أن نتخلى عن التعاليم الدينية التي نعتقد بها بشغف بالغ؟ بالنظر إلى ما سبق بيانه، يبدو أن قصد كانط ليس أن اختبار القابلية للتعميم الكوني أداة لإنكار الإيمان الديني التقليدي، بل إن ما يرمي إليه كانط هو ترك بعض مناهج تأييد المعتقدات الدينية والحفاظ عليها. من وجهة نظر كانط، إذا لم نؤسس معتقداتنا الدينية على انفعالات حماسية وموهومة، يمكننا الحفاظ عليها بشكل مبرر بل والوصول إلى التنوير. قد تكون لدينا أسباب معقولة – أي أسباب قابلة للتعميم الكوني – لتحصين معتقداتنا. قد نعتقد أن بعض التجارب الفردية تؤدي دوراً مبرراً ومعتبراً في الحياة الدينية شريطة أن تكون الأسباب التي لدينا للمعتقدات القائمة على التجارب الشخصية منسجمة مع الأسباب العامة. هذا الانسجام ضروري لتصحيح المعتقدات الوهمية والخاطئة.
تحدث كانط، في سياق صلته بالمجال العام، بإيجاز أيضًا عن قابلية المعتقدات الكنسية (الدينية) للتغيير في مقالتَيْ «ما التنوير؟» و«ماذا يعني التوجّه في التفكير؟»، لكنه قدّم شرحًا مفصّلًا في كتابه الدين في حدود مجرد العقل.۷ يرى كانط أن كل نوع من الإيمان التاريخي (الإيمان القائم على وقائع تاريخية)، أو التعاليم والنصوص التي ظهرت في حقبة معينة، ينبغي أن يخضع لتفسير أو إعادة نظر محدَّثة وأكثر دقة من قِبَل أولئك الذين استلهموها وسعوا في نشرها. يكتب كانط: «إن كل جهد يُبذل لفهم معنى النصوص المقدسة بما يتوافق مع مبادئ العقل المقدسة، ليس ضروريًا فحسب، بل ينبغي اعتباره واجبًا» (المرجع نفسه، 6: 110-114). بعبارة أخرى، يرى كانط أنه من الضروري أن تُنقَّح المعتقدات والتعاليم الدينية القطعية في ضوء أفهام أكثر دقة وأخلاقية. ويضيف: «إن كل نوع من الإيمان التاريخي ليس في نهاية المطاف سوى إيمان بعلماء الدين ونتائج أبحاثهم. لا ينبغي الاستهانة بهذا الأمر أو اعتباره تافهًا، بل يمكن أن يكون مفيدًا إذا ما صمد أمام تيار التفكير والعقل العام الحر» (المرجع نفسه). ويقول في موضع آخر: «الإيمان التاريخي، بوصفه أداة للإيمان الديني، قابل للتغيير ويجب أن يخضع دائمًا لعملية تنقية تدريجية حتى يتوافق ويتطابق مع الإيمان الديني» (المرجع نفسه، 7:42).
توضّح النقاط المذكورة المحاور الأساسية لفكرة «التفكير المستقل» لدى كانط: التفكير المستقل لا يستلزم اقتباس أو تبنّي أي نظام فلسفي معين، بما في ذلك فلسفة كانط النقدية. ومن هنا، تقدم المقالات المذكورة قراءة حدّية (أدنى) للتنوير. ويمكن إيجاز أهم مكونات التنوير الأدنى على النحو التالي:
أولًا، يقع على عاتق كل إنسان واجب أخلاقي بأن يفكر بشكل مستقل وألّا يقبل قيمه ومعتقداته بناءً على مرجعية (authority) الآخرين فحسب. ثانيًا، هذا الواجب الأخلاقي الفردي ممتزج بشبكة اجتماعية، أي الحوار وتبادل الآراء في المجال العام. ثالثًا، المعتقدات والتعاليم الدينية قابلة للتغيير.
على أية حال، وعلى خلاف مقالتَيْ «ما التنوير؟» و«ماذا يعني التوجّه في التفكير؟»، يُظهر كانط في كتاب الدين في حدود مجرد العقل ميلًا نحو التنوير الراديكالي/الأقصى. يكتب كانط أن التنوير الحقيقي (true enlightenment) يتمثل في التمييز بين الأخلاق والشعائر الدينية وتفضيل الأولى على الثانية (6:179). كما يكتب في رسالته The Conflict of the Faculties أن «المتنورين من البروتستانت والكاثوليك واليهود يتطلعون إلى يوم تتحول فيه مبادئهم الدينية، قدر الإمكان، إلى أداة للتعبير عن الدين الأخلاقي الكوني.» ويضيف كانط أنه إذا تحول اليهود إلى الدين الأخلاقي المحض و«نبذوا طقوسهم الفرَقية العتيقة»، فإن هذا الأمر قد يؤدي إلى القتل الرحيم (euthanasia) للدين اليهودي. في الرسالتين الأخيرتين، يعتقد كانط أن التنوير يؤدي بالضرورة إلى مجموعة محددة من المعتقدات.
وهكذا، تتضمن أعمال كانط تصورين للتنوير، أحدهما نحيف والآخر فربه: التصور النحيف هو نهج للمعرفة يمكن لكل فرد عاقل أن يقرّه، في مقابل التصور الفربه الذي يتمثل في الإقرار بنظام فلسفي شامل، أي طريقة فربه بالقدر الكافي وتحوي عددًا كبيرًا من المعتقدات الخاصة. التصور النحيف يقتضي أن نزن دائمًا أفكارنا الشخصية بمعايير مشتركة عامة، لكنه لا يستلزم أن نقر بالضرورة بمجموعة معينة من الأفكار والمعتقدات أو أن نذعن لقيم ومعتقدات محددة.
كلمة أخيرة
في فلسفة التنوير عند كانط، ثمّة إبهام وتعقيد واضحان: فهو من جهة يقدم بعض الشروط الدنيا للتنوير وللشخص المتنور – التي تدل على التفكير المستقل – ومن جهة أخرى، يتضمن شرطًا أقصى يتمثل في الإقرار بفلسفة كانط النقدية (أو نظام معرفي معين) بوصفها التنوير. بعبارة أخرى، يبرز في أعمال كانط تفسيران، «أدنى» و«أقصى»، للتنوير لا يستقران جنبًا إلى جنب براحة تامة. وقد شكّل هذان التفسيران منبعًا لإرثين فكريين متعارضين للمفكرين الذين استلهموا كانط على مدى القرنين الماضيين.
في الثلاثين عامًا الماضية، شهدنا تجدد الاهتمام بأعمال كانط حول التنوير. يعتبر مفكرون بارزون مثل جون رولز ويورغن هابرماس أن فلسفة التنوير الكانطية مشروع مفتوح وغير مكتمل، ينبغي الآن إعادة النظر فيه بالنظر إلى ظروف ووقائع العالم المعاصر.۸ ربما يمكن القول إن إحياء تنوير كانط هو رد على غطرسة الإنسان الغربي وتكبره. يقول كثير من النقاد المعاصرين للتنوير إن الفكر الغربي الحديث استخدم إرث التنوير كذريعة للتعدي على الأقوام والأفراد المختلفين عن العرق الأبيض والغربي. يعتقد رولز وهابرماس أن كانط يوفر الموارد اللازمة لبسط مفهوم أدنى من الخطاب العقلاني، بحيث يمكن الاعتراف بالاختلافات البشرية (أي التعددية المعقولة)، مع تقديم أرضيات مشتركة لإصلاح الإجراءات والمؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية. يُنظر إلى التنوير الأدنى الكانطي بوصفه موردًا عظيمًا في البؤرة الفلسفية للغرب لعصر ما بعد الميتافيزيقا وما بعد الإيديولوجيا وما بعد العلمانية، يتيح إمكانية وجود أنظمة معرفية متعددة. وهذا مرهون بإنكار التنوير الأقصى الذي كان مرغوبًا لدى فلاسفة القرن التاسع عشر. أحيا فلاسفة أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحالي العناصر الدنيا في أعمال كانط حول التنوير - عناصر تجاهلها أو سخر منها خلفاء كانط الأوائل.
في أعمال هابرماس ورولز، قُدمت نماذج أو بارادايمات مختلفة للتنوير الأدنى. اليوم، يفكر الفلاسفة السياسيون الكانطيون في إطار هذه البارادايمات. يقول رولز إن فلاسفة مثل تشارلز لارمور وبروس أكرمان وروبرت أودي يطورون مشاريع شبيهة بليبراليته السياسية، وقد طور بعض تلامذة رولز مثل أونورا أونيل وأنتوني ليدن مشروعه. ويقر هابرماس بأن أعمال هانس-أوتو آبل وألبرت فلمر وأكسل هونيث مشابهة لمشروعه الفكري.
في تاريخ إيران الحديث، كان عموم المثقفين منذ فجر الدستورية وحتى الآن إما من المدافعين المتحمسين عن القراءة القصوى/الراديكالية للتنوير، أو هم في عداد منتقديها، ويمكن اعتبار ما بعد الحداثيين والجماعتيين من هذه الفئة. لم تجد القراءة الدنيا للتنوير في فضائنا الأكاديمي والفكري (الديني والعلماني) مجالًا كبيرًا للطرح والتأمل. الهدف من هذه الكتابة هو تبيين القراءة الدنيا للتنوير بغرض إعادة بناء مشروع التنوير الديني (وكذلك العلماني). لقد خطا التنوير الديني في مرحلته الأخيرة نحو التنوير الأقصى، ومن ثم أدى إلى مفارقة (سيأتي شرحها في الجزء الثاني من هذه المذكرة). لكن التنوير الأدنى يضع الأسس الضرورية لمراجعة وإعادة بناء مشروع التنوير الديني. النقطة الجديرة بالاهتمام هي أن بعض العناصر الرئيسية لهذه المراجعة موجودة في جزء من أدبيات التنوير الديني، خصوصًا في كتاب «نظرية القبض والبسط النظري للشريعة» من تأليف الدكتور عبد الكريم سروش (أفكار مثل التمييز بين النص الوحياني للدين وتفسيره البشري، وكون المعرفة الدينية تاريخية وجمعية، وتعدد المعتقدات الدينية، وقابليتها للتغير (بسطها) وعصريتها). هذا الكتاب أثر في إبستيمولوجيا الدين، وقد حظيت أهم دعاواه الآن بقبول عام. لكن هذا الأثر يحتوي على لوازم ونتائج مهمة في التنوير الأدنى والفلسفة السياسية أيضًا، لم يبحثها مؤلفه الجليل وتلامذته من هذه الجهة. الدعاوى الأساسية لهذه النظرية تستلزم وجود مجال عام أو استخدام عام للعقل (كما يقول كانط)، وتستلزم أخذ نظرية جون ستيوارت ميل حول الحرية على محمل الجد، حيث في غيابها، يذبح نظام الرقابة الحقيقة، وتتحول الحقائق الحية (living truths) إلى دوغمائيات ميتة (dead dogmas)، ولا يُختبر صدق معتقداتنا وكذبها، كما لا تنكشف المعتقدات المعقولة في وجهات النظر المختلفة (أي التعددية المعقولة). إن وجود مجال عام حر هو من الشروط المسبقة الأساسية لدعاوى نظرية القبض والبسط النظري للشريعة، كما تقتضي هذه النظرية نوعًا من نظام التعليم والتربية (في المجال الديني والعام) يؤدي إلى الاستقلال الفكري إلى جانب أخلاق الاعتقاد (أي المسؤولية الأخلاقية لقبول المعتقدات وفحصها العقلاني والتجريبي). الأمور المذكورة هي من العناصر الأساسية للقراءة الدنيا للتنوير. وبإجراء بعض الإصلاحات والإضافات، يمكن اعتبار النظرية المذكورة أهم أثر للتنوير الأدنى في مجتمعنا.
إن القراءة الدنيا للتنوير، بوصفها أحد أهم الشروط المسبقة للعقلانية والسلامة الفكرية، تُقوِّم التعددية الدينية والسياسية وتُعد أساساً لمجتمع منظم وديمقراطي. وبالاستفادة من هذه القراءة، يصبح الوصول إلى إجابات معقولة لكثير من التحديات بين التقليد والحداثة (لا سيما تحدي الدين والديمقراطية وحقوق الإنسان) أمراً ممكناً. إن حرية التفكير، ونفي الاتّباع الأعمى، وقبول مسؤولية معتقداتنا، والحوار النقدي في المجال العام، التي تُعد من المكونات الأساسية للتنوير الأدنى، لا تتعارض من حيث المبدأ مع التقليد العقلاني الديني، بل هي من ضرورات إصلاح التقليد الديني وديناميته. يسعى التنوير الديني الأقصى إلى جعل الدين أدنى، أما التنوير الديني الأدنى فيريد التنوير نفسه أدنى ومرناً وتعددياً، ليفسح مجالاً للدين الوحياني (التاريخي).
.
.
۱ في شرح وتوضيح القراءتين القصوى والدنيا للتنوير في أعمال كانط، استفدت من الكتب التالية:
Fleischacker, Samuel. What is enlightenment?. Routledge, 2013.
Deligiorgi, Katerina. Kant and the Culture of Enlightenment. SUNY Press, 2005.
في هذا الشأن، انظر: Israel, Jonathan. A revolution of the mind: Radical enlightenment and the intellectual origins of modern democracy. Princeton University Press, 2009..
۲ انظر: Muthu, Sankar. Enlightenment against empire. Princeton University Press, 2009.
۳ Kant, Immanuel.
الفلسفة
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.